الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

🕌 حين يتحول الدين إلى تجارة… من يبيع للناس «الحق» باسم السلفية؟

🕌 حين يتحول الدين إلى تجارة…

من يبيع للناس «الحق» باسم السلفية؟

كما توجد تجارة في السلع والبضائع، وتجارة إلكترونية تدرّ أرباحًا هائلة، فقد نشأت في بعض البيئات أيضًا سوقٌ دينية لها خطابها، ورموزها، وجمهورها، ومؤسساتها، ومكاسبها المعنوية والمادية.

وهنا ينبغي أن يكون السؤال واضحًا:

متى يتحول تبليغ الدين من رسالةٍ للهداية إلى وسيلةٍ للنفوذ والشهرة والربح؟


🔹 من «الكتاب والسنة» إلى احتكار فهمهما

مع انتشار الخطاب السلفي المعاصر، ظهر شعار جذاب في ظاهره:

«الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة».

ولا خلاف أن الرجوع إلى القرآن والسنة وفهم السلف من حيث الأصل أمر مهم.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الشعار من منهج للاستفادة من تراث السلف إلى وسيلة للقول:

نحن وحدنا نمثل السلف، ومن خالفنا فقد خالف السلف!

وهنا تضيق دائرة الإسلام الواسعة، ويصبح تاريخ الأمة وعلماؤها ومدارسها الفقهية والعقدية المختلفة وكأنها خارج دائرة الاعتبار.

فتتحول كلمة «السلف» من مفهوم تاريخي واسع يضم أجيالًا وعلماء واتجاهات متعددة، إلى عنوان ضيق يُراد به في أحيان كثيرة تيار معاصر محدد.


🔹 المشكلة ليست في اسم «السلفية»… بل في احتكار الحقيقة

ليس الاعتراض على أن يسمي الإنسان نفسه سلفيًا، ولا على دراسة كتب ابن تيمية أو غيره من علماء التراث.

فالتراث الإسلامي واسع، وابن تيمية عالم له مكانته، كما أن غيره من العلماء لهم مكانتهم.

المشكلة تبدأ حين يُختزل الإسلام في مدرسة واحدة، ويُختزل السلف في مجموعة محددة من العلماء، ثم يُجعل الاختلاف معها سببًا للتبديع والتضليل والتشنيع.

عندها لا يعود الخلاف خلافًا علميًا طبيعيًا، وإنما يتحول إلى صراع على احتكار تعريف السنة والبدعة، والحق والباطل، ومن يدخل في دائرة أهل السنة ومن يخرج منها.


🔹 حين تصبح الفتوى سلعةً والصراع مصدرًا للشهرة

من أخطر مظاهر الأزمة أن يتحول بعض المتصدرين للمشهد الديني إلى نجوم في صناعة الجدل.

كل يوم معركة جديدة:

هذا مبتدع!
ذاك قبوري!
وهذا جهمي!
وذاك ضال!
وهذا خارجي!
وآخر لا يُؤخذ عنه!

وهكذا يصبح الاشتغال بتصنيف الناس أحيانًا أكثر حضورًا من الاشتغال بإصلاحهم وتعليمهم.

وتتحول مسائل جزئية وفرعية إلى معارك كبرى، بينما تتراجع قضايا العلم والتعليم والتنمية والإنتاج وبناء الإنسان.

ليس معنى ذلك أن مسائل الفقه والعقيدة غير مهمة، وإنما المشكلة في اختلال الأولويات، عندما تستنزف الأمة طاقتها في صراعات لا تنتهي حول مسائل جزئية، بينما تتقدم أمم أخرى في العلم والتقنية والاقتصاد والتعليم.


🔹 من صناعة العلم إلى صناعة الخصوم

العالم الحقيقي لا يحتاج إلى أن يصنع أعداءً حتى يثبت وجوده.

أما حين تصبح شهرة الداعية مرتبطة بعدد من ردّ عليهم، وعدد من بدّعهم، وعدد من حذّر منهم، فإننا نكون أمام ثقافة جدلية قد تنتج جمهورًا يجيد الخصومة أكثر مما يجيد العلم.

وهنا تظهر ظاهرة خطيرة:

أن يصبح التصنيف أسهل من التعليم، والتحذير أسهل من الحوار، والتبديع أسرع من البحث، والحكم على الأشخاص أسهل من دراسة الأفكار.

والنتيجة؟

مجتمع ديني مشغول بنفسه، يستنزف طاقته في معارك داخلية لا تنتهي.


🔹 بينما العالم من حولنا يتغير

وفي الوقت الذي تنشغل فيه بعض البيئات الإسلامية بمعارك لا تنتهي حول:

اللحية، والنقاب، والسواك، وتقصير الثياب، وهيئة الصلاة، وتصنيف المخالفين…

تتقدم أمم أخرى في:

الجامعات، والبحث العلمي، والذكاء الاصطناعي، والطب، والهندسة، والصناعة، والاقتصاد، والتقنية.

وهذه ليست دعوة إلى إهمال الدين أو العلوم الشرعية.

بل العكس تمامًا.

إنها دعوة إلى أن نستعيد التوازن:

دينٌ يبني الإنسان،
وعلمٌ ينفع الإنسان،
وأخلاقٌ تحفظ المجتمع،
وعقلٌ يبحث ويتعلم،
واجتهادٌ يواكب العصر،
وأمةٌ تعرف أولوياتها.


🔹 أخطر تجارة… أن تبيع للناس احتكار الحقيقة

التجارة الدينية لا تعني فقط جمع المال باسم الدين.

قد تكون التجارة أيضًا:

تجارةً بالشعارات،
وتجارةً بالخوف،
وتجارةً بالخصومة،
وتجارةً بالتصنيف،
وتجارةً بالشهرة،
وتجارةً بادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة.

وحين يقتنع الناس أن هناك جماعة واحدة فقط تمتلك «السنة»، وأن بقية المسلمين لا يفهمون الدين كما ينبغي، يصبح الدين نفسه ساحةً للصراع على النفوذ.

وهنا يجب أن نتوقف ونسأل:

هل نريد دينًا يصنع الإنسان…

أم خطابًا يصنع الأتباع؟

هل نريد علماء يعلّمون الناس ويجمعونهم على الخير؟

أم متصدرين يعيشون على معارك لا تنتهي؟

هل نريد أن يكون الاختلاف الفقهي والعلمي رحمةً ومساحةً للاجتهاد؟

أم أن يتحول كل اختلاف إلى تهمة؟


🔻 الدين أكبر من أن يكون سلعة

الإسلام ليس ملكًا لجماعة.

والسنة ليست حكرًا على تنظيم أو تيار.

والتراث الإسلامي ليس كتابًا واحدًا ولا شيخًا واحدًا ولا مدرسة واحدة.

إن أمتنا ورثت قرونًا طويلة من العلم والاجتهاد والمدارس والمذاهب والعلماء، ومن الظلم أن تُختزل هذه الثروة كلها في اتجاه معاصر واحد.

والأخطر من ذلك أن يتحول الدين من رسالةٍ لتحرير الإنسان من عبودية الشهوات والأهواء إلى وسيلة لصناعة التبعية للأشخاص والجماعات.

لذلك نحن بحاجة إلى خطاب ديني:

أكثر علمًا…
أكثر عقلانية…
أكثر رحمة…
أقل تصنيفًا…
وأشد اهتمامًا ببناء الإنسان والمجتمع.

فالدين الذي جاء ليهدي الإنسان ويعمر الحياة، لا ينبغي أن يتحول إلى سوقٍ تُباع فيه القداسة، وتُشترى فيه الولاءات، ويُتاجر فيه بالخلاف.

الدين رسالة هداية… وليس تجارة نفوذ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق