الإصلاح من داخل المرجعية الإسلامية
كيف نغيّر دون أن نفقد البوصلة؟
ليست قضية المرأة في الإسلام معركة بين القديم والجديد، ولا بين الدين والحرية.
والإصلاح في المجتمع المسلم لا يبدأ من تقليد نموذج آخر، كما لا يبدأ من الدفاع عن كل ما ورثناه لمجرد أنه موروث.
بل يبدأ من سؤال أعمق:
ماذا يريد الإسلام للإنسان؟ وكيف نعيد واقعنا إلى ميزان الوحي والعدل؟
فهذه هي النقطة التي ينبغي أن ينطلق منها أي حديث جاد عن الإصلاح.
الإسلام هو المرجعية… والواقع هو محل الإصلاح
حين نقول إن المرجعية إسلامية، فهذا لا يعني أن كل ما يفعله المسلمون صحيح.
فالواقع البشري قابل للخطأ.
وقد تتسلل إلى المجتمع عادات لا علاقة لها بالدين، أو ممارسات تخالف مقاصده، أو أفهام بشرية تحتاج إلى مراجعة.
ولهذا يجب أن نفرق بين أمرين:
الإسلام كما جاء في الوحي،
والمجتمع المسلم كما يمارس حياته.
فإذا وجدنا ظلمًا للمرأة، فلا يصح أن نسارع إلى اتهام الإسلام.
بل نسأل أولًا:
هل هذا الظلم حكم شرعي فعلًا، أم عادة اجتماعية، أم فهم بشري خاطئ؟
وهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي.
العدل هو نقطة الانطلاق
من أعظم القيم التي قررها القرآن قيمة العدل.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾
فالعدل ليس قيمة غربية ولا شرقية.
وليس قيمة تتغير بتغير الموضة الفكرية.
إنه أصل شرعي.
ولهذا فإن كل حديث عن إصلاح وضع المرأة ينبغي أن يبدأ بالسؤال:
أين يقع الظلم؟
إذا حُرمت من حق شرعي، وجب رد حقها.
إذا ظُلمت في الزواج، وجب رفع الظلم.
إذا مُنعت من التعلم دون مبرر شرعي، فهذه مشكلة تحتاج إلى تصحيح.
إذا استُخدمت القوامة لتبرير الإهانة، فيجب تصحيح مفهوم القوامة.
فالمرجعية الإسلامية لا تعني حماية الظلم، بل تعني إخضاع الواقع لمعيار العدل الذي جاء به الشرع.
الكرامة أصل وليست منحة
قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾
والآية تتحدث عن بني آدم.
فالكرامة الإنسانية ليست جائزة تمنحها مؤسسة، ولا امتيازًا تمنحه ثقافة، ولا شيئًا تحصل عليه المرأة عندما تحقق شروطًا اجتماعية معينة.
المرأة مكرمة لأنها إنسان.
ومن هنا فإن إهانتها أو احتقارها أو ظلمها لا يمكن أن يكون جزءًا من الإصلاح الإسلامي.
وفي الوقت نفسه، لا تحتاج كرامة المرأة إلى أن تتحول إلى نسخة من الرجل حتى تثبت نفسها.
الإسلام يثبت كرامة الإنسان أولًا، ثم ينظم الأدوار والحقوق والمسؤوليات بما يراه عدلًا وحكمة.
الحرية في الإسلام ليست انفلاتًا
من الأخطاء أن نضع الحرية في مواجهة الدين وكأن الإسلام لا يعرف إلا المنع.
فالإنسان في التصور الإسلامي صاحب إرادة واختيار، لكنه ليس منفصلًا عن المسؤولية.
قال تعالى:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾
وقال سبحانه:
﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
لكن الحرية في الإسلام لا تعني أن كل ما يريده الإنسان يصبح حقًا له دون قيد.
فالإنسان مسؤول عن اختياراته، وهناك حدود شرعية وأخلاقية تنظم حياته.
ولهذا فإن السؤال الإسلامي ليس:
كيف نزيل جميع القيود؟
بل:
كيف نحفظ للإنسان اختياره وكرامته، مع بقائه مسؤولًا أمام الله عن اختياراته؟
التعليم جزء من الإصلاح
إذا أردنا إصلاح وضع المرأة، فلا يمكن أن يكون الجهل جزءًا من المشروع.
قال تعالى:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
والتراث الإسلامي عرف نساءً شاركن في العلم والتعليم والرواية والفقه.
لذلك فإن حرمان المرأة من العلم لمجرد كونها امرأة لا ينبغي أن يُقدَّم باعتباره حكمًا إسلاميًا دون دليل.
لكن التعليم في الرؤية الإسلامية ليس مجرد وسيلة للحصول على وظيفة.
بل هو جزء من بناء الإنسان:
عقلًا، وأخلاقًا، ومسؤوليةً، ووعيًا.
ولهذا نحتاج إلى تعليم المرأة، كما نحتاج إلى تعليم الرجل، لكن تعليمًا لا يفصل المعرفة عن القيم.
الأسرة ليست خصمًا للمرأة
المرجعية الإسلامية لا تنظر إلى الأسرة باعتبارها عقبة أمام حرية المرأة.
قال تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
فالأسرة في القرآن تقوم على السكن والمودة والرحمة.
ولهذا فإن تحويل البيت إلى ساحة استبداد يناقض هذه المعاني.
وفي المقابل، تحويل الأسرة نفسها إلى شيء يجب التخلص منه حتى تتحرر المرأة يناقض أيضًا طبيعة الإنسان وحاجته إلى العلاقات المستقرة.
الإصلاح الإسلامي لا يهدم الأسرة.
بل يصلح الأسرة من الداخل.
والقوامة مسؤولية وليست استبدادًا
قال تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾
لكن فهم الآية لا ينبغي أن ينفصل عن بقية التصور القرآني للأسرة والمسؤولية والمعاشرة بالمعروف.
فالقوامة ليست تصريحًا بالإهانة.
وليست حقًا في الظلم.
وليست إلغاءً لشخصية المرأة.
بل هي مرتبطة بالقيام على الأسرة وتحمل المسؤولية.
ومن هنا فإن الرجل الذي يظلم زوجته لا يطبق القوامة، بل يسيء استخدام مفهومها.
كل سلطة في الإسلام مرتبطة بمسؤولية ومحاسبة، وليست امتيازًا مطلقًا.
الحجاب جزء من المرجعية لا مجرد عادة اجتماعية
كذلك لا يصح أن تُناقش قضية الحجاب وكأنها مجرد تقليد اجتماعي.
فالحجاب له أصل في النصوص الشرعية، وله أحكامه وضوابطه.
لكن وجود حكم شرعي لا يعني أن كل ممارسة اجتماعية باسم الحجاب صحيحة.
فقد يخلط البعض بين الالتزام الشرعي وبين التضييق غير المشروع.
وقد يخلط آخرون بين نقد بعض الممارسات الخاطئة وبين رفض الحكم الديني نفسه.
والمنهج المتوازن هو أن نقول:
نلتزم بما ثبت من الشرع، ونراجع ما أضافه الناس إليه.
الاستفادة من الآخرين لا تعني تغيير المرجعية
الإسلام لا يمنع المسلم من التعلم من تجارب الأمم.
والنبي ﷺ قال:
«الحكمة ضالة المؤمن»
والمقصود أن المسلم لا يرفض النافع لمجرد أن غيره سبق إليه.
يمكن أن نستفيد من تجارب الشعوب في:
التعليم،
والإدارة،
والطب،
والتقنية،
وتطوير المؤسسات،
وحماية الحقوق.
لكن الاستفادة من الخبرة شيء، واستيراد التصورات العقدية والأخلاقية والاجتماعية كاملة شيء آخر.
نستفيد من التجربة البشرية، لكن نحاكمها إلى مرجعيتنا الإسلامية.
لا نرفض الجديد لمجرد أنه جديد
المرجعية الإسلامية ليست دعوة إلى الجمود.
فالعادات ليست كلها أحكامًا شرعية.
والوسائل تتغير.
والاجتهاد في القضايا المتجددة يحتاج إلى علم وفقه.
ولهذا لا يصح أن نقول:
كان آباؤنا يفعلون هذا، إذن لا يجوز تغييره.
كما لا يصح أن نقول:
المجتمعات الحديثة تفعل هذا، إذن يجب أن نفعله.
بل السؤال:
هل هذا موافق للشرع؟ وهل يحقق العدل والمصلحة؟
الإصلاح لا يعني هدم المجتمع
الإصلاح في التصور الإسلامي ليس مشروعًا لتغيير كل شيء.
فالإسلام نفسه جاء بالإصلاح لا بالفوضى.
نأخذ من واقعنا ما وافق الحق.
ونصحح ما خالفه.
ونستفيد من تجارب الآخرين فيما ينفع.
ونرفض ما يتعارض مع عقيدتنا وقيمنا وأحكامنا.
وهكذا يصبح الإصلاح تجديدًا من داخل المرجعية، لا ذوبانًا فيها ولا قطيعة معها.
فالمرأة ليست مشروعًا لتغيير هوية المجتمع
من الخطأ أن تتحول المرأة إلى رمز لمعركة حضارية.
ليست وظيفتها أن تثبت أن مجتمعنا «متقدم».
وليست وظيفتها أن تثبت أن مجتمعًا آخر «متخلف».
ولا ينبغي أن تكون المرأة مقياسًا وحيدًا لنجاح أي مشروع فكري.
هي إنسان مسلم له:
كرامة، وحقوق، وواجبات، وعقل، وإرادة، ومسؤولية.
والمرجعية الإسلامية لا تلغي هذه الإنسانية، بل تجعلها جزءًا من التكليف والكرامة.
الخلاصة
الإصلاح الذي نحتاجه ليس إصلاحًا يبدأ من سؤال:
كيف نجعل مجتمعنا يشبه غيره؟
ولا من سؤال:
كيف نحافظ على كل ما ورثناه مهما كان؟
بل من سؤال أعمق:
كيف نعيد حياتنا إلى ميزان الإسلام، ونصحح ما خالف العدل، ونستفيد من تجارب البشر دون أن نفقد مرجعيتنا؟
فإذا ظلمت العادات المرأة، صححنا العادات.
وإذا أسيء فهم الدين، صححنا الفهم.
وإذا حُرمت من حق شرعي، ردَدنا حقها.
وإذا وجدنا في تجارب الآخرين ما ينفعنا، استفدنا منه.
وإذا وجدنا ما يتعارض مع أصول ديننا، لم نجعله معيارًا لمجرد أنه شائع.
هذه هي المعادلة التي تحفظ التوازن:
وحيٌ نهتدي به،
وعقلٌ نفهم به،
وواقعٌ نصلحه،
وتجاربُ بشريةٌ نستفيد منها،
وعدلٌ يكون معيارنا.
فالإصلاح الحقيقي لا يعني أن نهرب من الإسلام إلى نموذج آخر، ولا أن نهرب من مشكلات الواقع باسم الحفاظ على الهوية.
بل أن نعود إلى الإسلام بوعي، ونقرأ واقعنا بإنصاف، ونصلح ما أفسده الناس، ونبني مستقبلنا دون أن نفقد البوصلة.
فليست القضية أن تصبح المرأة نسخة من غيرها، وإنما أن تستعيد مكانتها التي يقررها لها الحق والعدل والشرع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق