ذِكرٌ لم يفعله النبي ﷺ… واظب عليه ابن تيمية وأمر به!
فهل يصبح ما لم يفعله النبي ﷺ بدعةً محرّمة لمجرد أنه لم يفعله؟!
كثيرًا ما نسمع في بعض الخطابات الدينية عبارةً تُطرح وكأنها قاعدة حاسمة لا تقبل النقاش:
«هل فعلها النبي ﷺ؟ فإن لم يفعلها فهي بدعة!»
حسنًا…
لنضع هذه القاعدة نفسها أمام مثالٍ منقول عن شيخ الإسلام ابن تيمية، لا أمام ممارسةٍ منسوبة إلى شخص مجهول أو طريقة صوفية أو جماعة بعينها.
فماذا نجد؟
🔹 ذكرٌ مخصوص بعددٍ ووقتٍ مخصوصين
ينقل ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله:
«مَن واظب على: يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت، كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر أربعين مرة، أحيى الله بها قلبه».
وقد أورد ابن القيم هذا الكلام في مدارج السالكين، كما نقل عنه أيضًا أن ابن تيمية كان شديد اللهج بهذين الاسمين، ويرى لهما تأثيرًا في حياة القلب.
وهنا يأتي السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بالمعيار نفسه الذي يُطرح على غيره:
🔸 هل ثبت عن رسول الله ﷺ أنه أمر بهذا الذكر؟
🔸 هل ثبت عنه ﷺ تحديده بأربعين مرة؟
🔸 هل ثبت عنه ﷺ تخصيصه بهذا الوقت؟
🔸 وهل ثبت عنه ﷺ أن من واظب عليه بهذا العدد والوقت «أحيا الله قلبه»؟
بحسب ما نُقل في هذا الباب، لا يوجد نص نبوي يثبت هذا التحديد بهذا العدد والوقت وهذه الفضيلة.
بل إن الشيخ عبد الرحمن البراك، عند مناقشة هذه المسألة، قرر أن أصل الذكر حسن، لكن تحديد العدد والوقت وترتيب ذلك على فضل معين يحتاج إلى دليل.
والشيخ ابن عثيمين نُقل عنه كذلك أنه لا يعلم لهذا التحديد دليلًا من سنة النبي ﷺ، وفسّر إمكان أن يكون ابن تيمية ذكره من باب التجربة، مع تأكيده أن المواظبة عليه تحتاج إلى دليل شرعي.
🔹 إذن أين المشكلة؟
المشكلة ليست في قول:
«يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت»
فهذا من الدعاء والذكر المشروع في أصله.
والمشكلة ليست في محبة ذكر الله أو الإكثار منه.
وإنما السؤال هو:
هل يجوز أن نخصص ذكرًا مشروعًا بعددٍ معين، وفي وقتٍ معين، ونربط به فضيلةً معينة، ثم نقول للناس: واظبوا عليه؟
إذا كان الجواب:
لا يجوز إلا بدليل خاص.
فهذا هو عين المعيار الذي ينبغي أن يُطبَّق على الجميع.
وإذا كان الجواب:
يجوز باعتباره اجتهادًا أو تجربةً شخصية، ما دام أصل الذكر مشروعًا، ولا يُعتقد أنه سنة نبوية ثابتة.
فهذا أيضًا يحتاج إلى أن يكون قاعدة عامة لا تُطبَّق على شخص وتُترك عند آخر.
🔹 والمفارقة هنا واضحة!
عندما يأتي شخص بذكرٍ أو دعاءٍ لم يفعله النبي ﷺ، يقول بعضهم:
أين الدليل؟ هل فعله رسول الله ﷺ؟
لكن عندما يُنقل مثل هذا التخصيص عن عالم كبير، لا ينبغي أن يتغير المعيار لمجرد أن القائل ابن تيمية أو غيره.
بل العدل أن نقول:
القول يُنظر في دليله، ولا تتحول المسألة إلى حق وباطل بحسب اسم القائل.
وهذا لا يعني الطعن في ابن تيمية، ولا إنكار علمه، ولا إسقاط مكانته.
بل يعني شيئًا أبسط من ذلك بكثير:
ابن تيمية عالم مجتهد، يصيب ويخطئ، وما نُقل عنه من اجتهاد لا يتحول تلقائيًا إلى سنة نبوية.
وهذه قاعدة ينبغي أن تكون ثابتة مع الجميع.
🔹 وهل كان ابن تيمية وحده في اعتماد بعض الممارسات التي لم يرد فيها نص خاص؟
ليس المقصود أن نجمع عشرات الأمثلة لمجرد التشنيع على العلماء.
لكن توجد مسألة أخرى تكشف أهمية التفريق بين عدم ورود الفعل عن النبي ﷺ وبين كونه ممنوعًا شرعًا.
فمثلًا، أجاز الشيخ عبد العزيز بن باز دعاء ختم القرآن في الصلاة، وعلّل ذلك بأن الدعاء وجد سببه في الصلاة، وأنه ثبت عن بعض السلف، وأن أدلة الدعاء في الصلاة تشمل ذلك.
وهنا نرى أن المسألة ليست دائمًا:
«لم يفعله النبي ﷺ = بدعة محرمة».
بل البحث أوسع:
هل للفعل أصل شرعي عام؟
هل يدخل تحت عبادة مشروعة أصلًا؟
هل هو اجتهاد في التطبيق؟
هل جرى اعتقاد أنه سنة مخصوصة ثابتة عن النبي ﷺ؟
هل أضيف إليه عدد أو وقت أو هيئة أو فضيلة معينة تحتاج إلى دليل؟
وهذه التفصيلات هي التي تجعل الحكم أكثر دقة.
🔹 ليس كل جديد بدعة… وليس كل اجتهاد سنة
وهنا نصل إلى النقطة الأهم.
لا يصح أن نقول:
«كل ما لم يفعله النبي ﷺ فهو بدعة محرمة».
كما لا يصح في المقابل أن نقول:
«كل شيء جديد في العبادة جائز بلا ضوابط».
بل ينبغي التفريق.
فقد يكون الشيء جديدًا من حيث الصورة أو التنظيم أو الوسيلة، لكنه داخل تحت أصل شرعي عام.
وقد يكون أصل العمل مشروعًا، ثم يأتي شخص فيخصصه بعدد معين أو وقت معين أو صفة معينة أو فضيلة معينة دون دليل؛ وهنا تظهر الحاجة إلى الدليل.
ولهذا فإن القضية ليست في كلمة:
«جديد»
وحدها.
وإنما في:
ما الذي أُضيف؟ وكيف أُضيف؟ وعلى أي دليل بُني؟ وهل اعتُقد أنه سنة شرعية ثابتة أم أنه اجتهاد أو تجربة؟
🔹 والمفارقة الأكبر…
إذا كان مجرد عدم فعل النبي ﷺ كافيًا وحده للحكم بالتحريم والبدعة، فسيصبح السؤال لازمًا للجميع:
هل فعل النبي ﷺ هذا التخصيص؟
ليس فقط عندما نتحدث عن المولد.
وليس فقط عندما نتحدث عن دعاءٍ أو ذكرٍ لا يعجبنا.
وليس فقط عندما نتحدث عن ممارسةٍ عند طائفةٍ أخرى.
بل حتى عندما نجد ممارسةً أو اجتهادًا منقولًا عن عالمٍ نحبه ونجلّه.
فالميزان واحد.
🔻 الخلاصة
لسنا بحاجة إلى أن نقول:
«ابن تيمية مبتدع»
حتى نناقش المسألة.
بل يكفي أن نقول:
هناك ذكرٌ مشروع في أصله، نُقل عن ابن تيمية تخصيصه بعددٍ ووقتٍ معينين وربطُه بفضلٍ معين، ولم يثبت ذلك عن النبي ﷺ بنص خاص.
فإن قيل:
«هذا اجتهاد وتجربة، وليس سنة نبوية»
قلنا:
حسنًا… إذن لنعتمد هذا التفريق نفسه في سائر المسائل.
وإن قيل:
«لا يجوز تخصيص عبادة بعدد أو وقت أو فضيلة بلا دليل»
قلنا:
فليكن هذا هو المعيار مع الجميع، لا مع المخالفين فقط.
فالعدل في باب البدع ليس أن نبحث عن أخطاء الآخرين فقط…
بل أن نضع ميزانًا واحدًا ثم نزن به الجميع.
لا تجعلوا «هل فعله النبي ﷺ؟» سؤالًا يُرفع في وجه المخالف فقط، ثم يُطوى عندما يكون الفعل منقولًا عن شيخٍ نحبّه.
فالمنهج العادل لا يتغير بتغير أسماء الأشخاص.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق