صراع المداخلة: الرد للدين أم الانتصار للنفس؟
وقفات مع ردّ رسلان على أبي الحسن المأربي
ليس المقصود من هذا المقال فتح خصومة شخصية مع أحد، ولا الدخول في سجال لا ينتهي حول الأشخاص، وإنما المقصود فحص معيار الرد نفسه:
هل يكون الرد على الخطأ لأن الخطأ يحتاج إلى بيان؟
أم أن الرد لا يتحرك إلا عندما يشعر الشخص أن الكلام قد مسّه هو، أو ذُكر اسمه، أو وُجّه إليه بصورة مباشرة؟
هذه الأسئلة تكتسب أهميتها عند قراءة كلام الشيخ محمد سعيد رسلان في رده على الشيخ أبي الحسن المأربي، حيث نجد عبارتين تحتاجان إلى وقفة وتأمل.
فمن جهة يقول رسلان، بمعنى كلامه:
لولا أن اسمك ذُكر صراحة، بحيث يعتقد من يسمع الكلام أنه يقصدك، لما التفتُّ إليه.
ثم يقول من جهة أخرى:
لما ذكرك بالاسم وجب الرد، لا للنفس، بل للدين.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
إذا كان الرد للدين، فلماذا كان ذكر الاسم هو العامل الحاسم في وقوع الرد أصلًا؟
إن كان الكلام باطلًا ويحتاج إلى بيان، فالباطل باطل سواء ذُكر اسم الشخص أم لم يُذكر.
وإن كان الكلام حقًا أو يحتمل الحق، فلا يتحول إلى باطل لمجرد أن السامع ظن أن المقصود به فلان.
أما إذا كان معيار الرد هو مجرد ذكر الاسم، فهنا يصبح من المشروع أن نسأل:
هل كان الدافع هو مضمون الكلام، أم صلة الكلام بالشخص المخاطَب؟
وهذه ليست قراءة للنيات، وإنما هي محاولة لفهم التلازم بين العبارتين كما وردتا في الكلام المنقول.
أولًا: هل ذُكر اسم رسلان أصلًا في الحلقات محل النزاع؟
من النقاط الأساسية في القضية اتهام الشيخ أبي الحسن المأربي بأنه كان يقصد رسلان، بل وأنه ذكره باسمه في حلقاته.
والواقع أن هذه النقطة تحتاج إلى دليل مباشر، لا إلى مجرد استنتاج أو فهم شخصي.
فالحلقات المعروفة بعنوان:
«إلى غلاة التجريح»
تحتاج إلى مراجعة نصية دقيقة:
أين ورد اسم رسلان صراحة في الحلقة الأولى التي صدر بعدها الرد؟
فالقول بأن المتكلم قصد شخصًا معينًا لا يساوي القول بأنه ذكر اسمه.
وهناك فرق كبير بين:
«هذا الكلام ينطبق على فلان»
وبين:
«فلان هو المقصود، وقد ذكره المتحدث باسمه».
والفرق بين الأمرين مهم جدًا في قضية بُني عليها الرد.
وقد ورد في المادة الأصلية أن الذي ذكر اسم رسلان في أثناء الاتصال بالقناة كان أحد المتصلين، حين قال للشيخ المأربي ما معناه: أنت تتحدث وتقصد رسلان.
وهذا، إن ثبت بمراجعة التسجيل، يعني أن ذكر الاسم صدر من المتصل، لا من الشيخ المأربي نفسه.
ومن هنا يكون السؤال:
هل يصح أن تُنسب إلى المتحدث عبارة لم يقلها لمجرد أن مستمعًا فسّر كلامه على أنها مقصودة لشخص معين؟
ثانيًا: هل الرد العلمي غيبة لمجرد أنه يتناول أخطاء أشخاص؟
هنا نصل إلى نقطة أكثر أهمية.
الشيخ المأربي، بحسب ما يُنسب إلى تلك الحلقات، كان يتناول قضايا تتعلق بمنهج التجريح والتعامل مع المخالفين، دون أن يجعل الحلقة قائمة على سب الأشخاص أو السخرية من أشكالهم وصورهم.
ومع ذلك وُصفت تلك المجالس بأنها:
«جلسات غيبة وفجور».
وهنا لا بد من وضع معيار واحد للجميع.
فإذا كان ذكر أخطاء الأشخاص والتحذير من مناهجهم يدخل في الغيبة المحرمة مطلقًا، فلابد أن يطبق هذا المعيار على الجميع.
وإذا كان الرد على الأخطاء والتحذير من المخالفات العلمية والمنهجية يمكن أن يكون من باب النصيحة والبيان، فليس من العدل أن يسمى غيبة عند فريق، ثم يتحول إلى «جرح وتعديل» أو «نصرة للدين» عند فريق آخر.
المشكلة ليست في الرد… وإنما في ازدواجية المعيار.
ثالثًا: هل المعيار واحد عندما نذكر الأشخاص بأسمائهم؟
لنترك العموميات جانبًا، ولننظر إلى بعض الأمثلة المنسوبة إلى الشيخ رسلان في ردوده على مخالفين.
فقد ورد عنه في إحدى خطبه كلام تناول فيه شخصًا اسمه نادر بكار، ولم يقتصر الكلام على مناقشة آرائه أو مواقفه، بل تضمن أوصافًا متعلقة بشكله وهيئته وخلقته.
وهنا لسنا بصدد إعادة نشر العبارات الجارحة، وإنما السؤال الأخلاقي والعلمي هو:
هل نقد الإنسان يكون بنقد فكرته وعلمه وموقفه، أم يتحول إلى التعليق على خلقته وصورته؟
فالإنسان لا يختار طوله ولا ملامحه ولا شكل رأسه ولا اتساع فمه ولا شكل عينيه.
ومن ثم فإن تحويل الخلاف العلمي إلى سخرية من الخِلقة يفتح بابًا آخر لا علاقة له بقوة الدليل.
والقرآن يقرر أصلًا عظيمًا:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾.
فالخلاف في الفكر لا يبرر السخرية من الخِلقة.
والنقد العلمي لا يحتاج إلى إهانة الشكل.
رابعًا: ماذا عن الطعن في النيات؟
ومن الأمثلة التي تستحق الوقوف عندها ما نُقل من تفسير وضع شخص للنظارة بأنه يفعل ذلك ليمنح نفسه وقارًا.
وهنا تظهر مشكلة أخرى:
من أين عُرفت النية؟
قد يلبس الإنسان النظارة لأنه ضعيف البصر.
وقد يلبسها لعلاج مشكلة في عينيه.
وقد يلبسها لأسباب أخرى لا علاقة لها بالوقار ولا بالرياء.
ولذلك فإن نسبة المقاصد إلى الناس دون بينة ليست من الإنصاف.
فالقاعدة التي ينبغي أن تسود في النقد:
نناقش ما ظهر من القول والفعل، ولا ندّعي علم ما في القلوب.
وإذا كان هذا المبدأ صحيحًا في حق المخالفين، فهو صحيح في حق الجميع.
خامسًا: هل يجوز أن يسمى الرد العلمي غيبة، بينما تُستثنى العبارات الشخصية؟
ومن الأمثلة الأخرى التي وردت في المادة الأصلية ما نُسب إلى رسلان من إطلاق أوصاف شديدة على الشيخ الطيباوي، ومنها وصفه بألفاظ مهينة.
وهنا لا أريد أن أجعل المقال دفترًا لجمع الشتائم من هذا الطرف أو ذاك.
فالمقصود أعمق من ذلك.
نريد معيارًا واحدًا فقط.
إذا كان تناول الأشخاص بأسمائهم غيبة، فليكن كذلك على الجميع.
وإذا كان ذكر الأشخاص في سياق الرد والتحذير والنقد العلمي جائزًا بضوابطه، فلا يصح أن نحرّمه على الخصوم ونبيحه لأنفسنا.
أما أن يكون:
ذكر المخالف = غيبة
و:
ذكرنا للمخالف = جرح وتعديل ونصرة للسنة
فهذه ليست قاعدة علمية، وإنما ازدواج في تطبيق القاعدة.
سادسًا: إذا كان الرد للدين، فلماذا يتوقف على ذكر الاسم؟
هذه هي النقطة المركزية في المقال كله.
لنضع كلام رسلان أمام الاحتمالات المنطقية:
الاحتمال الأول:
يقول: رددت لأن اسمي ذُكر.
فنقول:
إذن فالرد ارتبط بصورة مباشرة بكون الكلام متعلقًا بشخصه.
وهذا يختلف عن القول:
«رددت لأن هناك خطأً علميًا يجب بيانه».
الاحتمال الثاني:
يقول: رددت لله ولبيان الحق.
فنقول:
جميل.
لكن إذا كان المقصود بيان الحق، فلماذا قلت إنك لو لم يُذكر اسمك صراحة لما التفت إلى الكلام؟
فالحق لا يتغير بتغير الاسم.
والباطل لا يصبح حقًا لأن قائله لم يذكر شخصًا بعينه.
والسؤال هنا ليس عن النية، وإنما عن المنهج:
إذا وجدت خطأً علميًا يضر الناس، فلماذا لا ترد عليه إلا بعد أن يذكر صاحبه اسمك؟
أليس من مقتضى النصح أن يُبيَّن الخطأ سواء تعلق بك أم بغيرك؟
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل:
إذا كان المعيار هو الحق، فالأصل أن يكون الحق هو محل الرد، لا اسم الشخص الذي قيل عنه الكلام.
سابعًا: وماذا لو كان الكلام عن رسلان دون أن يُذكر اسمه؟
هنا يمكن اختبار القاعدة نفسها.
لو قال شخص كلامًا يراه رسلان باطلًا، ولكنه لم يذكر اسم رسلان مطلقًا، فهل يظل الكلام باطلًا؟
إن كان الجواب:
نعم، هو باطل ويجب الرد عليه.
فلماذا كان عدم ذكر الاسم سببًا لعدم الالتفات إليه؟
وإن كان الجواب:
لا، لا أرد عليه ما دام لم يذكرني.
فهذا يجعل القضية أقرب إلى الدفاع عن الشخص منها إلى مجرد بيان الحق.
أما إن قيل:
الرد لا يكون إلا إذا تأكدنا أن الكلام موجه إلينا.
فهذا يفتح سؤالًا آخر:
هل أصبحت سلامة المنهج مرتبطة بمن ذُكر اسمه، أم بمضمون الكلام نفسه؟
ثامنًا: وما علاقة البلد والمكان بالمسألة؟
ومن العبارات التي ركز عليها رسلان، بحسب المادة المنقولة، حديثه عن أن رجلًا:
«حط عليك ونزل دارك»
وأنه جاء إلى بلد أو مكان معين ثم تحدث فيه.
وهنا أيضًا يحتاج الأمر إلى وقفة.
هل الحجة في المكان أم في الكلام؟
لو كان الكلام صحيحًا، فهو صحيح في اليمن ومصر والسعودية وغيرها.
ولو كان باطلًا، فهو باطل في أي بلد.
والحق لا يتغير بتغير الجغرافيا.
كما أن العلم لا يُوزن بجواز السفر.
ولا ينبغي أن يتحول الخلاف العلمي إلى منافسة بين:
يمني ومصري، أو هذا البلد وذاك البلد.
والنبي ﷺ حذر من العصبيات الجاهلية بقوله:
«دعوها فإنها منتنة».
فالمعيار الصحيح هو:
ماذا قال الرجل؟ وهل قوله حق أم باطل؟
لا:
من أي بلد جاء؟ وأين تكلم؟
تاسعًا: أبو الحسن المأربي لم يكن دائمًا في الصورة التي يقدمها بعض خصومه اليوم
ومن المهم هنا أن نتذكر أن صورة الشيخ أبي الحسن المأربي في الخطاب المدخلي المعاصر لم تكن دائمًا بالصورة نفسها.
فقد وردت عن الشيخ ربيع المدخلي نفسه، في مراحل سابقة، عبارات ثناء على أبي الحسن المأربي، منها وصفه بأنه من علماء السنة المعاصرين، والإشارة إليه باعتباره متخصصًا في الجرح والتعديل.
كما نُقلت عن الشيخ ربيع عبارات في بعض المواضع تثني على علمه ومكانته.
والغرض من استحضار هذه النصوص ليس إثبات عصمة المأربي.
فلا عصمة لعالم بعد رسول الله ﷺ.
وإنما الغرض هو بيان أن إطلاق الأحكام على العلماء ينبغي أن يكون منضبطًا بالعلم والعدل والتوثيق، لا أن تتحول العلاقة العلمية إلى ثنائية:
عالم ما دام موافقًا لنا، ثم جاهل عندما يخالفنا.
فالاختلاف لا يمحو التاريخ العلمي، كما أن الخطأ لا يمحو كل صواب.
عاشرًا: وماذا عن شهادة الشيخ الألباني؟
كما وردت عن الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله عبارات ثناء وتقدير للشيخ أبي الحسن المأربي، بل نُقل عنه في بعض التسجيلات ما يدل على استفادته منه وترحيبه به.
وهذا لا يعني أن الألباني أو غيره معصوم من الخطأ في تقييم الأشخاص.
لكن المقصود هو شيء أبسط من ذلك:
هل يصح أن نتعامل مع العالم وكأنه لم يكن له وزن علمي إلا بعد أن خالفنا؟
إذا كان عالم من كبار أهل العلم قد عرف شخصًا وأثنى عليه واستفاد منه، ثم وقع بينهما أو بينه وبين غيره خلاف، فلا يصح أن تُمحى المرحلة السابقة وكأنها لم تكن.
الإنصاف يقتضي أن نقول:
له ما له من العلم، وعليه ما عليه من الخطأ.
وهذا هو الميزان الذي يحفظ للعلماء حقوقهم، وللحق هيبته.
الحادي عشر: وهل يحتاج الرد إلى أن يكون صاحبه مساويًا للمردود عليه؟
من الاعتراضات التي تتكرر في مثل هذه النقاشات:
«من أنت حتى ترد على فلان؟»
وهذا السؤال في ذاته يحتاج إلى تصحيح.
فالحق لا يُعرف بأسماء الرجال.
وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
«اعرف الحق تعرف أهله».
فليس المطلوب ممن يناقش قولًا أن يكون أعلم من صاحبه في كل شيء.
المطلوب:
هل عنده دليل؟
هل فهم النص فهمًا صحيحًا؟
هل نقله بأمانة؟
هل استدلاله مستقيم؟
فإذا وافق قوله الحق، أُخذ منه.
وإذا خالف الحق، رُد قوله.
ولا يصبح الباطل حقًا لأن قائله مشهور، ولا يصبح الحق باطلًا لأن قائله أقل شهرة.
الثاني عشر: لكن هذا المبدأ يجب أن يطبق على الجميع
وهنا نصل إلى نقطة مهمة جدًا:
إذا كان أتباع رسلان يقولون:
من حق الشيخ رسلان أن يرد على أبي الحسن المأربي.
فنحن نقول:
ومن حق غيره أن يناقش رد رسلان أيضًا.
وإذا كان المعيار هو:
الدليل.
فليكن الدليل هو الفيصل في الاتجاهين.
لا يجوز أن يكون:
رد رسلان = دفاع عن السنة.
ثم:
الرد على رسلان = تطاول وقلة أدب وغيبة.
بل ينبغي أن يكون الميزان واحدًا:
الدليل يُناقش بالدليل، والحجة بالحجة، والخطأ يُبيَّن أينما كان.
الثالث عشر: المشكلة ليست في الرد… بل في تحول الرد إلى معيار انتقائي
الرد على المخالف ليس عيبًا في ذاته.
والنقد العلمي ليس مذمومًا.
والتحذير من الخطأ قد يكون واجبًا في بعض الأحوال.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح هناك ميزانان:
ميزان للذات والأتباع، وميزان آخر للمخالفين.
فعندما يرد أحدنا على خصمه يقول:
نحن ندافع عن السنة.
وعندما يرد الخصم عليه يقول:
إنه يغتاب ويطعن ويفتري.
ثم إذا استخدم الخصم الأسلوب نفسه قيل:
هذا جرح وتعديل.
هنا يجب أن نتوقف جميعًا.
ونسأل:
هل المعيار هو الفعل نفسه، أم الشخص الذي قام به؟
الرابع عشر: ليس كل نقد غيبة، وليس كل رد نصرة للدين
وهذه قاعدة مهمة.
ليس كل كلام عن شخص غيبة محرمة؛ فقد جاءت في الشريعة مواضع يُذكر فيها الإنسان بما يكره لمصلحة معتبرة، كالنصيحة والتحذير والشهادة ونحو ذلك، وفق ضوابطها.
وفي المقابل، ليس كل من رفع شعار:
«الرد على المخالف»
يكون بالضرورة قد أحسن الرد.
فقد يتحول الرد إلى:
سخرية من الشكل.
طعن في النيات.
إهانة شخصية.
مبالغة في الوصف.
تشهير لا حاجة إليه.
أو تحويل القضية العلمية إلى خصومة شخصية.
ولهذا فإن رفع شعار نصرة الدين لا يعفي صاحبه من الالتزام بأخلاق الدين.
الخامس عشر: السؤال الذي يبقى مفتوحًا
بعد كل ما سبق، يبقى السؤال المركزي:
إذا كان رسلان يقول إن رده على أبي الحسن المأربي كان «للدين»، فلماذا جعل ذكر اسمه صراحة هو السبب الذي جعله يلتفت إلى الكلام ويرد عليه؟
إن كان الخطأ خطأً، فليُرد عليه ولو لم يُذكر الاسم.
وإن كان الكلام حقًا، فلا يصبح باطلًا لأن أحدًا ظن أن المقصود به فلان.
وإن كان المأربي قد أخطأ، فليُبيَّن خطؤه بالدليل.
وإن كان رسلان قد أخطأ، فمن حق غيره أن يبين خطأه بالدليل.
هذه هي العدالة التي نطالب بها للجميع.
الخلاصة
ليس المقصود من هذه الوقفات تبرئة شخص من كل خطأ، ولا إدانة شخص في كل ما قال.
فالشيخ أبو الحسن المأربي ليس معصومًا.
والشيخ رسلان ليس معصومًا.
ولا ربيع المدخلي، ولا الألباني، ولا ابن باز، ولا ابن عثيمين، ولا غيرهم من العلماء.
العصمة إنما هي لرسول الله ﷺ فيما يبلغه عن ربه.
أما العلماء، فيؤخذ من كلامهم ويُرد.
لكن الذي نرفضه هو أن يتحول الرد العلمي إلى خصومة شخصية، وأن يتحول ذكر الأشخاص إلى معيار انتقائي، وأن يكون ما نعدّه «نصرة للدين» عندما يصدر منا، «غيبة وطعنًا» عندما يصدر من غيرنا.
فالحق لا يعرف بالأسماء.
والباطل لا يصبح حقًا لأن قائله شيخ.
والنقد لا يصبح جرحًا علميًا لمجرد أن صاحبه رفع هذا الشعار.
والرد لا يصبح غيبة لمجرد أنه صدر من مخالف.
وإذا كنا نرفع راية الجرح والتعديل، فأول ما نحتاج إليه هو:
العدل.
وإذا كنا نزعم أن ردودنا للدين، فأولى بنا أن يكون ميزاننا هو الدين نفسه:
لا ننصر شخصًا لأنه منا، ولا نرد شخصًا لأنه خالفنا، ولا نقيس الحق بأسماء الرجال.
بل نقول للجميع:
هاتوا الدليل… ثم ليكن الحكم للحق.
وهنا يعود السؤال الذي بدأنا به:
صراع المداخلة: الرد للدين أم الانتصار للنفس؟
ليس المطلوب أن نجيب عن هذا السؤال بالظنون، وإنما أن نقرأ الكلام، ونقارن الأقوال، ونزن المواقف بميزان واحد.
فإن كان الرد للدين، فليكن معيار الرد هو الحق.
وإن كان معيار الرد هو الشخص وذكر الاسم، فهنا يحق للقارئ أن يسأل: أين انتهى الدفاع عن الحق، وأين بدأت الخصومة الشخصية؟
تنبيه توثيقي: الروابط والتسجيلات والاقتباسات المنسوبة في المادة الأصلية ينبغي مراجعتها من مصادرها الأصلية قبل النشر النهائي، خصوصًا النصوص المنقولة عن رسلان وربيع المدخلي والألباني؛ لأن قوة المقال تزداد كثيرًا عندما يكون كل اقتباس منسوبًا إلى تسجيل أو كتاب محدد مع موضعه بدقة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق