هرم المداخلة: من يصنع الحكم؟ ومن ينفّذ الهجر والتحذير؟
قراءة في طبقات النفوذ داخل البيئة المدخلية — من القمة إلى القاعدة
عندما نتحدث عن التيار المدخلي، فإن من الخطأ أن نتصوره كتجمع متجانس لا فرق بين أفراده، أو أن نضع الشيخ المعروف، والداعية المحلي، وإمام المسجد، والشاب المتدين حديثًا، في مرتبة واحدة.
فالواقع — ولا سيما في بعض البيئات المحلية في الجزائر — يكشف عن سُلَّم من الطبقات والتأثيرات، تختلف فيه درجة العلم، ومقدار القرب من المرجعيات، وحجم القدرة على التأثير في الآخرين.
وهذا التقسيم ليس تقسيمًا رسميًا معلنًا لدى المداخلة، وإنما هو قراءة نقدية في واقع الممارسة كما يظهر في بعض البيئات المدخلية.
واللافت أن النفوذ لا يتوقف عند أصحاب الأسماء المعروفة، بل يمتد إلى مستويات أدنى بكثير، حتى يصبح بعض الأفراد الذين لا يملكون تكوينًا علميًا معتبرًا قادرين على إصدار أحكام اجتماعية على الآخرين:
هذا يُهجر، وهذا يُحذَّر منه، وهذا يُنصح بالابتعاد عنه، وهذا يُقرَّب، وهذا يُزكّى.
فكيف يتشكل هذا الهرم؟
الطبقة الأولى: المرجعية العليا
في قمة الهرم يأتي ربيع المدخلي بوصفه المرجعية الأكثر حضورًا في تشكيل الخطاب المدخلي المعاصر.
وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد عالم له مؤلفات وآراء، وإنما بموقع رمزي أصبح له تأثير واضح في تحديد المواقف من الأشخاص والجماعات والتيارات، وخصوصًا في مسائل التبديع والتجريح والهجر والتحذير.
ومن هنا تبدأ الحلقة الأولى في سلسلة النفوذ.
الطبقة الثانية: الحلقة الأقرب
ثم تأتي مجموعة من المشايخ والدعاة الذين يمثلون الحلقة الأقرب إلى المرجعية المدخلية، ومن الأسماء التي تُذكر في هذا السياق:
محمد بن ربيع المدخلي، عبيد الجابري، أحمد بازمول وغيرهم.
وهذه الطبقة لا تقتصر وظيفتها على التعليم والشرح، بل يظهر لها حضور في نقل المواقف والتصنيفات وتحديد الموقف من عدد من الأشخاص والتيارات.
وهنا يبدأ انتقال السلطة من المرجعية الأصلية إلى شبكة أوسع من المتابعين.
الطبقة الثالثة: الدعاة والواجهات الإعلامية
ثم تأتي طبقة من الدعاة المعروفين في العالم العربي، ومن الأسماء التي ارتبطت بالخطاب المدخلي بدرجات متفاوتة:
محمد سعيد رسلان، محمود الرضواني، طلعت زهران وغيرهم.
وهذه الطبقة تؤدي وظيفة مهمة؛ لأنها تنقل الخطاب من دائرة المشايخ المتخصصين إلى جمهور أوسع، وتقدمه في صورة دروس ومحاضرات وردود وتحذيرات ومواقف من الأشخاص والجماعات.
وهنا يتحول الخطاب من مجرد أفكار إلى منظومة دعوية لها جمهورها ومصطلحاتها وطريقة خاصة في التعامل مع المخالف.
الطبقة الرابعة: المرجعيات المحلية
ثم نصل إلى طبقة المشايخ المعروفين داخل بيئاتهم المحلية، ومن الأسماء التي تبرز في الجزائر في هذا السياق:
محمد علي فركوس، وسليمان الرحيلي وغيرهما، مع اختلاف مواقع هؤلاء وأدوارهم العلمية والدعوية، وعدم افتراض تطابقهم في كل التفاصيل.
وهذه الطبقة مهمة لأنها تمثل بالنسبة إلى كثير من الأتباع الجسر بين الخطاب العام والواقع المحلي.
فالعامي لا يتعامل غالبًا مع المرجعية العليا مباشرة، وإنما يتلقى تصوراته من الشيخ الذي يراه ويسمعه ويقرأ له ويثق به.
الطبقة الخامسة: المشايخ المحليون
ثم تأتي طبقة المشايخ والدعاة المحليين، ومن الأسماء التي تُذكر في الجزائر:
لزهر سنيقرة، عبد الغني عويسات وغيرهما.
وهنا يصبح التصنيف أكثر ارتباطًا بالواقع اليومي.
فالقضية لم تعد مجرد نقاشات علمية بعيدة عن الناس، وإنما تبدأ في الظهور داخل المساجد، والدروس، والمجموعات المحلية، ووسائل التواصل الاجتماعي.
ومن هنا يبدأ الموقف من الشخص في التأثير على علاقاته الاجتماعية والدعوية، وعلى من يجالسه ومن يسمع له ومن يُنصح بالابتعاد عنه.
الطبقة السادسة: أئمة المساجد والناشطون المحليون
ثم تأتي طبقة أئمة المساجد والدعاة والناشطين الذين يتأثرون بالطبقات السابقة ويقومون بنقل خطابها إلى الجمهور المحلي.
وهؤلاء هم الأقرب إلى الناس.
فإذا صدر موقف من شخصية أعلى، فإن وصوله إلى عامة الناس لا يحتاج إلى أن يصلهم من المصدر الأصلي؛ إذ يكفي أن ينتقل عبر هذه الشبكة المحلية حتى يصبح:
"موقف المشايخ"
ثم يتحول إلى:
"موقف الإخوة"
ثم يصبح عند بعض الأتباع:
"الحق الذي لا يجوز مخالفته".
وهنا تكمن المشكلة التي تستحق التأمل.
الطبقة السابعة: حراس البوابة المحلية
وهذه من أكثر الطبقات إثارة للاهتمام.
ففي بعض البيئات المحلية تظهر فئة من الأتباع تتحول عمليًا إلى ما يشبه حراس البوابة.
ليسوا بالضرورة من أهل العلم، ولا أصحاب مؤلفات أو دراسات، لكنهم يعرفون:
من يُسمع له،
ومن لا يُسمع له،
ومن يُهجر،
ومن يُحذَّر منه،
ومن يُقرَّب،
ومن يُبعد.
وقد يصل الأمر في بعض البيئات إلى أن يصبح الاعتراف بالشخص داخل المجموعة مرتبطًا برضا هذه الدائرة الصغيرة عنه.
وهنا تظهر مفارقة عجيبة:
كلما ابتعد الشخص عن مراكز العلم، قد يقترب أحيانًا من مراكز النفوذ المحلي.
فيصبح الشخص الذي لا يستطيع مناقشة مسألة علمية معقدة قادرًا على إصدار حكم اجتماعي على عالم أو داعية.
الطبقة الثامنة: العوام المتمدخلون
وهؤلاء هم موضوعنا الأهم.
ويمكن تقسيمهم إلى عدة أنماط:
1 ـ المنفذون
وهم الذين يتعاملون مع الهجر والتحذير باعتبارهما مهمة فورية.
فبمجرد أن يسمع أحدهم حكمًا على شخص، ينتقل مباشرة إلى التنفيذ:
لا تجلس معه.
لا تسمع له.
لا تتابعه.
لا تأخذ منه.
احذّر منه.
ويصبح تنفيذ الحكم أهم من فهم أسبابه وأدلته.
2 ـ جامعو التجريحات
وهؤلاء لا يكاد يكون لهم شغل إلا متابعة:
من جُرّح؟
ومن رُدَّ عليه؟
ومن بُدِّع؟
ومن حُذِّر منه؟
وقد يتحول الهاتف عند أحدهم إلى أرشيف ضخم من المقاطع التي تتناول أسماء لا تكاد تنتهي.
ويصبح مقدار ما يحفظه من ملفات التجريح أكبر بكثير مما يحفظه من العلم الذي يحتاجه في عباداته ومعاملاته وأخلاقه.
وهنا يصبح السؤال:
هل الغاية من طلب العلم أن تعرف أخطاء الناس، أم أن تعرف الحق وتعمل به؟
3 ـ دعاة الواجهة الحسنة
وهؤلاء يختلفون عن النمط السابق.
فلا يبدأون معك بالتحذير والتجريح، ولا يفتحون معك أبواب الخصومة.
بل قد تجد عند بعضهم أخلاقًا حسنة، وانضباطًا، وحرصًا على الصلاة والعبادة، ومعرفة ببعض المسائل الشرعية البسيطة.
وهذا يجعلهم أكثر قدرة على جذب المتدين الجديد.
يبدأ الشاب معهم بحديث عن الصلاة والوضوء واللحية واللباس والتوحيد، ثم ينتقل تدريجيًا إلى:
من هم العلماء الذين ينبغي أن يسمع لهم؟
ثم:
من هم العلماء الذين ينبغي الحذر منهم؟
وهكذا لا يدخل الشاب في المنظومة دفعة واحدة، وإنما قد يدخل إليها بالتدرج.
وهذه نقطة مهمة جدًا في فهم ظاهرة التمدخل.
4 ـ أتباع الخوف
وهؤلاء لا يتبعون المنظومة دائمًا عن قناعة علمية راسخة، وإنما خوفًا من أن يُقال عنهم:
مميعون.
حزبيون.
أهل بدع.
منحرفون.
لا يعرفون السلفية.
فيتحول الخوف من التصنيف إلى وسيلة لضبط السلوك.
والمشكلة هنا أن الإنسان قد لا يسأل:
ما الدليل؟
بل يسأل:
ماذا سيقول الإخوة عني إذا خالفتهم؟
وهنا يتحول الاتباع من قناعة علمية إلى رقابة اجتماعية داخلية.
الطبقة التاسعة: المتمدخل الجديد
وهذه هي القاعدة الأوسع.
وهو الشخص الذي دخل حديثًا إلى البيئة المدخلية، وغالبًا ما يكرر عبارات من قبيل:
"يا أخي، أنا لست طالب علم."
"أنا لا أفهم في هذه الأمور."
"اسأل العلماء، نحن لا نعرف شيئًا."
"لولا العلماء لما عرفنا السلفية."
ولا مشكلة في أن يعترف الإنسان بجهله.
بل إن الاعتراف بالجهل فضيلة إذا كان طريقًا إلى التعلم.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الجهل إلى حصانة ضد المراجعة.
فهو لا يملك العلم الكافي للحكم على المسألة، ولكنه يملك الثقة الكافية للحكم على الأشخاص.
فإذا سألته:
ما دليلك؟
قال:
أنا لا أعلم.
وإذا سألته:
من قال لك ذلك؟
قال:
أحد الإخوة.
وإذا سألته:
أين المصدر؟
قال:
سمعته من المشايخ.
وهكذا تصبح دائرة المعلومات مغلقة:
شيخ → أخ → أخ → عامي → أخ.
ولا يكاد يدخل إليها مصدر خارجي إلا بعد المرور عبر البوابة نفسها.
المفارقة الأخطر
قد تجد شخصًا يقول:
"أنا لا أستطيع أن أفتي، أنا لست طالب علم."
ثم تجده في اللحظة نفسها يتحدث بثقة شديدة عن:
فلان مبتدع،
وفلان حزبي،
وفلان منحرف،
وفلان لا يُسمع له،
وفلان يجب هجره.
فإذا سألته عن الدليل قال:
"أنا لا أفتي، أنا فقط أنقل كلام العلماء!"
لكن أين النقل؟
ومن هو العالم؟
وأين كلامه؟
وما سياقه؟
وهل فهمه صحيح؟
وهل الحكم الذي نُقل عنه ثابت أصلًا؟
هنا تظهر المشكلة.
فـ التواضع العلمي الحقيقي يقتضي التثبت، لا مجرد ترديد ما تسمعه.
وهناك طبقة مختلفة تمامًا...
الطبقة المميزة: المتمدخل الذي لم يكتمل تمدخله
وهذه الفئة هي الأهم في نظري.
لأنها ليست بالضرورة فئة معاندة، ولا فئة متعصبة، ولا فئة مولعة بالتجريح.
بل قد يكون صاحبها:
محبًا للعلم،
حسن الخلق،
محبًا للقرآن والسنة،
حريصًا على اتباع السلف،
كارهًا للخصومات،
رافضًا للتنفير،
ومستنكراً لكثير من ممارسات الهجر والتبديع.
وقد تجده يقول بالموازنة، ويفرق بين الخطأ والبدعة، ولا يرى أن كل من وقع في البدعة يصبح مبتدعًا، ويستثقل الدخول في أعراض العلماء والدعاة.
وهذا الشخص ليس هو المشكلة الأساسية.
بل على العكس:
هذا هو الشخص الذي نكتب من أجله.
لأننا لا نريد أن ننتصر عليه في جدال.
ولا نريد أن نثبت له أنه سيئ.
ولا نريد أن نسقطه في خصومة جديدة.
بل نريد أن نقول له:
لقد يكون فيك من القدرة على طلب العلم أكثر مما تتصور، فلماذا تحبس نفسك داخل دائرة ضيقة؟
حين يتحول التخصص إلى سجن
قد تجد شابًا مجتهدًا في طلب العلم، يحفظ القرآن، ويحفظ المتون، ويقرأ في العقيدة، ويكرر دراسة بعض الكتب الأساسية مرات متعددة.
وهذا كله خير من حيث الأصل.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول البدء بالعلم إلى نهاية للعلم.
فيظل الطالب يدور حول الكتاب نفسه، والمتن نفسه، والدائرة نفسها، سنوات طويلة، لأنه تلقى فكرة مفادها:
"تخصص في هذا الكتاب."
ولا بأس بالتخصص إذا كان مرحلة ضمن مشروع علمي متكامل.
لكن التخصص الذي يمنع الطالب من الانتقال إلى:
الفقه،
وأصول الفقه،
والحديث،
وعلوم القرآن،
والتفسير،
واللغة،
والسيرة،
ومقارنة الأقوال،
وفهم اختلاف العلماء،
ليس تخصصًا بقدر ما قد يصبح دورانًا داخل دائرة مغلقة.
والطالب الذي يحفظ كتابًا واحدًا ويكرر المتون نفسها عشرات المرات، بينما لا يتقدم في بقية العلوم، يحتاج إلى أن يسأل نفسه:
هل أنا أتقدم فعلًا في العلم، أم أكرر المرحلة نفسها؟
المشكلة ليست في حفظ القرآن ولا في دراسة المتون
بل العكس تمامًا.
حفظ القرآن من أعظم ما يمكن أن يشتغل به المسلم، ودراسة المتون المختصرة نافعة في بناء الملكة العلمية.
لكن العلم ليس حفظًا بلا توسع.
العلم أن تتعلم كيف:
تفهم النص،
وتجمع الأدلة،
وتعرف أقوال العلماء،
وتفهم أسباب اختلافهم،
وتفرق بين القطعي والظني،
وتعرف مواضع الاتفاق والخلاف،
وتتعلم أدب الإنصاف.
وهنا يبدأ الطالب في الانتقال من مرحلة:
"قال لي الشيخ"
إلى مرحلة:
"هذا هو الدليل، وهذه أقوال العلماء، وهذا وجه الاستدلال، وهذا سبب الاختلاف."
وهذا هو الانتقال الحقيقي من التلقي إلى الملكة العلمية.
لماذا نهتم بهذه الفئة تحديدًا؟
لأن بعض هؤلاء الشباب قد يمتلكون طاقات علمية حقيقية، لكنهم لم يكتشفوها بعد.
وقد يكون أكبر عائق أمامهم ليس ضعف القدرة، وإنما ضيق الدائرة التي يتحركون داخلها.
فتجد الشاب يملك الحماس، والوقت، والقدرة على الحفظ، والرغبة في التعلم، لكنه لا يرى أمامه إلا مجموعة محددة من الكتب والمشايخ والقضايا.
فتتكرر أمامه الأسماء نفسها، والقضايا نفسها، والردود نفسها.
ثم يظن أن العالم كله هو هذه الدائرة.
وهنا تأتي الحاجة إلى فتح الأبواب:
اقرأ أكثر.
اسمع أكثر.
قارن.
اسأل.
تثبت.
لا تجعل شخصًا واحدًا معيارًا لكل شيء.
ولا تجعل الانتماء إلى مجموعة بديلًا عن بناء العقل العلمي.
الخلاصة
المشكلة ليست أن يكون للإنسان شيخ يحبه، أو عالم يثق بعلمه، أو مدرسة علمية ينتسب إليها.
فهذه أمور عرفها تاريخ العلم الإسلامي.
المشكلة تبدأ عندما يتحول احترام العالم إلى عصمة، والانتماء إلى جماعة إلى معيار للحق، ونقل الأحكام إلى بديل عن الدليل، والخوف من التصنيف إلى وسيلة لإسكات السؤال.
فليس كل من قال:
"أنا مع العلماء"
قد أصبح عالمًا.
وليس كل من قال:
"أنا لا أعرف"
قد امتنع عن الحكم.
وليس كل من رفع شعار:
"نحن نتبع السلف"
قد فهم فعلًا كيف كان السلف يتعاملون مع اختلاف العلماء وأخطائهم.
والأهم من ذلك كله:
لا تجعل ولاءك لمجموعة يمنعك من التعلم خارجها.
فالحق لا يحتاج إلى جدار يحميه من الأسئلة.
والعلم لا يخاف من المقارنة.
والعالم الراسخ لا يحتاج إلى أن يحبس طلابه داخل دائرة مغلقة حتى يحافظ على مكانته.
أما الطالب الذي يملك عقلًا متوقدًا، ورغبة صادقة في العلم، وحبًا للقرآن والسنة، فلا ينبغي أن يبقى أسيرًا لمرحلة واحدة من مراحل التلقي طوال حياته.
افتح له أبواب العلم.
دعه يقرأ.
دعه يقارن.
دعه يسأل.
دعه يكتشف بنفسه أن العلم أوسع من الأشخاص، وأكبر من الجماعات، وأرحب من دائرة "الإخوة".
فربما كان في هذا الشاب الذي ظن أنه مجرد تابع...
عالمٌ لم يجد بعدُ الطريق الذي يحرر طاقته.