لفظي بالقرآن: مخلوق أم غير مخلوق؟
وما الذي يكشفه اختلاف الأئمة؟
من المسائل التي تكشف لنا بوضوح أن تاريخ العقيدة الإسلامية لم يكن خاليًا من الخلاف بين العلماء:
مسألة اللفظ بالقرآن.
وقد تبدو هذه العبارة لأول وهلة بسيطة:
«لفظي بالقرآن مخلوق»
لكنها في الحقيقة ترتبط بمسألة دقيقة جدًا، وهي: ما الذي يقصد باللفظ؟
هل المقصود القرآن نفسه؟
أم صوت القارئ؟
أم حركته؟
أم فعله عند التلاوة؟
وهنا بدأ الخلاف بين العلماء، وظهرت عبارات متعددة، وبعضها صار فيما بعد شعارًا يُحاكم الناس إليه.
والكتاب الذي بين أيدينا يورد هذه القضية باعتبارها أحد الأمثلة على اختلاف السلف في مسائل العقيدة، ليؤكد أن إطلاق عبارة «هذا هو قول السلف» يحتاج إلى دقة، ولا يصح أن يتحول إلى دعوى بأن جميع الأئمة كانوا على قول واحد في كل جزئية.
أولًا: لا بد من التفريق بين القرآن وبين فعل القارئ
وهذه هي النقطة المركزية في المسألة.
فالقرآن الذي أنزله الله تعالى ليس هو صوت القارئ ولا حركة لسانه.
لكن عندما يقرأ المسلم القرآن، فإنه يقوم بفعل من أفعال العباد:
يتحرك لسانه، ويخرج صوته، ويقوم بعملية القراءة والتلاوة.
ولهذا نقل الكتاب عن طائفة من العلماء التفريق بين:
القرآن الذي هو كلام الله
وبين:
فعل العبد في التلاوة والقراءة.
وهذا التفريق مهم للغاية؛ لأن كثيرًا من العبارات المجملة تصبح مضللة إذا لم نحدد المقصود منها.
فإذا قال شخص:
«القرآن مخلوق»
فهذا شيء.
وإذا قال:
«صوت القارئ وحركته مخلوقان»
فهذا شيء آخر.
وإذا قال:
«لفظي بالقرآن مخلوق»
فلا بد من السؤال:
ماذا تقصد بلفظي؟
ثانيًا: لماذا وقع الخلاف؟
لأن بعض العبارات كانت مجملة، ويمكن أن تحمل على أكثر من معنى.
ولهذا كان عدد من العلماء شديدي الاحتياط في هذه القضية.
فالكتاب ينقل عن الحافظ ابن عبد البر كلامًا طويلًا في هذه المسألة، ويذكر أن الخلاف بلغ بين بعض العلماء حدًا شديدًا، حتى صار بعضهم يصف مخالفه بأوصاف قاسية بسبب هذه القضية.
وهنا نصل إلى درس مهم جدًا:
ليست كل عبارة مجملة تصلح أن تكون شعارًا عقديًا.
فالعبارة التي تحتمل أكثر من معنى تحتاج أولًا إلى تفصيل المقصود.
وهذا من أهم أسباب الخلاف في مسائل العقيدة عبر التاريخ.
ثالثًا: الإمام أحمد وموقفه من بعض العبارات
يعرض الكتاب موقفًا للإمام أحمد بن حنبل من بعض العبارات التي أطلقت في هذه القضية.
وينقل أن بعض العلماء قالوا بعبارات تتعلق بخلق اللفظ، وأن الإمام أحمد شدد في إنكار بعض هذه الصيغ، خصوصًا عندما رأى أنها قد تؤدي إلى الكلام في القرآن أو في جبريل والنبي ﷺ بطريقة لا يراها صحيحة.
وهذا يكشف لنا أمرًا مهمًا:
الإمام لم يكن يتعامل مع القضية باعتبارها مجرد ألفاظ منفصلة عن معانيها.
بل كان ينظر إلى ما يمكن أن تؤدي إليه العبارة من معنى عقدي.
وهذا منهج ينبغي أن نتعلمه:
لا تحاكم العبارة قبل أن تفهم معناها.
ولا تنقل المصطلح مجردًا عن السياق الذي قيل فيه.
رابعًا: هل كان العلماء متفقين في هذه المسألة؟
هنا تظهر أهمية المثال.
فالكتاب لا يعرض المسألة ليقول إن كل الأقوال متساوية، وإنما ليستنتج منها أن الخلاف وقع بالفعل بين العلماء في التعبير عن هذه القضية وتفاصيلها.
وقد نقل المؤلف عن الحافظ ابن عبد البر أن هناك علماء قالوا بعبارات مختلفة في المسألة، وأن بعضهم جعل القول في القرآن نفسه شيئًا، والقول في تلاوة القارئ وفعله شيئًا آخر.
إذن لا يصح أن نأخذ قولًا واحدًا من هذا التراث، ثم نقول:
«هذه هي عقيدة السلف الوحيدة، ومن خالفها فقد خالف السلف.»
قبل أن ندرس أقوال العلماء جميعًا، ونفهم اصطلاحاتهم، ونعرف مراد كل واحد منهم.
خامسًا: المشكلة في الألفاظ المجملة
وهذا من أجمل الدروس التي يمكن أن نخرج بها من هذه القضية.
هناك فرق كبير بين:
القول المفصل
و
القول المجمل.
فعندما تقول:
«القرآن مخلوق»
فقد حملت العبارة معنى خطيرًا ومخالفًا لما يقوله أهل السنة في كلام الله.
لكن عندما تقول:
«صوت القارئ وحركته وفعلُه مخلوق»
فأنت تتحدث عن فعل العبد.
ولهذا لا يجوز أن نخلط بين الأمرين.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا كان العلماء يشتدون في بعض العبارات، ولماذا كانوا يرفضون عبارات أخرى حتى لو كان قائلها يريد بها معنى مختلفًا.
سادسًا: عندما تتحول المسألة العلمية إلى معركة بين العلماء
وهنا يأخذ الكتاب الموضوع إلى درس أوسع.
فقد يتحول الخلاف في عبارة أو اصطلاح إلى خصومة بين الأقران.
وقد يصل الأمر إلى التجريح والقطيعة والتشدد.
ويذكر الكتاب مثالًا آخر من الخلافات بين العلماء، ثم ينقل عن الذهبي معنى بالغ الأهمية:
أن العلماء قد يتكلم بعضهم في بعض بحسب اجتهادهم، وأنه لا يوجد بعد رسول الله ﷺ من يؤخذ قوله كله ولا يترك منه شيء.
وهنا ينبغي أن نقف طويلًا.
فالعالم مهما بلغ:
ليس نبيًا.
والمجتهد مهما علا قدره:
ليس معصومًا.
والمذهب مهما كان عظيمًا:
ليس وحيًا منزلًا.
ولهذا قال المؤلف في سياق حديثه عن هذه الخصومات:
«الحق أحق أن يتبع».
سابعًا: احترام الأئمة لا يعني تقديس كل اجتهاداتهم
وهذا درس ينبغي أن يكون حاضرًا في كل نقاش عقدي.
نحن لا نتحدث عن علماء عاديين.
بل عن أئمة كبار حفظوا العلم، وخدموا السنة، ونقلوا الدين، واجتهدوا في فهم النصوص.
ومن الظلم أن نلغي مكانتهم بسبب مسألة اختلفوا فيها.
لكن في المقابل:
احترام العالم لا يعني أن نجعل كل اجتهاداته وحيًا.
والكتاب نفسه يقرر هذه الفكرة بوضوح في سياق حديثه عن أقوال العلماء في بعضهم، فيذكر أن العالم قد يخطئ، وأن أقوال الطعن والتجريح التي صدرت بين بعض الأقران لا ينبغي أن تتحول إلى قدوة للمسلمين.
وهذه قاعدة عظيمة:
نحترم العالم… ولا نعصمه.
نقدر الإمام… ولا نقدس اجتهاده.
نستفيد من كلامه… ونزن قوله بالدليل.
ثامنًا: ماذا تكشف لنا هذه القضية عن «عقيدة السلف»؟
تكشف لنا شيئًا بالغ الأهمية:
أن عبارة:
«هذا هو قول السلف»
ليست كافية وحدها لإغلاق باب النقاش.
بل ينبغي أن نسأل:
أي قول؟
ومن قاله؟
وماذا كان يقصد به؟
وهل اتفق عليه السلف؟
أم كان قول بعضهم؟
وهذا تحديدًا هو الهدف الذي وضع المؤلف هذه المسألة من أجله ضمن أمثلة اختلاف السلف في العقيدة.
تاسعًا: لا تجعل الخلاف في الاصطلاح خلافًا في القرآن نفسه
وهذا من أهم ما ينبغي أن يفهمه القارئ.
قد يتفق العلماء على أصل عظيم، ثم يختلفون في طريقة التعبير عنه.
وقد يكون اختلافهم بسبب:
اختلاف المصطلحات.
اختلاف المقصود من اللفظ.
الخوف من لوازم العبارة.
اختلاف طريقة عرض المسألة.
أو اختلافهم في بعض التفاصيل.
ولهذا ينبغي أن نقرأ كلام العلماء ضمن سياقه، لا أن نأخذ جملة واحدة ونبني عليها حكمًا عامًا.
العبرة ليست بكثرة الصراخ… بل بدقة العلم
ومن المؤسف أن بعض الخلافات العقدية المعاصرة تعيد إنتاج المشكلة نفسها.
تجد شخصًا يرفع شعارًا:
«هذه عقيدة السلف!»
ثم إذا سألته:
أين قال جميع السلف ذلك؟
قد يتبين أن المسألة أكثر تعقيدًا مما صوّرها.
وقد يكون هناك قول آخر منقول عن إمام معتبر.
وهنا لا يكون الحل في رفع الصوت، ولا في تبادل الاتهامات، وإنما في:
جمع الأقوال.
فهم المصطلحات.
معرفة السياقات.
ثم الترجيح بالدليل.
الخلاصة
مسألة «لفظي بالقرآن» ليست مجرد قضية تاريخية قديمة.
إنها درس في منهج التفكير العقدي.
تعلّمنا أن:
🔹 القرآن كلام الله تعالى، ولا ينبغي الخلط بينه وبين أفعال العباد عند تلاوته.
🔹 الألفاظ المجملة قد تحمل معاني متعددة، ولذلك لا بد من الاستفصال عن المقصود.
🔹 اختلاف العلماء لا يعني بالضرورة أن أحدهم لا ينتسب إلى أهل السنة.
🔹 لا يصح أن ننسب قولًا لبعض العلماء إلى جميع السلف بلا دليل.
🔹 احترام الأئمة لا يعني عصمتهم من الخطأ.
🔹 الخلاف العلمي ينبغي أن يُدار بالعلم والإنصاف، لا بالتجريح والتشهير.
وأهم قاعدة يمكن أن نخرج بها:
لا تجعل عبارةً مجملةً ميزانًا تُخرج به الناس من السنة، قبل أن تعرف معناها، ومن قالها، وما الذي أراده بها.
فقد يكون الخلاف في العبارة، بينما يكون الاتفاق في الأصل.
وقد يكون الخلاف في التفصيل، لا في أصل الإيمان.
وقد يكون العالم قد أخطأ في اجتهاده، دون أن يسقط قدره وعلمه وفضله.
ولهذا:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق