الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

طاعة ولي الأمر بين مقاصد الشريعة وتبرير الاستبداد



طاعة ولي الأمر بين مقاصد الشريعة وتبرير الاستبداد

هل شُرعت طاعة الحاكم لتعظيم شخصه، أم لتحقيق مصالح الأمة وإقامة العدل وحفظ الدين؟

من المسائل التي كثر حولها الجدل في واقعنا المعاصر مسألة طاعة ولي الأمر، وحدود هذه الطاعة، وحقيقة موقف علماء أهل السنة من الحاكم الجائر.

فقد قرر علماء الإسلام وجوب السمع والطاعة لولاة الأمور في المعروف، وحذّروا من الفتن وسفك الدماء والخروج الذي تترتب عليه مفاسد أعظم. غير أن هذه الأحكام لا تعني أن الحاكم معصوم من الخطأ، أو أن ظلمه يصبح عدلًا، أو أن طاعته تتحول إلى تفويض مطلق يفعل بموجبه ما يشاء.

فثمة فرق جوهري بين تقرير حكم شرعي لحفظ مصالح الأمة، وبين تحويل هذا الحكم إلى وسيلة لتبرير الظلم والاستبداد.

أولًا: لماذا شرعت طاعة ولي الأمر؟

لم تأتِ أحكام الإمامة والطاعة في الشريعة لتعظيم الأشخاص لذواتهم، وإنما لتحقيق مصالح الدين والدنيا، وحفظ النظام العام، وجمع الكلمة، وصيانة الدماء والأموال، وإقامة العدل، وحماية المجتمع من الفوضى والاقتتال.

فوجود سلطة تحفظ الأمن، وتفصل في الخصومات، وتصون الحقوق، وتدير شؤون الناس، من المصالح التي لا تستقيم حياة المجتمعات من دونها.

ولهذا قرر العلماء أن وجود الإمام، مع ما قد يقع منه من ظلم أو تقصير، قد يحقق من المصالح العامة ما لا يتحقق في حال الفوضى وغياب السلطة.

وقد نُقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله:

«لا بد للناس من إمارة برة كانت أو فاجرة».

ولما سئل عن فائدة الإمارة الفاجرة، ذُكرت مصالح من قبيل أمن الطرق، وإقامة الحدود، وجهاد العدو، وتوزيع الأموال العامة.

والمقصود من هذا المعنى أن انتظام شؤون الناس مقصد معتبر، وأن فساد الحاكم لا يعني بالضرورة زوال كل مصلحة تتحقق بوجود السلطة.

لكن ينبغي التنبه إلى أن ذكر المصالح المترتبة على وجود السلطة لا يعني تزكية كل حاكم، ولا إقرار جميع أفعاله، ولا إسقاط حقوق المظلومين.

ثانيًا: ماذا قال علماء السلف في طاعة الحاكم الجائر؟

نقل العلماء عن الإمام أحمد بن حنبل تقرير السمع والطاعة للأئمة، برّهم وفاجرهم، كما قرروا استمرار بعض المصالح العامة، كالجهاد، مع الأمراء ما دامت شروطها الشرعية متحققة.

وهذا التقرير يعكس إدراكًا لمخاطر انهيار النظام العام، وما قد يترتب على منازعة السلطان من فتن واضطراب وسفك للدماء.

وقال الحسن البصري، في المعنى المنقول عنه، إن الله قد يصلح بالسلطان من أمور الناس ما لا يصلحونه بأنفسهم، وإن ما يتحقق بوجوده من المصالح قد يكون أكثر مما يقع بسببه من المفاسد.

كما أورد ابن تيمية في كتابه «منهاج السنة النبوية» جملة من الآثار المتعلقة بأهمية الإمامة واجتماع الناس.

وهنا لا بد من التفريق بين أمرين:

▪️ الأول: الإقرار بأن وجود السلطة ضرورة لحفظ مصالح المجتمع، وأن الظلم وحده لا يجعل كل صور منازعة الحاكم مشروعة.

▪️ الثاني: تحويل هذه الأقوال إلى صكٍّ مفتوح لتبرير الظلم، أو منع كل إنكار على الحاكم، أو إسكات المظلومين باسم الطاعة.

فالأول تأصيل لمسألة شرعية تتعلق بالمصالح والمفاسد، أما الثاني فتوسع في دلالة النصوص بما لا يلزم منها.

ثالثًا: هل طاعة ولي الأمر مطلقة؟

الجواب واضح في أصل المسألة: طاعة ولي الأمر ليست طاعة مطلقة، وإنما تكون في المعروف.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.

ثم قال سبحانه:

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.

فالآية التي أمرت بطاعة أولي الأمر هي نفسها التي جعلت المرجعية عند التنازع لله ورسوله، ولم تجعل قول الحاكم مقدمًا على حكم الشرع.

وجاء في الحديث الصحيح:

«إنما الطاعة في المعروف».

ومعناه أن الطاعة لا تشمل الأمر بالمعصية، ولا يجوز لمخلوق أن يجعل أمره مقدمًا على أمر الله تعالى.

ومن هنا، فإن طاعة الحاكم في تنظيم شؤون المجتمع، وحفظ الأمن، ورعاية المصالح العامة، لا تعني طاعته إذا أمر بمعصية، كما لا تعني أن كل قرار يصدر عنه يصبح صحيحًا لمجرد صدوره منه.

فالطاعة الشرعية مقيدة بالمعروف، وليست تفويضًا مطلقًا للحاكم في الدين والحقوق والأموال.

رابعًا: هل الصبر على جور الحاكم يعني الرضا بظلمه؟

من الأخطاء الشائعة الخلط بين الصبر على الظلم وبين الرضا به، أو بين تجنب الفتنة وبين منح الحاكم حصانة من النقد والمساءلة.

فقد يقرر الفقيه الصبر على جور الحاكم دفعًا لمفسدة أعظم، مع بقاء الظلم ظلمًا، وبقاء المظالم واجبة المعالجة بحسب القدرة والوسائل المشروعة.

والصبر هنا حكم يتعلق بتقدير المصالح والمفاسد، وليس حكمًا أخلاقيًا يجعل الظالم محسنًا، أو يحوّل الاعتداء على الحقوق إلى أمر مشروع.

كما أن التحذير من الخروج المسلح وما يترتب عليه من سفك الدماء لا يستلزم تحريم النصيحة، أو إنكار المنكر، أو المطالبة بالحقوق، أو بيان الخطأ بالحجة والبرهان.

فليس كل إنكار خروجًا، وليس كل صبر تزكيةً، وليس كل طاعة إقرارًا بصحة أفعال الحاكم.

وقد قرر الفقهاء اعتبار المآلات، والنظر في القدرة والاستطاعة، والموازنة بين المصالح والمفاسد عند معالجة الظلم السياسي؛ لأن الأحكام المتعلقة بهذه المسائل لا يصح فصلها عن ظروفها وآثارها.

خامسًا: ماذا يعني حديث «يقودكم بكتاب الله»؟

ورد في السنة الأمر بالسمع والطاعة، حتى لمن كان من غير ذوي المكانة الاجتماعية، وجاء في بعض الروايات وصف الأمير بأنه يقود الناس بكتاب الله.

وهذا المعنى يلفت النظر إلى أن معيار القيادة في التصور الشرعي ليس النسب أو اللون أو المكانة الاجتماعية، وإنما ما يتعلق بالحق والعدل والقيام بالمسؤولية.

وقد شرح العلماء هذه النصوص في سياق وجوب طاعة الأئمة في المعروف، مع عدم طاعتهم في المعصية.

لكن من المهم ألا نحمّل الحديث ما لا يحتمله، أو نجعل عبارة «يقودكم بكتاب الله» دليلًا على أن كل حاكم يدعي الالتزام بالشريعة قد حقق مقتضاها بالفعل.

فالدعوى شيء، والتحقق من الأفعال والسياسات شيء آخر.

كما لا يصح أن يُجعل مجرد وقوع الحاكم في بعض المعاصي دليلًا كافيًا على زوال ولايته أو وجوب منازعته؛ فهذه مسائل لها تفصيلها وأدلتها وشروطها.

سادسًا: هل كل حاكم جائر هو الحاكم الذي قصده العلماء بالصبر؟

إن من يقرأ كلام الفقهاء في الصبر على جور الحكام يجد أن جانبًا مهمًا من تعليلهم يتعلق بحفظ مصالح الناس، ومنع الفتن، واستمرار شؤون الجماعة، وتجنب المفاسد المترتبة على انهيار السلطة.

وقد أورد ابن الوزير في كتابه «العواصم والقواصم» كلامًا في عدم وجوب منازعة الإمام الجائر إذا استمرت مصالح عامة، كالجهاد والجمعة والأعياد، وانتظمت بعض شؤون الناس.

ومثل هذه النصوص ينبغي فهمها في سياقها الفقهي، لا انتزاعها من سياقها وتحويلها إلى قاعدة تبرر كل صور الحكم الجائر مهما بلغت آثارها.

فالحاكم الذي يقع منه ظلم مع بقاء مصالح عامة ليس كمن يُفسد جميع شؤون الناس، ويعتدي على حقوقهم، ويجعل السلطة وسيلة لحماية الفساد.

ومع ذلك، فإن التفريق بين الحالات لا يعني أن كل حالة من هذه الحالات تستلزم حكمًا واحدًا؛ بل لا بد من النظر في حقيقة الأفعال، والأدلة، والقدرة، والمآلات.

فلا يجوز أن نختزل فقه السياسة الشرعية في عبارة واحدة، ثم نجعلها جوابًا جاهزًا لكل واقع، مهما اختلفت أحواله.

سابعًا: بين طاعة ولي الأمر وتقديس الحاكم

المشكلة ليست في تقرير أصل الطاعة في المعروف، فهذا أصل معروف في كتب العقيدة والفقه، وإنما المشكلة حين يتحول هذا الأصل إلى خطاب يساوي بين طاعة الحاكم وطاعة الله من كل وجه، أو يجعل الاعتراض على ظلمه اعتراضًا على الشرع نفسه.

فالحاكم بشر يصيب ويخطئ، ويعدل ويظلم، ويُطاع في المعروف، ولا يُتبع في المعصية.

ولا يجوز أن تُتخذ النصوص الشرعية وسيلة لتبرير الاعتداء على الحقوق، أو إسكات كل صوت ينكر الظلم، أو تصوير كل من يطالب بالعدل والإصلاح على أنه داعية فتنة.

وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول مظالم الحكام إلى ذريعة لإباحة الدماء، أو استسهال الفوضى، أو إطلاق الأحكام بالتكفير والتخوين دون علم أو برهان.

فالعدل لا يتحقق بالاستبداد، كما أن رفع الظلم لا يكون بتجاهل أحكام الشرع ومآلات الأفعال.

الخلاصة: الطاعة الشرعية ليست صكًّا لتبرير الاستبداد

إن طاعة ولي الأمر في المعروف أصل شرعي، وحفظ الجماعة وصيانة الدماء من المقاصد المعتبرة، والصبر على بعض صور الجور قد يكون واجبًا أو مشروعًا بحسب الأحوال وما يترتب على الأفعال من مصالح ومفاسد.

لكن هذه الأصول لا تعني تقديس الحكام، ولا إضفاء المشروعية على كل أفعالهم، ولا تحويل الصبر على الظلم إلى رضا به، ولا جعل الطاعة ستارًا يحتمي خلفه كل مستبد.

إنما الفارق كبير بين فقهٍ يوازن بين المصالح والمفاسد، ويحفظ الدين والدماء والحقوق، وبين خطابٍ ينتقي من النصوص ما يبرر به أفعال الحاكم، ويتجاهل ما أوجبه الشرع من العدل، وأداء الأمانات، ورفع الظلم.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾.

فالعدل ليس أمرًا ثانويًا في الشريعة، وحقوق الناس ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه باسم الطاعة، كما أن حفظ الدماء ليس مبررًا لإهدار سائر الأحكام.

والواجب أن تُفهم نصوص الطاعة في ضوء مجموع النصوص الشرعية ومقاصدها، لا أن تُجعل أداة لتقديس الأشخاص، أو تبرير الظلم، أو إسكات المظلومين.

والله المستعان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق