السبت، 19 سبتمبر 2026

الألوهية والربوبية عند سيّد قطب وابن تيمية ؟!

 

الألوهية والربوبية عند سيّد قطب

 

[  كلمة الألوهية عند سيّد واسعة وشاملة ، لها خصائص ولها مظاهر ولها مجالات . وهي الأساس . ويندرج ضمنها : الربوبية والحاكمية والقوامة والسلطة والتشريع وغير ذلك .

 

 

 

 

 

(( بعدئذٍ يلقن رسول الله - r - وكل مؤمن ، أن يتجه إلى الله ، مقرراً حقيقة الألوهية الواحدة ، وحقيقة القوامة الواحدة في حياة البشر ، وفي تدبير الكون ، فهذه وتلك كلتاهما مظهر للألوهية وللحاكمية التي لا شريك فيها ولا شبيه . . )) ([1]) .

 

 

 

 

 

 

 

 

للألوهية إذن مظهران : مظهر في حياة البشر . ومظهر في تدبير الكون .

 

 

 

 

 

 

 

(( ترد القلب إلـى الحقيقة الكبـرى . حقيقة الألوهيـة الواحدة . حقيقة القوامة الواحدة . وحقيقة الفاعلية الواحدة . وحقيقة التدبير الواحد . وحقيقة المالكية الواحدة ، وحقيقة العطاء الواحد ، ثم حقيقة أن الدينونة لا تكون إلا لله القيوم ، مالك الملك ، المعز المذل ، المحيي المميت ، المانح المانع ، المدبر لأمر الكون والناس بالقسط والخير على كل حال . . )) ([2]) .

 

 

 

 

 

 

وما سماه البعض (( ربوبية )) وجعلها تشمله ، هو في النص السابق ضمن الألوهية .

 

 

 

 

ومن خصائص الألوهية عند سيد التشريع للعباد : (( فأخص خصائص الألوهية التشريع للعباد . . )) ([3]) ] .

 

 

 

 

 

 

 

أي : بما أن الله تعالى هو وحده خالق الأكوان ، وخالق الناس ، وهو الرزاق ، وهو النافع والضار ، وهو مالك الملك ، وهو الواحد الأحد ، لا شريك له ، فهو – إذن – وحده المستحق أن يعبده الناس ، وهو وحده صاحب الحق أن يشرّع لعباده ، وأن يأمرهم وينهاهم ، لا غيره من العبيد ، والكهنة ، والرهبان ، والأحبار ، والطواغيت ، والحكام !  

 

 

 

 

 

 

 

 

[ وأشرك المشركون بالله في هذا الجانب ، بل قام شركهم على هذا الأساس : 

 

 

 

 

(( والمشركون يشركون مع الله آلهة أخرى – في صور شتى – ويقوم الشرك ابتداء على إعطاء غير الله – سبحانه – شيئاً ما من خصائص الألوهية ومظاهرها . وفي مقدمة هذه الحقائق : حق التشريع للعباد في شؤون حياتهم كلها . .  ([4]) .

 

 

 

 

 

وليس هذا هو المظهر الوحيد للشرك فإن (( الشرك ألوان . والشركاء ألوان . والمشركين ألوان . . )) وأبرز ألوان الشرك ثلاثة : الشرك في الاعتقاد والشرك في الشعائر والشرك في الشرائع :

 

 

 

 

(( إن الشرك في صميمه هو الاعتراف لغير الله – سبحانه – بإحدى خصائص الألوهية . . سواء كانت هي الاعتقاد بتسيير إرادته للأحداث ومقادير الكائنات . . أو كانت هي التقدم لغير الله بالشعائر التعبدية والنذور وما إليها . أو كانت هي تلقي الشرائع من غير الله لتنظيم أوضاع الحياة . . )) ([5]) .

 

 

 

 

 

 

وقف سيد وقفة أمام ادعاء فرعون الألوهية ، والمظهر الذي ادعاه فرعون من مظاهر الألوهية :

(( إن فرعون لم يكن يدعي الألوهية بمعنى أنه خالق هذا الكون ومدبره ، وأن له سلطاناً في عالم الأسباب الكونية .

إنما كان يدعي الألوهية على شعبه المستذل ! بمعنى أنه هو حاكم هذا الشعب بشريعته وقانونه ، وأنه بإرادته وأمره تمضي الشؤون وتقضى بإرادته وأمره – وهذه هي الربوبية بمعناها اللغوي والواقعي –

 

 

 

 

كذلك لم يكن الناس في مصر يعبدون فرعون بمعنى تقديم الشعائر التعبدية له – فقد كانت لهم آلهتهم وكان لفرعون آلهته التي يعبدها كذلك ، كما هو ظاهر من قول الملأ له : (( ويذرك وآلهتك )) ([6])  وكما يثبت المعروف من تاريخ مصر الفرعونية .

 

 

 

إنما هم كانوا يعبدونه بمعنى أنهم خاضعون لما يريده بهم ، لا يعصون له أمراً ، ولا ينقضون له شرعاً )) ([7]) .

 

 

 

 

 

 

 

ويتابع تحليله لموقف فرعون ، ويوفق بين كونه قد ادعى الربوبية والحاكمية على شعبه ، وبين حكاية القرآن قوله : (( ما علمت لكم من إله غيري )) ([8]) حيث إنه نص على أنه ادعى الألوهية . فيقول :

 

 

 

 

(( أما قول فرعون لقومه (( وما علمت لكم من إله غيري )) فيفسره قوله الذي حكاه القرآن عنه (( أليس لي ملك مصر ، وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون ؟ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين ؟ فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين ؟ )) ([9]) . . .

وظاهر أنه كان يوازن بين ما هو فيه من ملك ومن أسورة الذهب التي يحلى بها الملوك ، وبين ما فيه موسى من تجرد من السلطان والزينة !

 

 

 

وما قصد بقوله : (( ما علمت لكم من إله غيري )) إلا أنه هو الحاكم المسيطر الذي يسيرهم كما يشاء ، والذي يتبعون كلمته بلا معارض !

 

 

 

 

والحاكمية على هذا النحو ألوهية كما يفيد المدلول اللغوي ، وهي في الواقع ألوهية . فالإله هو الذي يشرع للناس وينفذ حكمه فيهم )) ([10]) .

 

 

 

 

وواضح من كلام سيد هنا أن فرعون ادعى الربوبية والحاكمية والقوامة والسلطان على قومه ، ونتيجة لذلك فقد ادعى الألوهية لأن هذه الأمور كلها من مظاهر الألوهية ، وفرعون لم يدَّع سيطرته ولا سلطانه على الكون ونواميسه وسننه ، ولم يدَّع خلقه لهذا الكون وما فيه . فألوهيته وربوبيته حاكميته على قومه فقط ! ! .

 

 

 

 

 

الألوهية تعني – في جملة ما تعني – الاعتراف (( بأن الله – سبحانه – هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر المتصرف القادر على كل شيء )) ([11]) .

 

 

 

 

 

كما أنها تعني الحاكمية والتشريع والقوامة والسلطان . أي الربوبية على الناس ، كما سبق أن أوردنا كلاماً لسيد في ذلك .

 

 

 

 

فالربوبية مظهر من مظاهر الألوهية وتابعة لها . لأنها خاصة – عند سيد – في التشريع للبشر وتربيتهم وحكمهم وإخضاعهم ودينونتهم لها .

 

 

 

 

إن الألوهية – عند سيد – أعم من الربوبية ، والربوبية مظهر من مظاهر الألوهية . الألوهية لها مجالان :

 

 

 

 

 

 

المجال الأول هو : الخلق والرزق والإحياء والإماتة والتقدير والتدبير وتسيير أمور الكون والتحكم بنواميسه وسننه وهذه الألوهية .

 

 

 

 

 

والمجال الثاني : هو الحاكمية والقوامة والسلطان والتشريع في حياة الناس ، وتوجيه حياتهم ، وإخضاعهم ودينونتهم وتعبدهم لله . فهذه هي الربوبية .

 

 

 

 

 

فـي هذا يقول سيد : (( إن الأمر في دين الله كله هو : لمن الألوهية في هذه الأرض ؟ ولمن الربوبية على هؤلاء الناس ؟ )) .

 

 

 

 

 

وعلى الإجابة على هذا السؤال في صيغتيه هاتين ، يترتب كل شيء في أمر الناس أجمعين ! لمن الألوهية ؟ ولمن الربوبية ؟ )) ([12]) .

 

 

 

 

 

نلاحظ كيف خص سيد الألوهية بإخضاع وتدبير الكون أي النواميس الكونية ، وخص الربوبية بإخضاع وتدبير حياة الناس .

 

 

 

الربوبية تعني الحاكمية . فلا حكم ولا تشريع إلا لله : (( إن ربوبية الله للعالمين تعني – أول ما تعني – إبطال شرعية كل حكم يزاول السلطان على الناس بغير شريعة الله وأمره ، وتنحية كل طاغوت عن تعبيد الناس له . . )) ([13]) .

 

 

 

والربوبية هي القضية الدائمة التي تدور عليها معركة الإسلام مع الجاهلية وهي  (( قضية الدينونة والحاكمية ، قضية الاتباع والطاعة . . )) ([14]) .

 

 

 

 

 

إن قول يوسف – عليه الصلاة والسلام – لصاحبه في السجن : ( اذكرني عند ربك ) ([15]) يوضح معنى الربوبية ويبين سيد هذا بقوله :

 

 

 

(( عند سيدك وحاكمك الذي تدين بشرعه ، وتخضع لحكمه ، فهو بهذا ربك . فالرب هو السيد والحاكم والقاهر والمشرع . .

 

 

 

 

وفي هذا توكيد لمعنى الربوبية في المصطلح الإسلامي . ومما يلاحظ أن ملوك الرعاة لم يكونوا يدعون الربوبية قولاً كالفراعنة ولم يكونوا ينتسبون إلى الإله أو الآلهة كالفراعنة . ولـم يكن لهـم من مظاهر الربوبية إلا الحاكمية . وهي نص في معنى الربوبية . . )) ([16]) .

 

 

 

 

والصلة بين الألوهية والربوبية عند سيد ، هي صلة الأصل بالفرع ، والكل بالجزء

(( فالربوبية إحدى خصائص الألوهية الحقة ، وبيان خصائصها من الربوبية والقوامة والحاكمية . . )) ([17]) .

 

 

 

والربوبية أيضاً من مقتضيات الألوهية : (( ثم تعريفه ( الإنسان ) بمقتضيات الألوهية في حياته – وهي الربوبية والقوامة والحاكمية )) ([18]) .

 

 

 

 

وبعد هذا البيان لمعنى الألوهية ومعنى الربوبية ، والتحديد للصلة بينهما ، يقرر سيد أن المشركين المعاصرين لنزول القرآن كانوا يعترفون بالألوهية ، ويقرون بها ، فلم تكن هي موضع الإنكار منهم ، ولا موضوع الجدال مع رسول الله - r - والألوهية التي كانوا يسلمون بها هي تدبير الله لأمور الكون ونواميسه ، وتفرد الله بالخلق والرزق في حياة الناس .

 

 

 

 

أما الأمر الذي كانوا ينكرونه فهو (( الربوبية )) ربوبية الله للناس ، بمعنى أن يكون وحده هو الحاكم المشرع المطاع ، وأن يفردوه بالحاكمية والقوامة والسلطان فكانوا يرفضون هذا ، ويمنحون هذه الصلاحيات لرؤسائهم وكبرائهم وزعمائهم ، أو أعرافهم وتقاليدهم ومورثاتهم . . ]

 

 

 

 

فكُهّانُهم وسدنة أصناهم ، هم الذين كانوا يشرعون لهم العبادات ؛ من عبادة الأوثان ، والتقرّب إليهم بالسجود ، وتقديم النذور ، والطواف حول الكعبة عراة ، وصلاتهم التي كانت مكاءً وتصدية ، والتحريم ، والتحليل . وكانوا هم يطيعونهم ويتّبعونهم – في ذلك – دون الله تعالى .

فالأصنام والأوثان لم يكونوا ينطقون ، بل الكهنة والسدنة هم الذين كانوا ينطقون باسمها !

 

 

 

  

[ يورد سيد آيات من سورة يونس ، ويعتبر موضوعها بيان مجالات الألوهية وهي قوله تعالى :

( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ، يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ، مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ . ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ، أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ؟ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ، وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ، إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ . هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ . مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ، يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ .  إِنَّ فِــي اخْتِـلَافِ اللَّيْـلِ وَالنَّهَـارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُون) ([19]) .

فهذه الآيات تتحدث عن الخلق والتقدير والتدبير لهذه الكون وما فيه ، وتحكم في نواميسه وسننه . فهذه يعتبرها سيد من مجالات الألوهية وليس الربوبية . يقول :

 

 

 

 

 

(( وهذه هي القضية الأساسية الكبرى في العقيدة . قضية الربوبية .

 

 

 

 

 

فقضية الألوهية لم تكن محل إنكار جدي من المشركين . فهم كانوا يعتقدون بوجود الله – لأن الفطرة البشرية لا تستطيع التخلي عن الإعتقاد بوجود إله لهذا الكون ، إلا في حالات نادرة منحرفة شديدة الانحراف –

 

 

 

 

 

ولكنهم كانوا يشركون مع الله أرباباً يتوجهون إليهم بالعبادة . ليقربوهم إلى الله زلفى ، ويكونوا لهم شفعاء عنده . كما كانوا يزاولون خصائص الربوبية فيشرعون لأنفسهم ما لم يأذن به الله . . )) ([20]) .

 

 

 

ويقف أمام قوله تعالى : ( ذلكم الله ربكم فاعبدوه ) ليقول :

 

 

 

(( وقد قلنا : إن قضية الألوهية لم تكن محل إنكار جدي من المشركين . فقد كانوا يعترفون بأن الله – سبحانه – هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر المتصرف القادر على كل شيء . .

ولكن هذا الإعتراف لم تكن تتبعه مقتضياته . فلقد كان مقتضى هذا الاعتراف بألوهية الله على هذا المستوى ، أن تكون الربوبية له وحده في حياتهم ، والربوبية تتمثل في الدينونة له وحده . . )) ([21]) .

 

 

  

الخلاف بين أهل الحق وأهل الباطل على طول التاريخ الإنساني ليس على ألوهية الله للكون ، ولكن على ربوبية الله للناس .

 

 

 

يحدد ذلك سيد بعبارات واضحة : (( وما كان الخلاف على مدار التاريخ بين الجاهليين والإسلام ، ولا كانت المعركة بين الحق والطاغوت ، على ألوهية الله – سبحانه – للكون ، وتصريف أموره في عالم الأسباب والنواميس الكونية :

 

 

 

إنما كان الخلاف وكانت المعركة على من يكون هو رب الناس ، الذي يحكمهم بشرعه ، ويصرفهم بأمره ، ويدينهم بطاعته ؟ )) ([22]) ] ([23]) . 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفرق بين اجتهاد ابن تيمية واجتهاد سيد قطب

 

[ فابن تيمية ومن معه يجعلون الألوهية خاصة بالتعبد والتنسك والتوجه والاستسلام إلى الله ،

ولهذا كان المشركون ينكرون افراد الله وحده بذلك . ويجعلون الربوبية خاصة بتدبير الله للكون وما فيه ومن فيه وتصريف أمورهم من خلق ورزق وإماتة وإحياء وضر ونفع وغير ذلك ، وكانوا يعترفون بهذا لله ويفردونه بذلك .

 

 

 

 

 

 

أما عند المودودي وسيد فإن الألوهية تشمل مجالين : مجال تدبير الله للكون وما فيه ومن فيه وتصريف الحياة فيه ، وضبط النواميس والسنن التي تسيره ، وهذا الأمر كان يسلم به المشركون ويقرون به ، ويقصرونه على الله .

 

 

ومجال الحكم والتشريع للناس وتدبير أمورهم وإخضاعهم وتعبيدهم لله ، وهذا هو الربوبية ، وهـذا معنى أن الله رب الناس ، وهذا الذي كان ينكره المشركون وينازعون فيه ، ويجعلونه لرؤسائهم وكبرائهم . .

 

 

 

 

إن الربوبية عند سيد والمودودي هي من خصائص الألوهية ولوازمها ، وإن الألوهية أعم من الربوبية لأنها تشمل حياة الناس وحياة الكون .

 

 

 

وأنه لا بدّ من توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ،

 

 

 

 

وإن توحيد الألوهية هو الأساس والغاية والنتيجة والثمرة ، الذي لا يقبل الله إيمان أحد ولا عمله إلا أن يُقرَّ به ويقصره على الله وحده لا شريك له ] ([24]) .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بين ابن تيمية وسيد قطب

 

[ إن ابن تيمية ومن وافقه يجعلون الربوبية خاصة في تدبير وتسيير الكون وما فيه ، وتدبير وتسيير أمور الخلق في مجالات الخلق والرزق والضر والنفع وغير ذلك .

 

 

 

 

 

ويجعلون الألوهية خاصة في العبادة والتوجه إلى الله ، وإفراده بذلك .

 

 

 

 

 

وكأن هذا الفريق جعلوا لكل مصطلح من المصطلحين معاني خاصة محددة يشملها ، وأمكنهم ضبطها وتحديدها واحتواؤها ضمن هذا المصطلح .

 

 

 

 

 

أما موضوع الحاكمية والقوامة ، والتشريع والتربية ، فلم أجد لهم ذكراً له ولا كلاماً فيه [25] ، ولا إدراجاً له ضمن الألوهية أو ضمن الربوبية .

 

 

 

 

أما سيد والمودودي فهما يعكسان الأمر بالنسبة لتدبير وتسيير أمور الكون ، وتدبير وتسيير أمور الناس في مجالات الخلق والرزق والإماتة والإحياء وغير ذلك .

 

 

 

 

 

 

فيعتبر هذا من مضامين الألوهية وليس من مضامين الربوبية .

 

 

 

وبما أن العرب المشركين – والمشركين من الأقوام السابقين واللاحقين – يقرون ويسلمون بهذا لله وحده ، فقد كانوا يعترفون ويسلمون بالألوهية .

 

 

 

 

 

وقد بينّا أن اللغة واستعمالاتها تشهد لهما بذلك ، وآيات القرآن تشهد لهما أيضاً .

 

 

 

 

 

 

أما الربوبية عندهما فإن من جملة ما تعنيه هو إفراد الله وحده بالحاكمية والقوامة والتشريع والتوجيه والدينونة والسلطان .

 

 

 

والعرب المشركون وغيرهم كانوا يجعلون هذه الأمور من صلاحيات زعمائهم ورؤسائهم ، وكانوا ينكرون ويرفضون إفراد الله وحده بها .

 

 

 

 

 

وقد بينا أن اللغة واستعمالاتها تشهد لهما بذلك أيضاً كما تشهد لهما آيات القرآن الكريم .

وإذا نظرنا في حقيقة الأمر فإننا نجد المشركين يرفضون إفراد الله بالحاكمية والقوامة والتشريع والسلطان والأمر والنهي .

 

 

 

 

فهل نسمي هذا ألوهية أو نسميه ربوبية ؟

 

 

 

 

إن اللغة العربية وآيات القرآن وعلماء اللغة وفقهاءها اعتبروه من مضامين الربوبية . ولهذا كانت هي محل الإنكار ! !

 

 

 

 

 

ولم يفصل العالمان – المودودي وسيد – بين الألوهية والربوبية ، بل بينهما ارتباط وصلة ، فالربوبية من خصائص ومستلزمات ومضامين الألوهية . والألوهية هي الأساس ، والغاية والمطلوب .

 

 

 

وللحق نقول أيضاً أن المشركين كانوا يرفضون إفراد الله وحده بالعبادة ، والعبادة من مضامين الألوهية وليس من مضامين الربوبية .

 

 

 

 

وبهذا نستطيع أن نوفق بين آراء الفريقين ، ونصوب فهمهما ، و (( ننزل )) كلام كل منهما على حالة .

صحيح أن المشركين كانوا يرفضون إفراد الله بالعبادة والخضوع ، أي يرفضون إفراده بالألوهية أو ببعض مجالاتها ومضامينها .

 

 

 

 

 

وصحيح أيضاً أن المشركين كانوا يرفضون إفراد الله بالحاكمية والقوامة والتشريع أي إفراده بالربوبية أو ببعض مجالاتها ومضامينها .

 

 

 

 

 

وكانوا يسلمون لله بالتدبير والتيسيير لأمور الكون وحياة الناس في مجال الخلق والرزق والضر والنفع . وهذا يطلق عليه الفريق الأول ربوبية – وهو صحيح إذ أنه من بعض معاني الرب –

ويطلق عليه الفريق الثاني ألوهية – وهو صحيح أيضاً إذ أنه من بعض معاني كلمة (( إله )) .

فلا خلاف بين الفريقين في الحقيقة إلا في المصطلحات فما يعتبره الفريق الأول ألوهية يعتبره الفريق الثاني ربوبية .

 

 

 

 

واللغة تشهد للفريقين في ذلك وطالما أن الفريقين متفقان على المضمون – فيما كان يقرُّ به المشركون ويعترفون به – فلا يضر اختلافهم في الاصطلاح . إذ قرر – قديماً – علماء الأمة (( أنه لا مشاحة في الاصطلاح )) ! ! .

 

 

 

 

لكننا – والحق يقال – نرى أن الفريق الثاني – المودودي وسيد – كانت نظرته أعمق وأنفـذ ، ورأيه أعـم وأشمل ، وشهادة اللغة له – في مجال الربوبية – أوضح وأقوى .

 

 

 

فهو قد تحدث عن أمر هام وأساسي سكت عنه الفريق الأول ، وهو الحاكمية والقوامة والتشريع ، وأدخله ضمن الربوبية ، ضمن خصائص الألوهية ومضامينها ومستلزماتها ، وليس قسيماً مقابلاً لها . وجعل صلتها بالألوهية كصلة الجزء بالكل والفرع بالأصل ] ([26]) .

وعلى كل حال فالرأيان اجتهاديان ، لا فضل لأحدهما على الآخر ، ولا يتحكم أحدهما على الآخر ، فعلام نحاكم أحدهما بالإعتماد على الآخر وكأن هذا الآخر هو الكتاب والسنة والسلف الصالح ؟ !

والجميع أحرار فيما شاءوا أن يختاروا من الرأيين ما يرتاحون له ، بشرط عدم تعييب الرأي الآخر !  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



([1])  الظلال 1 : 383 .

([2])  الظلال 1 : 385 .

([3])  الظلال 1 : 482 .

([4])  الظلال 1 : 492 .

([5])  الظلال 2 : 1063 .

([6])  الاعراف : 127 . وهذه قراءة حفص (( آلهتك )) بمعنى آلهة فرعون ، التي كان يعبدها كذلك . والتي يجعل لها أمر الخلق والتدبير للكون . وهي التي رجحها ابن جرير في تفسيره . وهناك قراءة اخرى و (( إلاهتك )) بمعنى عبادتك . وهي مروية عن ابن عباس – رضي الله عنهما – حيث قال : كان فرعون يُعْبَد ولا يَعْبُد . والصحيح أنه كان يُعْبَد ويَعْبُد آلهة أخرى . انظر تفصيل ذلك في تفسير الطبري 13 : 36 – 41 .

([7])  الظلال 3 : 353 .

([8])  القصص : 39 .

([9])  الزخرف : 51 – 53 .

([10])  الظلال 3 : 1354 .

([11])  الظلال 3 : 1763 .

([12])  الظلال 1 : 595 .

([13])  الظلال 3 : 1346 .

([14])  الظلال 4 : 1910 .

([15])  يوسف : 42 .

([16])  الظلال 4 : 1912 .

([17])  الظلال 3 : 1753 .

([18])  الظلال 3 : 1823 .

([19])  يونس : 3 – 6 .

([20])  الظلال 3 : 1761 .

([21])  الظلال 3 : 1763 .

([22])  الظلال 4 : 1852 .

([23])  في ظلال القرآن في الميزان – صلاح عبد الفتاح الخالدي . ص 160 – 166 .

([24])  في ظلال القرآن في الميزان . ص 166 – 167 .

[25]  لأنّها لم تكن مشكلة عصرهم ، ولذلك لم يركزوا عليها والله أعلم .

([26])  في ظلال القرآن في الميزان – صلاح الخالدي . ص : 170 – 172 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق