الخميس، 1 أكتوبر 2026

📌 تناقضات المنهج: قراءة نقدية في أدبيات السلفية المعاصرة

 📌 تناقضات المنهج: قراءة نقدية في أدبيات السلفية المعاصرة

يتضمن الخطاب السلفي المعاصر عدداً من التناقضات المنطقية والتاريخية عند تعاطيه مع التراث الإسلامي ورجاله، ومن أبرز هذه التناقضات:

🔹 1. كثرة الأشاعرة: بين الاعتذار والإنكار عندما يُضطرون للاعتراف بأشعرية أئمة كبار (كالنووي، وابن حجر، والبيهقي)، يعتذرون بـ "تأثرهم بالبيئة وغلبة الأشعرية على الوسط العلمي". لكنهم في المقابل يرفضون الاعتراف بأن الأشعرية هم غالبية علماء الأمة! فكيف تكون بيئة حاسمة ومسيطرة ثم يُنكر وجودها؟

🔹 2. توحيد العبادة: تناقض الاستشهاد والجهل يردون على من يتهمهم بالابتداع في مسألة التكفير بأنهم مسبوقون بنقليات عن علماء المذاهب (الحنفية والمالكية والشافعية)، ويؤلفون في ذلك رسائل علمية ملأى بأقوال أئمة الأشعرية والماتريدية. ثم تجدهم في باب آخر يقررون أن الأشاعرة والماتريدية لا يعرفون "توحيد العبادة" وأنهم جهلة به! فكيف يُستشهد بكلام من يُرمى بالجهل في أصل الدين؟

🔹 3. علم الكلام: (مأكول ومذموم) ينقلون عبارات السلف في ذم "علم الكلام" حظراً مطلقاً، بينما يمارسونه عملياً بالأدلة العقلية في كتبهم وردودهم على الملاحدة واللادينيين منذ عهد الدارمي وابن تيمية إلى اليوم. فصار علم الكلام عندهم كالشعير: مذموم علناً، ومأكول عند الحاجة!

🔹 4. الجدال والمناظرات: النهي والممارسة يرددون دائماً أنهم مأمورون باجتناب مجادلة "أهل البدع" ويحكون في ذلك الآثار، بينما يملؤون الفضاء الرقمي والمجالس بالمناظرات والمجادلات مع مخالفيهم.

🔹 5. اتّهام الكبار بالجهل بالسنة يزعمون أن الأشعرية نشأت بسبب "الجهل بالسنة"، ثم يعترفون بأن أعظم أئمة السنة وخُدامها المتأخرين (كابن عساكر، والنووي، وابن الصلاح، وابن حجر، والسيوطي) كانوا أشاعرة أو متأثرين بهم! فكيف يُوصف خُدام السنة الحافظون لها بالجهل بها؟

🔹 6. نقد الفلسفة والافتخار بـ "فيلسوف الإسلام" يحذرون من الفلسفة والمنطق ويُدرّسون مقالات في نقدهما قبل تصور المادة ذاتها. ثم في المقابل، يفرحون بوصف الاستشراق لابن تيمية بـ "الفيلسوف" وأنه أتى بفلسفة ناقض بها اليونان! فهل الفلسفة مذمومة لذاتها أم محمودة إن جاءت من متبوعهم؟

🔹 7. موقف مزدوج من التصوف يذمون التصوف والصوفية ذماً مطلقاً ويحذرون من كتبهم (حتى مثل "منازل السائرين" وشرحه "مدارج السالكين"). وفي الوقت نفسه، ينقلون ثناء ابن تيمية على الصوفية الملتزمين بالشرع وتوسعه في أعمال القلوب، في انفصام واضح بين التطرف في الطرح والتحقيق التاريخي.

🔹 8. الفرح بردود المخالفين بناءً على المصلحة يفرحون بردود أصحاب المقالات البعيدة عن السنة (كابن رشد الفيلسوف) على الإمام الغزالي، لمجرد نكايته بالأشعرية. كما يمتدحون الهروي لتكفيره الأشاعرة ويؤولون كلامه المتضمن للحلول والاتحاد لكونه ألف "ذم الكلام"، بينما يرفضون التجميع أو الاعتذار للأشاعرة الذين هم أقرب للشرع منه.

💬 ختاماً: إن إعمال الموازين القسط والإتصف في نقد الأفكار والأشخاص هو المنهج العلمي الراشد، أما الانتقائية وتوظيف الخصومات وفق الحاجة، فهو يسقط الخطاب في تناقضات منهجية لا تخفى على منصف.

هرمٌ من الطاعة: كيف تتوزع الأدوار داخل المنظومة الحزبية المدخلية؟

 

هرم المداخلة: من يصنع الحكم؟ ومن ينفّذ الهجر والتحذير؟

قراءة في طبقات النفوذ داخل البيئة المدخلية — من القمة إلى القاعدة

عندما نتحدث عن التيار المدخلي، فإن من الخطأ أن نتصوره كتجمع متجانس لا فرق بين أفراده، أو أن نضع الشيخ المعروف، والداعية المحلي، وإمام المسجد، والشاب المتدين حديثًا، في مرتبة واحدة.

فالواقع — ولا سيما في بعض البيئات المحلية في الجزائر — يكشف عن سُلَّم من الطبقات والتأثيرات، تختلف فيه درجة العلم، ومقدار القرب من المرجعيات، وحجم القدرة على التأثير في الآخرين.

وهذا التقسيم ليس تقسيمًا رسميًا معلنًا لدى المداخلة، وإنما هو قراءة نقدية في واقع الممارسة كما يظهر في بعض البيئات المدخلية.

واللافت أن النفوذ لا يتوقف عند أصحاب الأسماء المعروفة، بل يمتد إلى مستويات أدنى بكثير، حتى يصبح بعض الأفراد الذين لا يملكون تكوينًا علميًا معتبرًا قادرين على إصدار أحكام اجتماعية على الآخرين:
هذا يُهجر، وهذا يُحذَّر منه، وهذا يُنصح بالابتعاد عنه، وهذا يُقرَّب، وهذا يُزكّى.

فكيف يتشكل هذا الهرم؟


الطبقة الأولى: المرجعية العليا

في قمة الهرم يأتي ربيع المدخلي بوصفه المرجعية الأكثر حضورًا في تشكيل الخطاب المدخلي المعاصر.

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد عالم له مؤلفات وآراء، وإنما بموقع رمزي أصبح له تأثير واضح في تحديد المواقف من الأشخاص والجماعات والتيارات، وخصوصًا في مسائل التبديع والتجريح والهجر والتحذير.

ومن هنا تبدأ الحلقة الأولى في سلسلة النفوذ.


الطبقة الثانية: الحلقة الأقرب

ثم تأتي مجموعة من المشايخ والدعاة الذين يمثلون الحلقة الأقرب إلى المرجعية المدخلية، ومن الأسماء التي تُذكر في هذا السياق:

محمد بن ربيع المدخلي، عبيد الجابري، أحمد بازمول وغيرهم.

وهذه الطبقة لا تقتصر وظيفتها على التعليم والشرح، بل يظهر لها حضور في نقل المواقف والتصنيفات وتحديد الموقف من عدد من الأشخاص والتيارات.

وهنا يبدأ انتقال السلطة من المرجعية الأصلية إلى شبكة أوسع من المتابعين.


الطبقة الثالثة: الدعاة والواجهات الإعلامية

ثم تأتي طبقة من الدعاة المعروفين في العالم العربي، ومن الأسماء التي ارتبطت بالخطاب المدخلي بدرجات متفاوتة:

محمد سعيد رسلان، محمود الرضواني، طلعت زهران وغيرهم.

وهذه الطبقة تؤدي وظيفة مهمة؛ لأنها تنقل الخطاب من دائرة المشايخ المتخصصين إلى جمهور أوسع، وتقدمه في صورة دروس ومحاضرات وردود وتحذيرات ومواقف من الأشخاص والجماعات.

وهنا يتحول الخطاب من مجرد أفكار إلى منظومة دعوية لها جمهورها ومصطلحاتها وطريقة خاصة في التعامل مع المخالف.


الطبقة الرابعة: المرجعيات المحلية

ثم نصل إلى طبقة المشايخ المعروفين داخل بيئاتهم المحلية، ومن الأسماء التي تبرز في الجزائر في هذا السياق:

محمد علي فركوس، وسليمان الرحيلي وغيرهما، مع اختلاف مواقع هؤلاء وأدوارهم العلمية والدعوية، وعدم افتراض تطابقهم في كل التفاصيل.

وهذه الطبقة مهمة لأنها تمثل بالنسبة إلى كثير من الأتباع الجسر بين الخطاب العام والواقع المحلي.

فالعامي لا يتعامل غالبًا مع المرجعية العليا مباشرة، وإنما يتلقى تصوراته من الشيخ الذي يراه ويسمعه ويقرأ له ويثق به.


الطبقة الخامسة: المشايخ المحليون

ثم تأتي طبقة المشايخ والدعاة المحليين، ومن الأسماء التي تُذكر في الجزائر:

لزهر سنيقرة، عبد الغني عويسات وغيرهما.

وهنا يصبح التصنيف أكثر ارتباطًا بالواقع اليومي.

فالقضية لم تعد مجرد نقاشات علمية بعيدة عن الناس، وإنما تبدأ في الظهور داخل المساجد، والدروس، والمجموعات المحلية، ووسائل التواصل الاجتماعي.

ومن هنا يبدأ الموقف من الشخص في التأثير على علاقاته الاجتماعية والدعوية، وعلى من يجالسه ومن يسمع له ومن يُنصح بالابتعاد عنه.


الطبقة السادسة: أئمة المساجد والناشطون المحليون

ثم تأتي طبقة أئمة المساجد والدعاة والناشطين الذين يتأثرون بالطبقات السابقة ويقومون بنقل خطابها إلى الجمهور المحلي.

وهؤلاء هم الأقرب إلى الناس.

فإذا صدر موقف من شخصية أعلى، فإن وصوله إلى عامة الناس لا يحتاج إلى أن يصلهم من المصدر الأصلي؛ إذ يكفي أن ينتقل عبر هذه الشبكة المحلية حتى يصبح:

"موقف المشايخ"
ثم يتحول إلى:
"موقف الإخوة"
ثم يصبح عند بعض الأتباع:
"الحق الذي لا يجوز مخالفته".

وهنا تكمن المشكلة التي تستحق التأمل.


الطبقة السابعة: حراس البوابة المحلية

وهذه من أكثر الطبقات إثارة للاهتمام.

ففي بعض البيئات المحلية تظهر فئة من الأتباع تتحول عمليًا إلى ما يشبه حراس البوابة.

ليسوا بالضرورة من أهل العلم، ولا أصحاب مؤلفات أو دراسات، لكنهم يعرفون:

من يُسمع له،
ومن لا يُسمع له،
ومن يُهجر،
ومن يُحذَّر منه،
ومن يُقرَّب،
ومن يُبعد.

وقد يصل الأمر في بعض البيئات إلى أن يصبح الاعتراف بالشخص داخل المجموعة مرتبطًا برضا هذه الدائرة الصغيرة عنه.

وهنا تظهر مفارقة عجيبة:

كلما ابتعد الشخص عن مراكز العلم، قد يقترب أحيانًا من مراكز النفوذ المحلي.

فيصبح الشخص الذي لا يستطيع مناقشة مسألة علمية معقدة قادرًا على إصدار حكم اجتماعي على عالم أو داعية.


الطبقة الثامنة: العوام المتمدخلون

وهؤلاء هم موضوعنا الأهم.

ويمكن تقسيمهم إلى عدة أنماط:

1 ـ المنفذون

وهم الذين يتعاملون مع الهجر والتحذير باعتبارهما مهمة فورية.

فبمجرد أن يسمع أحدهم حكمًا على شخص، ينتقل مباشرة إلى التنفيذ:

لا تجلس معه.
لا تسمع له.
لا تتابعه.
لا تأخذ منه.
احذّر منه.

ويصبح تنفيذ الحكم أهم من فهم أسبابه وأدلته.


2 ـ جامعو التجريحات

وهؤلاء لا يكاد يكون لهم شغل إلا متابعة:

من جُرّح؟
ومن رُدَّ عليه؟
ومن بُدِّع؟
ومن حُذِّر منه؟

وقد يتحول الهاتف عند أحدهم إلى أرشيف ضخم من المقاطع التي تتناول أسماء لا تكاد تنتهي.

ويصبح مقدار ما يحفظه من ملفات التجريح أكبر بكثير مما يحفظه من العلم الذي يحتاجه في عباداته ومعاملاته وأخلاقه.

وهنا يصبح السؤال:

هل الغاية من طلب العلم أن تعرف أخطاء الناس، أم أن تعرف الحق وتعمل به؟


3 ـ دعاة الواجهة الحسنة

وهؤلاء يختلفون عن النمط السابق.

فلا يبدأون معك بالتحذير والتجريح، ولا يفتحون معك أبواب الخصومة.

بل قد تجد عند بعضهم أخلاقًا حسنة، وانضباطًا، وحرصًا على الصلاة والعبادة، ومعرفة ببعض المسائل الشرعية البسيطة.

وهذا يجعلهم أكثر قدرة على جذب المتدين الجديد.

يبدأ الشاب معهم بحديث عن الصلاة والوضوء واللحية واللباس والتوحيد، ثم ينتقل تدريجيًا إلى:

من هم العلماء الذين ينبغي أن يسمع لهم؟

ثم:

من هم العلماء الذين ينبغي الحذر منهم؟

وهكذا لا يدخل الشاب في المنظومة دفعة واحدة، وإنما قد يدخل إليها بالتدرج.

وهذه نقطة مهمة جدًا في فهم ظاهرة التمدخل.


4 ـ أتباع الخوف

وهؤلاء لا يتبعون المنظومة دائمًا عن قناعة علمية راسخة، وإنما خوفًا من أن يُقال عنهم:

مميعون.
حزبيون.
أهل بدع.
منحرفون.
لا يعرفون السلفية.

فيتحول الخوف من التصنيف إلى وسيلة لضبط السلوك.

والمشكلة هنا أن الإنسان قد لا يسأل:

ما الدليل؟

بل يسأل:

ماذا سيقول الإخوة عني إذا خالفتهم؟

وهنا يتحول الاتباع من قناعة علمية إلى رقابة اجتماعية داخلية.


الطبقة التاسعة: المتمدخل الجديد

وهذه هي القاعدة الأوسع.

وهو الشخص الذي دخل حديثًا إلى البيئة المدخلية، وغالبًا ما يكرر عبارات من قبيل:

"يا أخي، أنا لست طالب علم."

"أنا لا أفهم في هذه الأمور."

"اسأل العلماء، نحن لا نعرف شيئًا."

"لولا العلماء لما عرفنا السلفية."

ولا مشكلة في أن يعترف الإنسان بجهله.

بل إن الاعتراف بالجهل فضيلة إذا كان طريقًا إلى التعلم.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الجهل إلى حصانة ضد المراجعة.

فهو لا يملك العلم الكافي للحكم على المسألة، ولكنه يملك الثقة الكافية للحكم على الأشخاص.

فإذا سألته:

ما دليلك؟

قال:

أنا لا أعلم.

وإذا سألته:

من قال لك ذلك؟

قال:

أحد الإخوة.

وإذا سألته:

أين المصدر؟

قال:

سمعته من المشايخ.

وهكذا تصبح دائرة المعلومات مغلقة:

شيخ → أخ → أخ → عامي → أخ.

ولا يكاد يدخل إليها مصدر خارجي إلا بعد المرور عبر البوابة نفسها.


المفارقة الأخطر

قد تجد شخصًا يقول:

"أنا لا أستطيع أن أفتي، أنا لست طالب علم."

ثم تجده في اللحظة نفسها يتحدث بثقة شديدة عن:

فلان مبتدع،
وفلان حزبي،
وفلان منحرف،
وفلان لا يُسمع له،
وفلان يجب هجره.

فإذا سألته عن الدليل قال:

"أنا لا أفتي، أنا فقط أنقل كلام العلماء!"

لكن أين النقل؟

ومن هو العالم؟

وأين كلامه؟

وما سياقه؟

وهل فهمه صحيح؟

وهل الحكم الذي نُقل عنه ثابت أصلًا؟

هنا تظهر المشكلة.

فـ التواضع العلمي الحقيقي يقتضي التثبت، لا مجرد ترديد ما تسمعه.


وهناك طبقة مختلفة تمامًا...

الطبقة المميزة: المتمدخل الذي لم يكتمل تمدخله

وهذه الفئة هي الأهم في نظري.

لأنها ليست بالضرورة فئة معاندة، ولا فئة متعصبة، ولا فئة مولعة بالتجريح.

بل قد يكون صاحبها:

محبًا للعلم،
حسن الخلق،
محبًا للقرآن والسنة،
حريصًا على اتباع السلف،
كارهًا للخصومات،
رافضًا للتنفير،
ومستنكراً لكثير من ممارسات الهجر والتبديع.

وقد تجده يقول بالموازنة، ويفرق بين الخطأ والبدعة، ولا يرى أن كل من وقع في البدعة يصبح مبتدعًا، ويستثقل الدخول في أعراض العلماء والدعاة.

وهذا الشخص ليس هو المشكلة الأساسية.

بل على العكس:

هذا هو الشخص الذي نكتب من أجله.

لأننا لا نريد أن ننتصر عليه في جدال.

ولا نريد أن نثبت له أنه سيئ.

ولا نريد أن نسقطه في خصومة جديدة.

بل نريد أن نقول له:

لقد يكون فيك من القدرة على طلب العلم أكثر مما تتصور، فلماذا تحبس نفسك داخل دائرة ضيقة؟


حين يتحول التخصص إلى سجن

قد تجد شابًا مجتهدًا في طلب العلم، يحفظ القرآن، ويحفظ المتون، ويقرأ في العقيدة، ويكرر دراسة بعض الكتب الأساسية مرات متعددة.

وهذا كله خير من حيث الأصل.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول البدء بالعلم إلى نهاية للعلم.

فيظل الطالب يدور حول الكتاب نفسه، والمتن نفسه، والدائرة نفسها، سنوات طويلة، لأنه تلقى فكرة مفادها:

"تخصص في هذا الكتاب."

ولا بأس بالتخصص إذا كان مرحلة ضمن مشروع علمي متكامل.

لكن التخصص الذي يمنع الطالب من الانتقال إلى:

الفقه،
وأصول الفقه،
والحديث،
وعلوم القرآن،
والتفسير،
واللغة،
والسيرة،
ومقارنة الأقوال،
وفهم اختلاف العلماء،

ليس تخصصًا بقدر ما قد يصبح دورانًا داخل دائرة مغلقة.

والطالب الذي يحفظ كتابًا واحدًا ويكرر المتون نفسها عشرات المرات، بينما لا يتقدم في بقية العلوم، يحتاج إلى أن يسأل نفسه:

هل أنا أتقدم فعلًا في العلم، أم أكرر المرحلة نفسها؟


المشكلة ليست في حفظ القرآن ولا في دراسة المتون

بل العكس تمامًا.

حفظ القرآن من أعظم ما يمكن أن يشتغل به المسلم، ودراسة المتون المختصرة نافعة في بناء الملكة العلمية.

لكن العلم ليس حفظًا بلا توسع.

العلم أن تتعلم كيف:

تفهم النص،
وتجمع الأدلة،
وتعرف أقوال العلماء،
وتفهم أسباب اختلافهم،
وتفرق بين القطعي والظني،
وتعرف مواضع الاتفاق والخلاف،
وتتعلم أدب الإنصاف.

وهنا يبدأ الطالب في الانتقال من مرحلة:

"قال لي الشيخ"

إلى مرحلة:

"هذا هو الدليل، وهذه أقوال العلماء، وهذا وجه الاستدلال، وهذا سبب الاختلاف."

وهذا هو الانتقال الحقيقي من التلقي إلى الملكة العلمية.


لماذا نهتم بهذه الفئة تحديدًا؟

لأن بعض هؤلاء الشباب قد يمتلكون طاقات علمية حقيقية، لكنهم لم يكتشفوها بعد.

وقد يكون أكبر عائق أمامهم ليس ضعف القدرة، وإنما ضيق الدائرة التي يتحركون داخلها.

فتجد الشاب يملك الحماس، والوقت، والقدرة على الحفظ، والرغبة في التعلم، لكنه لا يرى أمامه إلا مجموعة محددة من الكتب والمشايخ والقضايا.

فتتكرر أمامه الأسماء نفسها، والقضايا نفسها، والردود نفسها.

ثم يظن أن العالم كله هو هذه الدائرة.

وهنا تأتي الحاجة إلى فتح الأبواب:

اقرأ أكثر.
اسمع أكثر.
قارن.
اسأل.
تثبت.
لا تجعل شخصًا واحدًا معيارًا لكل شيء.
ولا تجعل الانتماء إلى مجموعة بديلًا عن بناء العقل العلمي.


الخلاصة

المشكلة ليست أن يكون للإنسان شيخ يحبه، أو عالم يثق بعلمه، أو مدرسة علمية ينتسب إليها.

فهذه أمور عرفها تاريخ العلم الإسلامي.

المشكلة تبدأ عندما يتحول احترام العالم إلى عصمة، والانتماء إلى جماعة إلى معيار للحق، ونقل الأحكام إلى بديل عن الدليل، والخوف من التصنيف إلى وسيلة لإسكات السؤال.

فليس كل من قال:

"أنا مع العلماء"

قد أصبح عالمًا.

وليس كل من قال:

"أنا لا أعرف"

قد امتنع عن الحكم.

وليس كل من رفع شعار:

"نحن نتبع السلف"

قد فهم فعلًا كيف كان السلف يتعاملون مع اختلاف العلماء وأخطائهم.

والأهم من ذلك كله:

لا تجعل ولاءك لمجموعة يمنعك من التعلم خارجها.

فالحق لا يحتاج إلى جدار يحميه من الأسئلة.

والعلم لا يخاف من المقارنة.

والعالم الراسخ لا يحتاج إلى أن يحبس طلابه داخل دائرة مغلقة حتى يحافظ على مكانته.

أما الطالب الذي يملك عقلًا متوقدًا، ورغبة صادقة في العلم، وحبًا للقرآن والسنة، فلا ينبغي أن يبقى أسيرًا لمرحلة واحدة من مراحل التلقي طوال حياته.

افتح له أبواب العلم.

دعه يقرأ.

دعه يقارن.

دعه يسأل.

دعه يكتشف بنفسه أن العلم أوسع من الأشخاص، وأكبر من الجماعات، وأرحب من دائرة "الإخوة".

فربما كان في هذا الشاب الذي ظن أنه مجرد تابع...

عالمٌ لم يجد بعدُ الطريق الذي يحرر طاقته.

سوسيولوجيا "التمدخل": قراءة في طبقات التيار المدخلي وهرمية أتباعه في الجزائر.

 

📌 طبقات المداخلة في الجزائر: سوسيولوجيا التبعية وتفريغ الطاقات (من الدرجة الخامسة فما تحتاً)

الواقع الدعوي للتيار المدخلي ليس كتلة واحدة، بل هو أشبه بنظام طبقي هرمي دقيق، تتوزع فيه الأدوار بدقة متناهية من الرأس إلى القاعدة. دعونا ن تفكك هذا الهرم لنرى كيف تبدو الصورة من الداخل:

🔹 الطبقة الأولى: ربيع المدخلي (المرجع الأعلى). 🔹 الطبقة الثانية: محمد المدخلي، عبيد الجابري، بازمول... ومن في فلكهم. 🔹 الطبقة الثالثة: محمد سعيد رسلان، الرضواني، طلعت زهران... الخ. 🔹 الطبقة الرابعة: فركوس، سليمان الرحيلي... الخ (مع ملاحظة صراع خفي يرفع "سنيقرة" للرابعة ويخفض "فركوس" للخامسة، رغم أن الأخير أعمق علماً بمراحل من مشايخ الطبقة الثانية، لكنها حسابات الولاء والواقع!). 🔹 الطبقة الخامسة: لزهر سنيقرة، عبد الغني عويسات... الخ. 🔹 الطبقة السادسة: أئمة المساجد الموالون لأصحاب الطبقة الخامسة. 🔹 الطبقة السابعة: أصحاب المهن البسيطة (باعة الفول، الشاي، والأقمصة في المدن والبلديات). علاقتهم بالسلطة الأمنية أو العسكرية محلية وضيقة (على مستوى البلدية أو الحي). ⚠️ (هذه الطبقة الخطيرة هي التي تصدر "قرارات الهجر والتحذير" محلياً! عندها تُعلن توبة "الطبقة الثامنة" ويُوثق الانتماء، فإن رضوا عنك، زكوك عند أئمة الطبقة السادسة لتصبح "معروفاً" لديهم).

🛑 الطبقة الثامنة: "عوام المداخلة" (موضوع مقالنا)

وهؤلاء أصناف شتى، يتصدرون المشهد بالتعطيل والتنفير، وينقسمون إلى:

  1. المنفذون الأوائل: سدنة الهجر الفوري، والمبالغون في إظهار الحقد، وسب المخالفين والتنفير منهم محلياً.

  2. أرشيف الجرح والتعديل: قوم لا هم لهم سوى تناقل قضايا التجريح! تجد في هواتفهم (64 جيجابايت) ممتلئة بفيديوهات تجريح لأشخاص لا تكاد تستوعب وجودهم على وجه الأرض.

  3. صيادو المتدينين الجدد (وجه الصلاح): وظيفتهم تحسين صورة المشايخ وتجنب الكلام في المخالفين إلا ضرورة. يتمتعون بقدر من الأخلاق والهدوء يطمئن إليه المتدين الجديد، فيستدرجونه لكتب ومشايخ التيار، ولديهم حصيلة علمية خفيفة (أحكام اللحية، الجلباب، الوضوء) مع دعوة توحيد سطحية توافق الحق في كلياتها، فينقاد لهم العامي ويتحول للطبقة التاسعة.

  4. الإمعة الخائفون: قوم اتبعوا التيار خوفاً من التبديع أو التجريح! مهووسون بفكرة "الإخوة"؛ فكل ما يفعله الإخوة.. يفعله هؤلاء بلا تفكير.

🧩 الطبقة التاسعة: "العوام المتمدخلون حديثاً"

هم أولئك الذين يصدعون رأسك بعبارات جاهزة ومحفوظة:

  • "يا أخي أنا لست حتى طويلب علم!"

  • "يا أخي ليس لدي علم، اسأل العلماء!"

  • "لولا العلماء لما عرفنا السلفية!"

هم محاطون بحصن منيع من الجهل يحميهم من أي فكرة دخيلة (سواء كانت حقاً أو باطلاً). ومن حسناتهم أنك لا تخاف عليهم من التصوف أو التشيع، ليس لأنهم حققوا المسائل، بل لأنهم "أغلقوا آذانهم تماماً". تجده يبدع عالماً قضى عمره كله في طلب العلم، وحين تناقشه يردد: "أنا لا علم لي!"

ومما يثير العجب، أن أحدهم يفتي بكل أريحية في مسألة "يتصبب الألباني عرقاً" قبل الخوض فيها، فإن سألته عن الدليل قال: "لا أعلم!"، عن العالم قال: "لا أعلم!"، وعن المصدر؟ يقول لك بفخر: (#قال_لي_أخ)! فليس لهم شيوخ حقيقيون سوى أفراد (الطبقة الثامنة)، وكأن باقي علماء المسلمين أعداء لهم.

💎 "الطبقة المميزة": المكبولون في قفص الوهم

هذا الصنف هو الذي نكتب من أجله هذه الكلمات، راجين الله أن يفك قيودهم: هم أناس طيبو الأخلاق، سلفيو الأصول بسلامة فطرة، يقولون بالموازنات، وحمل المجمل على المفصل، ويستنكرون الهجر ويحبون التراحم، ويرون عوار المداخلة لكنهم يظنونها "أخطاء أفراد" لا منهج تيار!

ووالله، لقد عرفت رجُلاً منهم يفوق اجتهاده في طلب العلم اجتهاد ربيع المدخلي نفسه، لكنه "حُطِم ومُلك استباقياً"! منذ خمس سنوات وهو يعيد قراءة "كتاب التوحيد" وحدة تلو الأخرى بشروح مختلفة، ويمنعونه من الانتقال بحجة كذبة "التخصص في كتاب التوحيد"! يحفظ المتون الصغيرة والقرآن الكريم بغزارة، لكنه أسير تلك المرحلة لأنه فاق أصحابه علما وهو لا يدري، وهم لا يسمحون له بالمرور فتعطل!

رسالتي لهذا الصنف: نكتب لكم لا لنراكم في ضلال، بل لكي تتفجر طاقاتكم المكبوحة فتُبهروا العالم. أنتم تكرهون التجريح وتمقتون التبديع، لكنكم ترفضون الاستماع لغيرهم وتسقطون عند أول نقاش جاد. لو حررتم هذه الطاقات في قراءة الكتب العلمية الرصينة لبلغتم شأناً عظيماً، بدلاً من اجترار التكرار الدائم (اللهم إلا حفظ القرآن وتجويده، وتفسير السعدي المبارك). حرروا عقولكم، فالعلم أوسع بكثير من أسوار "التمدخل".

ربيع المدخلي يحذّر من الفرقة… يأمر الناس بالبر وينسى نفسه؟

 

ربيع المدخلي يحذّر من الفرقة…

ولكن ماذا عن قواعد التجريح والتصنيف؟

من أكثر المفارقات التي تستحق التوقف في الخطاب المدخلي المعاصر أن الحديث عن الفرقة والتشتت والانقسام يزداد كلما ازداد الانقسام داخل التيار نفسه.

وفي سياق الخلافات التي وقعت بين بعض رموز التيار المدخلي في الجزائر، نُقل عن ربيع المدخلي قوله:

«نحن ما عرفنا مثل هذا التمزق والتفرق، والله الفتنة الآن تكتنف السلفية والسلفيين في العالم».

وقال أيضًا:

«ما مر مثلها؛ لأن الرؤوس كثرت، وحب الزعامات انتشر مع الأسف».

ثم قال:

«والمدسوسون بين صفوف السلفيين كثر فمزقوا السلفيين شذر مذر».

ثم دعا إلى الحذر من الفرقة والتآخي.

وهنا لا بد من التوقف قليلًا…

ليس اعتراضنا على الدعوة إلى الأخوة ونبذ الفرقة؛ فهذه دعوة صحيحة في أصلها.

لكن السؤال الأهم هو:

كيف نعالج الفرقة إذا كانت بعض قواعد التعامل مع الخلاف نفسها قابلة لإنتاجها؟


أولًا: لماذا أصبحت قضية «الفرقة» مرتبطة بالسلفيين وحدهم؟

حين يقول ربيع المدخلي:

«الفتنة الآن تكتنف السلفية والسلفيين في العالم»

فإن أول سؤال يطرح نفسه:

ماذا عن الأمة الإسلامية كلها؟

فالفرقة ليست مشكلة جماعة محددة، والوحدة ليست مشروعًا خاصًا بتيار بعينه.

وإذا كان المقصود بالسلفية جميع من ينتسب إلى منهج السلف، فإن دائرة الخلاف ينبغي أن تتسع للنقد والنقاش والاجتهاد.

أما إذا أصبح اسم «السلفية» لا يطلق إلا على من وافق مجموعة معينة في الأشخاص والمواقف والتصنيفات، فإن الأمر يتحول تدريجيًا من:

الاجتماع على منهج

إلى:

الاجتماع حول دائرة من الأشخاص.

وهنا تبدأ المشكلة.

فالسؤال ليس فقط:

من هو السلفي؟

بل الأهم:

من يملك حق إخراج المسلم من هذه الدائرة؟ وبأي معيار؟


ثانيًا: هل هذه أول فتنة في تاريخ التيار المدخلي؟

يصف ربيع المدخلي الخلاف الحالي بأنه من أشد ما مر بالسلفيين.

لكن هذا الوصف يفتح بابًا آخر للسؤال:

وماذا عن الخلافات والانقسامات السابقة؟

لقد عرف التيار خلال العقود الماضية سلسلة طويلة من النزاعات، وظهرت فيه أسماء وتصنيفات متعددة:

فالح الحربي… أبو الحسن المأربي… علي الحلبي… يحيى الحجوري… ثم الصعافقة والمصعفقة… وغيرهم.

وقد تختلف الأطراف في تفسير كل قضية من هذه القضايا، وفي تحديد المسؤولية عنها.

لكن هناك حقيقة يصعب تجاهلها:

الانقسام ليس حادثة طارئة.

فإذا تكررت الظاهرة مرة بعد أخرى، فإن الاقتصار على البحث عن «المتسبب في الفتنة الأخيرة» لا يكفي.

بل ينبغي أن نسأل سؤالًا أعمق:

هل المشكلة في الأشخاص فقط، أم أن في طريقة إدارة الخلاف نفسها ما يسمح بإعادة إنتاج الانقسام؟


ثالثًا: «كثرة الرؤوس»… أم غياب ثقافة الاختلاف؟

يقول ربيع:

«الرؤوس كثرت، وحب الزعامات انتشر».

قد يكون حب الزعامة سببًا من أسباب النزاع في أي جماعة بشرية.

لكن هناك سؤالًا لا يقل أهمية:

هل علاج التعدد هو إلغاء التعدد؟

وهل وجود أكثر من عالم أو داعية أو طالب علم يعني بالضرورة أن الجماعة ستتفرق؟

إن الاختلاف في الفهم والاجتهاد أمر عرفته الأمة منذ عصر الصحابة والتابعين، ولم يكن كل اختلاف يؤدي إلى القطيعة والتبديع والهجر.

المشكلة تبدأ عندما يصبح وجود رأي مستقل عن رأي الشخص أو المجموعة المركزية تهديدًا للهوية بدل أن يكون اختلافًا علميًا قابلًا للنقاش.

فإذا كان كل من استقل برأيه عُدَّ «رأسًا» مذمومًا، وكل من خالف المركز عُدَّ سببًا للفرقة، فإن الوحدة تصبح في النهاية مرادفة للتبعية.

وهنا ينبغي أن نسأل:

هل نريد وحدةً تقوم على الدليل، أم وحدةً تقوم على الأشخاص؟


رابعًا: «المدسوسون»… هل يفسرون كل الانقسامات؟

من العبارات التي تستوقف النظر أيضًا:

«المدسوسون بين صفوف السلفيين كثر فمزقوا السلفيين شذر مذر».

قد يوجد في أي خلاف من يستغل النزاع أو يزيده اشتعالًا.

لكن هل يكفي هذا لتفسير ظاهرة الانقسام المتكرر؟

إذا وقعت المشكلة مرة، فقد يكون التدخل الخارجي تفسيرًا محتملًا.

أما إذا تكررت الخلافات عشرات المرات، وتكرر معها السيناريو نفسه:

خلاف → تجريح → تصنيف → اصطفاف → هجر → انقسام → ظهور مجموعة جديدة

فهنا يصبح من المشروع أن نراجع البنية الداخلية التي أنتجت هذا النمط.

فبدل أن نسأل دائمًا:

من دسَّ بيننا؟

ينبغي أن نسأل أيضًا:

ما القواعد التي تجعل خلافنا قابلًا للتحول إلى انقسام؟


خامسًا: هنا تكمن المشكلة… في «قواعد» التعامل مع المخالف

من أكثر القواعد إثارة للجدل في هذا الباب قاعدة:

«من لم يبدع المبتدع فهو مبتدع».

وكذلك امتحان الناس بمواقفهم من أشخاص معينين، بحيث يصبح موقف الإنسان من فلان أو علان معيارًا للحكم عليه.

وهنا ينبغي أن نفرق بين أمرين:

نقد الخطأ

وبين:

تحويل الأشخاص إلى موازين للولاء والبراء.

فالعالم قد يخطئ.

والداعية قد يخطئ.

وطالب العلم قد يخطئ.

وقد يختلف المسلم مع حكم عالم أو نقده لشخص آخر دون أن يلزم من ذلك أن يكون قد أصبح مبتدعًا أو ضالًا.

أما عندما يصبح التسلسل هكذا:

لم توافقني → إذن أنت مخطئ → لم توافق حكمي على فلان → إذن أنت منحرف → دافعت عنه → إذن أنت مبتدع → لم تتبرأ منه → فأنت مثله…

فإن دائرة الخلاف لن تتوقف عند أحد.

بل ستتوسع باستمرار.


سادسًا: لا تجعلوا الأشخاص ميزانًا للحق

المشكلة الأكبر تظهر عندما تتحول مكانة شخص معين إلى ميزان يُقاس به الناس.

فليس من أصول الإسلام أن يكون موقف الإنسان من عالم أو داعية معين هو الذي يحدد مصيره الديني.

قال الله تعالى:

﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾
[النجم: 32]

وقال سبحانه:

﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
[البقرة: 44]

وهذه الآية الأخيرة تضع أمامنا قاعدة عظيمة في مراجعة الخطاب الديني:

قبل أن نطالب الآخرين بما نطالب به، علينا أن ننظر: هل نطبّق المعيار نفسه على أنفسنا؟

فإذا كانت الدعوة:

«لا تتفرقوا».

فالسؤال:

هل طريقة التعامل مع المخالف تساعد على الاجتماع أم تزيد الانقسام؟

وإذا كانت الدعوة:

«تآخوا».

فالسؤال:

هل قبول المخالف والنقد المتبادل جزء من هذه الأخوة، أم أن الأخوة مشروطة بالموافقة؟

وهنا تكون الآية تذكيرًا بالمبدأ، لا حكمًا على نيات الأشخاص.


سابعًا: المفارقة الكبرى: «لا تتفرقوا»… ولكن بشرط!

لنفرض أن شخصًا اختلف مع ربيع المدخلي في الحكم على عالم أو داعية.

هل يستطيع أن يبقى أخًا، مع بقاء الخلاف؟

أم يجب أن يتخذ موقفًا محددًا؟

وإذا اختار موقفًا مخالفًا، فهل يصبح:

مبتدعًا؟

أو:

ضالًا؟

أو:

خارجًا عن السلفية؟

إذا كان الأمر كذلك، فكيف نطلب بعد ذلك من الناس ألا يتفرقوا؟

إن الدعوة إلى الوحدة لا تكون مؤثرة بمجرد تكرار عبارة:

«لا تتفرقوا… تآخوا».

بل تحتاج إلى منهج يجعل الاختلاف ممكنًا دون أن يتحول إلى قطيعة.

فالناس ليسوا ملزمين بأن يتطابقوا في كل مسألة.

والعلماء ليسوا معصومين.

والاختلاف العلمي لا يساوي بالضرورة الانحراف.


ثامنًا: «الفرقان» لا يعني تحويل الأمة إلى جماعات متناحرة

وقد يقول قائل:

نحن لا نفرق بين المسلمين، وإنما نفرق بين الحق والباطل، والقرآن هو الفرقان.

وهذا صحيح من حيث الأصل.

لكن ينبغي الانتباه إلى الفرق الكبير بين:

التفريق بين الحق والباطل

وبين:

التفريق بين المسلمين بسبب مسائل الخلاف والاجتهاد.

القرآن يبين الحق من الباطل.

لكن تنزيل الأحكام على الأشخاص ليس عملية آلية بمجرد العثور على خطأ أو مخالفة.

فالقول قد يكون باطلًا، ولا يلزم من ذلك أن كل من قاله يأخذ الحكم نفسه في كل حال.

والخطأ قد يقع فيه العالم، ولا يلزم من وقوعه فيه أن تُهدم مكانته كلها.

والاختلاف مع العالم لا يعني إسقاطه.

وهذه المساحات الدقيقة هي التي تضيق كلما اتسعت ثقافة التصنيف.


تاسعًا: من الذي يصنع الفرقة؟

هنا نصل إلى السؤال الأصعب:

إذا كانت كل مجموعة تلقي مسؤولية الانقسام على خصومها، فمن الذي يراجع المنهج نفسه؟

حين ينقسم أتباع التيار إلى:

هذا مع فلان… وهذا مع فلان… وهذا مع الصعافقة… وهذا مع المصعفقة…

ثم يبدأ كل فريق في إسقاط الآخر وتصنيفه؛ فإن تكرار هذه الظاهرة يستحق دراسة أعمق من مجرد اتهام الطرف الآخر.

لأن المشكلة قد لا تكون في أن:

«فلانًا خرج عن المنهج».

بل ربما يكون السؤال:

لماذا يسمح هذا المنهج بإخراج كل مخالف بسرعة من دائرته؟

ولماذا يصبح الخلاف في بعض المسائل سببًا في انهيار العلاقات العلمية والدعوية؟

ولماذا يتحول النقد من مناقشة فكرة إلى محاكمة شخص؟


عاشرًا: لا يمكن أن تعالج الفرقة بالأدوات التي صنعتها

وهنا تظهر المفارقة كاملة.

إذا كانت الأدوات المستخدمة في التعامل مع الخلاف هي:

التصنيف، والتجريح، والامتحان بالأشخاص، والهجر، والإقصاء، وربط الولاء بالمواقف من أفراد معينين…

ثم قيل بعد ذلك:

«لماذا تفرقتم؟»

فالسؤال الذي يفرض نفسه:

أليست بعض هذه الأدوات نفسها جزءًا من المشكلة؟

إن من يضع الناس دائمًا أمام خيارين:

إما أن توافقني… أو أنت ضدي

سيكتشف في النهاية أن الذين كانوا معه قد يصبحون ضده، ثم ينقسم الذين بقوا معه إلى مجموعات أصغر، وهكذا تستمر الدائرة.


الخلاصة

ليست المشكلة في أن يحذر ربيع المدخلي من الفرقة.

ولا في أن يدعو إلى الأخوة.

ولا في أن يحذر من التعصب للزعامات.

كل هذه المعاني صحيحة من حيث الأصل.

لكن السؤال الذي ينبغي طرحه بوضوح هو:

هل تكفي الدعوة إلى الوحدة إذا بقيت قواعد التعامل مع الخلاف على حالها؟

إذا كان المطلوب فعلًا هو جمع الكلمة، فلا بد من مراجعة:

ثقافة التصنيف.

وثقافة الامتحان بالأشخاص.

وثقافة التبديع عند الخلاف.

وثقافة الهجر والإقصاء.

وتحويل الموقف من الدعاة والعلماء إلى معيار للولاء والبراء.

فالاجتماع الحقيقي لا يعني أن يصبح الجميع نسخة واحدة.

والأخوة لا تعني إلغاء الاختلاف.

والسلفية — إن أريد بها اتباع السلف — لا ينبغي أن تتحول إلى أسماء وأشخاص ودوائر مغلقة.

فإذا كنا نأمر الناس بالبر، فلنسأل أنفسنا أولًا: هل نمارس ما نأمر به؟

وإذا كنا نحذر الناس من الفرقة، فلنسأل:

هل راجعنا القواعد التي تجعل الفرقة تتكرر؟

فربما لا يكون علاج الانقسام في البحث عن «مفرّقين» جدد…

بل في مراجعة الطريقة التي نتعامل بها مع الاختلاف من أساسها.

لأن الأمة لا تجتمع بإلغاء المخالف، وإنما تجتمع بالعدل معه، والرجوع إلى الدليل، وتوسيع دائرة الأخوة، وعدم جعل الأشخاص موازين للحق.

هل انتقد العلماء أحاديث في الصحيحين؟

 

صحيح البخاري ليس معصومًا من النقد

كيف تعامل علماء أهل السنة مع أحاديثه؟

من أكثر المسائل التي يكثر حولها الجدل: هل يعني وصف صحيح البخاري بأنه أصح كتاب بعد كتاب الله أن كل رواية فيه لا يمكن أن تكون محل بحث أو نقد؟

والجواب يحتاج إلى شيء من التفصيل.

فـتعظيم صحيح البخاري ومكانته بين كتب السنة أمر، والقول بأن كل حديث فيه لا يمكن أن يناقشه أحد من أهل الاختصاص أمر آخر.

والغريب أن إثبات هذه الحقيقة ليس طعنًا في البخاري، ولا انتقاصًا من مكانة الصحيح، بل هو في ذاته جزء من منهج علماء الحديث في التعامل مع الروايات.


أولًا: ماذا يعني قول العلماء «أصح كتاب بعد كتاب الله»؟

اشتهر عند أهل العلم أن صحيح البخاري أصح كتب الحديث بعد القرآن، وأنه مقدَّم في الصحة على سائر كتب الحديث.

لكن هذه العبارة لا تعني أن الإمام البخاري معصوم من الخطأ.

فالإمام البخاري نفسه محدث ناقد من البشر، وضع كتابه وفق شروطه واجتهاده في معرفة الصحيح وتمييزه من غيره.

ومن هنا لا يصح أن نحول عبارة:

«أصح كتاب بعد كتاب الله»

إلى معنى آخر لم يقصده العلماء، وهو:

«كل رواية فيه قطعية الصحة، ولا يجوز لأحد من أهل الحديث أن يناقشها».

فهذان شيئان مختلفان.

بل إن علماء الحديث أنفسهم ناقشوا بعض الروايات التي أخرجها البخاري، وكتبوا في ذلك مباحث مطولة.


ثانيًا: هل وُجدت انتقادات لصحيح البخاري عند أئمة الحديث؟

نعم.

وهذه ليست مسألة مستحدثة، ولا فكرة اخترعها بعض المعاصرين للطعن في السنة.

فالحافظ ابن حجر العسقلاني عقد في مقدمة فتح الباري فصلًا خاصًا للأحاديث التي انتقدها الدارقطني وغيره من النقاد.

وذكر ابن حجر أن ما اجتمع له من الأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري بلغ 110 أحاديث، منها:

  • 32 حديثًا وافق مسلم البخاري على إخراجها.

  • 78 حديثًا انفرد البخاري بتخريجها.

لكن هنا ينبغي الانتباه إلى أمر بالغ الأهمية:

«انتُقد الحديث» لا تساوي «ثبت خطأ البخاري».

فهذه الانتقادات نفسها خضعت للنقاش والجواب والترجيح.

وقد دافع ابن حجر عن البخاري في عدد كبير منها، ورأى أن جانبًا كبيرًا من هذه الاعتراضات لا يقدح في صحة ما أخرجه البخاري.

إذن الصورة العلمية ليست:

الدارقطني ضعّف → انتهى الأمر.

ولا:

البخاري صحح → انتهى الأمر.

بل هناك نقد، ومناقشة، وجواب، وترجيح، ودراسة للعلل.

وهذا هو علم الحديث.


ثالثًا: السيوطي نفسه ذكر وجود الانتقاد

قال الإمام السيوطي في ألفيته في الحديث:

«وانتقدوا عليهما يسيرًا
فكم ترى نحوهما نصيرًا»

ثم قال:

«وليس في الكتب أصح منهما
بعد القرآن ولهذا قُدِّما»

والمعنى واضح:

صحيحا البخاري ومسلم في أعلى درجات كتب الحديث، ومع ذلك فقد وُجدت عليهما انتقادات يسيرة من أهل هذا الشأن.

وهنا تظهر دقة المنهج:

ليس المطلوب إسقاط الصحيحين بسبب وجود انتقادات.

وليس المطلوب أيضًا إنكار وجود الانتقادات.

بل المطلوب دراسة كل اعتراض على حدة.


رابعًا: وماذا قال ابن الصلاح؟

الإمام ابن الصلاح من أشهر من قرر مكانة الصحيحين، وذكر أن ما انفرد به البخاري أو مسلم داخل في قبيل ما يُقطع بصحته بسبب تلقي الأمة لكتابيهما بالقبول، ثم استثنى من ذلك أحرفًا يسيرة تكلم عليها بعض الحفاظ، كالدارقطني وغيره.

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

فابن الصلاح لا يقول إن كل ما في الصحيحين خارج عن دائرة البحث والنظر بصورة مطلقة، وإنما يذكر الاستثناءات المعروفة عند أهل هذا الفن.

ولهذا فإن العبارة الأدق ليست:

«كل ما في البخاري صحيح بلا أي نقاش»

ولا:

«البخاري مليء بالأحاديث الضعيفة»

بل:

«صحيح البخاري تلقته الأمة بالقبول، وهو أصح كتب الحديث، ومع ذلك عُرفت فيه مواضع يسيرة ناقشها بعض أئمة النقد، وبحث العلماء تلك الانتقادات وردوا على كثير منها.»

وهذه هي الصورة التي تجمع بين تعظيم الكتاب واحترام علم النقد.


خامسًا: هل كان نقد المتن معروفًا عند المحدثين؟

هنا نصل إلى قضية أخرى مهمة.

علم الحديث لا يقوم على النظر في السند وحده.

فمن شروط الحديث الصحيح عند أهل الحديث أن يكون:

متصل السند،

ورواته عدولًا ضابطين،

خاليًا من الشذوذ،

وخاليًا من العلة القادحة.

ومن هنا كان المحدثون لا يكتفون بمجرد قول:

«رجال السند ثقات».

فقد يكون السند في ظاهره قويًا، ثم تظهر للمحدث علة خفية عند جمع الطرق ومقارنتها.

وقد يكون أحد الثقات قد خالف من هو أوثق منه، فيحكم النقاد على الرواية بالشذوذ.

ولهذا فإن النقد الحديثي أوسع من مجرد الحكم على الرواة.


سادسًا: عائشة رضي الله عنها والنقد بالنظر في الرواية

ومن أشهر الأمثلة التي يُستدل بها في هذا الباب ما وقع من عائشة رضي الله عنها في مناقشة بعض الروايات التي بلغتها.

فقد أنكرت بعض الأحاديث أو صححت فهمها بناءً على ما تعرفه من هدي النبي ﷺ وملابسات الرواية.

وهذا لا يعني أن الصحابي كان يرد السنة لمجرد أنها لا توافق رأيه الشخصي.

بل يعني أن فهم الرواية وجمع النصوص ومعرفة سياقها كان حاضرًا في منهج الصحابة.

ولهذا كان المحدثون بعدهم يجمعون الطرق، ويقارنون الروايات، وينظرون في ألفاظها، ويعرضون بعضها على بعض.


سابعًا: هل مجرد صحة السند تكفي دائمًا؟

لا.

وهذه قاعدة أساسية في علم الحديث.

فقد يكون الراوي ثقة، لكن يروي حديثًا على خلاف ما رواه الحفاظ الأوثق منه.

وقد يكون الحديث محفوظًا من طريق، غير محفوظ من طريق آخر.

وقد يكون الخطأ من راوٍ ثقة في حديث معين.

ولهذا نشأ علم العلل، وهو من أدق علوم الحديث وأصعبها.

والمتخصص في العلل لا يسأل فقط:

من روى الحديث؟

بل يسأل أيضًا:

كيف رواه؟

ومن خالفه؟

وهل أخطأ في هذا الموضع؟

وهل الحديث محفوظ بهذا اللفظ؟

وهل الوصل صحيح أم أن الصواب الإرسال؟

وهكذا.


ثامنًا: هل انتقد العلماء أحاديث في الصحيحين؟

نعم، وقد صرح بذلك كبار العلماء.

ونقل ابن حجر أن جماعة من الحفاظ استدركوا على البخاري ومسلم بعض الأحاديث، ومنهم:

الدارقطني، وأبو مسعود الدمشقي، وأبو علي الغساني وغيرهم.

لكن ابن حجر لم يتعامل مع هذه الاعتراضات باعتبارها كلها صحيحة.

بل درسها، وبيّن أن بعضها يمكن الجواب عنه، وأن بعضها أقوى من بعض.

وهذا يوضح لنا طبيعة المسألة:

النقد موجود، لكن الحكم النهائي يحتاج إلى دراسة.


تاسعًا: وماذا عن ابن تيمية؟

من المهم أيضًا أن نعرف أن مجرد وجود الانتقاد لا يعني أن العلماء كانوا يرون البخاري مخطئًا في تلك المواضع.

فقد نقل ابن تيمية أن جمهور ما أُنكر على البخاري مما صححه يكون القول فيه راجحًا للبخاري على من نازعه، بينما رأى أن بعض ما نوزع فيه مسلم كان الصواب فيه مع من نازعه.

وهذا نموذج ممتاز للمنهج العلمي:

وجود النقد شيء، وثبوت صحة النقد شيء آخر.

فلا يصح أن نقول:

«انتقد الدارقطني البخاري، إذن ثبت خطأ البخاري».

كما لا يصح أن نقول:

«أخرج البخاري الحديث، إذن لا يجوز بحثه أبدًا».

بل الصحيح:

ننظر في اعتراض الناقد، وننظر في جواب المدافع، ثم ندرس الأدلة.


عاشرًا: وهل نقد حديث في البخاري يعني الطعن في السنة؟

قطعًا لا يلزم من ذلك.

فالسنة النبوية أوسع من كتاب واحد.

وصحيح البخاري كتاب عظيم من كتب السنة، لكنه ليس هو السنة كلها.

والإمام البخاري نفسه لم يدّع العصمة.

كما أن نقد العلماء لبعض الروايات لا يعني أنهم يشكون في السنة النبوية، وإنما يعني أنهم يمارسون علم نقد الرواية الذي نشأ أساسًا لحماية السنة من الخطأ والوهم والوضع.

ومن هنا فالقول:

«من ناقش حديثًا في البخاري فقد طعن في السنة»

قول يحتاج إلى تفصيل.

فإن كان المقصود شخصًا غير متخصص يرد الحديث بمجرد الاستحسان أو الهوى، فهذا شيء.

أما إذا كان المقصود ناقدًا من أهل الحديث يناقش سندًا أو متنًا أو علة خفية، فهذا جزء من علم الحديث نفسه.


الحادي عشر: لكن الحذر واجب!

وهنا نقطة لا ينبغي أن تضيع وسط الكلام السابق.

فتح باب النقد لا يعني أن كل إنسان يستطيع أن يحكم على أحاديث البخاري من خلال شعوره الشخصي.

فقد يبدو الحديث غريبًا للقارئ، لكنه يكون صحيحًا من جهة أخرى.

وقد يظن الإنسان أن الحديث يخالف العقل، ثم يتبين أن المشكلة في فهمه للحديث.

وقد يبدو له أن الحديث يعارض القرآن، ثم يظهر أن التعارض غير موجود أصلًا.

لذلك فإن:

الاستغراب ليس علة حديثية.

و:

عدم فهم الحديث ليس دليلًا على بطلانه.

والباحث المنصف لا يبدأ بالسؤال:

«كيف أُسقط الحديث؟»

بل يبدأ بالسؤال:

«هل فهمت الحديث أصلًا؟ وهل درست طرقه؟ وهل عرفت كلام أئمة النقد فيه؟»


الثاني عشر: ماذا عن الأحاديث التي تبدو مستشكلة؟

مثل بعض الأحاديث المتعلقة بخلق آدم، أو الذبابة، أو سجود الشمس، أو سحر النبي ﷺ، وغيرها من الروايات التي يثير حولها بعض المعاصرين إشكالات.

هنا ينبغي التفريق بين ثلاث مسائل:

① صحة الحديث من جهة الصناعة الحديثية.

② صحة فهمنا لدلالة الحديث.

③ مدى توافق الفهم الذي وصلنا إليه مع سائر النصوص والحقائق الثابتة.

فقد يكون الحديث صحيحًا، لكن فهم القارئ له غير صحيح.

وقد يكون للحديث أكثر من احتمال في الدلالة.

وقد تكون المشكلة في نقل معنى الحديث من سياقه إلى معنى لم يقصده النبي ﷺ أصلًا.

ولهذا لا ينبغي أن يكون التعامل مع الروايات بمنهج:

«أشكل عليّ → إذن الحديث باطل».

بل:

«أشكل عليّ → إذن أحتاج إلى مزيد من البحث».


الثالث عشر: وماذا عن خبر الآحاد؟

هذه من أكثر النقاط التي تحتاج إلى دقة.

فمسألة إفادة خبر الواحد للعلم أو الظن من مسائل الخلاف المعروفة بين العلماء، ولا يصح اختصارها بعبارة واحدة وكأن جميع أهل العلم على قول واحد.

ثم إن الحديث قد يكون من حيث أصل الطريق خبر آحاد، لكن قد تحيط به قرائن وطرق وتلقٍّ بالقبول تجعله عند بعض العلماء في منزلة أعلى من مجرد الظن المجرد.

وابن الصلاح مثلًا قرر أن ما انفرد به البخاري أو مسلم قد يُقطع بصحته بسبب تلقي الأمة لهما بالقبول، مع استثناء الأحاديث اليسيرة التي وقع فيها كلام معتبر من النقاد.

إذن لا ينبغي أن نقول ببساطة:

«كل حديث آحاد ظني، ولذلك يمكن رده متى ما أشكل علينا».

فهذه صياغة أوسع من اللازم.


الرابع عشر: ما المنهج الصحيح إذن؟

إذا أشكل على الإنسان حديث في صحيح البخاري، فليس أمامه طريق واحد، وإنما خطوات علمية:

أولًا: يتأكد من نص الحديث كاملًا.

ثانيًا: يجمع طرق الحديث ورواياته المختلفة.

ثالثًا: ينظر في كلام أئمة الحديث على إسناده.

رابعًا: يبحث عن العلل والشذوذ.

خامسًا: ينظر في اختلاف ألفاظ الروايات.

سادسًا: يتأكد من دلالة الحديث وسياقه.

سابعًا: يجمعه مع النصوص الأخرى في الباب.

ثامنًا: يراجع كلام شراح الحديث والنقاد المتقدمين.

ثم بعد ذلك يمكن أن يصل الباحث إلى نتيجة.

أما أن يأخذ شخص حديثًا واحدًا، ويقرأه مجردًا من سياقه، ثم يقول:

«هذا لا يعجبني، إذن هو موضوع»

فهذا ليس نقدًا حديثيًا.


الخلاصة

صحيح البخاري كتاب عظيم، وهو أصح كتب الحديث عند جمهور أهل السنة، ومكانته العلمية لا ينازع فيها من يعرف علم الحديث.

لكن عظمة الكتاب لا تعني عصمة المؤلف.

وتلقي الأمة للكتاب بالقبول لا يعني إلغاء كل بحث نقدي في كل جزئية؛ فقد عرف علماء الحديث منذ وقت مبكر مواضع قليلة وقع فيها البحث والنقد، وناقشوا تلك المواضع حديثًا حديثًا.

وفي المقابل، فإن وجود الانتقادات لا يعني أن كل انتقاد صحيح، ولا أن الأحاديث المنتقدة أصبحت ضعيفة لمجرد أن أحد الحفاظ ناقشها.

بل إن كثيرًا من تلك الانتقادات أُجيب عنها، ورجّح العلماء صحة ما أخرجه البخاري فيها.

ولهذا فالمنهج المتوازن هو:

لا نقدس كتابًا من كتب البشر، ولا نهدم كتابًا عظيمًا بسبب شبهة عابرة.

ولا نرد الحديث لمجرد أنه استشكل علينا، ولا نقبله لمجرد أننا لم نعرف وجه الإشكال.

بل نرجع إلى علم الحديث، والعلل، وجمع الطرق، وفهم النصوص، وكلام أئمة هذا الشأن.

فالبخاري إمام جليل…

وصحيحه كتاب عظيم…

والنقد الحديثي علم أصيل…

ولا تعارض بين تعظيم البخاري واحترام علم النقد.

ماذا يعني قول العلماء «أصح كتاب بعد كتاب الله»؟

 

صحيح البخاري ليس معصومًا من النقد

كيف تعامل علماء أهل السنة مع أحاديثه؟

من أكثر المسائل التي يكثر حولها الجدل: هل يعني وصف صحيح البخاري بأنه أصح كتاب بعد كتاب الله أن كل رواية فيه لا يمكن أن تكون محل بحث أو نقد؟

والجواب يحتاج إلى شيء من التفصيل.

فـتعظيم صحيح البخاري ومكانته بين كتب السنة أمر، والقول بأن كل حديث فيه لا يمكن أن يناقشه أحد من أهل الاختصاص أمر آخر.

والغريب أن إثبات هذه الحقيقة ليس طعنًا في البخاري، ولا انتقاصًا من مكانة الصحيح، بل هو في ذاته جزء من منهج علماء الحديث في التعامل مع الروايات.


أولًا: ماذا يعني قول العلماء «أصح كتاب بعد كتاب الله»؟

اشتهر عند أهل العلم أن صحيح البخاري أصح كتب الحديث بعد القرآن، وأنه مقدَّم في الصحة على سائر كتب الحديث.

لكن هذه العبارة لا تعني أن الإمام البخاري معصوم من الخطأ.

فالإمام البخاري نفسه محدث ناقد من البشر، وضع كتابه وفق شروطه واجتهاده في معرفة الصحيح وتمييزه من غيره.

ومن هنا لا يصح أن نحول عبارة:

«أصح كتاب بعد كتاب الله»

إلى معنى آخر لم يقصده العلماء، وهو:

«كل رواية فيه قطعية الصحة، ولا يجوز لأحد من أهل الحديث أن يناقشها».

فهذان شيئان مختلفان.

بل إن علماء الحديث أنفسهم ناقشوا بعض الروايات التي أخرجها البخاري، وكتبوا في ذلك مباحث مطولة.


ثانيًا: هل وُجدت انتقادات لصحيح البخاري عند أئمة الحديث؟

نعم.

وهذه ليست مسألة مستحدثة، ولا فكرة اخترعها بعض المعاصرين للطعن في السنة.

فالحافظ ابن حجر العسقلاني عقد في مقدمة فتح الباري فصلًا خاصًا للأحاديث التي انتقدها الدارقطني وغيره من النقاد.

وذكر ابن حجر أن ما اجتمع له من الأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري بلغ 110 أحاديث، منها:

  • 32 حديثًا وافق مسلم البخاري على إخراجها.

  • 78 حديثًا انفرد البخاري بتخريجها.

لكن هنا ينبغي الانتباه إلى أمر بالغ الأهمية:

«انتُقد الحديث» لا تساوي «ثبت خطأ البخاري».

فهذه الانتقادات نفسها خضعت للنقاش والجواب والترجيح.

وقد دافع ابن حجر عن البخاري في عدد كبير منها، ورأى أن جانبًا كبيرًا من هذه الاعتراضات لا يقدح في صحة ما أخرجه البخاري.

إذن الصورة العلمية ليست:

الدارقطني ضعّف → انتهى الأمر.

ولا:

البخاري صحح → انتهى الأمر.

بل هناك نقد، ومناقشة، وجواب، وترجيح، ودراسة للعلل.

وهذا هو علم الحديث.


ثالثًا: السيوطي نفسه ذكر وجود الانتقاد

قال الإمام السيوطي في ألفيته في الحديث:

«وانتقدوا عليهما يسيرًا
فكم ترى نحوهما نصيرًا»

ثم قال:

«وليس في الكتب أصح منهما
بعد القرآن ولهذا قُدِّما»

والمعنى واضح:

صحيحا البخاري ومسلم في أعلى درجات كتب الحديث، ومع ذلك فقد وُجدت عليهما انتقادات يسيرة من أهل هذا الشأن.

وهنا تظهر دقة المنهج:

ليس المطلوب إسقاط الصحيحين بسبب وجود انتقادات.

وليس المطلوب أيضًا إنكار وجود الانتقادات.

بل المطلوب دراسة كل اعتراض على حدة.


رابعًا: وماذا قال ابن الصلاح؟

الإمام ابن الصلاح من أشهر من قرر مكانة الصحيحين، وذكر أن ما انفرد به البخاري أو مسلم داخل في قبيل ما يُقطع بصحته بسبب تلقي الأمة لكتابيهما بالقبول، ثم استثنى من ذلك أحرفًا يسيرة تكلم عليها بعض الحفاظ، كالدارقطني وغيره.

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

فابن الصلاح لا يقول إن كل ما في الصحيحين خارج عن دائرة البحث والنظر بصورة مطلقة، وإنما يذكر الاستثناءات المعروفة عند أهل هذا الفن.

ولهذا فإن العبارة الأدق ليست:

«كل ما في البخاري صحيح بلا أي نقاش»

ولا:

«البخاري مليء بالأحاديث الضعيفة»

بل:

«صحيح البخاري تلقته الأمة بالقبول، وهو أصح كتب الحديث، ومع ذلك عُرفت فيه مواضع يسيرة ناقشها بعض أئمة النقد، وبحث العلماء تلك الانتقادات وردوا على كثير منها.»

وهذه هي الصورة التي تجمع بين تعظيم الكتاب واحترام علم النقد.


خامسًا: هل كان نقد المتن معروفًا عند المحدثين؟

هنا نصل إلى قضية أخرى مهمة.

علم الحديث لا يقوم على النظر في السند وحده.

فمن شروط الحديث الصحيح عند أهل الحديث أن يكون:

متصل السند،

ورواته عدولًا ضابطين،

خاليًا من الشذوذ،

وخاليًا من العلة القادحة.

ومن هنا كان المحدثون لا يكتفون بمجرد قول:

«رجال السند ثقات».

فقد يكون السند في ظاهره قويًا، ثم تظهر للمحدث علة خفية عند جمع الطرق ومقارنتها.

وقد يكون أحد الثقات قد خالف من هو أوثق منه، فيحكم النقاد على الرواية بالشذوذ.

ولهذا فإن النقد الحديثي أوسع من مجرد الحكم على الرواة.


سادسًا: عائشة رضي الله عنها والنقد بالنظر في الرواية

ومن أشهر الأمثلة التي يُستدل بها في هذا الباب ما وقع من عائشة رضي الله عنها في مناقشة بعض الروايات التي بلغتها.

فقد أنكرت بعض الأحاديث أو صححت فهمها بناءً على ما تعرفه من هدي النبي ﷺ وملابسات الرواية.

وهذا لا يعني أن الصحابي كان يرد السنة لمجرد أنها لا توافق رأيه الشخصي.

بل يعني أن فهم الرواية وجمع النصوص ومعرفة سياقها كان حاضرًا في منهج الصحابة.

ولهذا كان المحدثون بعدهم يجمعون الطرق، ويقارنون الروايات، وينظرون في ألفاظها، ويعرضون بعضها على بعض.


سابعًا: هل مجرد صحة السند تكفي دائمًا؟

لا.

وهذه قاعدة أساسية في علم الحديث.

فقد يكون الراوي ثقة، لكن يروي حديثًا على خلاف ما رواه الحفاظ الأوثق منه.

وقد يكون الحديث محفوظًا من طريق، غير محفوظ من طريق آخر.

وقد يكون الخطأ من راوٍ ثقة في حديث معين.

ولهذا نشأ علم العلل، وهو من أدق علوم الحديث وأصعبها.

والمتخصص في العلل لا يسأل فقط:

من روى الحديث؟

بل يسأل أيضًا:

كيف رواه؟

ومن خالفه؟

وهل أخطأ في هذا الموضع؟

وهل الحديث محفوظ بهذا اللفظ؟

وهل الوصل صحيح أم أن الصواب الإرسال؟

وهكذا.


ثامنًا: هل انتقد العلماء أحاديث في الصحيحين؟

نعم، وقد صرح بذلك كبار العلماء.

ونقل ابن حجر أن جماعة من الحفاظ استدركوا على البخاري ومسلم بعض الأحاديث، ومنهم:

الدارقطني، وأبو مسعود الدمشقي، وأبو علي الغساني وغيرهم.

لكن ابن حجر لم يتعامل مع هذه الاعتراضات باعتبارها كلها صحيحة.

بل درسها، وبيّن أن بعضها يمكن الجواب عنه، وأن بعضها أقوى من بعض.

وهذا يوضح لنا طبيعة المسألة:

النقد موجود، لكن الحكم النهائي يحتاج إلى دراسة.


تاسعًا: وماذا عن ابن تيمية؟

من المهم أيضًا أن نعرف أن مجرد وجود الانتقاد لا يعني أن العلماء كانوا يرون البخاري مخطئًا في تلك المواضع.

فقد نقل ابن تيمية أن جمهور ما أُنكر على البخاري مما صححه يكون القول فيه راجحًا للبخاري على من نازعه، بينما رأى أن بعض ما نوزع فيه مسلم كان الصواب فيه مع من نازعه.

وهذا نموذج ممتاز للمنهج العلمي:

وجود النقد شيء، وثبوت صحة النقد شيء آخر.

فلا يصح أن نقول:

«انتقد الدارقطني البخاري، إذن ثبت خطأ البخاري».

كما لا يصح أن نقول:

«أخرج البخاري الحديث، إذن لا يجوز بحثه أبدًا».

بل الصحيح:

ننظر في اعتراض الناقد، وننظر في جواب المدافع، ثم ندرس الأدلة.


عاشرًا: وهل نقد حديث في البخاري يعني الطعن في السنة؟

قطعًا لا يلزم من ذلك.

فالسنة النبوية أوسع من كتاب واحد.

وصحيح البخاري كتاب عظيم من كتب السنة، لكنه ليس هو السنة كلها.

والإمام البخاري نفسه لم يدّع العصمة.

كما أن نقد العلماء لبعض الروايات لا يعني أنهم يشكون في السنة النبوية، وإنما يعني أنهم يمارسون علم نقد الرواية الذي نشأ أساسًا لحماية السنة من الخطأ والوهم والوضع.

ومن هنا فالقول:

«من ناقش حديثًا في البخاري فقد طعن في السنة»

قول يحتاج إلى تفصيل.

فإن كان المقصود شخصًا غير متخصص يرد الحديث بمجرد الاستحسان أو الهوى، فهذا شيء.

أما إذا كان المقصود ناقدًا من أهل الحديث يناقش سندًا أو متنًا أو علة خفية، فهذا جزء من علم الحديث نفسه.


الحادي عشر: لكن الحذر واجب!

وهنا نقطة لا ينبغي أن تضيع وسط الكلام السابق.

فتح باب النقد لا يعني أن كل إنسان يستطيع أن يحكم على أحاديث البخاري من خلال شعوره الشخصي.

فقد يبدو الحديث غريبًا للقارئ، لكنه يكون صحيحًا من جهة أخرى.

وقد يظن الإنسان أن الحديث يخالف العقل، ثم يتبين أن المشكلة في فهمه للحديث.

وقد يبدو له أن الحديث يعارض القرآن، ثم يظهر أن التعارض غير موجود أصلًا.

لذلك فإن:

الاستغراب ليس علة حديثية.

و:

عدم فهم الحديث ليس دليلًا على بطلانه.

والباحث المنصف لا يبدأ بالسؤال:

«كيف أُسقط الحديث؟»

بل يبدأ بالسؤال:

«هل فهمت الحديث أصلًا؟ وهل درست طرقه؟ وهل عرفت كلام أئمة النقد فيه؟»


الثاني عشر: ماذا عن الأحاديث التي تبدو مستشكلة؟

مثل بعض الأحاديث المتعلقة بخلق آدم، أو الذبابة، أو سجود الشمس، أو سحر النبي ﷺ، وغيرها من الروايات التي يثير حولها بعض المعاصرين إشكالات.

هنا ينبغي التفريق بين ثلاث مسائل:

① صحة الحديث من جهة الصناعة الحديثية.

② صحة فهمنا لدلالة الحديث.

③ مدى توافق الفهم الذي وصلنا إليه مع سائر النصوص والحقائق الثابتة.

فقد يكون الحديث صحيحًا، لكن فهم القارئ له غير صحيح.

وقد يكون للحديث أكثر من احتمال في الدلالة.

وقد تكون المشكلة في نقل معنى الحديث من سياقه إلى معنى لم يقصده النبي ﷺ أصلًا.

ولهذا لا ينبغي أن يكون التعامل مع الروايات بمنهج:

«أشكل عليّ → إذن الحديث باطل».

بل:

«أشكل عليّ → إذن أحتاج إلى مزيد من البحث».


الثالث عشر: وماذا عن خبر الآحاد؟

هذه من أكثر النقاط التي تحتاج إلى دقة.

فمسألة إفادة خبر الواحد للعلم أو الظن من مسائل الخلاف المعروفة بين العلماء، ولا يصح اختصارها بعبارة واحدة وكأن جميع أهل العلم على قول واحد.

ثم إن الحديث قد يكون من حيث أصل الطريق خبر آحاد، لكن قد تحيط به قرائن وطرق وتلقٍّ بالقبول تجعله عند بعض العلماء في منزلة أعلى من مجرد الظن المجرد.

وابن الصلاح مثلًا قرر أن ما انفرد به البخاري أو مسلم قد يُقطع بصحته بسبب تلقي الأمة لهما بالقبول، مع استثناء الأحاديث اليسيرة التي وقع فيها كلام معتبر من النقاد.

إذن لا ينبغي أن نقول ببساطة:

«كل حديث آحاد ظني، ولذلك يمكن رده متى ما أشكل علينا».

فهذه صياغة أوسع من اللازم.


الرابع عشر: ما المنهج الصحيح إذن؟

إذا أشكل على الإنسان حديث في صحيح البخاري، فليس أمامه طريق واحد، وإنما خطوات علمية:

أولًا: يتأكد من نص الحديث كاملًا.

ثانيًا: يجمع طرق الحديث ورواياته المختلفة.

ثالثًا: ينظر في كلام أئمة الحديث على إسناده.

رابعًا: يبحث عن العلل والشذوذ.

خامسًا: ينظر في اختلاف ألفاظ الروايات.

سادسًا: يتأكد من دلالة الحديث وسياقه.

سابعًا: يجمعه مع النصوص الأخرى في الباب.

ثامنًا: يراجع كلام شراح الحديث والنقاد المتقدمين.

ثم بعد ذلك يمكن أن يصل الباحث إلى نتيجة.

أما أن يأخذ شخص حديثًا واحدًا، ويقرأه مجردًا من سياقه، ثم يقول:

«هذا لا يعجبني، إذن هو موضوع»

فهذا ليس نقدًا حديثيًا.


الخلاصة

صحيح البخاري كتاب عظيم، وهو أصح كتب الحديث عند جمهور أهل السنة، ومكانته العلمية لا ينازع فيها من يعرف علم الحديث.

لكن عظمة الكتاب لا تعني عصمة المؤلف.

وتلقي الأمة للكتاب بالقبول لا يعني إلغاء كل بحث نقدي في كل جزئية؛ فقد عرف علماء الحديث منذ وقت مبكر مواضع قليلة وقع فيها البحث والنقد، وناقشوا تلك المواضع حديثًا حديثًا.

وفي المقابل، فإن وجود الانتقادات لا يعني أن كل انتقاد صحيح، ولا أن الأحاديث المنتقدة أصبحت ضعيفة لمجرد أن أحد الحفاظ ناقشها.

بل إن كثيرًا من تلك الانتقادات أُجيب عنها، ورجّح العلماء صحة ما أخرجه البخاري فيها.

ولهذا فالمنهج المتوازن هو:

لا نقدس كتابًا من كتب البشر، ولا نهدم كتابًا عظيمًا بسبب شبهة عابرة.

ولا نرد الحديث لمجرد أنه استشكل علينا، ولا نقبله لمجرد أننا لم نعرف وجه الإشكال.

بل نرجع إلى علم الحديث، والعلل، وجمع الطرق، وفهم النصوص، وكلام أئمة هذا الشأن.

فالبخاري إمام جليل…

وصحيحه كتاب عظيم…

والنقد الحديثي علم أصيل…

ولا تعارض بين تعظيم البخاري واحترام علم النقد.

#هل_صحيح_البخاري_يخلو_من_الخطأ_عند_علماء_أهل_السنة ؟

 #هل_صحيح_البخاري_لا_يحتمل_الخطأ؟

[[مقال في غاية الأهمية رغم طوله، وقد بذلت جهدا في كتابته خاصة أني أكتبه بالهاتف]].
لا شكر على واجب، وجزاك الله خيرا على هذا التشجيع أما بعد:
1 - قول العلماء إن صحيح البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله ليس معناه عدم وجود أي أخطاء فيه وإلا لكان أصح كتاب مع كتاب الله لا بعده، فقولهم [بعد كتاب الله] معناه أن كتاب الله نسبة الصواب فيه هي 100% والذي يأتي بعده في الصحة لابد من أن تكون نسبته أقل من 100% وإلا كان مساويا له في الصحة.
2 - قال الإمام السيوطي في ألفيته [الأبيات]:
وأول الجامع باقتصار ** على الصحيح قط البخاري
ومن يفضل مسلما فإنما ** ترتيبه وصنعه قد أحكما
وانتقدوا عليهما يسيرا ** فكم ترى نحوهما نصيرا
وليس في الكتب أصح منهما ** بعد القُران ولهذا قُدّما.
قلت: والشاهد من هذه الأبيات ذِكرُ السيوطي لوجود انتقاد على البخاري ومسلم إلا أن المنتقد عليهما يسير وليس كثيرا. وهذا يدل على أن أهل السنة لم يجمعوا على صحة كل ما في الصحيحين وإنما على صحة جلّ ما في الصحيحين.
3 - انتقد الإمام الدارقطني على صحيح البخاري ثمانين حديثا في كتابه [الإلزامات والتتبع]، فضعفها بالرغم من أن البخاري صححها في صحيحه، مما يعني وجود خلاف بين أهل العلم في بعض أحاديث البخاري، ولعل السائل قد أدرك أن ما انتقده الدارقطني [80 حديثا] أكبر عددا بكثير من عدد الروايات التي نقلها السائل في سؤاله والتي لا تتجاوز أربعة روايات.
وانتقاد 80 رواية من أصل 7275 رواية وهذه نسبة تساوي 1.1% فقط من صحيح البخاري أي أن نسبة رواياته الصحيحة هي 98.9% بالنسبة للدارقطني، وأما بالنسبة للسائل الذي لم يحتر سوى في 4 روايات فنسبة الحديث الصحيح عند البخاري عنده تكون 99.9994% ونسبة الخطأ هي 0.05% وهذه نسبة تكاد تكون مهملة فلا تعارض بينها وبين كون صحيح البخاري أصح الكتب بعد كتاب الله.
وقد وصف ابن الصلاح نقد الدارقطني لصحيح البخاري بأنه يسير جدا فقال ((ما انفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته ، لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول ، على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق ، سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وغيره ، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن)) [مقدمة ابن الصلاح ص: 10].
قلت صهيب: لعل من سمع بموضوع الخلاف بين طريقة المتقدمين والمتأخرين في علم الحديث يعلم أن ابن الصلاح أوّل أهل المتأخرين الذين جاؤوا بطريقة في المصطلح تخالف طريقة المتقدمين من أصحاب كتب العلل وقد وقعت بينهم خلافات في شروط الحديث الصحيح وباب العلل ومعاني الألفاظ والاصطلاحات في هذا العلم، وابن الصلاح من أكثر المحدّثين تعظيما لصحيح البخاري وهو مع ذلك يقرّ بوجود انتقادات يسيرة عليه.
4 - قد قال بعض العلماء وإن كان قولهم غير مشتهر بأن موطأ الإمام مالك أصح من صحيح البخاري ومن بين هؤلاء الإمام أبو بكر بن عربي فقال ((الموطأ هو الأصل الأول واللباب وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب، وعليهما بنى الجميع كمسلم والترمذي)) [مقدمة تنوير الحوالـك شـرح موطأ مالـك، للسيوطي].
قلت صهيب: فلو كان الجامع المسند الصحيح للبخاري صحيحا بنسبة 100% إجماعًا لما كان هناك مجال ليفاضل بعض أهل العلم بينه وبين موطأ الإمام مالك.
5 - قال الإمام الشافعي ((ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك)).
علق النووي على كلام الشافعي قائلا ((كـان قبل وجود صحيحي البخاري ومسلم، وهما أصح من الموطـأ باتفاق العلماء)) [الأسماء واللغات للنووي]
وقد ذكر ابن حجر ما يدل على رفع هذا الإجماع فقال ((كتاب مالك صحيح عنده وعند من يقلده على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما)) [مقدمة تنوير الحوالك للسيوطي].
قلت صهيب: لم يعاصر الإمام مالك البخاري ومسلم فحكم الشافعي على موطأ الإمام مالك بأنه الأصح ولم يلزم من ذلك أن يكون صحيحا بنسبة 100% ثم جاء البخاري لينتزع صحيحه المرتبة الأولى بحسب ما نقله النووي وغيره من الإجماع على ذلك ولو كان موطأ مالك صحيحا بنسبة 100% لما أمكن أن يعلو عليه أي كتاب، ولكن شهادة العلماء للكتاب بأنه الأصح بعد كتاب الله لا تعني أنه صحيح كليا دون أي استثناء، ثم إن ابن عربي جاء بعد ظهور البخاري وحكم مع ذلك على كتاب الموطأ بأنه أصح منه وجعل صحيح البخاري في المرتبة الثانية فلا يقال هنا بأنه تكلم قبل ظهور صحيح البخاري، وكلام ابن حجر يدل على أن مِنَ المالكية من يعتقدون أصحية كتاب الموطأ على صحيح البخاري.
6 - قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: ((اقتضى كلام ابن الصلاح أن العلماء متفقون على القول بأفضلية البخاري في الصحة على كتاب مسلم ، إلا ما حكاه عن أبي على النيسابوري : ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم . وعن بعض شيوخ المغاربة : أن كتاب مسلم أفضل من كتاب البخاري ، من غير تعرض للصحة)) [فتح الباري ج: 1 / ص: 08]
قلت صهيب: ولو كان البخاري صحيحا بنسبة 100% لما وُجد من العلماء من يفضل صحيح مسلم عليه بغض النظر عن القول الراجح من المرجوح فدلّ ذلك على أن في دعوى الإجماع على كونه أصح الكتب نظر، وحتى الإجماع جعله أصح الكتب ولم يزعم خلوّه التام من أي خطأ.
7 - ثبت عن الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني أنه انتقد بعض أحاديث الإمام البخاري أيضا وذلك في كتابه فتح الباري شرح صحيح البخاري في المجلد الأول منه [مقدمة الفتح ص: 344]
وقال الحافظ أيضا: ((وهو احتراز حسن . واختلف كلام الشيخ محي الدين في هذه المواضع ؛ فقال في مقدمة شرح مسلم ما نصه : " قد استدرك جماعة على البخاري ومسلم أحاديث أخلا فيها بشرطهما ونزلت عن درجة ما التزماه ، وقد ألف الدارقطني في ذلك ، ولأبي مسعود الدمشقي أيضا عليهما استدراك ، ولأبي علي الغساني في جزء العلل من التقييد استدراك عليهما . وقد أجيب عن ذلك أو أكثره)).
قلت صهيب: ويجدر بالذكر الإشارة إلى أن نقل ابن حجر لانتقادات هؤلاء الأعلام على بعض أحاديث البخاري لا يعني بالضرورة أنه موافق لهم فيما انتقدوه عليه وإنما ذكرتُ كلامه للإشارة إلى وجود هذه الانتقادات لا إلى ترجيح صحتها وليس كل من انتقد حديثا على كتابٍ يكون الحق فيه مع المنتقد بالضرورة.
وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا ينقل وجود انتقادات على صحيح البخاري ومسلم إلا أنه كان يميل إلى أن الراجح تصحيح البخاري لا تضعيف مخالفيه في تلك الروايات بينما يرجح كفة المضعفين لبعض أحاديث مسلم فقال ((جمهور ما أنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحا على قول من نازعه ، بخلاف مسلم بن الحجاج ، فإنه نوزع في عدة أحاديث مما خرجها ، وكان الصواب فيها مع من نازعه)) [مجموع الفتاوى 1/256]
8 - كذلك انتقد الإمام النووي نفسه بعض أحاديث البخاري وذلك في شرحه على صحيح مسلم (1/27).
9 - من المعاصرين انتقد الشيخ الألباني على الصحيحين عدة أحاديث وضعفها (ولا يلزم أن يكون نقده بالضرورة راجحا إلا أني أنقل وجود النقد بغض النظر عن صحته أو عدمه) ويجدر بالذكر الإشارة إلى أن الشيخ الألباني رحمه الله في علم الحديث كان منهجه على طريقة المتأخرين، ومن أراد المقارنة دراسة علل الحديث على منهج المتقدمين فإن كتبهم كثيرة جدا منها: ((العلل لابن المديني، التمييز للإمام مسلم، علل الدارقطني، الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير للجورقاني، المنتقى من علل الخلال لابن قدامة المقدسي، سؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين، العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد بن حنبل....إلى آخره)).
1 - ثبت عن عدد من العلماء ردّ الحديث لمجرد متنه ودون النظر في سنده، أولهم عائشة رضي الله عنها التي ردّت عددا من الروايات لمجرد النظر في متنها مثل رواية ((يقطع صلاة المرأة الكلب والحمار والمرأة)) فقالت جعلتمونا كلابا وحميرا ؟ والروايتان رواهما البخاري في صحيحه [الرواية المضافة إلى النبي صلى الله عليه وسلم والرواية التي فيها تكذيب عائشة رضي الله عنها لصحة هذه الرواية عن رسول الله].
وكذلك أنكرت على الصحابة بعض الروايات لمجرد النظر في متنها فأنكرت على أبي هريرة رواية (الشؤم في ثلاث) فقالت ((ما حفظ أبو هريرة إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم قالت اليهود الشؤم في ثلاث وما سمع أبو هريرة قوله قالت اليهود فظنه من قول رسول الله)).
وهناك أمثلة كثيرة وشواهد لعلماء كثيرين من الأجيال الأولى للمحدثين كابن المبارك وأبي حاتم الرازي وغيرهما حيث كانوا ينظرون في متن الحديث فيقولون هذا ليس كلام رسول الله، بل كيف كانوا يميزون الحديث المكذوب لولا عملهم على نكارة المتن، وفي كتاب ميزان الاعتدال ولسان الميزان نجد الاستدلال على كذب كثير من الرواة بما ذكروه من روايات شنيعة فتكون النكارة على المتن طريق أهل الجرح والتعديل للحكم على الرواية بالوضع، ذلك لأن الراوي الكذاب قد يصدق أحيانا فكيف يُحكم على روايته بالوضع لولا نكارة المتن ؟
2 - يشترط العلماء أن يخلو الحديث من الشذوذ والعلل ولا يكفي أن يصح السند ليصح الحديث، فمن شروط المتأخرين للحديث [أن يكون الرواة عدولا ضباطا "العدل الضابط هو الثقة" ويكون السند متصلا غير منقطع إضافة إلى خلوه من الشذوذ والعلل] فشذوذ الحديث أن يخالف الثقة من هو أوثق منه وهذا مبدأه النظر في متن الحديث قبل سنده، فلا يضطرون للترجيح بين الروايتين إلا بعد تعارضهما في المتن، وكذلك الحديث المضطرب هو ما تعارض متنه وتساوت قوته في سنده من الطريقين المتعارضين فهذا يُضعّف ويُرد من جهة المتن، وعلى طريقة المتقدمين يوجد ما يعرف بالنكارة في المتن، أن يكون فيه مستقبح أو ما يخالف القرآن أو هدي النبي صلى الله عليه وسلم أو يكون ركيكا من الناحية اللغوية إلى آخره.
3 - قد يظن بعض المعاصرين من السلفيين خاصة أن رد الحديث متنا ليس من منهج علمائهم المعاصرين بينما ثبت أن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله ردّ حديث الجساسة دون النظر في سنده وإنما اكتفى بقوله ((لا أشعر أن هذا الحديث من حديث رسول الله، في القلب منه شيء)) رغم أنه حديث في صحيح مسلم.
#حجم_آدم_عليه_السلام [لا نكارة في الحديث]
1 - حديث كِبر حجم آدم عليه السلام، يتكلم عن خلقته في الجنة [في الدار الآخرة] ولكن عندما أنزله الله إلى الأرض فقد يكون قد قلّص من حجمه، فهناك الكثير من الإشارات التي ترجح هذه الفرضية.
قال النبي صلى الله عليه وسلم في الذين يدخلون إلى الجنة ((تدخلون على صورة آدم)) فدل ذلك على أن الله خلق للإنسان صورتين إحداهما في الجنة حيث يكون كبير الحجم قويا واسع العقل والمدارك والحواس قادرا على فعل الكثير من الخوارق وهذا فهمي لقول الله ((لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)) ولذلك أسجد ملائكته لآدم إذ آدم الذي في الجنة كانت له خصائص تختلف عن آدم الذي نزل للدنيا وكذلك ذريته من عاد منهم إلى الجنة فإنه يعود لأصله الذي خلق له [أي في أحسن تقويم] ومن لم يعد إلى الجنة فإنه إلى النار ينزل في أسفل سافلين لذلك قال الله ((لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون)) وذلك الأجر بأن يعيدهم الله لصورة الإنسان الأصلية التي خلقهم عليها في أحسن تقويم، لذلك يدخل المؤمنون للجنة على صور آدم، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل الجنة بأن طولهم في السماء ستون ذراعا [لاحظ: على صورة آدم بنفس الطول] فالإنسان طوله على سطح الأرض يكون مناسبا لخصائصه البشرية الضعيفة على سطح الأرض لكن طوله في الجنة يختلف عن طوله في الأرض كذلك قدراته الحسية الأخرى وكل شيء يكون مختلفا، حتى في الجمال لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم بأن أهل الجنة سيكونون بجمال يوسف عليه السلام رغم أنه أوتي شطر الجمال [البشري في الدنيا] ولكنه قال [على صور آدم] أي آدم الذي خلقه الله في الجنة فذلك صورته أجمل من صورة يوسف عليه السلام في الدنيا، رغم أن صورة يوسف الدنيوي أجمل من صورة آدم الدنيوي ذلك لأنه أوتي شطر جمال أهل الدنيا وبقية الشطر اقتسمه الناس فيما بينهم بمن في ذلك آدم عليه السلام [ودلالة هذه الروايات ظنية فقد تكون مأخوذة على ظاهرها وقد يراد منها المجاز والمبالغة في وصف الجمال] لكن الشاهد من الاستدلال هو الفرق بين صورة آدم عليه السلام في الدنيا وصورته في الجنة.
#سقوط_الذبابة_في_الطعام [لا نكارة في الحديث]
لعل السائل يقصد حديث سقوط الذبابة في الطعام حيث ورد في صحيح البخاري ((إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم ينزعه، فإن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاءً)).
فهذا الحديث لا أرى ليه أي نكارة ولقد قرأتُ كتابا لباحث مصري مسلم ذكر فيه صحة هذه المعلومة من الناحية التجريبية وجعل هذا الحديث من الأدلة على الإعجاز العلمي، إلا أني لم أتأكد من صحة دراسته بنفسي رغم قراءتي لكتابه كاملا وذلك لاحتوائه على تحاليل وتجارب موثقة إلا أن قراءة بياناتها يحتاج إلى درجة أعلى من التخصص في مجال البيولوجيا ناهيك عن عدم إمكانية التأكد من صحة تلك الوثائق والنتائج من أساسها، ولكنها دراسة أوثق على الأقل من الكلام الذي يرمى على عواهنه وتلحق به عبارة (توجد دراسة علمية...هكذا بدون أي إحالة لأي مصدر) وعلى فرض خطأ هذه الدراسة فلا توجد دراسة مضادة تقول عكس ما ورد في الحديث.
ولكن يجب الانتباه إلى أن الحديث ليس متواترا بل هو حديث غريبٌ فرد، فيه تفرّدٌ بالرواية [وأتمنى ألا تخونني الذاكرة في هذه المعلومة نظرا لكوني أكتب من ذاكرتي وأخاف من الخطأ في نقل المعلومات، وكل ما أوردته من معلومات في هذا المقال واثق من دقتي في نقله إلا هذه الجزئية فدخلني بعض الشك والأرجح أنه حديث فرد كما ذكرت والمجزوم به أنه حديث آحاد بغض النظر عن نوعه داخل صنف الآحاد].
حديث سجود الشمس مشكلة المستدلين به تكمن في عدم مطابقتهم بين الحديث ومناط الاستدلال، أي أن مشكلته في الدلالة ولقد فصلت على اليوتيوب الدلالة المقصودة منه بالأدلة وهي مخالفة لما ذهبوا إليه ولا تدل على دوران الشمس على الأرض كما يزعمون بل يمكن الجمع بين الحديث والقول بدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس ودوران الشمس حول مركز المجرة، فسجود الشمس لا يكون مرئيا بالنسبة لنا لأنها كوكب ولا تملك أطرافا وهي أساسا تحت العرش في موضعها هذا لأن العرش فوقنا جميعا، ولا يمكن أن يُفهم من الحديث أن الشمس تذهب تحت الأرض لتسجد تحت العرش لأن العرش فوقنا لا تحتنا، كما أنها لو كانت تصعد إلى العرش لرأيناها تصعد ولن تذهب تحت الأرض لتصعد إليه، والقائلون بنظرية الأرض المسطحة أنفسهم لا يقولون بأن الشمس تغيب بذهابها تحت الأرض.
لكن على العموم إن كان في الحديث ريبة فإن رده لنكارة المتن ليس زندقة ولا كفرا ولا بدعة، لأن الحديث آحاد والآحاد يفيد الظن لا يفيد اليقين، فلو ثبت أن رواية الآحاد فيها شبهة لا يمكن صرفها فإنه لا يجوز لعاقل أن يضرب دينا بني على التواتر بسبب رواية آحاد.
والله أمرنا بتصديق نبيه ولم يأمرنا بتصديق كل خلق الله من الرواة، فحتى الراوي الذي وثقه العلماء قديما قد يخطئ وقد ينسى وقد يخطئون في توثيقه.
فثبت أن الشافعي كان يصف إبراهيم بن محمد بالثقة وغير الشافعي أمسكوا عليه الكذب فكيف لو لم ينتبه أولئك لكذبه ؟ لكان هذا الراوي من أوثق الرواة وتُقبل رواياته من ناحية الإسناد رغم كذبه، وذلك لعدم الانتباه إليه، فكم رجلا مثله قد لا ينتبه له علماء الجرح والتعديل ثم يمرر أفكاره وينسبها للنبي صلى الله عليه وسلم بغير حق.
لذلك لم يكتف العلماء بالنظر إلى أسانيد الأحاديث بل أحكموا صنعتهم فوضعوا قواعد متينة للنظر في متن الرواية أيضا كما وضعوا أساسا منها [إن خالف الثقة من هو أوثق منه فإن الحديث يضعف ويحكم عليه بالشذوذ] ومن باب أولى أن الحديث الذي يعارض القرآن يضعف ويكون شاذا لأن القرآن أقوى في الثبوت من رواية الفرد الثقة وإن جاز رد رواية الثقة بمن هو أوثق منه فيجوز من باب أولى رد رواية الثقة بقول القرآن الذي رواه المسلمون بسبعة قراءات كل قراءة متواترة لذاتها إضافة إلى ثلاثة قراءات أخرى مختلف لي درجتها بين الحكم عليها بالاستفاضة والتواتر وأربعة روايات غير متواترة، ولا شك أن الأخذ بالقراءة الشاذة أولى من الأخذ برواية حديث أشذ منها، فكيف إذا عارض حديث الآحاد القرآن الذي هو في أعلى درجات التواتر.
#حديث_سحر_النبي [صلى الله عليه وسلم] لا نكارة فيه
هذا الحديث ليس فيه أي نكارة فالنبي صلى الله عليه وسلم معصوم في تبليغ الرسالة وليس معصوما من المرض أو الجراح أو التعرض للأذية، والسحر لم يؤثر على نبوته ونقله للوحي وإنما أثر بشكل مؤقت على حياته الزوجية ثم رقاه جبريل فشفي وكان في ذلك عبرة ودرس لنا لنحتاط من أذى السحر حتى لا نصاب به، ففي ذلك حكمة.
وأما قول الله ((وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا)) فتلك الآية وردت قبل أن يصاب النبي صلى الله عليه وسلم بالسحر فنفى الله أن يكون مسحورا في تلك اللحظة، وكان ذلك لما طعن الكفار في نبوته واتهموه بأنه مسحور بمعنى أنه يأتي بتلك الآيات من عالم الجن والشياطين لا من عند الله، فهذا الذي نفاه الله عنه، أما أن يُسحر بعد ذلك في أمر يتعلق بتخييله أنه يقرب زوجاته وهو لا يفعل فإن ذلك لا يقدح في نبوته بشيء لأنه لم يتعلق بالوحي كما أن شفي بسرعة ورقاه جبريل عليه السلام، ويكون هذا من الابتلاء الذي يصاب به الأنبياء ليكونوا قدوة لغيرهم، فأثناء رقيتنا للمبتلين بالسحر قد يسأل بعضهم عن سبب ابتلاء الله لهم بهذا السحر فيقال لهم ((هذا البلاء ذاق منه النبي صلى الله عليه وسلم أشرف الخلق)) كما أنه ذاق مرارة اليُتم وموت الولد والجوع وأصيب في المعارك إلى آخره، فلا أرى نكارة في هذا المتن.
#الخلاصة_حديث_الآحاد_يفيد_الظن ولا يفيد اليقين وهذا قول جماهير أهل العلم من المحدثين والأصوليين ولو نقلت أقوالهم في هذه المسألة لذكرت أقوالا لا تحصى لي هذه المسألة يكادون يطبقون فيها على القول بظنية خبر الآحاد.
وكون حديث الآحاد ظنيا لا يعني عدم العمل به ولكنه إن تسبب بمشكلة أو شبهة أو خالف القرآن والصريح المعقول فإن عدم رده سيتسبب بخروج ذلك الإنسان من الإسلام، ومن غير المنطقي أن يكون الإسلام الذي بني على التواتر والتناسق بين الأدلة المعقولة والمنقول رهين أسر رواية آحاد لا نعلم نحن شخصيا عن رواتها شيئا، فهل تعتقد أخي الكريم أن الله سيدخلك للنار لمجرد تبرئتك للنبي صلى الله عليه وسلم من رواية تراها مسيئة إليه وأنت لست متأكدا من قوله لها فالرواة بعد كل شيء غير معصومين ولا دلالة على عصمتهم وإنما الثقات منهم تُقبل رواياتهم إن خلت من الشذوذ والعلة، وقد لا ينتبه المحدث لوجود علة أو شذوذ في الحديث فيكتفي بتصحيحه لمجرد صحة سنده ثم ينتبه لتلك العلة محدّث آخر، ولكني في الوقت نفسه أنصحك ألا تتسرع في رد الأحاديث فأحيانا قد يكون الإشكال في فهم الرواية أو معرفة دلالتها أو في ظن القارئ لها أنها مخالفة لبعض الحقائق وقد لا تكون كذلك لذا وجب التنبه.