الأربعاء، 14 أكتوبر 2026

الشيخ محمد بن عبد الوهاب: التوسل بالنبي والصالحين مسألة فقهية… !؟



الشيخ محمد بن عبد الوهاب: التوسل بالنبي والصالحين مسألة فقهية… فلماذا يحوّله بعض أتباعه إلى قضية عقدية؟

كلام شيخهم نفسه يفتح بابًا مهمًّا للنقاش!

من القضايا التي أثارت جدلًا واسعًا في الخطاب الديني المعاصر مسألة التوسل بالنبي ﷺ والصالحين، حتى أصبح بعض الناس يصفون المتوسلين بالشرك، وكأن المسألة من القضايا التي لا خلاف فيها بين أهل العلم!

لكن ماذا لو قرأنا كلام محمد بن عبد الوهاب نفسه، الذي ينتسب إليه هؤلاء، بدل الاكتفاء بما يردده بعض أتباعه عنه؟

🔹 ماذا قال محمد بن عبد الوهاب؟

جاء في جواب منسوب إليه، منشور ضمن مؤلفاته:

«فهذه المسألة من مسائل الفقه، ولو كان الصواب عندنا قول الجمهور إنه مكروه فلا ننكر على من فعله، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد».

تأملوا هذه العبارة جيدًا!

فهو يتحدث عن مسألة من مسائل الفقه، ويذكر أن اختياره هو قول الجمهور بالكراهة، ثم يقرر عدم الإنكار على من فعلها، ويستحضر قاعدة عدم الإنكار في مسائل الاجتهاد.

وهنا ينبغي أن نكون دقيقين: الشيخ لا يصرح في هذا النص بأنه يرجح جواز التوسل، لكنه يقرر أن المسألة التي يتحدث عنها فقهية، وأن فيها خلافًا، وأن مجرد مخالفة اختياره لا تبرر الإنكار على المخالف.

وهذا وحده كافٍ لفتح نقاش علمي جاد حول طريقة تناول هذه المسألة.

🔹 أولًا: التوسل ليس هو دعاء المخلوق

من أهم أسباب الخلط في هذه القضية عدم التفريق بين صور مختلفة من الدعاء والتوسل.

فثمة فرق بين أن يقول المسلم: «اللهم إني أسألك بنبيك محمد ﷺ»، متوجهًا بالدعاء إلى الله وحده، وبين أن يدعو مخلوقًا من دون الله أو يعتقد فيه قدرة مستقلة على التصرف في الكون.

وهناك أيضًا خلاف بين العلماء في بعض صور التوسل، وفي حكمها وأدلتها وكيفية فهم النصوص المتعلقة بها.

لذلك لا يصح أن تُجمع هذه الصور كلها في حكم واحد، ولا أن يُحكم على كل من توسل بأنه ارتكب الشرك دون النظر إلى حقيقة ما قاله واعتقده.

فالخلاف في كيفية التوجه إلى الله بالدعاء لا يجوز أن يتحول تلقائيًّا إلى اتهام للمسلمين في أصل عقيدتهم.

🔹 ثانيًا: إذا كان شيخكم يصفها بأنها مسألة فقهية، فلماذا يصفها بعضكم بأنها شرك؟

هنا موضع السؤال الذي يستحق النقاش:

إذا كان محمد بن عبد الوهاب نفسه قد تناول صورةً من صور التوسل باعتبارها مسألة فقهية، وذكر الخلاف فيها، وقرر عدم الإنكار على فاعلها، فكيف يسوغ لبعض المنتسبين إلى دعوته أن يتعاملوا مع كل صورة من صور التوسل باعتبارها شركًا لا خلاف فيه؟

هل قرؤوا كلامه كاملًا؟

وهل ميّزوا بين التوسل بالله وبين دعاء غير الله؟

وهل يفرّقون بين المسائل التي اتفق العلماء على حكمها، والمسائل التي وقع فيها الاجتهاد والخلاف؟

إن كان لهم اجتهاد آخر، فليعرضوا أدلتهم ويناقشوا النصوص، فهذا حقهم. لكن ليس من الإنصاف أن تُطمس أقوال العلماء التي لا توافق الموقف المسبق، أو أن يُتهم المخالف في دينه قبل تحرير محل النزاع.

ولا يعني هذا أن كل صورة من صور التوسل جائزة بإطلاق، بل يعني أن الحكم ينبغي أن يُبنى على التفصيل والدليل، لا على التعميم والتشنيع.

🔹 ثالثًا: نحن لا ندعو إلى تقليد محمد بن عبد الوهاب تقليدًا أعمى!

قد يقول قائل: نحن لا نلتزم بكل ما قاله محمد بن عبد الوهاب، بل نتبع الدليل.

والجواب: هذا مبدأ صحيح من حيث الأصل؛ فلا أحد من العلماء معصوم، ولا يلزم المسلم أن يقلد عالمًا في كل اجتهاداته.

لكن المعيار نفسه يجب أن يُطبَّق على الجميع.

فإذا خالفتم قول شيخكم في مسألة التوسل، فعليكم بيان مستندكم العلمي، لا الاكتفاء بترديد أحكام عامة، ولا تصوير المسألة وكأنها من البدهيات التي لا تحتمل الخلاف.

وإذا كان من حقكم مخالفة اجتهاده، فمن حق غيركم أيضًا أن يأخذ بقول عالم معتبر يرى جواز صورة من صور التوسل، ما دام الخلاف معتبرًا في تلك الصورة، مع بقاء النقاش العلمي في الأدلة والترجيح.

لا تجعلوا أقوال العلماء حجةً حين توافقكم، ثم تتجاهلونها حين تخالف مواقفكم!

🔹 رابعًا: التوسل خلاف في كيفية الدعاء، وليس كل خلاف فيه خلافًا في أصل العقيدة

إن أصل الدعاء عبادة لله سبحانه وتعالى، ولا خلاف في أن الدعاء عبادة عظيمة يجب إخلاصها لله.

لكن الخلاف في بعض صور التوسل يتعلق بكيفية السؤال والتوجه بالدعاء، وبالأدلة التي يستند إليها كل فريق في فهم هذه الصورة وحكمها.

ولهذا يجب التفريق بين من يدعو الله وحده متوسلًا إليه على وجه مختلف فيه، وبين من يصرف عبادةً لغير الله؛ فلكل صورة حكمها، ولا يصح التسوية بينها.

ولا يجوز أن نجعل كل خلاف فقهي معركةً عقدية، أو أن نحول مسائل الاجتهاد إلى وسيلة لتبديع المسلمين أو اتهامهم بالشرك دون حجة واضحة.

📌 الخلاصة

محمد بن عبد الوهاب نفسه قال في النص المنقول عنه:

«فهذه المسألة من مسائل الفقه».

وهذه عبارة تستحق أن تُقرأ بتأنٍّ، وأن تُناقش بأمانة، بعيدًا عن التعصب للأشخاص والجماعات.

لسنا مطالبين بتقليد شيخ بعينه في كل مسألة، لكننا مطالبون بالإنصاف في نقل كلامه، وبالعدل مع مخالفيه، وبالتفريق بين الخلاف الفقهي والحكم على عقائد الناس.

فمن أراد أن يناقش التوسل، فليناقشه بالدليل والتفصيل، وليعرض أقوال العلماء كما هي، دون تهويل أو اقتطاع.

فالحق لا يحتاج إلى التشنيع على المخالف، والعقيدة لا تُحمى بإلغاء الخلاف الفقهي، وإنما تُصان بالعلم والبرهان والإنصاف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق