الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

قاعدة التي ينبغي أن تجمع الجميع: ليس التنزيه تعطيلًا، وليس الإثبات تشبيهًا، وليس التأويل بالضرورة إنكارًا للصفة.

 


🟦 التأويل ليس تعطيلًا!

كيف نفهم نصوص الصفات دون تشبيه ولا تجسيم؟

من أكثر المسائل التي يكثر حولها الجدل في باب العقيدة قول بعض المنتسبين إلى الاتجاه السلفي:

«التأويل تعطيل لصفات الله تعالى.»

لكن هذه العبارة — على إطلاقها — تحتاج إلى تحريرٍ علمي؛ لأن التعطيل غير التنزيه، والتأويل غير النفي، والإثبات لا يعني التشبيه.

والخلاف في هذه المسألة قديم بين علماء المسلمين، ولا يصح اختزاله في عبارات مختصرة من قبيل:

«من أوّل فقد عطّل.»

فما معنى التعطيل؟ وما معنى التأويل؟ وهل يلزم من تنزيه الله عن الجسمية والجهة والحدود أن يكون الإنسان معطّلًا لصفات الله؟


🔹 أولًا: ما المقصود بالتعطيل؟

التعطيل في اصطلاح علماء العقيدة هو نفي ما ثبت لله تعالى من صفات الكمال، كالعلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة والكلام ونحو ذلك.

وهذا غير التنزيه.

فالله تعالى يقول:

﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾

ويقول:

﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

ويقول في الآية الجامعة:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾

فالآية جمعت بين أمرين:

نفي المماثلة، وإثبات الصفات.

وهذا أصل مهم في فهم المسألة.


🔹 ثانيًا: الاشتراك في اللفظ لا يعني الاشتراك في الحقيقة

الله تعالى موصوف بالعلم، والإنسان يوصف بالعلم.

والله تعالى موصوف بالقدرة، والإنسان يوصف بالقدرة.

والله تعالى موصوف بالسمع والبصر، والإنسان يوصف بالسمع والبصر.

لكن لا يعني ذلك أن صفات الخالق كصفات المخلوق.

فالعلم علمان من حيث اللفظ، لكن لا يلزم أن تكون الحقيقة واحدة.

والقدرة قدرة، لكن قدرة الخالق ليست كقدرة المخلوق.

ولهذا جاء النص القرآني جامعًا بين التنزيه والإثبات:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾

فلا تشبيه، ولا نفي لصفات الكمال.


🔹 ثالثًا: أين يبدأ الإشكال في الصفات الخبرية؟

يظهر الخلاف بصورة أوضح عند النصوص التي ورد فيها ذكر:

اليد، والوجه، والاستواء، والنزول، والأصبع، والقبضة، ونحو ذلك.

فهنا يطرح السؤال:

هل تُحمل هذه الألفاظ على معانٍ جسمية حسية كالتي نعرفها في المخلوقات؟

الجواب عند أهل التنزيه: لا.

لأن الله سبحانه ليس جسمًا من الأجسام، ولا تحيط به خصائص المخلوقات.

ولهذا قرر الإمام الطحاوي في عقيدته:

«تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات.»

فالمقصود من التنزيه ليس نفي صفات الله تعالى، وإنما نفي خصائص المخلوقين عنه سبحانه.


🔹 رابعًا: وهنا يأتي السؤال المهم…

ماذا نفعل بالنصوص التي إذا حُمِلت على ظاهرها الحسي أوهمت الجسمية؟

تأملوا قول الله تعالى:

﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾

ويقول سبحانه:

﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾

وقد جاء في صحيح البخاري حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وفيه أن يهوديًا ذكر أن الله يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول:

«أنا الملك»

فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قرأ:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾

والحديث ثابت في صحيح البخاري.

كما أن القرآن يقرر أن السماوات تُطوى يوم القيامة، وهو المعنى الذي ربطه المفسرون بآية الزمر:

﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.


🔹 خامسًا: أين يقع الإشكال إذا أُخذت الألفاظ على المعنى الجسمي الحسي؟

هنا تظهر أهمية التفريق بين:

إثبات النص

و

إثبات المعنى الحسي الذي يتصوره الإنسان من النص.

فإذا قيل مثلًا:

إن لله يدًا كأيدي المخلوقين، أو أصابع كأصابع المخلوقين، أو أن السماء تحيط به كما يحيط المكان بالأجسام،

فهذا تشبيه وتجسيم، ولا يقول به من ينزّه الله تعالى.

أما إذا قيل:

نثبت ما ورد في النص، وننفي عنه مشابهة المخلوقين، ولا نعرف كيفية ذلك،

فهذه طريقة أخرى في التعامل مع النص.

ومن هنا نشأ الخلاف بين المدارس الكلامية وأهل الحديث في كيفية فهم هذه النصوص ودلالاتها.


🔹 سادسًا: هل التأويل يعني إنكار الصفة؟

ليس بالضرورة.

فالتأويل عند من يقول به لا يعني:

«إنكار كلام الله أو إنكار صفاته.»

وإنما يعني — في هذا السياق — صرف اللفظ عن الظاهر الحسي المتبادر إلى معنى عربي صحيح يليق بالله تعالى، عند وجود قرينة تدعو إلى ذلك.

فمثلًا:

اليد قد تُفسَّر في بعض السياقات بالقدرة أو النعمة أو الملك، بحسب السياق والدليل.

والاستواء قد يفسَّر عند بعض العلماء بمعنى يليق بالله تعالى كالقهر والاستيلاء، بينما يختار آخرون إثبات الاستواء مع تفويض الكيفية والمعنى التفصيلي.

وهنا يجب أن نكون دقيقين:

هذه من مسائل الخلاف في فهم النصوص، وليست ببساطة معركة بين «مثبتين للصفات» و«منكرين لها».


🔹 سابعًا: وماذا عن قولنا: «الله في السماء»؟

هذه العبارة نفسها تحتاج إلى تحرير.

فإذا كان المقصود بـ «في السماء» أن الله سبحانه محاط بسماء أو حالٌّ داخل جسم أو مكان يحيط به، فهذا معنى لا يليق بالله تعالى.

أما إذا كان المقصود معنى العلو الذي يثبته من يثبت علو الله تعالى، فهذا بحث آخر في دلالة النصوص، ولا ينبغي أن يُختزل في معنى المكان الحسي.

ولهذا فإن السؤال:

«كيف يكون الله في السماء والسماء مطوية بيمينه؟»

يمكن أن يتحول إلى سؤال أقوى وأدق:

إذا كان حمل ألفاظ العلو واليد والقبضة والأصبع على معانيها الجسمية الحسية يقتضي لوازم جسمية لا تليق بالله تعالى، فهل يجوز أن يُقال إن صرف اللفظ عن ذلك المعنى الحسي هو بالضرورة تعطيل؟

وهنا يظهر بوضوح أن المسألة تحتاج إلى تحرير دلالات الألفاظ، لا إلى مجرد تبادل الاتهامات.


🔹 ثامنًا: هل يوجد تناقض في النصوص؟

لا يصح أن نقول ببساطة:

«النصوص متناقضة.»

فالنصوص الشرعية عند أهل الإسلام لا يُحكم عليها بالتناقض.

وإنما الإشكال قد ينشأ من فهم بشري معين للنص.

فإذا فُهمت «اليد» على أنها جارحة كجوارح الإنسان، وفُهمت «القبضة» على أنها قبضة جسم محدود، وفُهم «في السماء» على أنه حلول في مكان محيط به، فهنا تنشأ إشكالات جسمية.

أما إذا قيل:

النص ثابت، والله تعالى منزّه عن مشابهة خلقه، ولا نثبت له كيفية جسمية،

فلا يكون الأمر مجرد تناقض بين النصوص، بل يصبح البحث في كيفية فهم دلالتها.

وهنا بالضبط يظهر دور التأويل والتفويض عند من اختارهما من علماء أهل السنة.


🔹 تاسعًا: القرآن نفسه يعلمنا أن التنزيه والإثبات لا يتعارضان

تأملوا هذه الآية العظيمة:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾

فالآية بدأت بنفي المماثلة:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾

ثم أثبتت:

﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾

وهذا يعلمنا أن:

التنزيه لا يعني نفي الصفات،

وأن:

إثبات الصفات لا يعني إثبات صفات المخلوقين.

ومن هنا يمكن صياغة القاعدة:

تنزيهٌ بلا تعطيل، وإثباتٌ بلا تشبيه.


🟨 الخلاصة

ليس من الدقة أن نقول:

«كل من أوّل فقد عطّل.»

كما ليس من الدقة أن نقول:

«كل من أثبت الصفات فقد شبّه.»

فهذان إطلاقان غير منضبطين.

الأدق أن نقول:

هناك اتفاق على تنزيه الله تعالى عن مماثلة خلقه، وخلاف بين المدارس في كيفية فهم بعض نصوص الصفات الخبرية ودلالاتها.

فمن العلماء من اختار:

الإثبات مع نفي الكيفية والتشبيه.

ومنهم من اختار:

التفويض.

ومنهم من اختار:

التأويل عند قيام القرينة.

ولا يصح اختزال هذا التراث العلمي كله في كلمة واحدة:

«تعطيل».

فالذي ينفي عن الله تعالى الجسم والعضو والجارحة والحدود والخصائص الجسمية لا يكون بذلك قد نفى عنه صفات الكمال.

والذي يؤول بعض الألفاظ دفعًا لتوهم التجسيم لا يكون بمجرد ذلك منكرًا لجميع صفات الله.

وفي المقابل، فإن من يثبت الصفات مع نفي التشبيه لا يصح أن يُتهم بمجرد ذلك بأنه يثبت لله صفات المخلوقين.

المسألة تحتاج إلى علمٍ بالنصوص، وفهمٍ للغة، ومعرفةٍ بمناهج العلماء، بعيدًا عن الألقاب والتصنيفات الجاهزة.

فالقاعدة التي ينبغي أن تجمع الجميع:

ليس التنزيه تعطيلًا، وليس الإثبات تشبيهًا، وليس التأويل بالضرورة إنكارًا للصفة.

والله تعالى أعلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق