الاثنين، 5 أكتوبر 2026

«كنت سلفيًا ثم اكتشفت أن كل السلفية باطلة».

 


لما كنتُ سلفيًا… كيف تغيّر فهمي للسلفية؟

تعود بي الذاكرة إلى سنواتٍ مضت، حين كنتُ أستكشف الحياة والفكر والدين، وأتنقل بين المذاهب والاتجاهات التي كانت تبدو لي في لحظاتٍ ما شامخةً بأعلامها ورموزها وكتبها.

لكنني كنت أكتشف مع مرور الوقت أن بعض الأفكار، مهما بدت متماسكة في بنائها النظري، قد تكشف عن مواطن ضعفها عندما تُختبر بالواقع؛ فالفكرة لا تُقاس فقط بقدرتها على تكرار نفسها، وإنما أيضًا بقدرتها على فهم الإنسان والواقع ومشكلاته والتعامل معها بوعي واتزان.

ومن هنا أريد أن أتحدث عن تجربتي مع السلفية.

لا أتحدث هنا باسم جميع من ينتسبون إلى السلفية، ولا أدّعي أن تجربتي تمثل تجربة كل سلفي.

إنها ببساطة: تجربتي أنا.

ما كنت أراه، وما كنت أفكر فيه، وما الذي جعلني أعيد النظر في أشياء كنت أظنها في مرحلة من حياتي من المسلّمات.

وقد يختلف معي سلفي آخر، وربما يقول إنني لم أفهم المنهج السلفي كما ينبغي.

وهذا حقه.

لكن من حق القارئ أيضًا أن يضع هذه التجربة أمام الواقع، وأن يسأل:

هل تنطبق بعض هذه الملاحظات فعلًا على جانب من الخطاب السلفي المعاصر، أم أنها مجرد تجربة شخصية لا تتجاوز صاحبها؟

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:

ما السلفية أصلًا؟

في البداية، ينبغي أن نعترف بأن كلمة «السلفية» لا تشير في الواقع إلى تيار واحد متجانس.

فهناك من يستخدمها للدلالة على العودة إلى القرآن والسنة وفهمهما في ضوء تراث السلف، وهناك اتجاهات معاصرة متعددة انتسبت إليها، واختلفت فيما بينها في قضايا كثيرة.

ولهذا يمكن أن تجد خطابًا سلفيًا يهتم أساسًا بالهيئة الظاهرة، واللحية، وتعدد الزوجات، وبعض مسائل الهدي والسلوك.

وتجد خطابًا آخر يجعل قضية طاعة ولي الأمر محورًا واسعًا من خطابه، حتى غدت عند بعض التيارات المدخلية قضية حاضرة بقوة في تصنيف الأشخاص والمواقف.

وتجد اتجاهات أخرى أكثر انشغالًا بقضايا العقيدة والرد على الفرق، أو بالعمل السياسي، أو بالجهاد، أو بالدعوة والتعليم.

بل قد تجد جماعات متعارضة تمامًا في مواقفها، وكل واحدة منها تقول:

نحن السلفية.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر أهمية:

أي سلفية نتحدث عنها؟

«فهم السلف»… ومن هم السلف؟

كنتُ أسمع العبارة الشهيرة:

«السلفية هي فهم القرآن والسنة بفهم سلف الأمة».

والعبارة في أصلها تبدو واضحة وجذابة.

لكن السؤال الذي كنت أطرحه بعد ذلك:

من هم هؤلاء السلف الذين يُطلب منا أن نفهم النصوص بفهمهم؟

الإسلام امتد أكثر من أربعة عشر قرنًا، وانتشر في أقطار واسعة، وشارك في بنائه علماء ومدارس ومذاهب واتجاهات فكرية وفقهية متعددة.

لكن الصورة التي كانت تُقدَّم لي أحيانًا للتاريخ الإسلامي بدت مختصرة بصورة شديدة.

النبي ﷺ، ثم الخلفاء الراشدون، ثم عدد من الصحابة والتابعين، ثم أئمة أهل الحديث، ثم الإمام أحمد، ثم ابن تيمية وابن القيم، ثم محمد بن عبد الوهاب، ثم عدد من علماء الجزيرة العربية في العصر الحديث، وصولًا إلى ابن باز وابن عثيمين والألباني وغيرهم.

أما ما بين هذه المحطات، وما حولها، وما نشأ من مدارس فقهية وكلامية وفلسفية وصوفية وفكرية، فغالبًا ما كان يحضر بوصفه ميدانًا للرد والنقد أكثر من كونه جزءًا من تاريخ الأمة الذي يستحق الدراسة.

وهنا بدأت أكتشف مشكلة أكبر:

حين يتحول تاريخ الأمة الواسع إلى سلسلة محددة من الأسماء التي يُطلب من المسلم أن يستمد منها فهمه، فإن السؤال لا يعود فقط:

ماذا يقول النص؟

بل يصبح:

ماذا قال الشيخ في النص؟

ثم:

قال ابن عثيمين.

قال ابن باز.

قال الألباني.

قال ابن تيمية.

وهكذا تتحول أقوال العلماء من اجتهادات بشرية قابلة للنقاش إلى مرجعيات ذات سلطة كبيرة على المتلقي.

وهنا يظهر الفرق بين احترام العالم وبين تحويل العالم إلى سلطة لا تُراجع.

من نقد المشيخة إلى إعادة إنتاجها

كنت أسمع نقدًا شديدًا للتصوف بسبب ما يُقال عن «التعلق بالشيخ» واتباعه بلا دليل.

وكان يُستشهد في نقد بعض الطرق الصوفية بفكرة أن المريد يصبح شديد الارتباط بشيخه.

لكنني بدأت ألاحظ أن المشكلة لا تختفي بمجرد تغيير اسم الشيخ أو المدرسة.

فإذا كان الشيخ الصوفي قد يصبح عند أتباعه مرجعًا لا يُراجع، فإن بعض الخطابات السلفية المعاصرة يمكن أن تنتج صورة أخرى من سلطة المشيخة.

ليس بالضرورة بالطريقة نفسها، ولا في كل البيئات، لكن النتيجة قد تكون متشابهة:

الشيخ يقول، والأتباع ينقلون، والمخالف يُحذَّر منه.

وهنا يصبح السؤال المهم:

هل نحن أمام منهج يعلّم الإنسان كيف يفكر في النص؟

أم أمام منظومة تعلّمه ماذا يقول أصحاب المنهج عن النص؟

الفرق بين الأمرين كبير.

حين تصبح كلمة «بدعة» هي الجواب الأول

ومن أكثر المفاهيم التي لفتت انتباهي في التجربة السلفية المعاصرة مفهوم البدعة.

لا شك أن التحذير من البدع أصل معروف في التراث الإسلامي، ولا يمكن إنكار أهمية التمييز بين السنة والبدعة.

لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول المفهوم من أداة علمية دقيقة إلى حكم جاهز يُستخدم في كل خلاف.

فبدل أن يبدأ النقاش بالسؤال:

ما الدليل؟

وما وجه الاستدلال؟

وما سياق النص؟

وما درجة الخلاف؟

وما أثر المسألة؟

يبدأ أحيانًا من سؤال آخر:

هل هذا بدعة؟

ثم تأتي بقية الأحكام تبعًا لذلك.

وقد يصبح وصف شخص بأنه «مبتدع» كافيًا عند بعض المتلقين لإسقاط كلامه كله، دون قراءة كتبه، أو فحص حججه، أو التفريق بين خطئه وصوابه.

وهنا تتحول المسألة من نقد فكرة إلى إقصاء صاحبها.

وهذا من أخطر ما يمكن أن يحدث لأي خطاب ديني.

معارك لا تنتهي

عندما أنظر اليوم إلى جانب من الخطاب السلفي المعاصر، أجد أن قدرًا كبيرًا من طاقته الفكرية قد استُهلك في معارك داخلية.

مع الشيعة.

ومع الإخوان المسلمين.

ومع الصوفية.

ومع الأشاعرة.

ومع الماتريدية.

ومع جماعات سلفية أخرى.

بل قد يصل الأمر أحيانًا إلى الاقتتال الداخلي حول:

من هو السلفي الحقيقي؟

ومن هو المبتدع؟

ومن الذي يُحذَّر منه؟

ومن الذي يُهجر؟

ومن الذي لا يجوز الاستماع إليه؟

وهكذا تصبح الخريطة الفكرية شديدة التعقيد، حتى إنك قد تجد جماعة تتهم أخرى بالخروج عن السلفية، بينما تتهمها الأخرى بالشيء نفسه.

والسؤال الذي كنت أطرحه على نفسي:

إذا كان معظم جهدنا يذهب إلى اكتشاف أخطاء المسلمين الآخرين، فمن يبقى لنا من الوقت لفهم العالم الذي نعيش فيه؟

المعركة مع الآخر… والمعركة مع الداخل

لا مشكلة في أن يناقش المسلم الشيعة، أو الإخوان، أو الصوفية، أو الأشاعرة، أو غيرهم.

الخلاف الفكري مشروع.

والنقد العلمي مشروع.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الخلاف هوية، ويصبح الآخر عدوًا دائمًا، ويصبح نقده أهم من بناء الذات.

فليس من المعقول أن تتحول الأمة إلى جماعات منشغلة بإثبات أن الجماعة الأخرى مخطئة، بينما تتراكم حولها أزمات الجهل والاستبداد والتخلف والفقر والاحتلال والانقسام وتراجع التعليم والحريات والبحث العلمي.

وهنا أذكر نفسي قبل غيري:

ليست كل معركة تستحق أن نخوضها.

التاريخ ليس ميدانًا لتقديس الأشخاص

من أكثر الأشياء التي تغيرت في نظرتي أنني لم أعد أرى التاريخ الإسلامي باعتباره مسرحًا ينقسم فيه الناس إلى:

صالحين بالكامل…

ومبتدعة بالكامل…

وأئمة لا يخطئون…

وخصوم لا يصيبون.

التاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك.

العالم قد يصيب ويخطئ.

والمفكر قد يقدم فكرة عظيمة ويخطئ في أخرى.

والفقيه قد يكون متقدمًا في باب ومتأخرًا في باب.

والمدرسة التي اختلفنا معها قد تحتوي على أفكار نافعة.

ولهذا لا أرى أن المطلوب هو أن نحب كل ما قاله المعتزلة، أو الأشاعرة، أو الماتريدية، أو الصوفية، أو ابن تيمية، أو ابن القيم، أو محمد بن عبد الوهاب.

بل المطلوب أن نتعامل مع الجميع بعقل نقدي واحد.

نأخذ الصواب لأنه صواب.

ونترك الخطأ لأنه خطأ.

ونتعلم من التجارب التاريخية، لا لكي نكرر أخطاء أصحابها، وإنما لكي لا نقع فيها مرة أخرى.

المشكلة ليست في «السلف»… بل في اختزال السلفية

وهنا أحتاج إلى توضيح مهم.

ليس المقصود أن كل من ينتسب إلى السلفية أسير للمشيخة، ولا أن كل سلفي يبالغ في مفهوم البدعة، ولا أن كل سلفي يعادي التيارات الأخرى بالطريقة نفسها.

هذا تعميم غير منصف.

بل إن داخل التيارات السلفية نفسها علماء وكتّابًا ودعاة يختلفون في كثير من هذه القضايا.

لكن نقدي يتوجه إلى نمط من الخطاب السلفي المعاصر حين يتحول الانتساب إلى «السلف» من منهج لفهم النصوص إلى هوية مغلقة، وحين تصبح المرجعية محصورة في أسماء محددة، وحين تتحول المخالفة إلى تهمة، وحين يصبح التصنيف أهم من البحث، والتحذير أهم من الحوار، والاشتغال بالخلافات الداخلية أهم من معالجة مشكلات الواقع.

ماذا حدث لي بعد ذلك؟

ربما كانت أخطر لحظة في التجربة هي اللحظة التي بدأت فيها أكتشف أنني كنت أرى العالم من خلال منظومة جاهزة.

هذه المنظومة تقول لي:

هذا صحيح.

وهذا خطأ.

هذا سني.

وهذا مبتدع.

هذا ثقة.

وهذا لا يُسمع له.

هذا عالم.

وهذا منحرف.

وكانت المشكلة أن كثيرًا من الأحكام كانت تصلني قبل أن أصل أنا إلى الدليل.

وعندما بدأت أقرأ خارج الدائرة، وأقارن، وأراجع، وأبحث في تاريخ الأفكار، اكتشفت أن العالم أكثر اتساعًا بكثير مما كنت أتصور.

وهنا لا أقول إنني انتقلت من «الخطأ إلى الحقيقة المطلقة».

بل انتقلت من اليقين المغلق إلى مساحة أوسع من السؤال والنقد والمراجعة.

وهذا في نظري ليس سقوطًا من الدين، وإنما يمكن أن يكون خطوة نحو فهم أكثر نضجًا للدين.

لا نريد شبابًا ينهارون عند أول صدمة

أخطر ما في التربية الفكرية المغلقة أنها قد تنتج رد فعل معاكسًا عندما يكتشف الشاب التناقض بين ما تعلّمه وبين ما يراه.

فإذا قيل له إن الحقيقة كلها في دائرة واحدة، وإن كل ما خارجها باطل، ثم اكتشف لاحقًا أن في تلك الدائرة أخطاء ومبالغات وتناقضات، فقد لا يكتفي بمراجعة الخطأ.

قد يراجع كل شيء.

وقد ينتقل من التشدد إلى النقيض.

من الانغلاق إلى الرفض.

ومن التسليم الكامل إلى الشك الكامل.

ولهذا فإن التربية الصحيحة لا ينبغي أن تبني الإنسان على الخوف من السؤال.

بل ينبغي أن تعلمه كيف يسأل، وكيف يبحث، وكيف يختلف، وكيف يراجع نفسه دون أن يفقد هويته.

ماذا نحتاج اليوم؟

نحتاج إلى قراءة واسعة للتراث، لا قراءة انتقائية.

نحتاج إلى عقل يحترم النص، لكنه لا يلغي التفكير.

نحتاج إلى احترام العلماء، دون تحويلهم إلى معصومين.

نحتاج إلى نقد البدعة، دون تحويل الكلمة إلى سلاح لتصفية الخصوم.

نحتاج إلى الخلاف العلمي، دون تحويل المخالف إلى عدو.

ونحتاج قبل كل شيء إلى أن نسأل:

ما الأولويات التي تحتاجها أمتنا اليوم؟

هل الأولوية أن نختلف حول السبحة؟

أم أن نبحث عن أسباب التخلف؟

هل الأولوية أن نصنف المسلمين؟

أم أن نحاول معالجة الانقسام بينهم؟

هل الأولوية أن نبحث عن أخطاء مدرسة إسلامية أخرى؟

أم أن نواجه الجهل والاستبداد والاحتلال والتخلف العلمي والفكري؟

إنني لا أدعو إلى إلغاء التراث، ولا إلى تبني الحداثة بلا نقد، ولا إلى مساواة كل الأفكار ببعضها.

بل أدعو إلى شيء أبسط:

أن نقرأ الجميع بعقل واحد.

أن نأخذ من التراث ما ينفعنا، وأن نفهمه في سياقه، وأن نميز بين ما كان جوابًا لمشكلة في عصره وما يصلح أن يكون جوابًا لمشكلتنا اليوم.

وأخيرًا…

لما كنتُ سلفيًا، كنت أظن أن المشكلة الكبرى هي أن الناس لا يفهمون «المنهج».

ثم اكتشفت أن المشكلة أعمق من ذلك.

فقد يكون الخلاف أحيانًا في طريقة النظر إلى المعرفة نفسها.

هل الحقيقة محصورة في دائرة واحدة؟

هل العالم القديم انتهى ولم يبق لنا إلا تكرار أجوبته؟

هل كل مخالف جاهل أو مبتدع؟

هل يكفي أن أعرف ماذا قال الشيخ، أم ينبغي أن أعرف لماذا قاله؟

وهل اتباع السلف يعني أن نعيش بعقولهم في زمانهم، أم أن نفهم طريقتهم في طلب الحق ثم نستخدم عقولنا نحن في زماننا؟

هذه الأسئلة هي التي بقيت معي بعد أن خرجت من مرحلة اليقين المغلق.

ولذلك، حين أتحدث اليوم عن تجربتي، فأنا لا أقول:

«كنت سلفيًا ثم اكتشفت أن كل السلفية باطلة».

هذا تبسيط آخر لا أقبله.

بل أقول:

كنت سلفيًا، ثم تعلمت أن الانتساب إلى مدرسة لا يغني عن التفكير، وأن احترام التراث لا يعني تجميده، وأن مخالفة الشيخ ليست خروجًا من الدين، وأن الحقيقة أكبر من أن تُختزل في جماعة أو تيار أو مجموعة من الأسماء.

وفي النهاية…

لسنا بحاجة إلى إلغاء التراث، بل إلى تحرير علاقتنا به.

لسنا بحاجة إلى هدم العلماء، بل إلى وضعهم في مقامهم البشري.

لسنا بحاجة إلى محاربة كل مخالف، بل إلى تعلم أدب الاختلاف.

ولسنا بحاجة إلى أن نحارب السبحة بينما تتسع حولنا مشكلات الإنسان والأرض والعقل.

فأولوية الأمة ليست أن تنتصر في معاركها الداخلية الصغيرة، وإنما أن تستعيد قدرتها على التفكير والبناء والنهوض.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق