سؤال يتكرر كثيرًا، وتأتي الإجابة المعتادة:
هم الذين يتبعون الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح.
لكن هذه الإجابة، على وجاهتها من حيث الشعار، تفتح سؤالًا أهم:
هل كل من انتسب إلى السلفية اليوم يمثل فعلًا منهجًا واحدًا متفقًا عليه؟
وهل السلفية المعاصرة مدرسة واحدة متماسكة في أصولها ومواقفها وممارساتها، أم أنها أصبحت تضم اتجاهات متعددة، تتفاوت في فهمها للنصوص، وفي موقفها من المخالف، وفي تعاملها مع العلماء والدعاة، وفي نظرتها إلى الواقع السياسي والاجتماعي؟
هنا تبدأ المشكلة.
فليس كل ما يُرفع له شعار «السلفية» يكون بالضرورة من منهج السلف، كما أن مجرد الانتساب إلى مدرسة معينة لا يمنح صاحبها العصمة من الخطأ.
أولًا: السلفية المعاصرة ليست تيارًا واحدًا
عندما نتحدث عن «السلفيين» فمن المهم أن ندرك أننا لا نتحدث بالضرورة عن جماعة واحدة ذات تنظيم واحد، ولا عن مدرسة متطابقة في كل جزئياتها.
فهناك اتجاهات متعددة تنتسب إلى السلفية، بينها اختلافات واضحة في قضايا الدعوة، والسياسة، والموقف من الحكام، والانتخابات، والجماعات الإسلامية، والحركات الدعوية، بل وفي طريقة التعامل مع العلماء والدعاة المخالفين.
ولهذا فإن الإنصاف يقتضي ألا نحاكم الجميع بحكم واحد.
لكن في المقابل، لا ينبغي أن يتحول هذا الاسم إلى حصانة فكرية تمنع النقد والمراجعة.
فالقاعدة البسيطة هي:
نحترم الاسم، لكننا نحاكم الممارسة بالدليل.
ثانيًا: من الاتباع إلى التصنيف والتجريح
من أبرز الإشكالات التي ظهرت في بعض الخطابات السلفية المعاصرة: التوسع في تصنيف المخالفين وتجريحهم.
فبدل أن يكون الخلاف حول دليل أو مسألة علمية، يتحول أحيانًا إلى معركة حول الأشخاص:
هذا مبتدع.
وهذا ضال.
وهذا مميع.
وهذا متلون.
وهذا غامض.
وهذا ليس واضحًا في المنهج.
وهذا سلفي في الظاهر، مبتدع في الباطن!
وهكذا ينتقل الخلاف من مناقشة الفكرة إلى إسقاط صاحبها.
وقد يصل الأمر عند بعض المتحمسين إلى إطلاق أوصاف شديدة القسوة على علماء ودعاة ومصلحين لمجرد اختلافهم معهم في قضية أو موقف أو اجتهاد.
وهنا ينبغي أن نسأل:
هل هذه هي الطريقة التي كان يتعامل بها علماء السلف مع المخالفين؟
الجواب يحتاج إلى دراسة واسعة في كتبهم وسيرهم ومواقفهم، لا إلى انتقاء عبارات تخدم موقفًا مسبقًا.
فقد كان العلماء يرد بعضهم على بعض، ويخطئ بعضهم بعضًا، وربما اشتد الخلاف بينهم، لكن الرد على الخطأ شيء، وتحويل المخالف إلى عدو منهجي تُسقط جميع حسناته شيء آخر.
ثالثًا: التشابه مع الخوارج في بعض الممارسات لا يعني الحكم بالخروج
قد يعترض قائل:
هل كل من شدد في الحكم على المخالف أصبح خارجيًا؟
بالطبع لا.
فالإنصاف يقتضي ألا نستبدل غلوًا بغلو.
لكن يمكن أن نقول إن بعض صور التشدد في التصنيف والإقصاء والتبديع والهجر قد تتشابه في ممارستها مع أنماط من الغلو عُرفت تاريخيًا عند بعض الفرق.
وهذا وصف للممارسة، وليس حكمًا بأن صاحبها صار خارجيًا أو اعتنق عقيدة الخوارج.
فالفرق كبير بين أن نقول:
«فلان خارجي»
وبين أن نقول:
«هذه الممارسة تشبه في بعض صورها ممارسة اشتهرت عند أهل الغلو».
والبحث العلمي يقتضي هذا التفريق.
رابعًا: حين يصبح «المنهج» أداة لتصفية الخلاف
من أكثر الأمور إثارة للتساؤل أن يتحول الحديث عن «المنهج» من وسيلة لفهم الكتاب والسنة إلى وسيلة لتصنيف الناس.
فلا يكفي عند بعض الخطابات أن يكون الشخص عالمًا بالقرآن والحديث والفقه، بل يصبح مطلوبًا منه أن يوافق في سلسلة طويلة من المواقف والتصنيفات والاختيارات.
فإن وافق فهو:
سلفي، واضح، ثابت، من أهل السنة.
وإن خالف في بعض القضايا:
مميع، متلون، حزبي، غامض، أو صاحب انحرافات منهجية.
وهنا يتحول «المنهج» من مفهوم علمي يحتاج إلى تحرير إلى هوية مغلقة.
والمشكلة ليست في الحديث عن المنهج؛ فالمنهج أمر مهم.
وإنما المشكلة في تحويل المصطلح إلى سلاح لإقصاء المخالف، بدل أن يكون وسيلة لضبط الفهم والاستدلال.
خامسًا: التأويل قد يكون في فهم النص… وقد يكون في فهم كلام العلماء
من المفارقات أن بعض الخطابات التي ترفض «التأويل» بشدة قد تقع في صورة أخرى من التأويل عند التعامل مع كلام العلماء.
فقد يُقتطع كلام العالم من سياقه، أو يُجمع بين عبارتين قالهما في مناسبتين مختلفتين، أو يُفسر كلامه بطريقة تتفق مع موقف الناقد، ثم يقدم ذلك على أنه «قول العالم».
وهذا يحتاج إلى مراجعة علمية دقيقة.
فكما لا يجوز أن نحرف النص الشرعي حتى يوافق أهواءنا، لا يجوز كذلك أن نحرف كلام العالم حتى يصبح شاهدًا لنا ضد خصمنا.
والواجب هو:
جمع كلام العالم في المسألة، ومعرفة سياقه، والنظر في اصطلاحاته، ومقارنة كلامه ببقية أقواله، ثم إصدار الحكم.
أما اقتطاع جملة واحدة ثم بناء موقف كامل عليها، فليس من الإنصاف العلمي في شيء.
سادسًا: بين السمع والطاعة وبين تعطيل النصيحة
ومن القضايا التي ظهر فيها تفاوت كبير بين الاتجاهات السلفية المعاصرة: الموقف من الحكام والسلطة والنقد السياسي.
فمن الثابت أن الشريعة جاءت بالنهي عن الفوضى والفتنة وسفك الدماء، كما جاءت بأصول السمع والطاعة في المعروف، والنصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول أصل شرعي إلى موقف مطلق من كل سلطة، بحيث يصبح مجرد الحديث عن الظلم أو الفساد أو الخطأ السياسي نوعًا من الخروج والتمرد.
وهنا ينبغي التفريق بين أمور مختلفة:
النصيحة ليست خروجًا.
والإنكار ليس فوضى.
والنقد ليس بالضرورة تحريضًا.
والتحذير من الفتنة لا يعني السكوت عن كل خطأ.
فالمنهج المتوازن لا يختار نصوصًا ويترك أخرى، وإنما يجمع بينها جميعًا، وينظر في النصوص، والمقاصد، والواقع، والمآلات.
سابعًا: هل السكوت عن المنكر دائمًا من الحكمة؟
هناك فرق بين الحكمة في إنكار المنكر وبين إلغاء الإنكار بحجة الحكمة.
فقد يكون إنكار المنكر له ضوابط، وقد تختلف وسيلته باختلاف القدرة والزمان والمكان والمصلحة والمفسدة.
لكن تحويل هذه الضوابط إلى ذريعة تجعل بعض المنكرات وكأنها خارج دائرة النقد أصلًا، أمر يحتاج إلى مراجعة.
فالشريعة لم تجعل الطاعة طاعة عمياء، ولم تجعل النصيحة خروجًا، ولم تجعل الخوف من الفتنة مبررًا لإسقاط كل واجب شرعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والتوازن هنا هو المطلوب:
لا فوضى باسم الإصلاح، ولا صمت مطلق باسم الاستقرار.
ثامنًا: هل الانتساب إلى السلفية يجعل صاحبه مصيبًا؟
هذه ربما أهم نقطة في الموضوع كله.
إذا قال شخص:
«أنا سلفي»
فلا ينبغي أن تكون النتيجة:
«إذن كلامه حق».
بل ينبغي أن تكون:
«لننظر في كلامه ودليله».
فالانتساب لا يصنع العصمة.
والشعار لا يحول الخطأ إلى صواب.
والاسم لا يغني عن الدليل.
وهذه قاعدة ينبغي أن تكون حاضرة عند الجميع، سواء انتسب الشخص إلى السلفية أو الأشعرية أو الصوفية أو غيرها من المدارس والاتجاهات.
الحق أكبر من الأشخاص، وأكبر من الأسماء، وأكبر من الجماعات.
تاسعًا: لا تخلطوا بين السلف الصالح وبعض المنتسبين إليهم
من المهم جدًا التفريق بين:
منهج السلف الصالح
وبين:
اجتهادات بعض المنتسبين إلى السلفية في عصرنا.
فالسلف الصالح ليسوا مسؤولين عن كل قول صدر من شخص في القرن الخامس عشر الهجري لمجرد أنه رفع شعار اتباعهم.
كما أن أخطاء بعض المنتسبين إلى السلفية لا ينبغي أن تُحمّل للسلف أنفسهم.
وإذا أردنا فعلًا أن نعرف منهج السلف، فعلينا أن نعود إلى:
النصوص، وفهم العلماء، وسيرهم، وطريقة تعاملهم مع الخلاف، وأصولهم في الاستدلال، وموازنتهم بين النص والمقصد، وبين الحكم والمآل.
لا أن نكتفي بما تقوله لنا مدرسة معاصرة عن نفسها.
عاشرًا: فهل السلفية مذهب واحد؟
إذا كان المقصود بالسلفية:
التمسك بالكتاب والسنة، وتعظيم النصوص، والاستفادة من فهم الصحابة والتابعين وأئمة العلم؛
فهذه معانٍ لا يملكها تيار بعينه، ولا يجوز أن يجعلها حكرًا على نفسه.
أما إذا كان المقصود بالسلفية:
مدارس واتجاهات معاصرة تحمل الاسم نفسه، ولها مواقف واجتهادات وتصورات خاصة؛
فهنا لا بد من التفريق بين مدرسة وأخرى، وعدم وضع الجميع في سلة واحدة.
ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس فقط:
«من هم السلفيون؟»
بل:
أي سلفيين نقصد؟ وما أصول هذا الاتجاه؟ وكيف يفهم النصوص؟ وكيف يتعامل مع المخالف؟ وما موقفه من العلماء؟ وما رؤيته للسلطة والمجتمع والدعوة؟
فهذه الأسئلة هي التي تكشف حقيقة أي تيار.
الخلاصة
ليست المشكلة في أن يقول الإنسان:
«أنا سلفي».
ولا في أن ينتسب إلى مدرسة أو اتجاه يراه أقرب إلى الحق.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتساب إلى معيار للحق والباطل، فيصبح من وافق الجماعة «سلفيًا»، ومن خالفها «مبتدعًا»، ثم تتوسع دائرة التصنيف حتى يصبح الخلاف في مسألة أو موقف سببًا للهجر والتبديع والإقصاء.
والمنهج الصحيح لا يحتاج إلى كل هذا.
فالحق لا يخاف من النقد.
والعالم لا يحتاج إلى إسقاط خصمه حتى يثبت صحة قوله.
والدعوة لا تقوى بالتشهير بالمخالفين.
والسلف الصالح لم يكونوا جماعة مغلقة تحتكر الإسلام، وإنما كانوا علماء ومجتهدين، يُعرفون بالعلم والاتباع والإنصاف.
ولهذا:
لا تسألني أولًا: من أي جماعة أنت؟
بل اسأل: ما دليلك؟ وكيف فهمت النص؟
فقد يكون الإنسان حاملًا لشعار السلفية، لكنه يخطئ.
وقد يختلف معك شخص تنتسب إليه مدرسة أخرى، لكنه يقول في مسألة ما قولًا هو أقرب إلى الدليل.
فالميزان هو الحق، لا الاسم.
والدليل، لا الشعار.
والعلم والإنصاف، لا التصنيف والإقصاء.
وهنا فقط نفهم معنى الاتباع الحقيقي للسلف.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق