لماذا الاستقامة؟
لأنها طريق الفطرة والعقل ورضوان الله وحسن الخاتمة
ليست الاستقامة مجرد التزامٍ ببعض الأوامر، ولا انقطاعًا عن الحياة، ولا طريقًا يسلكه الإنسان في أوقات محددة ثم يعود إلى هواه؛ بل هي منهج حياة، أن يعيش الإنسان على الطريق الذي يرضاه الله، ثابتًا على الحق، مستقيمًا في اعتقاده وعبادته وأخلاقه ومعاملاته.
والاستقامة ليست ثقلاً على الإنسان كما قد يتصور البعض، بل هي عودة إلى الفطرة، وطمأنينة للعقل، وانسجام مع سنن الله، وتحقيق للغاية التي من أجلها خُلق الإنسان.
فلماذا الاستقامة؟
أولًا: لأن الاستقامة موافقة للفطرة السليمة
قال تعالى:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
(الروم: 30)
الفطرة هي الخِلقة التي فطر الله الناس عليها، وجعل في نفوسهم استعدادًا لمعرفة الخير ومحبته، وكراهية الشر والنفور منه، والتوجه إلى خالقهم سبحانه.
وقال النبي ﷺ:
«كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه».
وفي الحديث القدسي:
«وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم».
ولهذا فإن دعوتك إلى الاستقامة ليست دعوة إلى شيء غريب عن طبيعتك، وإنما هي دعوة إلى العودة إلى الأصل الذي فطرك الله عليه.
قد تتراكم على القلب الذنوب، وقد يبتعد الإنسان عن الطريق، وقد يطول به السير في الاتجاه الخاطئ، لكن باب العودة لا يُغلق.
فمتى صدقت في الرجوع إلى الله، وجدت في فطرتك معينًا يعينك، وفي قلبك حنينًا إلى الحق، وفي التوبة بداية جديدة.
فلا تقل: لقد ابتعدت كثيرًا...
بل قل:
سأعود.
فالاستقامة ليست امتيازًا لمن لم يخطئ، وإنما هي طريق من قرر ألا يبقى أسيرًا لخطئه.
ثانيًا: لأن الاستقامة موافقة للعقل السليم
لو خُيّر الإنسان بين طريقين؛ أحدهما واضح مستقيم ميسّر، والآخر متشعب وعر مضطرب، لاختار العاقل الطريق الواضح.
فكيف إذا كان أحد الطريقين يقود إلى رضا الله والجنة، والآخر يقود إلى الضلال وسوء العاقبة؟
قال تعالى:
﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾
(الأنعام: 153)
وقال سبحانه:
﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
(الملك: 22)
إن الإنسان حين يبتعد عن الحق يعيش في حالة من الاضطراب والتناقض؛ يريد شيئًا ويعلم أن الصواب في غيره، ويتبع هواه ثم يبحث عن الطمأنينة، ويطلب السعادة في طريق قد يكون سببًا في شقائه.
أما الاستقامة فتمنح الإنسان وضوح الوجهة.
يعرف من أين جاء، وإلى أين يسير، ولماذا يعيش، وما الذي ينبغي أن يفعله.
وهنا يأتي المعنى العميق لقوله تعالى:
﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾
فأي الطريقين أهدى؟
طريق التائه الذي تتناقض عنده المعايير، أم طريق من عرف الحق وسار إليه؟
فأعمل عقلك، وانظر إلى الطريق الذي تسير فيه.
ثالثًا: لأن الاستقامة انسجام مع سنن الله في الكون
انظر حولك...
هذا الكون الهائل ليس فوضى، وإنما يقوم على نظام وسنن وتقدير.
الشمس تجري بأمر الله، والقمر يسير بقدر، والليل والنهار يتعاقبان، والسماء والأرض وما فيهما خاضع لأمر خالقه.
قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾
(الحج: 18)
وقال سبحانه:
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾
(الإسراء: 44)
إن الكون كله قائم على العبودية لله، وكل مخلوق يؤدي ما خلقه الله له.
ومن هنا فإن استقامة الإنسان على أمر الله تجعله يعيش وفق الغاية التي خلقه الله من أجلها، بدل أن يعيش في صراع دائم مع الحق والضمير والفطرة.
فلا تجعل حياتك تسير في اتجاه، وأنت تسير في الاتجاه المعاكس لمراد الله منك.
استقم مع خالقك، واستقم مع فطرتك، واستقم مع الغاية التي خُلقت لها.
رابعًا: لأن الاستقامة تحقق الغاية من خلق الإنسان
السؤال الذي ينبغي أن يكرره الإنسان على نفسه:
لماذا خُلقت؟
قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
(الذاريات: 56)
إن الإنسان قد ينشغل بالدراسة والعمل والمال والأسرة والمكانة والنجاح، حتى تصبح هذه الأشياء غايته الكبرى، وينسى السؤال الأهم:
إلى أين أنا ذاهب؟ ولماذا أعيش؟
المشكلة ليست في أن تعمل للدنيا، ولا أن تطلب الرزق، ولا أن تبني مستقبلك؛ وإنما المشكلة أن تتحول الدنيا من وسيلة إلى غاية، ومن ميدان للعبادة إلى غاية تستعبد الإنسان.
ولهذا فإن الاستقامة تعيد ترتيب الحياة.
تعمل، لكن لله.
وتطلب الرزق، لكن بالحلال.
وتبني أسرتك، لكن على الطاعة.
وتنجح، لكن دون أن تخسر آخرتك.
وتعيش في الدنيا، لكنك لا تنسى أنك عابر فيها إلى دار أخرى.
كلما تذكرت لماذا خلقك الله، بدأت تعرف كيف ينبغي أن تعيش.
خامسًا: لأن الاستقامة طريق ولاية الله ومحبته
قال تعالى:
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾
(يونس: 62–64)
فولاية الله ليست دعوى، ولا لقبًا، ولا مظهرًا، وإنما حقيقتها الإيمان والتقوى.
وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى:
«وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه...»
(رواه البخاري).
تأمل هذا المعنى العظيم:
يبدأ الطريق بالفرائض، ثم يزداد العبد قربًا من ربه بالنوافل، حتى ينال محبة الله.
وهذه هي الكرامة الحقيقية.
ليست الكرامة في الشهرة، ولا في كثرة الأتباع، ولا في المظاهر، وإنما في أن تكون عبدًا يحبه الله.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
«أعظم الكرامة لزوم الاستقامة».
فأعظم ما يملكه العبد أن يثبت على طريق الله.
سادسًا: لأن الاستقامة سبب لنزول السكينة وبشارة الملائكة
قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾
(فصلت: 30–31)
تأمل التعبير القرآني:
﴿رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾
فليست القضية أن يقول الإنسان: ربي الله بلسانه فقط، وإنما أن يترجم هذا الإيمان إلى حياة مستقيمة.
ثم تأتي البشرى:
﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾
طمأنينة في الدنيا، وبشارة في الآخرة.
وتأمل كذلك ما أخبر الله به عن الملائكة:
﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾
(غافر: 7)
وما يكون عند الموت من البشارة:
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
(النحل: 32)
يا لها من نهاية!
أن يلقى الإنسان ربه وقد ثبت على طريقه، وتأتيه الملائكة بالبشارة بعد رحلة طويلة من المجاهدة والاستقامة.
سابعًا: لأن الاستقامة تلحقك بركب الأنبياء والصديقين والصالحين
قال تعالى:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾
(النساء: 69)
يا لها من صحبة!
الأنبياء...
والصديقون...
والشهداء...
والصالحون...
ومن أعظم ما يطلبه أهل الإيمان أن يلحقوا بهذا الركب المبارك.
قال سليمان عليه السلام:
﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾
(النمل: 19)
وقال يوسف عليه السلام:
﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾
(يوسف: 101)
وقال إبراهيم عليه السلام:
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾
(الشعراء: 83)
فليست الاستقامة مجرد ترك للمعصية؛ إنها التحاق بقافلة الصالحين.
قافلة يقودها الإيمان، ويسير فيها الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون.
فاختر صحبتك...
واختر طريقك...
واختر إلى أي ركب تريد أن تكون.
ثامنًا: لأن الاستقامة طريق حسن الخاتمة
لا أحد يعرف متى تنتهي رحلته في هذه الدنيا.
ولهذا كان من أعظم ما ينبغي أن يطلبه المؤمن:
أن يختم الله له بخير.
وحسن الخاتمة ليس أن يعيش الإنسان بلا أخطاء، فهذا ليس للبشر، وإنما أن يبقى قلبه متوجهًا إلى الله، وأن تكون توبته وإنابته مستمرة، فإذا جاءه الأجل كان على طريق الرجوع إلى ربه.
ومن أعظم القصص التي تجسد معنى الرجوع إلى الله قصة الرجل الذي قتل مائة نفس، ثم فتح الله له باب التوبة.
فقد جاء إلى عالم فسأله عن التوبة، فأخبره أن بابها مفتوح، ودله على أرض يعبد فيها قوم صالحون، وأمره أن يترك البيئة التي كانت سببًا في فساده، وأن يلحق بأهل الطاعة.
فخرج الرجل مهاجرًا إلى الله.
لكنه مات قبل أن يصل إلى مقصده، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وقضى الله له بالرحمة؛ لأنه خرج تائبًا مقبلًا على الله.
تأمل!
لقد لم يصل إلى الأرض التي قصدها...
ولم يكمل الطريق الذي بدأه...
لكنه مات وهو يسير في طريق التوبة.
وهنا درس عظيم:
ليس المطلوب منك أن تكون معصومًا من الخطأ، وإنما المطلوب ألا تستسلم للخطأ.
قد تسقط...
فتب.
وقد تضعف...
فاستعن بالله.
وقد تبتعد...
فارجع.
وقد تتعثر...
فواصل السير.
فالله لا يريد منك الكمال البشري، وإنما يريد منك صدق التوجه والاستقامة والمجاهدة.
فلماذا الاستقامة؟
لأنها عودة إلى الفطرة.
ولأنها موافقة للعقل السليم.
ولأنها انسجام مع عبودية الكون لخالقه.
ولأنها تحقيق للغاية التي من أجلها خُلقت.
ولأنها طريق الإيمان والتقوى.
ولأنها سبب لمحبة الله وولايته.
ولأنها طريق صحبة الأنبياء والصديقين والصالحين.
ولأنها طريق السكينة والبشارة.
ولأنها من أعظم أسباب حسن الخاتمة.
فلا تؤجل العودة إلى الله.
لا تقل: سأستقيم عندما تنتهي مشاغلي.
ولا تقل: عندما أكبر.
ولا تقل: عندما أتخلص من كل أخطائي.
ابدأ الآن.
ابدأ بخطوة.
ثم أخرى.
واترك ما استطعت من المعاصي.
وحافظ على الفرائض.
وأكثر من التوبة.
وصاحب الصالحين.
واستعن بالله في كل طريق.
وإذا تعثرت فلا تيأس؛ بل قم من جديد.
فطريق الاستقامة ليس طريق الذين لم يسقطوا قط، وإنما طريق الذين كلما سقطوا عادوا إلى الله.
قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
(الأحقاف: 13–14)
فيا أخي الحبيب...
إن كان الطريق قد طال بك، فارجع.
وإن كنت قد ابتعدت، فاقترب.
وإن أثقلتك الذنوب، فتب.
وإن ضعفت، فاستعن بالله.
ولا تنتظر أن تصبح صالحًا حتى تبدأ الاستقامة...
ابدأ الاستقامة، وستكون في طريق الصلاح بإذن الله.
واجعل شعارك:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾
فإن أعظم الكرامة...
لُزوم الاستقامة.
اللهم ارزقنا الاستقامة على أمرك، والثبات على طاعتك، وحسن التوبة والإنابة، وحسن الخاتمة، واجعلنا من عبادك الصالحين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق