الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

الإسلام والمرأة: بين ظلم الواقع وعدالة التشريع

 

الإسلام والمرأة: بين ظلم الواقع وعدالة التشريع

ليست قضية المرأة في المجتمعات الإسلامية قضيةً بسيطة يمكن اختزالها في شعار واحد: «تحرير المرأة».

فالسؤال الأهم ليس: هل تحتاج المرأة إلى التحرير؟

بل:

مِمَّ تحتاج المرأة إلى التحرير؟ وإلى أيِّ شيء ينبغي أن تتجه بهذا التحرير؟

فهناك فرق كبير بين أن نحرر الإنسان من الظلم والجهل والإهانة، وبين أن نجعل التحرير مرادفًا للتخلي عن الدين والقيم والأسرة.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.


حين يُظلم الإنسان باسم الدين

من الإنصاف أن نعترف بأن بعض المجتمعات الإسلامية شهدت ممارسات ظالمة تجاه المرأة، ولا يصح أن ننسب كل ما فعله المسلمون إلى الإسلام.

فمنع المرأة من التعلم، واحتقارها، والنظر إليها باعتبارها مجرد وسيلة للإنجاب والخدمة، أو تزويجها دون اعتبار لإرادتها، كلها ممارسات لا ينبغي الدفاع عنها لمجرد أنها وُجدت في مجتمع مسلم.

بل إن الإسلام نفسه جاء بمبادئ ترفع من شأن الإنسان، رجلًا كان أو امرأة.

قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾

وقال سبحانه:

﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾

فالمرأة في التصور الإسلامي ليست كائنًا هامشيًا، ولا إنسانًا من الدرجة الثانية، وإنما هي إنسان كامل الكرامة، له ذمته وحقوقه ومسؤوليته أمام الله.

ومن هنا فإن إصلاح الظلم الواقع على المرأة ليس خروجًا على الإسلام، بل يمكن أن يكون عودةً إلى الإسلام.


المشكلة حين اختلط الإسلام بالعادات

على امتداد التاريخ، لم تكن المجتمعات الإسلامية تعيش دائمًا وفق الصورة المثالية التي قررها القرآن والسنة.

فقد تختلط الأحكام الشرعية بالعادات الاجتماعية، وتتسلل بعض الأعراف إلى الحياة الدينية حتى يظن الناس أنها من الدين، وهي ليست كذلك.

وهذه ليست مشكلة خاصة بالمرأة وحدها.

فالفارق ضروري بين:

الإسلام كما جاء به الوحي،

وبين:

الممارسة التاريخية للمسلمين.

فإذا ظلم رجلٌ امرأةً، فلا يصح أن نقول: هذا هو الإسلام.

وإذا منع أبٌ ابنته من حق ثابت لها، فلا يصح أن نجعل فعله معيارًا للشريعة.

وإذا انتشرت عادة اجتماعية في بلد مسلم، فلا تصبح هذه العادة حكمًا شرعيًا لمجرد شيوعها.

ولهذا فإن أول خطوة في إصلاح قضية المرأة هي:

تنقية الدين من العادات التي أُلبست ثوبه، وتنقية العادات من الأحكام التي لا أصل لها.


ومن هنا بدأت المعركة

حين ظهرت مظاهر الظلم والجهل في حياة المرأة، كان من الطبيعي أن تظهر دعوات تطالب بالإصلاح.

وكان يمكن أن يكون الطريق واضحًا:

نعود إلى الإسلام الصحيح، فنزيل الظلم، ونفتح أبواب العلم، ونحفظ كرامة المرأة، ونصون حقوقها، ونميز بين الحكم الشرعي والعادة الاجتماعية.

لكن التاريخ كان أكثر تعقيدًا من ذلك.

فقد دخلت إلى النقاش اتجاهات فكرية مختلفة، بعضها كان يريد إصلاح واقع المرأة، وبعضها تأثر بالنموذج الأوروبي، وبعضها جعل التجربة الغربية معيارًا للتقدم، حتى أصبح السؤال في بعض الخطابات:

لماذا لا تكون المرأة المسلمة مثل المرأة الأوروبية؟

وهنا انتقلت القضية من مجرد إصلاح ظلم اجتماعي إلى نقاش أوسع حول:

الدين، والأسرة، والحجاب، والتعليم، والعمل، والاختلاط، ودور المرأة في المجتمع، ومفهوم الحرية نفسه.


هل كل ما كان قديمًا يجب أن يُهدم؟

هذه واحدة من أخطر المغالطات التي يمكن أن يقع فيها أي مشروع إصلاحي:

أن يجعل القديم مرادفًا للتخلف، والجديد مرادفًا للتقدم.

فالقديم ليس كله صحيحًا.

والجديد ليس كله باطلًا.

كما أن وجود عادة اجتماعية قديمة لا يجعلها مقدسة، ووجود فكرة حديثة لا يجعلها صحيحة لمجرد أنها حديثة.

المعيار الحقيقي هو:

ما الدليل؟ وما الحق؟ وما الذي يحقق العدل ويحفظ كرامة الإنسان؟

ولهذا ينبغي أن نفرق بين أمرين:

عادات اجتماعية قابلة للنقد والتغيير،

وبين:

أحكام شرعية ثابتة لا تتغير لمجرد تغير الموضة الفكرية أو الاجتماعية.


المرأة ليست ساحة صراع بين الرجل والمرأة

ومن الأخطاء أيضًا أن تتحول قضية المرأة إلى معركة بين جنسين:

الرجل في جهة، والمرأة في جهة أخرى.

فالإسلام لا يقدم العلاقة بين الرجل والمرأة باعتبارها صراعًا دائمًا بين طرفين متنافسين.

بل يضعهما داخل منظومة من الحقوق والواجبات والمسؤوليات.

قال تعالى:

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾

فليست القضية أن ننتقل من ظلم المرأة إلى ظلم الرجل، ولا أن نجعل إنصاف أحدهما قائمًا على إلغاء الآخر.

العدل لا يحتاج إلى ضحية جديدة.


والتعليم ليس عدوًا للدين

ومن أكثر القضايا التي تكشف الخلط بين الإسلام وبعض الممارسات الاجتماعية قضية تعليم المرأة.

فإذا مُنعت المرأة من العلم بحجة أن العلم لا يناسبها، فهذه مشكلة تحتاج إلى معالجة.

أما الإسلام فقد رفع شأن العلم، ولم يجعل طلب المعرفة حكرًا على الرجال.

والتاريخ الإسلامي نفسه عرف نساءً عالمات، وراويات للحديث، وفقيهات، ومعلّمات.

ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس:

هل تتعلم المرأة؟

بل:

كيف تتعلم؟ وماذا تتعلم؟ وكيف تستثمر علمها فيما ينفعها وينفع مجتمعها؟

فالعلم لا ينبغي أن يكون خصمًا للدين.

كما أن التدين الصحيح لا ينبغي أن يكون خصمًا للعلم.


بين البيت والمجتمع

وهنا ينبغي أن نتحرر من ثنائية مصطنعة:

إما أن تكون المرأة في بيتها، وإما أن تكون حرة.

هذه الثنائية ليست صحيحة بهذه الصورة.

فالبيت ليس سجنًا في ذاته، كما أن الخروج إلى المجتمع ليس حريةً في ذاته.

قد يتحول البيت إلى مكان للظلم، وقد يكون مصدرًا للأمان والكرامة.

وقد يكون العمل نافعًا للمرأة ولأسرتها ومجتمعها، وقد يتحول في بعض الظروف إلى مصدر ضغط واستنزاف.

إذن لا بد من النظر إلى المسألة بعين أكثر اتزانًا:

ما الذي يحفظ كرامة المرأة؟ وما الذي يحقق مصلحتها؟ وما الذي يحفظ الأسرة والمجتمع؟

وهذه أسئلة لا تجيب عنها الشعارات وحدها.


الحجاب ليس عنوانًا لكل ظلم

ومن القضايا التي دخلت في صلب الجدل قضية الحجاب.

وهنا يجب أن نفرق بين الحكم الشرعي وبين الممارسات الاجتماعية الخاطئة التي قد تحيط به.

فقد يسيء شخص تطبيق حكم شرعي، فلا يصبح الحكم نفسه باطلًا.

وقد يستخدم آخر الدين لتبرير ظلم امرأة، فلا يصبح الظلم دينًا.

وفي المقابل، لا يصح أن يُجعل رفض بعض الممارسات الاجتماعية الخاطئة ذريعةً لرفض كل حكم ديني لا يوافق التصور العصري.

فالمنهج الصحيح هو:

نصحح الخطأ دون أن نهدم الصحيح، وننقد العادة دون أن نهاجم الدين، وننصف المرأة دون أن نجعل إنصافها مرادفًا لرفض الشريعة.


الإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل

إذا كان في المجتمع ظلمٌ للمرأة، فالإصلاح لا يبدأ بالبحث عن نموذج أجنبي لتقليده بصورة كاملة.

كما أنه لا يبدأ بإنكار وجود المشكلة أصلًا.

بل يبدأ من سؤال أكثر صدقًا:

أين خالفنا مبادئ الإسلام في تعاملنا مع المرأة؟

ثم نصلح ما فسد.

نفتح أبواب التعليم.

نحارب الجهل.

نمنع الإكراه والظلم.

نحفظ للمرأة كرامتها وحقوقها.

نميز بين الدين والعرف.

ونعيد بناء الأسرة على أساس الرحمة والمودة والمسؤولية.

فإذا فعلنا ذلك، لم نكن بحاجة إلى الاختيار بين:

الإسلام أو كرامة المرأة.

لأن الإسلام ـ في أصوله ومقاصده ـ لا يجعل كرامة المرأة خصمًا للدين.


الخلاصة

قضية المرأة تحتاج إلى شجاعة في الاعتراف بالظلم، كما تحتاج إلى شجاعة في رفض تحميل الإسلام أخطاء المسلمين.

فلا يصح أن نقول:

كل ما فعله المسلمون هو الإسلام.

كما لا يصح أن نقول:

كل ما جاء من خارج المجتمع الإسلامي هو تحرر وتقدم.

بين هذين الطرفين توجد مساحة واسعة من البحث والتمييز والإنصاف.

قد يكون في الواقع الإسلامي ظلم يحتاج إلى إزالة.

وقد يكون في بعض الخطابات الحديثة اختزال للحرية في مجرد التخلص من القيود.

وقد يكون في التجارب الإنسانية الأخرى ما يمكن الاستفادة منه في العلم والتنظيم والخبرة، دون أن يعني ذلك استيراد منظومتها الفكرية والاجتماعية كاملة.

والميزان في النهاية ليس:

قديمًا أم حديثًا؟

ولا:

شرقيًا أم غربيًا؟

وإنما:

**حق أم باطل؟

عدل أم ظلم؟
إصلاح أم إفساد؟
وما الذي يوافق هدي الإسلام ويحفظ كرامة الإنسان؟**

فإذا أردنا إنصاف المرأة حقًا، فعلينا أن نحررها أولًا من الظلم والجهل والإهانة، وأن نحرر قضيتها من التوظيف الأيديولوجي الذي يجعلها مجرد أداة في صراع بين اتجاهات مختلفة.

فالمرأة لا تحتاج إلى شعارات تُرفع باسمها بقدر ما تحتاج إلى عدلٍ يصان، وكرامةٍ تُحفظ، وعلمٍ يُفتح بابه، ودينٍ يُفهم بعيدًا عن ظلم العادات وسوء التطبيق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق