الألوهية
والربوبية عند سيّد قطب
[ كلمة الألوهية
عند سيّد واسعة وشاملة ، لها خصائص ولها مظاهر ولها مجالات . وهي
الأساس . ويندرج ضمنها : الربوبية والحاكمية والقوامة
والسلطة والتشريع وغير ذلك .
(( بعدئذٍ يلقن رسول الله - r - وكل مؤمن ، أن يتجه إلى الله ، مقرراً حقيقة الألوهية
الواحدة ، وحقيقة القوامة الواحدة في حياة البشر
، وفي تدبير الكون ، فهذه وتلك كلتاهما مظهر للألوهية
وللحاكمية التي لا شريك فيها ولا شبيه . . ))
([1]) .
للألوهية إذن مظهران : مظهر في حياة البشر . ومظهر في
تدبير الكون .
(( ترد القلب إلـى الحقيقة الكبـرى
. حقيقة الألوهيـة الواحدة . حقيقة القوامة الواحدة . وحقيقة الفاعلية الواحدة .
وحقيقة التدبير الواحد . وحقيقة المالكية الواحدة ، وحقيقة العطاء الواحد ، ثم
حقيقة أن الدينونة لا تكون إلا لله القيوم ، مالك الملك ، المعز المذل ، المحيي
المميت ، المانح المانع ، المدبر لأمر الكون والناس بالقسط والخير على كل حال . . ))
([2]) .
وما سماه البعض ((
ربوبية )) وجعلها تشمله ، هو في النص
السابق ضمن الألوهية .
ومن خصائص الألوهية عند سيد التشريع للعباد : ((
فأخص خصائص الألوهية التشريع للعباد . . ))
([3]) ] .
أي : بما أن الله تعالى هو وحده خالق الأكوان ، وخالق
الناس ، وهو الرزاق ، وهو النافع والضار ، وهو مالك الملك ، وهو الواحد الأحد ، لا
شريك له ، فهو – إذن – وحده المستحق أن يعبده الناس ، وهو وحده صاحب الحق أن يشرّع
لعباده ، وأن يأمرهم وينهاهم ، لا غيره من العبيد ، والكهنة ، والرهبان ، والأحبار
، والطواغيت ، والحكام !
[ وأشرك المشركون بالله في هذا الجانب ، بل
قام شركهم على هذا الأساس :
(( والمشركون يشركون مع الله آلهة
أخرى – في صور شتى – ويقوم الشرك ابتداء على إعطاء غير الله – سبحانه – شيئاً ما
من خصائص الألوهية ومظاهرها . وفي مقدمة هذه الحقائق : حق التشريع للعباد في شؤون
حياتهم كلها . . ([4]) .
وليس هذا هو المظهر الوحيد للشرك فإن ((
الشرك ألوان . والشركاء ألوان . والمشركين ألوان . . ))
وأبرز ألوان الشرك ثلاثة : الشرك في الاعتقاد والشرك في الشعائر والشرك في الشرائع
:
(( إن الشرك في صميمه هو الاعتراف
لغير الله – سبحانه – بإحدى خصائص الألوهية . . سواء كانت هي الاعتقاد بتسيير
إرادته للأحداث ومقادير الكائنات . . أو كانت هي التقدم لغير الله بالشعائر
التعبدية والنذور وما إليها . أو كانت هي تلقي الشرائع من غير الله لتنظيم أوضاع
الحياة . . )) ([5]) .
وقف سيد وقفة أمام ادعاء فرعون الألوهية ، والمظهر الذي
ادعاه فرعون من مظاهر الألوهية :
(( إن فرعون لم يكن يدعي الألوهية
بمعنى أنه خالق هذا الكون ومدبره ، وأن له سلطاناً في عالم الأسباب الكونية .
إنما كان يدعي الألوهية على شعبه المستذل ! بمعنى أنه هو
حاكم هذا الشعب بشريعته وقانونه ، وأنه بإرادته وأمره تمضي الشؤون وتقضى بإرادته
وأمره – وهذه هي الربوبية بمعناها اللغوي والواقعي –
كذلك لم يكن الناس في مصر يعبدون فرعون بمعنى تقديم
الشعائر التعبدية له – فقد كانت لهم آلهتهم وكان لفرعون آلهته التي يعبدها كذلك ،
كما هو ظاهر من قول الملأ له : ((
ويذرك وآلهتك )) ([6]) وكما يثبت المعروف من تاريخ مصر الفرعونية .
إنما هم كانوا يعبدونه بمعنى أنهم خاضعون لما يريده بهم
، لا يعصون له أمراً ، ولا ينقضون له شرعاً ))
([7]) .
ويتابع تحليله لموقف فرعون ، ويوفق بين كونه قد ادعى
الربوبية والحاكمية على شعبه ، وبين حكاية القرآن قوله : ((
ما علمت لكم من إله غيري ))
([8]) حيث إنه نص على أنه ادعى
الألوهية . فيقول :
(( أما قول فرعون لقومه ((
وما علمت لكم من إله غيري ))
فيفسره قوله الذي حكاه القرآن عنه ((
أليس لي ملك مصر ، وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون ؟ أم أنا خير من هذا
الذي هو مهين ولا يكاد يبين ؟ فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة
مقترنين ؟ )) ([9]) . . .
وظاهر أنه كان يوازن بين ما هو فيه من ملك ومن أسورة
الذهب التي يحلى بها الملوك ، وبين ما فيه موسى من تجرد من السلطان والزينة !
وما قصد بقوله : ((
ما علمت لكم من إله غيري ))
إلا أنه هو الحاكم المسيطر الذي يسيرهم كما يشاء ، والذي يتبعون كلمته بلا معارض !
والحاكمية على هذا النحو ألوهية كما يفيد المدلول اللغوي
، وهي في الواقع ألوهية . فالإله هو الذي يشرع للناس وينفذ حكمه فيهم ))
([10])
.
وواضح من كلام سيد هنا أن فرعون ادعى الربوبية والحاكمية
والقوامة والسلطان على قومه ، ونتيجة لذلك فقد ادعى الألوهية لأن هذه الأمور كلها
من مظاهر الألوهية ، وفرعون لم يدَّع سيطرته ولا سلطانه على الكون ونواميسه وسننه
، ولم يدَّع خلقه لهذا الكون وما فيه . فألوهيته وربوبيته حاكميته على قومه فقط !
! .
الألوهية تعني – في جملة ما تعني – الاعتراف ((
بأن الله – سبحانه – هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر المتصرف القادر على كل
شيء )) ([11]) .
كما أنها تعني الحاكمية والتشريع والقوامة والسلطان . أي
الربوبية على الناس ، كما سبق أن أوردنا كلاماً لسيد في ذلك .
فالربوبية مظهر من مظاهر الألوهية وتابعة لها . لأنها
خاصة – عند سيد – في التشريع للبشر وتربيتهم وحكمهم وإخضاعهم ودينونتهم لها .
إن الألوهية – عند سيد – أعم من الربوبية ، والربوبية
مظهر من مظاهر الألوهية . الألوهية لها مجالان :
المجال الأول
هو : الخلق والرزق والإحياء والإماتة والتقدير والتدبير
وتسيير أمور الكون والتحكم بنواميسه وسننه وهذه الألوهية .
والمجال الثاني :
هو الحاكمية والقوامة والسلطان والتشريع في حياة الناس ، وتوجيه حياتهم ، وإخضاعهم
ودينونتهم وتعبدهم لله . فهذه هي الربوبية .
فـي هذا يقول سيد : ((
إن الأمر في دين الله كله هو : لمن الألوهية في هذه الأرض ؟ ولمن الربوبية على
هؤلاء الناس ؟ )) .
وعلى الإجابة على هذا السؤال في صيغتيه هاتين ، يترتب كل
شيء في أمر الناس أجمعين ! لمن الألوهية ؟ ولمن الربوبية ؟ ))
([12])
.
نلاحظ كيف خص سيد الألوهية بإخضاع وتدبير الكون أي
النواميس الكونية ، وخص الربوبية بإخضاع وتدبير حياة الناس .
الربوبية تعني الحاكمية . فلا حكم ولا تشريع إلا لله : ((
إن ربوبية الله للعالمين تعني – أول ما تعني – إبطال شرعية كل حكم يزاول السلطان
على الناس بغير شريعة الله وأمره ، وتنحية كل طاغوت عن تعبيد الناس له . . ))
([13])
.
والربوبية هي القضية الدائمة التي تدور عليها معركة
الإسلام مع الجاهلية وهي ((
قضية الدينونة والحاكمية ، قضية الاتباع والطاعة . . ))
([14])
.
إن قول يوسف – عليه الصلاة والسلام – لصاحبه في السجن :
( اذكرني عند ربك ) ([15])
يوضح معنى الربوبية ويبين سيد هذا بقوله :
(( عند سيدك وحاكمك الذي تدين
بشرعه ، وتخضع لحكمه ، فهو بهذا ربك . فالرب هو السيد والحاكم والقاهر والمشرع . .
وفي هذا توكيد لمعنى الربوبية في المصطلح الإسلامي .
ومما يلاحظ أن ملوك الرعاة لم يكونوا يدعون الربوبية قولاً كالفراعنة ولم يكونوا
ينتسبون إلى الإله أو الآلهة كالفراعنة . ولـم يكن لهـم من مظاهر الربوبية إلا
الحاكمية . وهي نص في معنى الربوبية . . ))
([16])
.
والصلة بين الألوهية والربوبية عند سيد ، هي صلة الأصل
بالفرع ، والكل بالجزء
(( فالربوبية إحدى خصائص الألوهية
الحقة ، وبيان خصائصها من الربوبية والقوامة والحاكمية . . ))
([17])
.
والربوبية أيضاً من مقتضيات الألوهية : ((
ثم تعريفه ( الإنسان ) بمقتضيات الألوهية في حياته – وهي الربوبية والقوامة
والحاكمية )) ([18]) .
وبعد هذا البيان لمعنى الألوهية ومعنى الربوبية ،
والتحديد للصلة بينهما ، يقرر سيد أن المشركين المعاصرين لنزول القرآن كانوا
يعترفون بالألوهية ، ويقرون بها ، فلم تكن هي موضع الإنكار منهم ، ولا موضوع
الجدال مع رسول الله - r - والألوهية التي كانوا يسلمون بها هي تدبير الله لأمور الكون
ونواميسه ، وتفرد الله بالخلق والرزق في حياة الناس .
أما الأمر الذي كانوا ينكرونه فهو ((
الربوبية )) ربوبية الله للناس ، بمعنى أن
يكون وحده هو الحاكم المشرع المطاع ، وأن يفردوه بالحاكمية والقوامة والسلطان
فكانوا يرفضون هذا ، ويمنحون هذه الصلاحيات لرؤسائهم وكبرائهم وزعمائهم ، أو
أعرافهم وتقاليدهم ومورثاتهم . . ]
فكُهّانُهم وسدنة أصناهم ، هم الذين كانوا يشرعون لهم
العبادات ؛ من عبادة الأوثان ، والتقرّب إليهم بالسجود ، وتقديم النذور ، والطواف
حول الكعبة عراة ، وصلاتهم التي كانت مكاءً وتصدية ، والتحريم ، والتحليل . وكانوا
هم يطيعونهم ويتّبعونهم – في ذلك – دون الله تعالى .
فالأصنام والأوثان لم يكونوا ينطقون ، بل الكهنة والسدنة
هم الذين كانوا ينطقون باسمها !
[ يورد سيد آيات من سورة يونس ، ويعتبر موضوعها بيان
مجالات الألوهية وهي قوله تعالى :
( إِنَّ
رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ، يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ، مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا
مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ . ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ، أَفَلَا
تَذَكَّرُونَ ؟ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ، وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ، إِنَّهُ
يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ
وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ . هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ
ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ
وَالْحِسَابَ . مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ، يُفَصِّلُ
الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . إِنَّ
فِــي اخْتِـلَافِ اللَّيْـلِ وَالنَّهَـارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُون)
([19])
.
فهذه الآيات تتحدث عن الخلق والتقدير والتدبير لهذه
الكون وما فيه ، وتحكم في نواميسه وسننه . فهذه يعتبرها سيد من مجالات الألوهية
وليس الربوبية . يقول :
(( وهذه هي القضية الأساسية الكبرى
في العقيدة . قضية الربوبية .
فقضية الألوهية لم تكن محل إنكار جدي من المشركين . فهم
كانوا يعتقدون بوجود الله – لأن الفطرة البشرية لا تستطيع التخلي عن الإعتقاد
بوجود إله لهذا الكون ، إلا في حالات نادرة منحرفة شديدة الانحراف –
ولكنهم كانوا يشركون مع الله أرباباً يتوجهون إليهم
بالعبادة . ليقربوهم إلى الله زلفى ، ويكونوا لهم شفعاء عنده . كما كانوا يزاولون
خصائص الربوبية فيشرعون لأنفسهم ما لم يأذن به الله . . ))
([20])
.
ويقف أمام قوله تعالى : ( ذلكم الله ربكم فاعبدوه )
ليقول :
(( وقد قلنا : إن قضية الألوهية لم
تكن محل إنكار جدي من المشركين . فقد كانوا يعترفون بأن الله – سبحانه – هو الخالق
الرازق المحيي المميت المدبر المتصرف القادر على كل شيء . .
ولكن هذا الإعتراف لم تكن تتبعه مقتضياته . فلقد كان
مقتضى هذا الاعتراف بألوهية الله على هذا المستوى ، أن تكون الربوبية له وحده في
حياتهم ، والربوبية تتمثل في الدينونة له وحده . . ))
([21])
.
الخلاف بين أهل الحق وأهل الباطل على طول التاريخ
الإنساني ليس على ألوهية الله للكون ، ولكن على ربوبية الله للناس .
يحدد ذلك سيد بعبارات واضحة : ((
وما كان الخلاف على مدار التاريخ بين الجاهليين والإسلام ، ولا كانت المعركة بين
الحق والطاغوت ، على ألوهية الله – سبحانه – للكون ، وتصريف أموره في عالم الأسباب
والنواميس الكونية :
إنما كان الخلاف وكانت المعركة على من يكون هو رب الناس
، الذي يحكمهم بشرعه ، ويصرفهم بأمره ، ويدينهم بطاعته ؟ ))
([22])
] ([23])
.
الفرق
بين اجتهاد ابن تيمية واجتهاد سيد قطب
[ فابن تيمية ومن معه يجعلون الألوهية خاصة بالتعبد
والتنسك والتوجه والاستسلام إلى الله ،
ولهذا كان المشركون ينكرون افراد الله وحده بذلك .
ويجعلون الربوبية خاصة بتدبير الله للكون وما فيه ومن فيه وتصريف أمورهم من خلق
ورزق وإماتة وإحياء وضر ونفع وغير ذلك ، وكانوا يعترفون بهذا لله ويفردونه بذلك .
أما عند المودودي وسيد فإن الألوهية تشمل مجالين : مجال
تدبير الله للكون وما فيه ومن فيه وتصريف الحياة فيه ، وضبط النواميس والسنن التي
تسيره ، وهذا الأمر كان يسلم به المشركون ويقرون به ، ويقصرونه على الله .
ومجال الحكم والتشريع للناس وتدبير أمورهم وإخضاعهم
وتعبيدهم لله ، وهذا هو الربوبية ، وهـذا معنى أن الله رب الناس ، وهذا الذي كان
ينكره المشركون وينازعون فيه ، ويجعلونه لرؤسائهم وكبرائهم . .
إن الربوبية عند سيد والمودودي هي من خصائص الألوهية
ولوازمها ، وإن الألوهية أعم من الربوبية لأنها تشمل حياة الناس وحياة الكون .
وأنه لا بدّ من توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ،
وإن توحيد الألوهية هو الأساس والغاية والنتيجة والثمرة
، الذي لا يقبل الله إيمان أحد ولا عمله إلا أن يُقرَّ به ويقصره على الله وحده لا
شريك له ] ([24])
.
بين ابن تيمية
وسيد قطب
[ إن
ابن تيمية ومن وافقه يجعلون الربوبية خاصة في تدبير وتسيير الكون وما فيه ، وتدبير
وتسيير أمور الخلق في مجالات الخلق والرزق والضر والنفع وغير ذلك .
ويجعلون
الألوهية خاصة في العبادة والتوجه إلى الله ، وإفراده بذلك .
وكأن
هذا الفريق جعلوا لكل مصطلح من المصطلحين معاني خاصة محددة يشملها ، وأمكنهم ضبطها
وتحديدها واحتواؤها ضمن هذا المصطلح .
أما
موضوع الحاكمية والقوامة ، والتشريع والتربية ، فلم أجد لهم ذكراً له ولا كلاماً
فيه [25] ،
ولا إدراجاً له ضمن الألوهية أو ضمن الربوبية .
أما
سيد والمودودي فهما يعكسان الأمر بالنسبة لتدبير وتسيير أمور الكون ، وتدبير
وتسيير أمور الناس في مجالات الخلق والرزق والإماتة والإحياء وغير ذلك .
فيعتبر
هذا من مضامين الألوهية وليس من مضامين الربوبية .
وبما
أن العرب المشركين – والمشركين من الأقوام السابقين واللاحقين – يقرون ويسلمون
بهذا لله وحده ، فقد كانوا يعترفون ويسلمون بالألوهية .
وقد
بينّا أن اللغة واستعمالاتها تشهد لهما بذلك ، وآيات القرآن تشهد لهما أيضاً .
أما
الربوبية عندهما فإن من جملة ما تعنيه هو إفراد الله وحده بالحاكمية والقوامة
والتشريع والتوجيه والدينونة والسلطان .
والعرب
المشركون وغيرهم كانوا يجعلون هذه الأمور من صلاحيات زعمائهم ورؤسائهم ، وكانوا
ينكرون ويرفضون إفراد الله وحده بها .
وقد بينا
أن اللغة واستعمالاتها تشهد لهما بذلك أيضاً كما تشهد لهما آيات القرآن الكريم .
وإذا
نظرنا في حقيقة الأمر فإننا نجد المشركين يرفضون إفراد الله بالحاكمية والقوامة
والتشريع والسلطان والأمر والنهي .
فهل
نسمي هذا ألوهية أو نسميه ربوبية ؟
إن
اللغة العربية وآيات القرآن وعلماء اللغة وفقهاءها اعتبروه من مضامين الربوبية .
ولهذا كانت هي محل الإنكار ! !
ولم
يفصل العالمان – المودودي وسيد – بين الألوهية والربوبية ، بل بينهما ارتباط وصلة
، فالربوبية من خصائص ومستلزمات ومضامين الألوهية . والألوهية هي الأساس ، والغاية
والمطلوب .
وللحق
نقول أيضاً أن المشركين كانوا يرفضون إفراد الله وحده بالعبادة ، والعبادة من
مضامين الألوهية وليس من مضامين الربوبية .
وبهذا
نستطيع أن نوفق بين آراء الفريقين ، ونصوب فهمهما ، و (( ننزل )) كلام كل
منهما على حالة .
صحيح
أن المشركين كانوا يرفضون إفراد الله بالعبادة والخضوع ، أي يرفضون إفراده
بالألوهية أو ببعض مجالاتها ومضامينها .
وصحيح
أيضاً أن المشركين كانوا يرفضون إفراد الله بالحاكمية والقوامة والتشريع أي إفراده
بالربوبية أو ببعض مجالاتها ومضامينها .
وكانوا
يسلمون لله بالتدبير والتيسيير لأمور الكون وحياة الناس في مجال الخلق والرزق
والضر والنفع . وهذا يطلق عليه الفريق الأول ربوبية – وهو صحيح إذ أنه من بعض
معاني الرب –
ويطلق
عليه الفريق الثاني ألوهية – وهو صحيح أيضاً إذ أنه من بعض معاني كلمة (( إله )) .
فلا
خلاف بين الفريقين في الحقيقة إلا في المصطلحات فما يعتبره الفريق الأول ألوهية
يعتبره الفريق الثاني ربوبية .
واللغة
تشهد للفريقين في ذلك وطالما أن الفريقين متفقان على المضمون – فيما كان يقرُّ به
المشركون ويعترفون به – فلا يضر اختلافهم في الاصطلاح . إذ قرر – قديماً – علماء
الأمة (( أنه لا
مشاحة في الاصطلاح )) ! ! .
لكننا
– والحق يقال – نرى أن الفريق الثاني – المودودي وسيد – كانت نظرته أعمق وأنفـذ ،
ورأيه أعـم وأشمل ، وشهادة اللغة له – في مجال الربوبية – أوضح وأقوى .
فهو
قد تحدث عن أمر هام وأساسي سكت عنه الفريق الأول ، وهو الحاكمية والقوامة والتشريع
، وأدخله ضمن الربوبية ، ضمن خصائص الألوهية ومضامينها ومستلزماتها ، وليس قسيماً
مقابلاً لها . وجعل صلتها بالألوهية كصلة الجزء بالكل والفرع بالأصل ] ([26])
.
وعلى
كل حال فالرأيان اجتهاديان ، لا فضل لأحدهما على الآخر ، ولا يتحكم أحدهما على
الآخر ، فعلام نحاكم أحدهما بالإعتماد على الآخر وكأن هذا الآخر هو الكتاب والسنة
والسلف الصالح ؟ !
والجميع
أحرار فيما شاءوا أن يختاروا من الرأيين ما يرتاحون له ، بشرط عدم تعييب الرأي
الآخر !
([6]) الاعراف
: 127 . وهذه قراءة حفص (( آلهتك )) بمعنى آلهة فرعون ، التي كان يعبدها كذلك . والتي يجعل لها أمر الخلق
والتدبير للكون . وهي التي رجحها ابن جرير في تفسيره . وهناك قراءة اخرى و (( إلاهتك )) بمعنى عبادتك . وهي مروية عن ابن عباس – رضي
الله عنهما – حيث قال : كان فرعون يُعْبَد ولا يَعْبُد . والصحيح أنه كان يُعْبَد
ويَعْبُد آلهة أخرى . انظر تفصيل ذلك في تفسير الطبري 13 : 36 – 41 .
[25] لأنّها لم تكن مشكلة عصرهم ، ولذلك لم يركزوا
عليها والله أعلم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق