الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026

تفقدوا أحبابكم… فليس كل من تراه ثابتًا يأمن الفتنة!

 


تفقدوا أحبابكم… فليس كل من تراه ثابتًا يأمن الفتنة!

🟡 ليس كل من تراه اليوم ثابتًا على الطاعة يضمن الثبات غدًا، وليس كل من تراه مقبلًا على الله بمنأى عن الفتور والغفلة!

هاتفتُ يومًا صاحبًا كنت أغبطه على صلاحه، وأُعجب بغيرته على الدين، وأراه مثالًا في البذل والعطاء؛ فإذا بي ألمس في حديثه شيئًا من التهاون، وأشعر بأن في همّته فتورًا لم أعهده فيه من قبل.

وزارني أخٌ حبيب، يشكو حاله ويقول: أدركني، فقد تغيّرتُ عمّا كنت عليه؛ حتى صرت أُفرّط في صلاتي، وأجمعها بعد أن كنت أحافظ عليها، وأحرص على النوافل.

ولقيت حبيبًا غاب عن عيني زمنًا، فلما رأيته لاحظت في وجهه انطفاءةً لم أعرفها فيه من قبل. ثم تبيّن لي أن استرسال النظر في المحرّمات، والتعرّض المستمر للمشاهد الفاتنة، قد تركا أثرهما في قلبه وروحه.

وهناك غيرهم من الأحبة، ممن تساهلوا في حقوق العباد، أو ترخّصوا في أبواب الربا، أو أطلقوا لأنفسهم العنان في الشهوات؛ حتى صار من أكثر ما ألهج به لساني:

اللهم سلِّم سلِّم، وثبّت قلوبنا على دينك، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين!

⚠️ أين الخلل؟ ولماذا يتراجع بعض من كانوا بالأمس قدوةً في الخير؟

حين رجعت إلى نفسي أتأمل هذه الأحوال، بدا لي أن من أسبابها أمرين خطيرين:

أولًا: أن يترك الإنسان نفسه بلا محاسبة ولا حراسة لقلبه.

فلا يجدد إيمانه، ولا يتعاهد صلاته، ولا يحاسب نفسه على تقصيره، ولا يحذر من مواطن الفتنة، حتى تتراكم عليه الغفلات، ويضعف فيه استشعار الخطر، ويصبح ما كان يستثقله بالأمس أمرًا هيّنًا في عينيه اليوم.

وهكذا قد يبدأ التراجع بخطوة صغيرة، أو تساهل عابر، ثم يتدرّج بصاحبه حتى يجد نفسه بعيدًا عن الطريق الذي كان يحرص على لزومه.

ثانيًا: أن ينشغل الإخوة بعضهم عن بعض، حتى يغيب التناصح والتذكير الصادق.

فكم من إنسان كان يجد في كلمة أخيه قوةً بعد ضعف، وفي نصيحته يقظةً بعد غفلة، وفي سؤاله عنه شعورًا بأنه ليس وحده في طريق الاستقامة!

ثم تمر الأيام، وتتباعد القلوب، وينشغل كل واحد بنفسه، فلا يسأل عن صاحبه، ولا يتفقد حاله، ولا ينتبه إلى ما طرأ عليه من تغير.

فإذا بمن كان بالأمس يذكّر غيره بالخير يحتاج اليوم إلى من يذكّره، وإذا بمن كان يسند الآخرين يحتاج إلى من يسنده، وإذا بصاحب الهمة العالية يضعف شيئًا فشيئًا، ولا يجد حوله من يأخذ بيده.

🌿 هكذا كانت الأخوة الصادقة

لقد عرف السلف قيمة التفقد، فلم تكن الأخوة عندهم مجرد لقاءات عابرة، ولا أحاديث للتسلية، ولا مؤانسةً تنتهي بانتهاء المجلس.

كانوا يتفقدون أحوال إخوانهم، ويسألون عن دينهم ودنياهم؛ حرصًا على سلامة دينهم، ورفقًا بهم في شؤون معاشهم.

فالمؤمن لا يريد لأخيه أن يضلّ بعد هداية، ولا أن يضعف بعد قوة، ولا أن يقع في ضيق يستطيع إخوانه أن يعينوه على تجاوزه.

وقد اشتهرت في كتب الوعظ والتراجم قصة تُروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في مراسلته رجلًا وقع في شرب الخمر، وتذكيره إياه بآيات من القرآن؛ وهي قصة تستدعي التحقق من إسنادها وتفاصيلها قبل الجزم بها، لكن معناها التربوي يذكّرنا بقيمة الموعظة الصادقة التي تفتح باب الرجوع ولا تغلقه في وجه المخطئ.

فليس المقصود من النصيحة أن نُشعر العاصي بأنه انتهى، بل أن نذكّره بأن باب التوبة مفتوح، وأن أخاه ما زال يرجو له الخير.

🤝 تفقدوا أحبابكم… فربما كانوا في أمسّ الحاجة إليكم

تفقدوا إخوانكم، واسألوا عن أحوالهم، ولا تجعلوا انشغالكم بالدنيا يحجبكم عن أحوال من تحبون.

  • من وجدتموه ثابتًا على الخير، فأعينوه على الثبات، وشجّعوه على الاستمرار، ولا تحرموه من الكلمة الطيبة.

  • ومن وجدتموه قد بدأ يضعف، فاقتربوا منه، وذكّروه برفق، وخذوا بيده قبل أن تتسع الفجوة بينه وبين الطاعة.

  • ومن وجدتموه قد وقع في معصية، فلا تفضحوه ولا تيأسوا منه؛ بل انصحوه، واستروه، وأعينوه على التوبة والعودة إلى الطريق.

  • ومن وجدتموه مثقلًا بهموم الدنيا، فواسوه، واقضوا حاجته إن استطعتم، وكونوا له سندًا في الشدة كما كنتم له رفقاء في الرخاء.

ولا تنسوا أن النصيحة ليست تعنيفًا، وأن الرفق ليس تهاونًا، وأن الستر لا يعني الرضا بالخطأ؛ بل لكل مقام ما يناسبه من حكمة ورحمة وحزم.

💚 لماذا آخاك أخوك؟

ما آخاك أخوك لمجرد أن تلاطفه، وتؤاكله، وتمازحه، وتشاركه أوقات الفرح والراحة؛ وإنما لتكونا عونًا لبعضكما على الخير، وسندًا في الشدائد، ورفيقين في طريق الطاعة.

فالأخوة الصادقة لا تظهر قيمتها كاملةً حين تكون الحياة سهلة، وإنما تتجلى حين يضعف أحدكما، أو يخطئ، أو تشتد عليه الفتن، أو تضيق به الدنيا.

هناك يعرف معنى الأخ الذي لا يكتفي بمشاهدة تعثرك، ولا يسرّه أن يراك تتراجع، بل يقترب منك، ويذكّرك بالله، ويعينك على استعادة قوتك، ويصبر عليك حتى تنهض من جديد.

فلا تكن أخًا يفرح بصاحبه حين ينجح، ثم يتركه حين يضعف؛ بل كن ممن يأخذون بأيدي إخوانهم إذا تعثّروا، ويذكّرونهم إذا غفلوا، ويفتحون لهم أبواب الأمل إذا أخطؤوا.

🤲 اللهم ثبّت قلوبنا على دينك

يا من تحبون إخوانكم، لا تكتفوا بالدعاء لهم في الغيب، وإن كان الدعاء من أعظم أبواب المحبة؛ بل اجمعوا إليه السؤال عنهم، والنصيحة لهم، ومساعدتهم عند الحاجة، والوقوف إلى جانبهم في أوقات الضعف.

فكم من كلمة صادقة أيقظت قلبًا غافلًا، وكم من زيارة أعادت الأنس إلى نفس منطفئة، وكم من يد امتدت في الوقت المناسب فكانت سببًا في عودة صاحبها إلى الطريق.

تفقدوا أحبابكم؛ فهم من أجمل عطايا الله لكم.

ولا تنتظروا حتى يبتعدوا كثيرًا لتسألوا عنهم، ولا حتى تتفاقم أحوالهم لتتذكروا واجبكم نحوهم.

كونوا لبعضكم عونًا على الطاعة، وسندًا عند الشدة، ورفقاء في طريق النجاة.

فما أجمل أن يجمع الله بينك وبين من تحب في الدنيا على الخير، ثم يجمعكم في الآخرة في جنات النعيم!

اللهم سلّم قلوبنا من الفتن، وثبّتنا على طاعتك، وأصلح أحوالنا، وردّنا إليك ردًّا جميلًا، واحفظ لنا أحبابنا، واجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر.

آمين يا رب العالمين. 🤲

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق