🔴 حقيقة المداخلة… «دراويش» الجرح والتجريح!
قراءة ساخرة في عقلية التقديس والتصنيف والهجر
حين تتحول المواقف من الأشخاص إلى ميزانٍ لمعرفة الحق والباطل، وحين يصبح السؤال عن الشخص الذي قال الكلام أهم من السؤال عن الدليل الذي استند إليه، وحين يتحول الخلاف العلمي إلى سلسلة من الولاءات والبراءات والتحذيرات…
فهنا نحن أمام ظاهرة تستحق التوقف والنقد.
والحديث هنا ليس عن كل من وُصف بالمدخلية، ولا عن كل من استفاد من الشيخ ربيع المدخلي، وإنما عن الصورة الغالية والمتشددة من هذا الاتجاه؛ تلك الصورة التي يرى منتقدوها أنها جعلت الجرح والتصنيف محورًا واسعًا من الحياة الدينية، حتى بدا المشهد ـ في صورته الساخرة ـ أقرب إلى:
شيخٍ ومريد، وموالٍ ومبغض، وقائمة محذَّر منهم… تتجدد باستمرار!
🔹 أولًا: ما المشكلة في «المدخلية» كما ينتقدها خصومها؟
المشكلة ـ في نظر منتقدي هذا الاتجاه ـ ليست في أن يكون للإنسان شيخ يتعلم منه، ولا في أن يستفيد من عالم أو يثق بعلمه.
فهذا أمر طبيعي في طلب العلم.
وإنما المشكلة تبدأ عندما يتحول احترام العالم إلى نوع من التسليم المطلق، فيصبح كلامه هو المعيار الذي تُبنى عليه مواقف الناس:
من مدحه الشيخ فهو ثقة.
ومن حذّر منه فهو محذَّر منه.
ومن دافع عنه فهو موضع نظر.
ومن خالف الشيخ فهو المخطئ ابتداءً.
وهنا يصبح السؤال:
أين ينتهي احترام العالم… وأين يبدأ التعصب له؟
🔹 ثانيًا: المريد بين يدي الشيخ!
في الصورة الساخرة لهذا المنهج، يبدو المريد وكأنه مطالب بأن يكون:
أقل سؤالًا… وأكثر تسليمًا!
إذا قيل له:
«احذر فلانًا»
قال:
حاضر.
وإذا قيل له:
«قاطع فلانًا»
قال:
سمعًا وطاعة.
وإذا سأل:
لماذا؟
قيل له:
«الشيخ أعلم منك!»
وهنا لا خلاف في أن العالم قد يكون أعلم من الطالب، لكن العلم لا يعني العصمة.
فالشيخ يُحترم، ويُستفاد من كلامه، لكن كلامه ـ مهما علا قدره ـ ليس وحيًا، واجتهاده ليس فوق النقد العلمي.
🔹 ثالثًا: «الشيخ يجرح… والمريد ينفذ!»
ومن أكثر ما يثير النقد أن تتحول بعض التحذيرات من اجتهاد علمي قابل للنقاش إلى ما يشبه الأحكام النهائية.
فإذا جُرح شخص:
لا يكفي أن تسأل عن الدليل.
بل تبدأ الأسئلة الجديدة:
من يجالسه؟
من يثني عليه؟
من يقرأ له؟
من يستشهد بكلامه؟
من يدافع عنه؟
من يترحم عليه؟
من لم يحذّر منه؟!
وهكذا تتسع الدائرة شيئًا فشيئًا.
حتى لا يعود الخلاف متعلقًا بالشخص الأول فقط، بل بكل من اقترب منه أو أثنى عليه أو لم يوافق على إسقاطه!
وكأن الجرح أصبح «عدوى» تنتقل بالصحبة والثناء!
🔹 رابعًا: الناس متهمون… حتى تثبت براءتهم!
في الصورة الساخرة للعقلية التي ينتقدها المقال، لا يكون الأصل:
حسن الظن والتثبت.
بل يصبح الأصل:
الاشتباه… ثم البحث عن التهمة!
هل جلس مع فلان؟
هل حضر درسه؟
هل شاركه في محاضرة؟
هل ذكره بخير؟
هل ترحم عليه؟
هل لم يرد عليه؟
هل يعرف شخصًا يثني عليه؟
وهكذا يمكن أن تجد نفسك في نهاية المطاف مُتهمًا لأنك لم تتبرأ من شخصٍ اتُّهم لأنه لم يتبرأ من شخصٍ آخر!
إنها سلسلة لا تكاد تنتهي.
🔹 خامسًا: «التوبة»… ولكن إلى الموقف!
ومن المظاهر التي تستحق النقد أن يتحول الخلاف المنهجي أحيانًا إلى مطالبة المخالف بـ«التوبة».
ولا بأس أن يتوب الإنسان من الخطأ، فالتوبة من فضائل الإسلام.
لكن السؤال:
هل التوبة تكون إلى الله من الذنب، أم تتحول إلى إعلان ولاء لموقف شخص معين؟
فإذا أخطأ الإنسان في حق الله، تاب إلى الله.
وإذا أخطأ في حق إنسان، اعتذر إليه.
أما أن يصبح الرجوع عن رأي علمي إلى رأي الشيخ شرطًا لاستعادة الثقة، فهذه مسألة أخرى تحتاج إلى دليل، لا إلى مجرد سلطة الاسم.
🔹 سادسًا: قاموس التصنيفات!
وهنا نصل إلى أشهر ما يُنتقد في هذه العقلية:
التصنيف… ثم التصنيف… ثم المزيد من التصنيف!
فبدل أن يكون السؤال:
ماذا قال الرجل؟ وما دليله؟
يصبح السؤال:
إلى أي جماعة ينتمي؟ ومن يجالس؟ ومن يثني عليه؟
ثم تنهال الأوصاف:
إخواني!
صوفي!
تبليغي!
سروري!
قطبي!
خارجي!
جهادي!
مأربي!
عرعوري!
حدادي!
… إلخ.
حتى يكاد بعض الشباب يعرف خريطة التصنيفات أكثر مما يعرف أبواب الفقه والعقيدة وأصول الاستدلال!
وكأن التفوق العلمي لا يقاس بعدد المسائل التي تعلمتها…
بل بعدد الأسماء التي تستطيع أن تقول عنها:
«محذَّر منه»!
🔹 سابعًا: من شروط «الانتساب» أن تعرف من يجب أن تقاطع!
وفي الصورة الساخرة لهذه العقلية، لا يكفي أن تعرف من تحب.
بل عليك أن تعرف:
من تقاطع؟
ومن تحذر؟
ومن لا تجالسه؟
ومن لا تسمع له؟
ومن لا تقرأ له؟
ومن لا تدافع عنه؟
ومن لا تترحم عليه؟
ومن لا تثني عليه؟
ثم من يجب أن تتبرأ ممن يثني عليه!
حتى يصبح الولاء والبراء شبكة متداخلة لا يعرف الشاب أين تبدأ وأين تنتهي.
فإذا كان ميزانك هو الأشخاص، فلن تنتهي من الأشخاص أبدًا.
🔹 ثامنًا: «التثبت» يصبح آخر ما نفكر فيه!
القرآن لم يقل:
إذا جاءكم خبرٌ فاحكموا فورًا.
بل قال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾
والتثبت ليس فضيلة اختيارية عندما يتعلق الأمر بسمعة الناس وأعراضهم.
فكيف يجوز أن يُبنى موقف من عالم أو داعية أو طالب علم على:
مقطع مبتور،
أو نقل غير موثق،
أو كلام منقول بالمعنى،
أو مجرد «قيل لنا»؟
إذا كان الخطأ في نقل خبر عادي قد يسبب ظلمًا، فكيف إذا كان الخبر سيؤدي إلى هجر إنسان، وتحذير الناس منه، وإسقاطه من أعينهم؟
🔹 تاسعًا: إذا خالف الشيخ… سقط العالم!
ومن أخطر نتائج التعصب للأشخاص أن يتحول الخلاف معهم إلى مقياس لقيمة العالم.
فقد تجد عالمًا قضى عشرات السنين في التدريس والتأليف والبحث، ثم يصبح عند بعض الشباب:
«لا يُؤخذ عنه!»
لماذا؟
لأنه خالف شيخًا بعينه!
وهنا السؤال:
هل العلم يُقاس بعدد مرات موافقة الشيخ؟
وهل العالم يصبح عالمًا إذا وافق، ويصبح جاهلًا إذا خالف؟
إن كان الأمر كذلك، فما الحاجة إلى الاجتهاد أصلًا؟
وما الحاجة إلى البحث والنظر والمناقشة؟
🔹 عاشرًا: ادخل المسجد… لكن لا تنسَ أن تصنّف المصلين!
ومن أطرف ما يمكن أن تنتجه عقلية التصنيف:
أن يدخل الإنسان المسجد، فلا يرى أمامه أولًا:
مسلمين يصلون!
بل يبدأ عملية التصنيف:
هذا صوفي…
وهذا إخواني…
وهذا تبليغي…
وهذا سروري…
وهذا خارجي…
وهذا جهادي…
وهذا مدخلي…
وهذا…!
وكأن السؤال عن الانتماء التصنيفي أصبح أهم من أخوة الإسلام.
والأصل أن المسلم الذي يصلي معك، ويشهد الشهادتين، ويجمعك به أصل الإسلام، لا يتحول لمجرد مخالفته في مسألة اجتهادية إلى عدوٍ يجب هجره وإسقاطه.
الاختلاف لا يلغي الأخوة، والخطأ لا يلغي الإسلام.
🔹 الحادية عشرة: مفارقة عجيبة…!
وقد تجد في بعض صور هذا الخطاب مفارقة تحتاج إلى تأمل:
يُطالب المخالفون بالرفق، ويُقال:
«لا تتنابزوا بالألقاب!»
ثم تمتلئ مجالس النقد بقائمة طويلة من الأوصاف والتصنيفات!
فإذا قلت لهم:
«أنتم مدخلية»
قال بعضهم:
«لا تسمّونا مدخلية؛ فهذا من التنابز بالألقاب!»
حسنًا…
فلنضع المعيار نفسه على الجميع.
إذا كان إطلاق اسم «المدخلية» على اتجاه معين مجرد تنابز بالألقاب، فلا ينبغي إذن إطلاق عشرات الألقاب والتصنيفات على المخالفين.
أما إذا كان «مدخلي» مجرد وصف لاتجاه فكري أو منهجي، فليس كل اسم تعريفي تنابزًا بالألقاب؛ فالعبرة بالقصد والسياق وطريقة استعماله.
والأهم:
لا يمكن أن نرفض التصنيف عندما يكون ضدنا، ثم نستعمل التصنيفات بكثافة عندما تكون ضد الآخرين!
لا يصح أن تقول:
«لا تسمّني بهذا اللقب!»
ثم تجعل حياتك العلمية قائمة على:
«هذا صوفي… هذا إخواني… هذا سروري… هذا خارجي… هذا تبليغي… هذا حدادي… هذا مأربي…»
فإن كان التنابز بالألقاب مذمومًا، فهو مذموم على الجميع.
وإن كان المقصود مجرد التعريف بالاتجاهات والتيارات، فليكن ذلك بالعدل والإنصاف، لا بالألقاب الجارحة ولا بالأحكام المسبقة.
🔴 المشكلة ليست في الشيخ… بل في تحويل الشيخ إلى ميزان!
ليس من الخطأ أن تحب عالمًا.
وليس من الخطأ أن تثق بعلمه.
وليس من الخطأ أن تستفيد من كتبه ودروسه.
لكن الخطأ يبدأ عندما يصبح:
قوله = الحق دائمًا.
و:
مخالفه = الباطل دائمًا.
وحين يصبح:
مدحه = تزكية مطلقة.
و:
جرحه = إسقاط مطلق.
هنا يتحول العالم من مرشد إلى معيار للحق والباطل.
وهذا هو موضع الاعتراض.
🔻 الخلاصة
ليست المشكلة في أن يكون للإنسان شيخ يتعلم منه.
وليست المشكلة في احترام العلماء.
وليست المشكلة في التحذير من الخطأ عند وجود الدليل.
وليست المشكلة في بيان الانحرافات والمخالفات.
المشكلة تبدأ عندما يتحول ذلك كله إلى «نظام ولاء وبراء» قائم على الأشخاص.
عندما يصبح السؤال:
من قال؟
أهم من:
ماذا قال؟
وعندما يصبح:
هل الشيخ راضٍ عنه؟
أهم من:
هل الدليل معه؟
وعندما يصبح:
من تجالس؟
أهم من:
ماذا تعتقد؟ وماذا تقول؟ وما حجتك؟
فهنا ينبغي أن نتوقف ونسأل أنفسنا:
هل نحن أمام اتباعٍ للدليل… أم اتباعٍ للأشخاص؟
فالعالم ليس معصومًا.
والشيخ ليس نبيًا.
والمريد ليس مطالبًا بتعطيل عقله.
والخلاف العلمي ليس جريمة.
والتحذير ليس بديلًا عن الدليل.
والتصنيف ليس علمًا قائمًا بذاته.
والألقاب لا تصنع الحق والباطل.
والعدل لا يتغير بحسب الشخص الذي نتفق معه أو نختلف معه.
قال تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
فليكن ميزاننا:
الدليل قبل الشخص،
والتثبت قبل الحكم،
والعدل قبل التصنيف،
والإنصاف قبل التجريح،
والأخوة قبل الخصومة.
أما أن يصبح الدين عبارة عن:
شيخٍ ومريد،
وقائمة محذَّر منهم،
وسلسلة من الولاءات والبراءات،
وموسوعة من التصنيفات والألقاب…
فهنا لا بد أن نسأل بصدق:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق