الخميس، 27 يونيو 2019

ما حكم قول: صدق الله العظيم بعد تلاوة القرآن الكريم؟

السؤال

ما حكم قول: صدق الله العظيم بعد تلاوة القرآن الكريم؟ مع العلم أن كبار قراء القرآن الكريم في العالم الإسلامي يختمون بها تلاواتهم ـ وهم أهل علم وفضل ـ وقد ورد ذكر قل صدق الله في القرآن الكريم، مع العلم أنها تقال تصديقا لكتاب الله تعالى وفصلا بين كلامه الحكيم وكلامنا، وأرجو بيان في أي قرن أو وقت كان أول بداية قولها؟ وهل استحسنها العلماء؟ وإذا كانت غير جائزة ـ كما يدعي البعض ـ ألا تدخل هذه ضمن المباحات التي لم يرد بها نص يوجبها أو يحرمها؟ وإذا كان من لا يجيزها يحتج بقول سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي ابن مسعود: حسبك ـ عندما كان يتلو عليه القرآن، فهل يعتد ويحتج بذلك على عدم جواز ختم التلاوة بصدق الله العظيم؟ وأي خطإ فيها؟ وهي تصديق لكلام رب العالمين، ودرج عليها أهل الفضل من كبار قراء القرآن الكريم ـ كما سبق وذكرت ـ وهم من هم في العلم بكتاب الله وأحكامه وكل ما يتعلق بعلومه، ولو كان فيها ريبة لكانوا هم أبعد الناس عنها، بل وحذروا الناس منها.
أرجو أن يتسع صدركم لي.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد: 
فلا شك أن الله تعالى هو أصدق القائلين بلا ريب، كما قال تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً؟
{ النساء: 122 }.
وفي حديث مسلم: أما بعد: فإنَّ أصدق الحَديث كِتابُ الله تعالى.
فاعتقادنا واعترافنا أن الله تعالى صادق فيما يقوله فرض، ومن كذب الله أو شك في صدق ما أخبر به فهو كافر خارج من الملة ـ والعياذ بالله.
ومن قال: صدق الله عند المناسبات ـ مثل أن يقع شيء من الأشياء التي أخبر الله بها فيقول: صدق الله تأكيدا لخبر الله ـ فهذا جائز، لورود السنة به، ففي الحديث عنبريدة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين ـ عليهما السلام ـ عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله: إنما أموالكم وأولادكم فتنة ـ فنظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما.
رواه الترمذي، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ـ ووافقه الذهبي، وصححه الألباني. 
فقول القارىء صدق الله العظيم بعد الانتهاء من قراءة القرآن لا أصل له من سنة النبي ولا من قول الصحابة والتابعين ولكنها قول مستحدث فإن قيل على أنه عبادة واجبة فهذا لا يجوز وإن قيل استئناسا بقول الله تعالى: (قُلْ صَدَقَ اللهُ) أو أنه عادة اعتادها القراء فلا شيء فيها، على أنه ينبغي للمسلم ألا يتسرع ويحكم ببدعية الأشياء التي لم ترد.
يقول فضيلة الشيخ عطية صقر ـ رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقا:
حذَّرت كثيرًا من التعجُّل في إطلاق وصْف البِدْعَة على أي عملٍ لم يكن في أيام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا في عهد التشريع، ومن التمادي في وصف كلِّ بِدْعَة بأنها ضلالة وكلُّ ضلالة في النار، ويُمكن الرجوع إلى ص 352 من المجلد الثالث من هذه الفتاوى لمعرفة ذلك.
وقول “صَدَقَ اللهُ العظيمُ” من القارئ أو من السامع بعد الانتهاء من القراءة، أو عند سماع آية من القرآن ليس بِدعة مذمومة، أولاً لأنه لم يرد نهي عنها بخصوصها، وثانيًا لأنها ذِكْرٌ لله والذِّكْر مأمور به كثيرًا، وثالثًا أن العلماء تحدثوا عن ذلك داعين إليه كأدب من آداب قراءة القرآن، وقَرروا أن قول ذلك في الصلاة لا يبطلها، ورابعًا أن هذه الصيغة أو قريبًا منها ورد الأمر بها في القرآن، وقرر أنها من قول المُؤْمِنين عند القتال.
قال تعالى: (قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) (سورة آل عمران: 95) وقال: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولَهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ) (سورة الأحزاب : 22) وذكر القرطبي في مقدمة تفسيره أن الحكيم الترمذي تحدث عن آداب تلاوة القرآن الكريم وجعل منها أن يقول عند الانتهاء من القراءة: صدق الله العظيم أو أية عبارة تؤدي هذا المعنى. ونص عبارته “ج 1 ص 27” : ومن حُرْمَته إذا انتهت قراءته أن يُصَدِّقَ رَبَّهُ، ويشهد بالبلاغ لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (مثل أن يقول: صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم) ويشهد على ذلك أنه حق، فيقول: صدقتَ ربنا وَبَلَّغَتْ رُسُلُك ونحن على ذلك من الشاهدين. اللهم اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقِسْطِ، ثم يدعو بدعوات.
وجاء في فقه المذاهب الأربعة، نَشْر أوقاف مصر، أن الحنفية قالوا: لو تكلَّم المُصلي بتسبيح مثل. صدق الله العظيم عند فراغ القارئ من القراءة لا تبطل صلاته إذا قصد مُجرد الثناء والذِّكر أو التلاوة وأن الشافعية قالوا: لا تبطل مُطلقًا بهذا القول، فكيف يجرؤ أحد في هذه الأيام على أن يقول: إنَّ قول: صدق الله العظيم، بعد الانتهاء من قراءة القرآن بِدْعَة؟ أُكَرِّر التحذير من التعجُّل في إصدار أحكام فقهية قبل التأكد من صحتها، والله سبحانه وتعالى يقول: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتِكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) (سورة النحل : 116).
فقول القارىء صدق الله العظيم بعد الانتهاء من قراءة القرآن لا أصل له من سنة النبي ولا من قول الصحابة والتابعين ولكنها قول مستحدث فإن قيل على أنه عبادة واجبة فهذا لا يجوز وإن قيل استئناسا بقول الله تعالى: (قُلْ صَدَقَ اللهُ) أو أنه عادة اعتادها القراء فلا شيء فيها، على أنه ينبغي للمسلم ألا يتسرع ويحكم ببدعية الأشياء التي لم ترد.
حذَّرت كثيرًا من التعجُّل في إطلاق وصْف البِدْعَة على أي عملٍ لم يكن في أيام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا في عهد التشريع، ومن التمادي في وصف كلِّ بِدْعَة بأنها ضلالة وكلُّ ضلالة في النار، ويُمكن الرجوع إلى ص 352 من المجلد الثالث من هذه 

 فضيلة الشيخ عطية صقر ـ رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقا

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

جواز قول صدق الله العظيم بعد قراءة القرءان

بسم الله الرحمن الرحيم
جواز قول صدق الله العظيم بعد قراءة القرءان
قال تعالى :‏ {‏قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا}‏ [ءال عمران :‏‏95 ]، وقال {‏ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله }‏ [الأحزاب :‏ ‏22 ]
وقال :{ ومن أصدق من الله قيلا} [ النساء: من الآية122 ، وقال: { ومن أصدق من الله حديثا} [ النساء: من الآية87 ]
ففي الجامع لأحكام القرءان، – للقرطبي ، الجزء 1 ، باب ما يلزم قارئ القرآن وحامله من تعظيم القرءان وحرمته:
قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول: "فمن حرمة القرءان ألا يمسه إلا طاهرا…..ومن حرمته إذا انتهت قراءته أن يصدق ربه، ويشهد بالبلاغ لرسوله صلى الله عليه وسلم، ويشهد على ذلك أنه حق، فيقول: صدقت ربنا وبلغت رسلك، ونحن على ذلك من الشاهدين اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط ثم يدعو بدعوات. اهـ
أما الحكيم الترمذي الحافظ فقد ترجمه ابن الدمياطي صاحب المستفاد من ذيل تاريخ بغداد بما نصه: أبو عبد الله الترمذي المعروف بالحكيم كان إماما من أئمة المسلمين، له المصنفات الكبار في أصول الدين ومعاني الأحاديث، وله كتاب (نوادر الأصول).انتهى
وفي الجامع لأحكام القرءان، – للقرطبي ، الجزء 16 سورة الأحقاف >> الآية: 35 {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون}: وقال ابن عباس: إذا عسر على المرأة ولدها تكتب هاتين الآيتين والكلمتين في صحيفة ثم تغسل وتسقى منها، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله العظيم الحليم الكريم، سبحان الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم" كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها" [النازعات: 46. "كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقونصدق الله العظيم. اهـ
وفي روح البيان – لإسماعيل البروسوي:
وفي قوت القلوب للشيخ أبي طالب المكي قدس سره وليجعل العبد مفتاح درسه أن يقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون وليقرأ قل أعوذ برب الناس وسورة الحمد وليقل عند فراغه من كل سورة صدق الله تعالى وبلغ رسوله اللهم أنفعنا وبارك لنا فيه الحمد، وفي أسئلة عبد الله بن سلام أخبرني يا محمد ما ابتداء القرءان وما ختمه قال ابتداؤه بسم الله الرحمن الرحيم، وختمه صدق الله العظيمقال صدقت وفي خريدة العجائب يعني ينبغي أن يقول القارىء ذلك عند الختم وإلا فختم القرءان سورة الناس وفي الابتداء بالباء والاختتام بالسين إشارة إلى لفظ بس".اهـ
وقال الغزالي في الإحياء وهو يعدد ءاداب تلاوة القرءان في الجزء الأول: (الثامن: أن يقول في مبتدإ قراءته أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون وليقرأ قل أعوذ برب الناس وسورة الحمد لله وليقل عند فراغه من القراءة : صدق الله تعالى وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم انفعنا به وبارك لنا فيه الحمد لله رب العالمين وأستغفر الله الحي القيوم ) اهـ.
وقال الإمام الحافظ شمس الدين بن الجزري في كتابه المشهور "النشر في القراءات العشر": ورأينا بعض الشيوخ يبتدئون الدعاء عقيب الختم بقولهم: صدق الله العظيم وبلغ رسوله الكريم، وهذا تنـزيل من رب العالمين، ربنا ءامنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين. وبعضهم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلى ءاخره أو بما في نحو ذلك من التنـزيه وبعضهم بالحمد لله رب العالمين لقوله صلى الله عليه وسلم "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم" ورواه أبو داود وابن حبان في صحيحه ولا حرج في ذلك، فكل ما كان في معنى التنـزيه فهو ثناء.انتهى
وقال العلامة شيخ المقرئين ومراجع المصاحف في المقارئ المصرية علي بن محمد الضباع رحمه الله في فتح العلي المنان في ءاداب حملة القرءان ما نصه: (ويستحب للقارىء إذا انتهت قراءته أن يصدق ربه ويشهد بالبلاغ لرسوله صلى الله عليه وسلم ويشهد على ذلك أنه حق فيقول: صدق الله العظيم وبلغ رسوله الكريم، ونحن على ذلك من الشاهدين).
نشوار المحاضرة للقاضي التنوخي:
عن أبي السائب القاضي، فقال: روينا عن ابن عباس في قوله تعالى: "بسم الله الرحمن الرحيم" فاصفح الصفح الجميل"صدق الله العظيم" قال: عفو بلا تقريع"اهـ
وفي البداية والنهاية، لإسماعيل بن كثير الدمشقي. المجلد الثالث عشر >> ثم دخلت سنة أربع وعشرين وستمائة >> من الأعيان:
فمن ترك الشرع المحكم المنـزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى (الياسا) وقدمها عليه ؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين. قال الله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون}. [المائدة: 50  وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليماصدق الله العظيم، [النساء: 65 . اهـ
حكم قول المصلي صدق الله العظيم
عند الشافعية
وفي أسنى المطالب شرح روض الطالب : ( وسئل ابن العراقي عن مصل قال بعد قراءة إمامه صدق الله العظيم هل يجوز له ذلك ولا تبطل صلاته ؟ فأجاب: بأن ذلك جائز ولا تبطل به الصلاة لأنه ذكر ليس فيه خطاب ءادمي ) اهـ.
حاشيتا القليوبي وعميرة
(ولا تبطل بالذكر) وإن لم يقصده حيث خلا عن صارف أو قصده، ولو مع الصارف كما مر في القرءان، ومنه سبحان الله في التنبيه كما يأتي، وتكبيرات الانتقالات من مبلغ أو إمام جهرا. قال شيخنا، ولا بد من قصد الذكر في كل تكبيرة، واكتفى العلامة الخطيب بقصد ذلك، في جميع الصلاة عند أول تكبيرة، ومنه استعنت بالله أو توكلت على الله عند سماع ءايتها، ومنه عند شيخنا الرملي، وشيخنا الزيادي كل ما لفظه الخبر نحو صدق الله العظيم ، أو ءامنت بالله عند سماع القراءة، بل قال شيخنا الزيادي لا يضر الإطلاق في هذا، كما في نحو سجدت لله في طاعة الله" اهـ ومثل ذلك في شرح البهجة .
نهاية المحتاج على شرح المنهاج
فرع  لو قال صدق الله العظيم عند قراءة شيء من القرءان قال م ر ينبغي أن لا يضر، وكذا لو قال ءامنت بالله عند قراءة ما يناسبه .ا هـ سم على منهج."اهـ ومثل ذلك في حاشية الجمل على شرح المنهج وحاشية الشبراملسي على النهاية وتحفة الحبيب على شرح الخطيب وحاشية البيجرمي على الخطيب.
عند الحنفية
كنـز الدقائق
ولو قرأ الإمام ءاية الرحمة أو العذاب فقال المقتدي صدق الله لا تفسد وقد أساء"اهـ
الفتاوى الهندية
ولو قرأ الإمام ءاية الترغيب أو الترهيب فقال المقتدي صدق الله وبلغت رسله فقد أساء ولا تفسد صلاته كذا في فتاوى قاضي خان "اهـ
المحيط البرهاني
الرجل إذا كان خلف الإمام، ففرغ الإمام من السورة لا يكره له أن يقول صدق الله، وبلغت رسله، ولكن الأفضل أن لا يقول ذلك. ذكره شيخ الإسلام في «شرحه»." اهـ
الدر المختار شرح تنوير الأبصار
فروع، سمع اسم اللـه تعالى فقال جل جلالـه، أو النبي فصلى عليه، أو قراءة الإمام فقال: صدق اللـه ورسولـه، تفسد إن قصد جوابه"اهـ
حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح
قولـه: (ويفسدها كل شيء من القرءان قصد به الجواب) إنما قيد بالقرءان ليعلم الحكم في غيره بالأولى، فلو ذكر الشهادتين عند ذكر المؤذن لـهما، أو سمع ذكر اللـه، فقال جل جلالـه، أو ذكر النبي فصلى عليه، أو قال عند ختم الإمام القراءة صدق اللـه العظيم، أو صدق رسولـه، أو سمع الشيطان فلعنه أو ناداه رجل بأن يجهر بالتكبير ففعل فسدت"اهـ
البحر الرائق شرح كنـز الدقائق
وفي القنية: مسجد كبير يجهر المؤذن فيه بالتكبيرات فدخل فيه رجل نادى المؤذن أن يجهر بالتكبير فرفع الإمام للحال وجهر المؤذن بالتكبير، فإن قصد جوابه فسدت صلاته، وكذا لو قال عند ختم الإمام قراءته صدق الله وصدق الرسول، وكذا إذا ذكر في تشهده الشهادتين عند ذكر المؤذن الشهادتين تفسد إن قصد الإجابة اهـ.
وفي البحر الرائق
( في الخانية والظهيرية: ولو قرأ الإمام ءاية الترغيب أو الترهيب فقال المقتدي صدق الله وبلغت رسله فقد أساء ولا تفسد صلاته ا.هـ، وهو مشكل لأنه جواب لإمامه ولهذا قال في المبتغى بالمعجمة: ولو سمع المصلي من مصل آخر ولا الضالين فقال آمين لا تفسد وقيل تفسد وعليه المتأخرون وكذا بقوله عند ختم الإمام قراءته صدق الله وصدق الرسول ) اهـ.
وفي مبسوط محمد بن الحسن الشيباني
(قلت: أرأيت الرجل يكون خلف الإمام فيفرغ الإمام من السورة أتكره للرجل أن يقول صدق الله وبلغت رسله ؟ قال أحب إلي أن ينصت ويستمع. قلت فإن فعل هل يقطع ذلك صلاته ؟ قال لا صلاته تامة ولكن أفضل ذلك أن ينصت ) اهـ
وفي كتاب الفقه على المذاهب الأربعة
الحنفية – قالوا: إذا تكلم المصلي بتسبيح أو تهليل، أو أثنى على الله تعالى عند ذكره كأن قال: جل جلاله؛ أو صلى على النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره، أو قال: صدق الله العظيم، عند فراغ القارئ من القراءة، أو قال مثل قول المؤذن، ونحو ذلك، فإن قصد به بالجواب عن أمر من الأمور بطلت صلاته؛ أما إذا قصد مجرد الثناء والذكر أو التلاوة، فإن صلاته لا تبطل"اهـ
الشافعية – قالوا: إذا قال: صدق الله العظيم عند سماع ءاية أو قال: لا حول ولا قوة إلا بالله عند سماع خبر سوء، فإن صلاته لا تبطل به مطلقا، إذ ليس فيه سوى الثناء على الله تعالى ولكنه يقطع موالاة القراءة فيستأنفها."اهـ
فائدتان جليلتان:
1- فقد ورد في الحديث المرفوع ما يؤيد قول "صدق الله العظيم" فقد روى البيهقي في شعب الإيمان وضعفه: (من قرأ القرءان وحمد الرب وصلى على النبي واستغفر ربه فقد طلب الخير من مكانه). الحديث ضعيف لضعف راويه أبان بن أبي عياش، أبان هذا كان رجلا صالحا لكن ابتلي بسوء الحفظ، وأغلب العلماء على ترك الرواية عنه لأجل سوء حفظه ولم يكن يتعمد الكذب كما قال ابن أبي حاتم عن أبيه في الجرح والتعديل وغيره، إلا أن أبا داود قد روى له في المتابعات أي مقرونا برواية غيره مستشهدا بها، وهذا يدل على ما قلنا إنه متى وردت رواية تشهد لروايته فروايته مقبولة لزوال خشية عدم الضبط، هذا مقرر في كتب علوم الحديث، وهذا ما يدل عليه تصرف الإمام الحافظ شمس الدين بن الجزري فقد رواه في كتابه المشهور "النشر في القراءات العشر" وقال: (والحديث له شواهد وسيأتي ءاخر الفصل في حديث علي ابن الحسين رضي الله عنهما ما يشهد له).انتهى، فالحديث له شواهد عدة لا شاهد واحد وهذا يجعله أقوى احتجاجا.
فعبارة الإمام ابن الجزري صناعة تدل على حسن الحديث أي أنه حسن لغيره باعتبار الشواهد وهذا صنيع الإمام أبي داود صاحب السنن مع أبان.
أما الشاهد الذي عناه الإمام ابن الجزري فهو أيضا ما رواه البيهقي في شعب الإيمان وفيه: (الله أحكم وأكرم وأجل وأعظم مما يشركون والحمد لله بل أكثرهم لا يعملون، صدق الله وبلغت رسله وأنا على ذلكم من الشاهدين)
قال الإمام البيهقي: إسناده ضعيف، وقال: وقد يتساهل أهل الحديث في قبول ما ورد من الدعوات وفضائل الأعمال ما لم يكن في رواته من يعرف بوضع الحديث والكذب في الرواية.انتهى
قلنا: وهذه القاعدة عليها عمل أئمة الإسلام ومن الأجلاء الذين نصوا على هذه القاعدة الإمام أحمد بن حنبل قال: إذا روينا في الحلال والحرام تشددنا وإذا روينا في غيره تساهلنا.اهـ
2- استعمال النبي عليه الصلاة والسلام لهذه الكلمة على أنها ذكر وتصديق وثناء في وقائع مختلفة وأحوال شتى دليل على الجواز، فعن بريدة قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنـزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال: "صدق الله ورسوله" (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي فرفعتهما) رواه أصحاب السنن وابن حبان وقال الترمذي حسن.
وما رواه النسائي عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (من صام ثلاثة أيام من الشهر فليصم الدهر كله ثم قال: "صدق الله ورسوله" في كتابه (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها).
وقول سيدنا عبد الله بن مسعود:
روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي عقرب قال غدوت إلى ابن مسعود ذات غداة في رمضان فوجدته فوق بيت جالسا فسمعنا صوته وهو يقول: (صدق الله وبلغ رسوله) فقلنا سمعناك تقول صدق الله وبلغ رسوله فقال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ليلة القدر في النصف من السبع الأواخر من رمضان تطلع الشمس غداتئذ صافية ليس لها شعاع فنظرت إليها فوجدتها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) ورواه البزار في مسنده بنحوه.
وقول سيدنا علي عليه السلام في خبر الخارجين الذين يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، بعدما ناشدهم الله أنه حذرهم منه فقالوا نعم، فقال: "صدق الله ورسوله"
وفي سنن النسائي أيضا عن مسروق قال سمعت علي بن أبي طالب يقول في شيء "صدق الله ورسوله"، قلت: هذا شىء سمعته؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (الحرب خدعة).
وقد وردت عن سيدنا أبي هريرة وعن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهم كما في طرح التثريب للحافظ العراقي أن ابن عباس سأل يهوديا قال: فأين موتك يا يهودي؟ قال: لا أدري، فقال ابن عباس: "صدق الله" (وما تدري نفس بأي أرض تموت).
فالمستفاد من هذا كما تقدم استعمال هذه العبارة تصديقا وثناء على الله ورسوله في أحوال مختلفة هي موضع التصديق والثناء.




مسلسل جن .. المجتمع المسلم كما يراد له أن يكون

2019-06-14

ناقش العديد من علماء الاجتماع دور الإعلام في صياغة الواقع، ومنهم غي ديبور في أطروحته “المجتمع المشهد” والتي تتلخص في أنّ الواقع لم يعد هو الذي يشكل علاقة الأفراد بما حولهم، بل أصبح المشهد ينازع الواقع هذه المكانة، حتى أصبح المشهد هو المرجع الذي يحدد الواقع ويرسمه وليس العكس.
أما جان بودريار فقدم مفهوم “فوق الواقع” (hyper reality) وهو عدم القدرة على تمييز الواقع من محاكاة الواقع، وذلك بصنع (Simulacrum) أي نسخة مزيفة لا أصل لها. وتظهر “صناعة الواقع” جليّة في مسلسل “جن”.
جِنّ
جِنّ هو مسلسل ناطق بالعربية من إنتاج شبكة نيتفليكس (Netflix) الأمريكية، ويتكون من خمس حلقات عُرضت بتاريخ 13 حزيران/يونيو 2019. وتدور أحداث المسلسل حول مجموعة طلاب بالمرحلة الثانوية يذهبون في رحلة مدرسية إلى البتراء فيموت أحدهم ويُشتبه بأن سبب موته أمر خارق للطبيعة “الجن”.
والمسلسل لا يختلف بتاتًا عن أي مسلسل أمريكي بالشكل والمضمون، فاللغة هي الاختلاف الوحيد. فرغم أن المسلسل صوِّر في الأردن ذي الطبيعة المحافظة نسبيًا، إلا أنه كان مليئًا بأكثر الكلمات بذاءة وسوقية وانحطاطًا، عدا عن المخدرات والسُكر والقبلات والملابس القصيرة.
والحجاب لم يظهر سوى على رأس إحدى النساء من البادية، ولم ينسَ المخرج تصوير قطيع الجِمال الحاضر دائمًا عند عرض أي من مظاهر الإسلام. وأما ما يتعلق بالجن فهو “تفاهات” و”خرافات”.
لا غرابة في ذلك؛ فطاقم التمثيل هم ممن دفعوا “ضريبة هوليود” أو يتوقون لدفعها، لذا فلن يمانعوا تمثيل مسلسل ناطق بالعربية ذي رؤية أمريكية، حتى أن بعض العبارات والتعابير مترجمة للعربية بشكلٍ حرفي ركيك.
ورغم رداءة أداء الممثلين، إلا أن ضخامة الميزانية التي رُصدت لإنتاج المسلسل تظهر بشكلٍ جلي من خلال تقنيات التصوير والمؤثرات البصرية عالية الاحترافية والتي تتجاوز تلك الموجودة في المسلسلات الأمريكية، وتصل لمستوى الأفلام الهوليودية. وأيًا كان المبلغ فيبدو أن نيتفليكس لن تمانع في دفعه مقابل عرض وترويج هذه الصورة المشوهة المؤمركة للمجتمع العربي المسلم؛ كما يراد له أن يكون.
رمز ماسوني مرسوم على ملابس إحدى الشخصيات
ما بين السطور
العرض الفج والتشويه الصارخ لم يمنع صناع المسلسل من بث بعض الرسائل غير المباشرة؛ فرغم أن أبطال القصة هم طلبة مدرسة، إلا الحصة الدراسية الوحيدة التي عُرضت كانت حصة الأحياء أثناء الحديث عن نظرية التطور. كما كانت بطلة المسلسل تستمع لفرقة غناء مغمورة، وما عرض من كلمات الأغنية كان: “طرق الجنة ع قد البشر” في رسالة إنسانوية (هيومانية) بأن الجميع يدخل الجنة. كما لم يخلُ المسلسل من الرموز الماسونية.
ماذا بعد؟
إن إثارة الجدل هي إحدى أنجع الطرق في الترويج وزيادة الانتشار ورفع نسب المشاهدات، لذا فرغم تدني تقييم المسلسل إلا أن الضجة التي أثارها ستعمل بالنهاية على إنجاحه، ليُنتج منه جزء ثانٍ وثالث.
وبنظرة أشمل، يبدو أن الآلة الإعلامية الأمريكية لم تكتفِ بالأثر الذي تُحدثه بشكل غير مباشر من خلال المسلسلات والأفلام الأمريكية والمحتوى العربي المتأثر بها، فللمرة الأولى نجد إشرافًا أمريكيًا مباشرًا على إنتاج محتوى “ترفيهي” عربي، والقادم أسوء!
فهذا المسلسل بما فيه من قذارة وانحطاط موجه لمن تزيد أعمارهم عن 16 سنة! وعند أخذ بالاعتبار جودة الصورة والمؤثرات البصرية، فبالتأكيد سيكون هذا المسلسل وأمثاله أشد جذبًا من غيرهم، خصوصًا بما يحتويه من مزيج من القيم الأمريكية واللغة العربية فيجذبون متابعي المحتوى العربي والأجنبي في آن معًا.
نيتفليكس في أولى تجاربها لإنتاج محتوى ناطق بالعربية جعلت من مجتمع مسلم محافظ مجتمعًا منحلًا كانت فيه “الحمد لله” عبارةً دخيلةً غريبةً على أذن السامع. لذا فلا عجب أن تحتوي التجارب القادمة على الشذوذ الجنسي أو الشبهات الطاعنة بالدين. أضف لذلك أن شيوع هذا المحتوى سيُطبِّع الأفراد مع الشكل الأمريكي للمجتمع، وسيكون على الشركات العربية تقديم محتوى مشابه كي تستطيع المنافسة، لتكون النتيجة مجتمعًا أمريكيًا ناطقًا بالعربية!

الأربعاء، 26 يونيو 2019

طاعة ولي الأمر لا تعني اتباعه في الباطل..

  

 أثارت مواقف وفتاوى بعض علماء الدين والهيئات الشرعية في السعودية ومصر حول الحصار على قطر ومحاولة إسباغ الشرعية عليه الكثير من الجدل، كيف يمكن تفسير هذه المواقف؟ وهل يمكن تصنيفها في خانة الدين أم السياسة، لا سيما وأن الكثيرين من هؤلاء الأفراد والمؤسسات كانت لهم مكانتهم الدينية والاعتبارية؟
لقد كتبت وقلت مرارا إن العالم إذا فقد استقلاليته العلمية فقد أصيب في مقتل. والآن المؤسسات الدينية التي ذكرتها كلها تابعة وخاضعة ومؤتـمِرةٌ بأمر حكامها. لقد بات معروفا أن عددا من مؤسسات العلماء مؤممة ومملوكة، تماما مثل الشركات والمرافق الحكومية. ولذلك تجد الشباب والمثقفين وعامة الناس غير عابئين بما تقوله هذه الهيئات وهؤلاء العلماء؛ لأنهم أصبحوا مجرد ببغاوات يرددون ما يقوله الحاكم ووسائل إعلامه. فهم ينطقون بالسياسة ومتطلباتها، لا بالعلم ومقتضياته.
المؤسسات والهيئات الدينية والمشايخ يبدو أنهم منقسمون بشدة تجاه الأحداث الحاصلة سواء في الأزمة الخليجيةالراهنة أو قبلها وفي محطات كثيرة، ترى كيف يؤثر ذلك على جمهور المسلمين؟
نعم ينقسم العلماء الرسميون المؤمَّـمون أولا بانقسام دولهم وأنظمتهم الحاكمة؛ لأن العالم الرسمي أصبح بمثابة الناطق الديني لدولته ولرئيس دولته. ثم ينقسم العلماء من جهة أخرى ما بين علماء مرسَّمين وعلماء مستقلين. والجمهور عادة ينصت للعلماء المستقلين، ولا يأبه لأبواق السلطة الحاكمة. وما زلت أذكر أحد كبار العلماء المستقلين بمدينة طنجة، قبل ثلاثين عاما أو تزيد، صعد منبر الجمعة وقال للناس: هذه خطبة جاءتنا من وزارة الأوقاف، وبما أن ما فيها هو نفسه ما تسمعونه في نشرات الأخبار في الإذاعة والتلفزيون، فأنا لن أقرأها عليكم... ثم أعادها إلى جيبه وألقى خطبته.
 كيف يمكن حل معضلة ارتباط الفقيه بالسياسي بقطع النظر عن الجهة التي يقف معها؟
حين تبادر الدولة إلى تكوين علمائها ومؤسساتها العلمائية الطيعة، وتستعمل لذلك كل إمكاناتها ووسائلها المعروفة، فهذا واقع لا يمكن منعه أو رفعه. وهذا مثلما تنشئ الأنظمة الحاكمة إعلاميين موالين، ومثقفين موالين، فإنها تكوِّن أيضا علماء ومؤسسات دينية موالية وتابعة. أما الحل فهو أن يوجَد مقابل هؤلاء الموالين التابعين، علماء مستقلون ومفكرون مستقلون ومؤسسات إعلامية مستقلة.
 الفتاوى والمواقف الدينية القائمة على قاعدة "طاعة أولي الأمر، المصلحة العليا للمسلمين" تعود بنا إلى الجدل الذي دار بأوقات سابقة حول "الطاعة الواجبة، وعدم الخروج عن الحاكم" ألا تستخدم هذه القاعدة الفقهية المختلف عليها في تبرير و"شرعنة" قرارات سياسية بحتة؟
طاعة ولي الأمر الشرعي لا تعني اتباعه في الحق والباطل، وفي الحديث الشريف (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة في المعروف). العالم لا بد أن يقول كلمة الحق ويشهد بالحق، والساكت عن الحق شيطان أخرس، وأسوأ منه الشيطان الناطق بالباطل. الحصار على قطر بغيٌ وعدوان لا توجد فيه ذرة حق، فيجب إنكاره، ويجب إبطاله وتمزيقه. ومن سكت في هذا الموطن فقد خان الأمانة، إلا المضطر المقهور بما لا يطيقه، فهذا قد يعذر إذا سكت، ولكن لا عذر لمن أيد الباطل ونصر العدوان (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).
 أيدت مؤسسة الأزهر الحصار على قطر واعتبرت أنه جاء لحماية الأمة، ويتم تسخيرها منذ سنوات لخدمة النظام، وهو ما كان يحصل بالحقيقة على مر العصور. كيف السبيل لإخراج هذه المؤسسة العريقة من التوظيف السياسي وإعادتها لدورها الأساسي؟
ما هو أعم وأهم هو: كيف السبيل لإخراج الشعب المصري والدولة المصرية من حالة الاختطاف والاغتصاب بقوة السلاح؟ الأزهر هو من جملة المؤسسات المختطفة المغتصبة. ولن يتحرر الأزهر إلا بتحرير الشعب المصري والدولة المصرية. لكن العلماء بأفرادهم يتحملون مسؤولياتهم كل بحسبه ولكل ذمته مع ربه.
 كيف لعالم الدين أو الفقيه أو الداعية وخاصة المفتي أن يكون -من خلال مواقفه وآرائه- بعيدا عن المناكفات السياسية والتوظيفات السياسية؟ أم أن طبائع العصر ومتغيراته وأسئلته الراهنة تجعله محل جدل مثل رجل السياسة أو الثقافة؟
ميزة العالِم الحق هي أنه يتكلم بالعلم ويتبع الدليل ويقول الحق. وقد ألقيتُ مرة محاضرة بإحدى الجامعات، وأثناء المناقشة قال لي أحد المتدخلين: لقد قلتَ كذا وكذا، والسلطات العليا في البلاد تقول كذا وكذا! فقلت له: نحن الآن في حرم الجامعة، والسلطة العليا هنا هي العلم وهي الحجة العلمية.
أنا أرى أنه لا حرج على العالِم أن يدلي برأيه حتى في القضايا السياسية الخلافية، متى ما ظهر له رأي راجح شرعا. كما لا حرج عليه أن يسكت إذا لم يظهر له صواب من خطأ، ولم يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود. ولكن ما لا يجوز السكوت فيه هو ما كان الصواب فيه بينا، وكان الخطأ أو الظلم فيه بينا.
 الهيئات والمؤسسات الدينية والعلماء والفقهاء الذين أيدوا وشرعنوا حصار قطر، وقبلهم مؤسسات وعلماء تورطوا في حبائل أزمات وأحداث أخرى، هل يمكنهم استعادة مكانتهم أو إقناع جمهور المسلمين في أي قضية مستقبلا؟
الحقيقة أن هؤلاء العلماء التابعين للسياسة والسياسيين يفقدون مع الوقت كل شيء سوى النقود التي يحصلون عليها مقابل خدماتهم الدينية السياسية. بل كثيرا ما تستنفرهم وتعول عليهم أنظمتهم وحكوماتهم وأولياء نعمتهم في بعض القضايا، فإذا بالناس معرضون عنهم لا يقبلون منهم صرفا ولا عدلا.
ولكن من تاب وأصلح وصحح فالباب دائما مفتوح، سواء عند الله تعالى، أو عند جمهور المسلمين.

الجامية المدخلية.. حيثما مال النظام السعودي تميل

 

فجرت الأزمة الخليجية منذ اندلاعها في يونيو/حزيران الماضي موجة من النقد اللاذع تجاه المرجعيات الدينية التي تماهى خطابها مع الأنظمة السياسية، ودارت فتاواها مع القرار الحكومي، وأعادت تكييف نفسها وفق ما تمليه القرارات الحكومية التي تصاغ بعيدا عن مشورة العلماء هيئات وأفرادا.
 
ويعتقد مراقبون للحالة الدينية في المملكة العربية السعودية أن هذه الفتاوى والآراء التي تتكئ على نصوص شرعية أحيانا وعلى اجتهادات فقهية أحيانا أخرى، دمجت بين تيارات كانت إلى وقت قريب تحرص على التمايز، وأممت الساحة الفقهية في أحيان كثيرة لصالح الفكر الجامي المدخلي.. فمن هم المداخلة الجاميون؟
 
التسمية والنشأة
تنتسب الجامية المدخلية إلى شيخين هما ربيع بن هادي المدخلي (ولد بالسعودية 1932)، ومحمد أمان الجامي(1931- 1996) الإثيوبي الأصل.
 
نشأت الحركة المدخلية إبان حرب الخليج الثانية بداية التسعينيات، وكانت في صميمها ردة فعل على رفض مكونات التيار الإسلامي فكرة الاستعانة بالولايات المتحدة لإخراج القوات العراقية من الكويت، انطلاقا من فتاوى ترفض "الاستعانة بغير المسلم لقتال المسلم". وهي الولادة التي عبر عنها ربيع المدخلي بكتابه "صد عدوان الملحدين وحكم الاستعانة بغير المسلمين".
 
انتشرت الحركة في كل ربوع السعودية بدعم من الأسرة الحاكمة التي رأت فيها معادلا موضوعيا للتيار الإسلامي المتنامي، والذي يرفض اجتناب الخوض في السياسة، التي ترغب السلطات السعودية أن تظل بعيدا عن التداول في الساحات العامة بالجامعات والمساجد.
 
وقد وجدت السلطات السعودية في التيار الجامي ضالتها، فأصبح يقارع كل طروحات التيارات الإسلامية، الخاصة بالشأن السياسي، بمنطق يتخذ من النصوص الشرعية منطلقا له.
وقد مكنت الرعاية الرسمية المداخلة أو "سلفيي الولاء" كما يسمون أنفسهم أحيانا من امتلاك امتيازات داخل المؤسسات التعليمية وفي المساجد والمؤسسات المعنية بالشؤون الدينية، فحلوا في الأماكن التي أقيل منها أو غادرها شيوخ محسوبون على التيارات الإسلامية الأخرى خاصة ذات التوجهات الإخوانية والسرورية.
وهو ما مكن المداخلة من إحكام القبضة على الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، التي تولى عمادة كلية الحديث بها الشيخ الجامي نفسه حتى وفاته، وكان المدخلي أحد مدرسيها.
وقد كان بإمكانهم إيجاد استثناءات في النظام التعليمي الذي يمنع المقيمين من دخول الجامعات بالسعودية، والذي ما زال معمولا به إلى اليوم، كما جرى مع القيادي في التيار أسامة عطايا ذي الأصل الفلسطيني الذي درس بالجامعة بوساطة من مشايخ المداخلة، وهو مؤلف كتاب "صد عدوان الصهاينة المعتدين على آل سعود أسرة الجهاد والمجاهدين ".
رفض السياسة
أقامت الحركة المدخلية دعوتها على أصلين، كما يرى مؤلف كتاب "زمن الصحوة" ستيفان لاكروا؛ أولهما الطاعة الكاملة لـ"ولي الأمر" مع التوقف عند ظواهر النصوص التي تحض على الطاعة. دون أن تعطي فرصة لأي تعبير عن الرأي المخالف لهوى السلطان، لأنه يعد في عرف المدخلي "نوعا من الخروج المثير للفتن".
وينص المدخلي في شرحه لأصول السنة على أن المتغلب تجب طاعته حقنا للدماء، فإذا تغلب آخر وجبت طاعة المتغلب الجديد.
وتنجر هذه الطاعة على الولاة والوزراء والمفتين، فكل هؤلاء تجب طاعتهم، حتى مع تيقن الظلم أو الحيف منهم، لأن طاعتهم من طاعة من ولاهم أو كلفهم بالفتيا، ومن هذا المنطلق ترفض المدخلية أي معارضة لبيانات هيئة كبار العلماء في السعودية، كما ترفض الاعتراض على أقوال المفتي العام للمملكة.
وتؤاخذ المدخلية على الحركات الإسلامية خوضها في السياسة وترى أن ذلك يتضمن تحزبا "مخالفا لأمر الإسلام بتوحيد كلمة المسلمين تحت إمام واحد"، كما تعد أي تعبير عن الرأي المخالف للسلطة، خروجا على الشرع وإثارة للفتنة، حتى ولو عده غيرها من العلماء نوعا من إنكار المنكر، ونصحا لولي الأمر.
تبديع المخالفين
الأصل الثاني الذي اعتمدته المدخلية هو الطعن في المخالفين وتبديعهم، فالشيخ ربيع المدخلي يصرح بأن "الإخوان المسلمين لم يتركوا أصلا من أصول الإسلام إلا نقضوه". كما يرى أغلب ممارساتهم الدعوية والسياسية بدعة في الدين منكرة، تجب محاربتها، والوقوف في وجهها.
ومن هنا يأتي رفع التقارير الأمنية الكيدية عن التيارات الإسلامية التي يعد أشهرها التقرير المعنون بـ: "التنظيم السري العالمي بين التخطيط والتطبيق في المملكة العربية السعودية" الذي رفعه المداخلة منتصف التسعينيات من القرن الماضي إلى السلطات السعودية، وفصلوا فيه ما يقولون إنه ممارسات للإخوان المسلمين مرتبطة بخطة عالمية لتغيير النظام الحاكم، ويوصي التقرير بأن "السلطات السعودية لا بد أن تتحرك بأسرع وقت ممكن، لوضع حد لأنشطة المنظمة المذكورة".
وقد أعقبت هذا التقرير حملات شنتها السلطات السعودية على الدعاة والعلماء المحسوبين على تيار الصحوة الإسلامية في المملكة، ثم زجت بكثير منهم في السجون، وحظرت أنشطة كثير منهم.
ورغم اطراد مذهب طاعة ولي الأمر في ممارسات المداخلة على امتداد تاريخهم، إلا أن هذا الاطراد اختل عندما حكمت بعض دول المنطقة حكومات منتخبة ليست حليفة للسعودية؛ كما حدث في مصر وليبيا اللتين وقف فيهما التيار المدخلي إلى جانب انقلابي خليفة حفتر وعبد الفتاح السيسي. وكذا في اليمن الذي تحالف فيها المداخلة مع القوات الإماراتية ضد الرئيس عبد ربه منصور هادي.
سيطر الفكر المدخلي على أداء أبرز العلماء القريبين من السلطة السعودية، حتى أصبحت الفتاوى التي تجيز لـ"لولي الأمر مصادرة الحريات، ومحالفة أعداء الأمة" هي الطابع العام للخطاب الفقهي، حتى لدى غير المحسوبين على المداخلة.

قائمة فركوس السوداء.. هؤلاء ليسوا من أهل السنة والجماعة - من لايطيعهم يخرجونهم من الملة والفرقة الناجية !!

قائمة فركوس السوداء.. هؤلاء ليسوا من أهل السنة والجماعة 




بمجرد كلمة مكتوبة لم تكلفه كبير عناء، أخرج الشيخ الجزائري السلفي محمد علي فركوس أقطابا وتيارات إسلامية عديدة من عباءة أهل السنة والجماعة، مثيرا بذلك أزمة فقهية وفكرية واسعة في الجزائر.
عباءة الفرقة الناجية ضاقت وتقلصت كثيرا بعد أن تحولت مع فركوس إلى مقاسات محددة وفق بعض منتقديه الذين رأوا فيما قام به تجنيا على التصورات الإسلامية المتوارثة منذ العصور الإسلامية الأولى.
وتمثل فرقة أهل السنة والجماعة وفق الفهم الإسلامي السائد لدى عموم المسلمين "الفرقة الناجية" والمجموعة الأكثر التزاما بالتصور الإسلامي الصحيح.
وفاجأ فركوس في "كلمته الشهرية" التي تبث على موقعه الإلكتروني الجزائريين بإقصاء مجموعات إسلامية كثيرة وذات حضور وانتشار قديما وحديثا في أرجاء العالم الإسلامي؛ من نطاق أهل السنة والجماعة.
القائمة السوداء
واستفتح الشيخ السلفي قائمته الطويلة بطوائف إسلامية ذات حضور كبير منذ قرون عديدة، من بينها "الشيعة الروافض والمُرجِئة والخوارج والصُّوفية والجهمية والمعتزلة والأشاعرة"، ثم طالت القائمة أصحاب "المناهج الدعوية المنحرفة" مثل جماعتي "الدعوة والتبليغ" و"الإخوان" وغيرهما "من الحركات التنظيمية الدعوية".
وطالت قائمة الخارجين من السنة والجماعة من وصفهم فركوس بالحركات الثورية الجهادية مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والقاعدة، أو مناهج الاتجاهات العقلانية والفكرية الحديثة، المُنتسِبة إلى الإسلام.
واختار الشيخ أن يضيف إلى قائمته أيضا دعاة الوطنية والديمقراطية الذين يناضلون في سبيل إقامة مجتمعات ديمقراطية حرة، فهم بحسبه ليسوا من أهل السنة والجماعة وبالتالي ليسوا من الفرقة الناجية وفق التصور الذي ينطلق منه الرجل في فهمه ورؤيته الإسلامية.
وبحسب مقتضيات الفتوى الجديدة للشيخ فإن ملايين العرب الذين امتلأت بهم سوح النضال وميادين الثورة خلال ثورات الربيع العربي ليسوا أيضا من أهل السنة، فهم ثاروا على الحكام "بالمظاهرات والاعتصامات والإضرابات باسم التصحيح والتغيير وفق ما تمليه الحرياتُ الديمقراطية وما ترسمه مخططات أعداء الملة والدين".
ولم يستثن فركوس الذين لم يتمكنوا من الصبر على "ظلم" الحكام "وجورهم"، تماما مثل الخارجين عليهم المكفرين لهم والتاركين لمناصحتهم، فكلهم خارج دائرة السنة والجماعة.
وخارج هذه العباءة أيضا بحسب تفصيل الشيخ فركوس؛ من يرفع شعارا أو راية أو دعوة غير الإسلام والسنَّة بالانتماء إليها أو التعصُّب لها كالعلمانية والاشتراكية والليبرالية والرأسمالية، والقَبَلية والوطنية والقومية، والديمقراطية والحزبية، والحداثة وغيرها.
أوراق اعتماد
تلقى الشيخ فركوس جزءا من تعليمه الجامعي في الجامعات السعودية، ومع أنه عاد مطلع ثمانينيات القرن الماضي إلى بلاده فإنه انخرط لاحقا فيما يعرف بالتيار المدخلي السعودي، وفق كثير من المتابعين لفكر الرجل وأطروحاته.
ويعرف التيار المدخلي بولائه المطلق للسلطة الحاكمة والطاعة الكاملة للحكام والدفاع عن مواقفهم وسياساتهم مهما كانت، والهجوم المستمر على المخالفين لهم، وتستخدمه السلطات السعودية على نطاق واسع لمقارعة التيارات الإسلامية.
ومع أنه لا يعرف على وجه التحديد لمَ لجأ الشيخ "المدخلي" إلى نشر فتواه المثيرة في هذا التوقيت بالذات، فإن رئيس منتدى الوسطية والاعتدال عبد الرحمن سعيدي أرجع ذلك -في حوار مع صحيفة "الشروق" إلى تداعيات التطورات الجارية في السعودية، التي امتدت بحسبه إلى الجزائر "في إطار البحث عن جهة تمثل التيار المدخلي"، و"بما أن الشيخ فركوس يعيش خلافا حادا مع معارضيه داخل الجماعة (المداخلة) في السعودية، حاول تقديم نفسه على أنه الجدير بتمثيل التيار السلفي وتزعمه في الجزائر".
وتشير وسائل إعلام جزائرية إلى أنه سعى ليكون الزعيم الأبرز لهذا التيار في الجزائر بحكم صلاته القوية مع زعمائه ومباهاته الدائمة بالعلاقة بشيخه الأكبر ربيع المدخلي، ولكنه استقال فجأة العام الماضي من مجمع دار الفضيلة المؤطر من قبل هذا التيار وعلل ذلك بذرائع صحية، بيد أن صحفا تحدثت أن الخلافات بين أقطاب هذا التيار على مستوى الجزائر هي التي أجبرت الشيخ على الاستقالة، خصوصا أن قادة المداخلة في السعودية أبدوا "انحيازا" ما إلى خصومه، وهو ما جعل بعض المراقبين يقرؤون في الفتوى الجديدة محاولة من الشيخ للتقرب أكثر من قلوب القادة وتقديم أوراق اعتماد لهم في ظل انحيازهم إلى خصومه.
رفض واستنكار
من جهتها رفضت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين فتوى فركوس واتهمته بإثارة الفتنة والانقسام بين المسلمين، واعتبرت أن ما ذهب إليه منكر لا يجوز السكوت عليه.
وجاء في بيان للجمعية بحسب صحيفة "الخبر" الجزائرية "نقرأ هذه الأيام مقالة لبعضهم ممن يزعم أنه من أهل السنة دون غيره، يثير الفتنة، وتضليل المسلمين وتبديعهم، وحشرهم في أهل الأهواء والبدع.. يرجع إلى افتراق المسلمين في التاريخ البعيد، ويحيي شعارات مصطنعة، فهل يوجد اصطلاح أهل السنة والجماعة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؟".
ونسبت وسائل إعلام جزائرية إلى وزير الشؤون الدينية محمد عيسى تهديده بتطبيق القانون على من وصفهم بأصحاب الأفكار المنحرفة في رده على فتوى محمد فركوس التي أقصت عدة تيارات من "أهل السنة والجماعة".
إلى سنوات الجمر
أحدثت فتوى الشيخ السلفي هزة عميقة في الساحة الجزائرية طالت شظاياها ووصلت أصداؤها إلى ساحات وميادين أخرى تفاعلت مع هذه الفتوى المثيرة حقا؛ باعتبارها تخرج غالبية المسلمين من دائرة السنة والجماعة وتطعن في أهم المرتكزات العقدية والدينية للكثير منهم.
واعتبرها أحد كتاب صحيفة "الشروق" الجزائرية عودة بالبلاد إلى "ذكريات عشرية التسعينيات التي تبقى أحلك فترة عاشتها البلاد منذ الاستقلال".
ومع أن نحو عقدين من الزمن مرا حتى الآن على انخراط الجزائر على المستوى الرسمي فيما عرف بقانون السلم والوئام المدني، فإن أجواء تلك السنوات وما صاحبها من مجازر ومذابح اتكأت -في جزء منها- على فتاوى التكفير والتبديع والتفسيق، تبقى معلقة بأعمدة الدم وستائر التفجير في الذهنية الجزائرية، وتظل مثار قلق دائم.

الثلاثاء، 25 يونيو 2019

السؤال: ما حكم صيام الأيام الست من شهر شوال؟ وهل يشترط التتابع في صوم هذه الأيام؟


الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

حكم صيام الأيام الست من شهر شوال؟
السؤال: ما حكم صيام الأيام الست من شهر شوال؟ وهل يشترط التتابع في صوم هذه الأيام؟
الفتوى
صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان سنة مؤكدة، وجاء في الترغيب فيها أن من صامها بعد رمضان فكأنما صام السنة كلها، وعليه فمن واظب على ذلك كل سنة فكأنما صام عمره كله. وشهر شوال كله محل لصيام هذه الأيام، فتحصل السنة بصيام أي ستة من شهر شوال من أوله، أو وسطه، أو آخره فيما عدا يوم العيد، وليس شرطا أن تكون الأيام متتالية...
يقول فضيلة العلامة القرضاوي:
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
حث النبي صلى الله عليه وسلم على إتباع صيام رمضان، بست من شوال، فقد روى عنه أبو أيوب الأنصاري: "من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال فكأنما صام الدهر كله" (رواه مسلم في الصيام -1164، وأبو داود -2433، والترمذي -759 وابن ماجة -1716)
والمراد بالدهر هنا: السَّنَة، أي كأنما صام السنة كلها، فإذا حافظ على صيام ذلك طوال السنين، فكأنما صام الدهر. وقد جاء تفسير ذلك في حديث آخر يقول: "صيام شهر بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين، فذلك صيام العام".
وهل المطلوب في هذه الأيام إلحاقها برمضان مباشرة، بحيث يبدأ صومها من اليوم التالي للعيد، كما يدل عليه لفظ (أتبعه)، أم يكفي أن تكون في شوال، وشوال كله تابع لرمضان؟
هذا ما اختلف فيه الفقهاء، ولكني أميل إلى الرأي الثاني. كما أنه ليس من اللازم أن يصومها متتابعة، فلو فرقها فلا حرج عليه إن شاء الله.
وانفرد الإمام مالك رضي الله عنه، بالقول بكراهة صيام هذه الأيام الستة خشية أن يعتقد الناس أنها جزء من رمضان، ويلزموا بها أنفسهم، وينكروا على من تركها، فكرهها من باب سد الذرائع (ذكر الإمام الشاطبي أن بعض العجم وقعوا في مثل ذلك حيث تركوا كل مراسم رمضان ومظاهره من إضاءة المآذن ومرور المسحرين على الناس وغير ذلك إلى اليوم السابع من شوال، ولكن مثل هذا الخرف لا ترد به السنة، ويجب أن يُعلَّم الجاهل.
وذكر مالك في الموطأ: أنه ما رأى أحدًا من أهل العلم يصومها، قال الشوكاني: ولا يخفى أن الناس إذا تركوا العمل بسنة لم يكن تركهم دليلاً ترد به السنة. أهـ يؤكد ذلك أن ابن عباس ذكر أن في القرآن آيات ترك الناس العمل بها، مثل آية: "وإذا حضر القسمة أولو القربى" وغيرها)، ولكن إذا صح الحديث بصومها فلا مجال للرأي هنا، وخصوصًا إذا رجحنا عدم إلصاقها برمضان مباشرة ولعل السر في استحباب صيام هذه الأيام من شوال أن يظل المسلم موصول الحبال بطاعة ربه، فلاً تفتر عزيمته بعد رمضان .
والله أعلم.