السبت، 24 أغسطس 2019

نصيحة الشيخ الامام محمد الغزالي الى ادعياء السلفية


  نصيحة الشيخ الامام محمد الغزالي الى ادعياء السلفية
مقال للشيخ الداعية محمد الغزالي بعنوان تهافت الفكر التكفيرى وسقوط التشدد السلفى
نتيجة بحث الصور عن محمد الغزالي
تزايدت مؤخراً الصيحات التى تنادى بضرورة العودة إلى القرآن الكريم أو استدعاء القرآن إلى حياتنا ، وقولنا " تزايدت الصيحات " يعنى أننا نقر أن القرآن فى مرحلة سابقة كان مغيباً عن حياتنا ، ممنوع عن ممارسة دوره فى صياغة الإنسان وتوجيه الحياة ، وقد نختلف على هذه المقولة بقدر ما نختلف على الطريقة التى يمكن من خلالها استدعاء القرآن الكريم وتمكينه من ممارسة دوره الذى أنزله الله من أجله .
هل يتم ذلك كما يعتقد البعض عبر ضبط الشكل من أحكام التجويد وإشاعة مدارس تعليم أصول التلاوة وبرامج التحفيظ فى الإذاعة والتليفزيون والاهتمام بتراث الأقدمين وما تركه السلف الصالح فى مجال التفسير وعلوم القرآن الكريم ؟ .
أم أن الحل يكمن فى أن نقفز على التراث ونعطيه ظهورنا ونتجه إلى القرآن الكريم مباشرة بلا حاجة إلى توسط شئ فى ذلك ، فالقرآن خاطب البشر جميعاً ونحن بشر لا فرق بيننا وبين أسلافنا الذين أصبح فهمهم حجة علينا .
يقول الشيخ الغزالى:"موقف المسلمين من القرآن الذى شرفوا به يثير الدهشة،ومن عدة قرون ودعوة القرآن مجمدة،ورسالة الإسلام كنهر جف مجراه أو بريق خمد سناه ".
ففى الوقت الذى يبقى فيه حكم الحلال والحرام ثابتاً لا تناله يد التبديل والتغيير ، هناك فسحة فى مجال التطبيق وتنزيل الحكم على الواقع ، ويضرب الشيخ الغزالى لذلك مثلاً فيقول : "لابد من الجزم أن الخمر رذيلة وشربها مبعد عن طبيعة الإسلام وطبيعة الطاعة لله ، لكن فى معاملتى للشاربين لازم أن أكون هيناً ليناً ، فلا أقسو .. أتدرج هنا فى تطبيق الأحكام ، كما تدرجت فى الأول ، أنا ممكن أن أمشى فى العقوبات هنا بالطريقة التى مشى بها الأولون ، أخوف أولاً وأشدد أخيراً " .
فإن العقل المسلم وحتى بدء سبعينيات القرن الماضى كان يستطيع تحمل الحوار ويتقبل شيئاً فشيئاً التجديد ، ولكن التشويه الدائم للإصلاح أفضى بالوعى المسلم المعاصر لعدم تقبل أى إصلاح فى الفكر الدينى ولو كان هو الأقرب للحق والنص والعقل ، بل لا يستطيع تحمل ما كان مطروحاً من أئمة الأزهر فى عصور ما قبل الوهابية .
وحتى لو كان فى غير كبائر الأمور ، فغلبة التدين الوهابى البدوى على الوعى العام لم تجعل صغيرة على حالها ، فقد أصبح لا يصدق إلا أصحاب " الطرحة " البيضاء أو الحمراء على الرأس ، وهذه هى الثقافة البائسة للأعراب التى تعشعش بفضل أزلام الوهابية وذيولها فى مصر الذين استأجرهم الوهابيون بحق الانتفاع ، ولذلك لن تجدى كل حملات التوعية ولن يجدى سن القوانين ، طالما بقيت الأشياء الوهابية متمكنة ومتربعة على الوعى العام فى شاشاتها ، ليل نهار .
من ذلك نتبين أهمية دور العالم الجليل فضيلة الشيخ محمد الغزالى ، الذى ساهم فى تطور أفكارنا نحو الاعتدال والوسطية وكيف ساهم فى صياغة العقل المسلم بطريقة عميقة ومنظمة وفق أولويات تحتاجها الأمة وليس وفق قضايا فرعية تلى فى الترتيب كثير من القضايا الهامة.
وعندما صدر كتابه " كيف نتعامل مع القرآن " اصطدمت أفكاره بالكثير من ثوابت الوهابية التى قرر شيوخها منع الكتاب من دخول السعودية ، بل وأخذوا فى شحذ قواهم المالية عن طريق أذنابهم ومتبعيهم لمحاربة ما جاء فى الكتاب من أفكار ، وهو ما حدا بالشيخ الجليل إلى تفنيد الأفكار الوهابية السلفية وشرح تناقضاتها مع صحيح الإسلام ، وهذا هو موضوع كتاب هذا العدد الذى ضمناه أيضاً كل ما كتب الغزالى عن الوهابية فى باقى كتبه حتى تعم الفائدة ، فإصلاح الفكر الدينى ، ببعده النظرى ، والتخلص من رق التخلف الموروث ، حتى لو لم يثمر فورياً ، هو غاية مرجوة بعينها لأن الإصلاح فى الفترة الراهنة أصبح غاية فى ذاته وليس مجرد وسيلة .
ترددت طويلاً قبل أن أكتب هذه الكلمة ، ولكن مصادرة كتابى " كيف نتعامل مع القرآن " الذى صدر أخيراً أملت علىّ أن أحسم الموقف .
إننى أحب المملكة العربية السعودية لأن علمها يحمل شعار التوحيد ، ولأن ملكها يخدم الحرمين الشريفين ، ولأن ترابها شهد السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، وهم يخرجون من ديارهم لإخراج العالم من الظلمات إلى النور .
شئ آخر ينبغى أن أذكره ، لقد أوتنى المملكة عندما تنكر لى السادات ، واضطرنى أن أترك وطنى مهزوماً مظلوماً ، إننى وجدت أذرعه مفتوحة ، وصدروا مشروحة ، واشتغلت بالتعليم مع نفر من أنبل العلماء وأذكاهم ، وأديت واجبى على نحو أرضيت به ربى وأرحت به ضميرى .
بيد أننى لاحظت ما رابنى وأعيانى ، هناك شيوخ على عقولهم إغلاق ، وفى قلوبهم قسوة ، يتعصبون للقليل الذى يعرفون ، ويتنكرون للكثير الذى يجهلون ، قلت ، لعل الزمن يفتح إغلاقهم ويلين قلوبهم ، ويظهر أنى كنت متفائلاً أبعد من الواقع ، إنهم لا يعطون الرأى الآخر أى حرمة .
أذكر أن نبينا عليه الصلاة والسلام قال بعد انقضاض الأحزاب من حول المدينة (من كان يؤمن بلله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا فى بنى قريظة) ، وصدع الصحابة بالأمر ، ولكنهم بعد مراحل من الطريق اختلفوا ، قال بعضهم : ما نضيع وقت العصر ، وما أراد بكلمته إلا استعجالنا وقهر كل عائق من المسير ، ويجب أن نصلى العصر قبل دخول المغرب ، وصلوا فى الطريق ، وأنفذ الآخرون الأمر على ظاهره ، وصلوا فى بنى قريظة .
قلت لو كان هؤلاء الحنابلة المتشددون حاضرين لقالوا لمن استعجل الصلاة ، يا عدو الله ورسوله . تعصى النبى وترفض عزيمته علينا (أى عزمه عليهم بالإسراع فى المسير)!!إن هذا نفاق !! كيف نصلى فى الطريق وقد أمرنا بالصلاة فى بنى قريظة ؟؟ .
ولكن المجتمع الأول كان أنقى وأطهر ، صاحب الرأى ذكر ما عنده دون محاذرة أو خشية ، فالحرية فطرة ، وذكر ما عنده على أنه وجهة نظر إسلامية ، ما يمكن قطعها عن نسبها الدينى وبلغ الأمر الرسول الكريم ، فلم يُلق إليه بالاً ، وجمع أصحابه كلهم فى جبهة واحدة ضد اليهود وأحرزوا النصر .
على هامش العقيدة ، وفى فقه الفروع تبدو وجهات نظر شتى ، يستطيع كل ذى رأى أن يذكر ما عنده مقروناً بدليله ، ومع تلاقى العقول وتلاقى الحوار ، يظهر خير كثير . أما أن يزعم بعض الحنابلة أن الرأى رأيهم ، وأنه وحده هو الدين الحق ، وأنهم المتحدثون الرسميون عن الله ورسوله ، فهذا غرور وطيش !! .
وقد خرج هؤلاء من أرضهم وانساحوا فى العالم الإسلامى ، فكانوا بلاء يوشك أن يقضى على الصحوة الإسلامية الناجحة ، وكانوا بفقههم المحدود وراء تكوين فرق التكفير والهجرة ، وجماعات الجهاد والإنقاذ ، فإذا الصف الواحد ينشق أنصافاً وأعشاراً ، هذا يقاتل من أجل الجلباب القصير ، وهذا يقاتل من أجل أن تكون وظيفة المرأة محصورة فى الولادة !! وهذا يقاتل لمحو المذاهب الفقهية ، وهذا يعلن الحرب على الأشاعرة ، وهذا وهذا .. فماذا كانت العاقبة ؟ انهدام البناء وشماتة الأعداء .
إن لى فوق الخمسين كتاباً أخدم بها الإسلام ، ومصادرة كتابى (كيف نتعامل مع القرآن) عمل طائش يُكتب لأصحابه فى صحائف السيئات .. إن مسالك هؤلاء الشيوخ أساءت إلى المملكة فى حرب الخليج وجعلت التيار الإسلامى يضل الطريق ، وما ينتظر من بلائهم أعظم ، وحسبنا الله .
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه الكرام ومن والاه ، وبعد. فانطلاقاً من قول النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : " الدين النصيحة . قلنا : لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " .
فبعد صدور كتابى (الرد المحكم المنيع) وصدور عدة كتب لأهل العلم انتظرت لعله ينصلح أو يتغير شئ من تصرفاتكم وأساليبكم ، ولكن لم يحصل من ذلك شئ ، وحيث إن الله تعالى يقول فى سورة العصر : " وَالْعَصْرِ (1) إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إلاَّ الَذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) " .
فقد عزمت بعد الاستخارة أن أتوجه إليكم بهذه النصيحة التى أرجو أن تكون مقبولة سائلاً المولى تعالى أن يرينا وإياكم الحق حقاً ويرزقنا إتباعه وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه وإلا يجعله علينا متشابهاً فنتبع الهوى ، والله الهادى للصواب . فأقول وبالله التوفيق :

1- لا يجوز اتهام المسلمين الموحدين الذين يصلون معكم ويصومون ويزكون ويحجون البيت ملبين مرددين : " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " .

لا يجوز شرعا اتهامهم بالشرك كما تطفح كتبكم ومنشوراتكم ، وكما يجأر خطيبكم يوم الحج الأكبر من مسجد الخيف بمنى صباح عيد الحجاج وكافة المسلمين ، وكذلك يروع نظيره في المسجد الحرام يوم عيد الفطر بهذه التهجمات والافتراءات أهل مكة والمعتمرين ، فانتهوا هداكم الله تعالى ، وترويع المسلم حرام ، لا سيما اهالي الحرمين الشريفين ، وفي هذا المعنى نصوص شريفة صحيحة .

2- لقد كفرتم الصوفية ثم الاشاعرة وانكرتم واستنكرتم تقليد وإتباع الأئمة الأربعة ( أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ) في حين أن مقلدي هؤلاء كانوا ولازالوا يمثلون السواد الأعظم من المسلمين ، كما ان المنهج الرسمي لدولتكم والذي وضعه الملك عبد العزيز رحمه الله ينص على اعتماد واعتبار المذاهب الأربعة فانتهوا هداكم الله تعالى .

ومن كان كافرا بعد إسلامه فهو في حكم المرتد الذي يباح دمه فتذكروا حديث نبيكم المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم : " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " ( 1 ) .



3 - بعد ان فرغتم ممن سبق ، سلطتم من المرتزقة الذين تحتضونهم من رمى بالضلال والغواية الجماعات والهيئات الإسلامية العاملة في حقل الدعوة والناشطة لإعلاء كلمة الله تعالى والآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر كالتبليغ ، والإخوان المسلمين ، والجماعة (الديوبندية) التي تمثل أبرز علماء الهند وباكستان وبنغلاديش، والجماعة ( البريلوية ) التي تمثل السواد الأعظم من عامة المسلمين في تلك البلاد ، مستخدمين في ذلك الكتب والأشرطة ونحوها ، وقمتم بترجمة هذه الكتب الى مختلف اللغات وتوزيعها بوسائلكم الكثيرة مجانا، كما نشرتم كتابا فيه تكفير أهل ابو ظبي ودبي والاباضية الذين معكم في مجلس التعاون .

أما هجومكم على الأزهر الشريف وعلمائه فقد تواتر عنكم كثيرا .

4- ترددون جملة الحديث الشريف : " كل بدعة ضلالة " ( 1 ) بدون فهم للإنكار على غيركم ، بينما تقرون بعض الأعمال المخالفة للسنة النبوية ، ولا تنكرونها ولا تعدونها بدعة ، سنذكر بعضا منها فيما يأتي.

5- إنكم تغلقون مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلاة العشاء مباشرة – وهو الذي لم يكن يغلق قبلكم في حياة المسلمين – وتمنعون الناس عن الاعتكاف والتهجد فيه ، وتنسون قول الله تعالى :

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:114] .

6- تفرضون على المؤذنين الحجازيين أسلوبا معينا في الأذان هو أسلوبكم في نجد ، وزمنا معينا محدودا ، وتطلبون عدم ترخيم الصوت وتحليته بنداء المسلمين لهذه الشعيرة العظيمة ( الصلاة ).

7- تمنعون التدريس والوعظ في الحرمين الشريفين ولو كان المدرس من كبار علماء المسلمين حتى لو كان من علماء الحجاز والأحساء ما لم يكن على مذهبكم وبإذن صريح منكم مكتوب ومختوم منكم فقط ويمنع غيركم حتى لو كان شيخ الأزهر الشريف ، فاتقوا الله ولا تغلوا في مذهبكم واحسنوا الظن بإخوانكم من علماء المسلمين .

تمنعون دفن المسلم الذي يموت خارج المدينة المنورة ومكة المكرمة من الدفن فيهما وهما من البقاع الطبية المباركة التي يحبها الله ورسوله ، فتحرمون المسلمين ثواب الدفن في تلك البقاع الشريفة المباركة ، فعن عبد الله بن عدي الزهري رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته واقفا بالحزورة يقول : "والله إنك لخير ارض الله واحب ارض الله الى الله ، ولولا أخرجت منك ما خرجت " ( 1 ) .

وعن ابن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من استطاع ان يموت بالمدينة، فليمت بها ، فإني اشفع لمن يموت بها " ( 1 ) .

9- تمنعون النساء من الوصول إلى المواجهة الشريفة أمام قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والسلام عليه أسوة بالرجال ، ولو استطعتم لمنعتم النساء من الطواف مع محارمهن بالبيت الحرام، خلافا لما كان عليه السلف الصالح والمسلمون ، وتحقرون النساء المؤمنات المحصنات القانتات ، تنهرونهن ، وتحجبونهن عن رؤية المسجد والإمام بحواجز كثيفة ، وتنظرون إليهن نظرة الشك والارتياب . وهذه بدعة شنيعة لأنه إحداث مالم يحدث في زمنه عليه الصلاة والسلام والسلف الصالح ، فقد كان يلي الإمام صفوف الرجال ثم الصبيان ثم النساء ، يصلون جميعا وبلا حواجز خلفه صلى الله عليه وآله وسلم .

10- أتيتم بالمرتزقة والجهال من العابسين عند المواجهة الشريفة يستدبرون المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بأقفيتهم وظهورهم ويستقبلون زواره والمسلمين بوجوه عابسة مكفهرة تنظر إليهم شزرا متهمة إياهم بالشرك والابتداع يكادون أن يبشطوا بهم ، يوبخون هذا وينتهرون ذلك ويضربون يد الثالث ويرفعون أصواتهم زاجرين متجاهلين وناسين قول الله تعالى :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [ الحجرات : 2 ، 3 ، 4 ]

كل هذا مع الكبر والاستمرار في إهانة أحباب المصطفى وزواره المؤمنين في حضرته الشريفة وقبالة مضجعه الشريف الذي اعتبره شيخ الحنابلة ابن عقيل أفضل بقعة على اليابسة كما نقل ذلك عنه الشيخ ابن القيم في كتابه " بدائع الفوائد " ( 1 ) .

11- تمنعون النساء من زيارة البقيع الشريف بلا دليل قطعي مجمع عليه من الشرع ، وتضيقون على المسلمين في الزيارة إلا في أوقات محدودة وقصيرة ، حتى أن بعضهم ينتهز فرصة تشييع الجنائز ليزور البقيع الشريف .

وقد منعتم المزورين في المدينة المنورة من مرافقة الزائرين وقطعتم أرزاقهم وبدونهم صار الناس يتخبطون ولا يعرفون أماكن قبول آل البيت الكرام وأمهات المؤمنين والصحابة رضي الله عنهم ، وهذا ظلم وتعسف وقهر وبطر لا يرضاه الله تعالى ورسوله الكريم ، فانتهوا هداكم الله تعالى .

12- هدمتم معالم قبور الصحابة وأمهات المؤمنين وآل البيت الكرام رضي الله عنهم وتركتموها قاعا صفصفا وشواهدها حجارة مبعثرة ، لا يعلم ولا يعرف قبر هذا من هذا ، بل سكب على بعضها ( 1 ) (البنزين) فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

فهلا أبقيتم وسمحتم بالتحجيز وهو مباح ، وارتفاع القبر شبرا ، وهو مباح مع الشاهدين فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وضع حجرا على قبر عثمان بن مظعون رضي الله عنه ثم قال : " أتعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي " ( 2 ) .



وقال خارجة بن زيد : " رأيتني ونحن شبان في زمن عثمان رضي الله عنه وإن أشدنا وثبة الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه " ( 3 ) .

أنشأتم مكتب استجواب ومحاكمة وتحقيق في زواية الحرم النبوي ( القديمة سابقا ) وكذلك بجوار البقيع حاليا وصرتم تحاكمون فيها من ترقبونه يتوسل أو يكثر الزيارة أو يخشع أو يبكي أو يدعو الله تعالى أمام القبر الشريف متوسلا به إلى الله تعالى ، حيث توجهون لهم قائمة

من الأسئلة – الجاهزة سلفا – عن مشروعية الزيارة والتوسل والمولد الشريف فمن وجوتموه مخالفا لذلك سجنتموه وألغيتم إقامته وأبعدتموه من البلاد ، مع أن هذه أمور تدور بين الاستحباب والإباحة عند العلماء حتى عند الحنابلة فلا يجوز تكفير المسلم بها ومعاقبته .

وقد حدثني من أثق به من السجناء انه كانت الأغلال في يديه طيلة فترة السجن الذي امتد شهرا ، وكان يتوضأ ويصلي وهي في يده ، كما كان ممنوعا حتى من قراءة القرآن الكريم ، فاتقوا الله تعالى فإن الظلم ظلمات يوم القيامة .

ولا يجوز أن يكون فعل ذلك في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعاملين الذي قال : " إنما أنا رحمة مهداة " ( 1 ) . وبعثه الله تعالى رحمة للعاملين فكيف بالمسلمين الذي تعاملونهم هذه المعاملة القاسية المنكرة بجواره الكريم وفي مسجده الشريف وهو القائل عليه الصلاة والسلام : " الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون " ( 2 ) . و " إن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء " ( 3 ) .

14- سمحتم لأحد المحسنين من أهل المدينة بهدم وإعادة بناء مسجد أبي بكر الصديق رضي الله عنه في جبل الخندق على حسابه الخاص ، وبعد الهدم أوقفتم رخصة البناء لأنكم تعتبرون زيارة المساجد السبعة في موقع معركة الخندق النازلة فيها سورة الاحزاب بدعة ، بل وتتمنون هدمها .

- تمنعون الناس من ادخال وقراءة كتاب ( دلائل الخيرات ) للشيخ العارف بالله محمد سليمان الجزولي الحسني في الصلوات على النبي عليه الصلاة والسلام ، وكذا غيره من الكتب في حين أنكم تعلمون ما يدخل ويعرض من الكتب والمجلات والمطبوعات المنكرة شرعا ، فاتقوا الله تعالى . 16- تتجسسون وتلاحقون وتستجوبون وتعاقبون من يقيم مجالس الاحتفال والاحتفاء بذكرى المولد النبوي الشريف التي تخلو من أي منكر في الشرع ، في حين لا تعترضون على مجالس اللهو والطرب والغناء ومظاهرها بشتى ألوانها وانواعها – فهل يجوز الكيل بمكيالين ؟ وهل تجوز إهانة المؤمن المحب ومراضاة الفاسق المستهتر ؟

17- تمنعون الأئمة من ( القنوت ) في المساجد في صلاة الصبح وتعتبرونه بدعة علما بأنه ثابت شرعا لدى إمامين من الأئمة الاربعة هما : الشافعي ومالك رضي الله عنهما فلماذا فرض الرأي الواحد ، والتضييق على المسلمين ؟ فاتقوا الله تعالى .

18- لا تعهدون بالإمامة في الحرمين الشريفين إلا لأحدكم ( من نجد ) وتحظرونها على من سواكم من علماء الحجاز والاحساء وغيرهم فهل هذا من العدل أو من الدين بالضرورة ، فاتقوا الله تعالى ، واقسطوا إنه تعالى يحب المقسطين .

19- أعملتم معولكم في هدم آثار النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة الكرام في المدينة المنورة خاصة والحرمين الشريفين عامة ، حتى كاد أن لا يبقى منها الا المسجد الشريف وحده في حين أن الامم تعتز وتحتفظ بآثارها ، ذكرى وعبرة ودليلا على ماضيها التليد ، وترون أن كل اثر يقصد للاطلاع والزيارة شرك بالله تعالى … والله تعالى امرنا بأن نسير في الارض لننظر آثار المشركين فنعتبر بها كعاد وثمود الموجودة في ( ديار صالح – العلا قرب المدينة المنورة ) ، والتي لا تزال مزارا للسائحين حيث قال الله تعالى : قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ [ آل عمران : 137 ]

وقال تعالى : أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ [ غافر : 21 ، 22 ] .
وقال تعالى : أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ [ إبراهيم : 9 ]

فلما تحرمون المسلمين من مشاهدة معالم وآثار معركة بدر وأحد والحديبية وحنين والاحزاب وغيرها من ( أيام الله ) التي نصر بها رسوله وعباده الصالحين وهزم الشرك والمشركين ؟ فاتقوا الله وكونوا من أولي الألباب لعلكم ترحمون .

20- آويتم ( نصار الألباني ) ونصرتموه وسمحتم له بنشر كتابه : (أحكام الجنائز وبدعها) . الذي طالب فيه جهارا بإخراج قبر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم من المسجد الشريف ( 1 ) ،

21 - احتضنتم تلميذ الألباني ووكيله في الكويت ( عبدالرحمن عبدالخالق ) ووجهتم أتباعكم إليه وأمددتموه بالمدد الكامل وهو الذي هاجم في كتابه ( فضائح الصوفية ) عامة الأولياء الصالحين واعتبر كل الصوفية زنادقة باطنيين وضالين ولو كان منهم من أثنى عليه وزكاه ابن تيمية وابن رجب والذهبي وبقية مشايخكم المعتمدين عندكم ، وفي الحديث القدسي الصحيح : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ( 2 ) فاتقوا الله تعالى وانتهوا .

22- تنتهزون كل عام فرصة صيانة وصباغة وترميم المسجد النبوي الشريف ، لتزيلوا كثيرا من المعالم الإسلامية الموجودة في خلوة المسجد الشريف من الآثار النبوية للبوصيري ، وقد أردتم طمس البيتين الشهيرين – المكتوبين على الشباك الشريف – الواردين في قصة العتبي كما ذكرها ابن كثير في التفسير ( 1 ) :

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه

فـطاب من طيبـهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنـه

فيه العـفاف وفيه الجود والكرم

لولا أن نهاكم خادم الحرمين الشريفين الملك فهد عندما بلغه الأمر وأمر بإعادتها ، فما هذا الجفاء والصد عن نبيكم صلى الله عليه وسلم والواسطة بينكم وبين ربكم تعالى ؟ ما الامر الذي بينكم وبينه ؟ وكأنكم نسيتم قوله تعالى : وإِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَ اللَّهِ لَهُم عَذّابُ أَلِيمُُ [التوبة : 61 ] . وقوله تعالى : وإِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا [ الأحزاب : 57 ]

- سمحتم للمدعو مقبل بن هادي الوادعي المعروف بكثرة سبابه وطعنه على مخالفيه من العلماء والدعاة إلى الله وصلحاء هذه الامة كما تشهد بذلك كتبه واشرطته أن يتقدم ببحث في نهاية دراسته الجامعية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، بعنوان : ( حول القبة المبنية على قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ) ، وإشراف الشيخ حماد الأنصاري ، طالب فيها جهارا نهارا بإخراج القبر الشريف من المسجد النبوي واعتبر وجود القبر والقبة الشريفة بدعة كبيرة وطالب بإزالتها وهدمها.

ومنحتموه على ذلك درجة الفوز والنجاح !

فهل تكرمون من يحاد رسول الإسلام ، حبيب الله ، رحمة للعالمين وخليله عليه الصلاة والسلام ؟!

وقد وجه هذا الرجل المئات من أتباعه ومقلديه ونحوهم ممن تأثر بمذهبكم ، وجههم – وهم حاملي السلاح – إلى هدم ونبش قبور المسلمين الصالحين ( 1 ) في عدن باليمن منذ سنوات قليلة فعاثوا في الأرض فسادا وخرابا فنبشوا قبور الموتى بالمساحي ونحوها ، حتى أخرجوا عظام بعض الموتى وانتهكوا حرماتهم ، وأثاروا فتنة عمياء ، وبلغنا أنهم استخدموا في ذلك المتفجرات ( الديناميت ) في بعض المواضع في اليمن . ( وهذا كله في صحيفة أعمالكم ) . 26

- سميتم المصحف الشريف الذي أمر بطبعه خادم الحرمين الشريفين الملك فهد جزاه الله خيرا ، بـ : ( مصحف المدينة النبوية ) بدلا من أن يسمى ( مصحف المدينة المنورة ) وكأنكم لا تقرون أن هذه المدينة المباركة قد استنارت بل استنارت الدنيا كلها ببعثة ورسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ، وقديما هتفت جواري الأنصار عند هجرته الشريفة مرحبات :

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع

وجـب الشكر علينا ما دعـا لله داع

فهو البدر والقمر والنور ، قال تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا وقال سبحانه : قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِين يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [ المائدة : 15 ، 16 ]

وارجعوا إلى كتب التفاسير وهي كثيرة لتروا انهم فسروا النور في الآية الشريفة بأنه المصطفى عليه الصلاة والسلام ، وهنا لا نجادلكم في نور ذاته الشريفة بل نقول : إنه عليه الصلاة والسلام ، كان نورا ورحمة بما جاء به من كتاب وسنة وهداية ، قال تعالى : وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [ المائدة : 16 ]



- تصرون على تسمية الجهة المشرفة على شؤون الحرمين الشريفين ( رئاسة الحرم المكي والمسجد النبوي الشريف ) ولا تقولون ( الحرم النبوي الشريف ) وكذلك في إعلانات الطرق الدالة على ذلك والموجهة إليه .. فلماذا لا يكون مسجد صلى الله تعالى عليه وسلم حرما ؟!

كيف وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كلها حرما ، فقد قال عاصم بن سليمان الأحول : قلت لأنس : أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ؟ قال : نعم ، ما بين كذا إلى كذا ، فمن أحدث فيها حدثا ، قال لي : هذه شديدة ، من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا.

وفي رواية عن أنس ايضا قال : " ثم اقبل حتى اذا بدا له احد قال: هذا جبل يحبنا ونحبه ، فلما اشرف على المدينة قال : اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم ابراهيم مكة ، اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم " ( 1 ) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " المدينة حرم " ، فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة ، والناس أجمعين ، لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف " .

تزوير التراث : دأبتم على أن تحذفوا مالا يعجبكم ويرضيكم من كتب التراث الإسلامي التي لا تستطيعون منع دخولهم المملكة لأن عامة المسلمين يحتاجون إليها ، وفي هذا اعتداء شرعي وقانوني على آراء المؤلفين من علماء السلف الصالح الذين لا يستطيعون مقاضاتكم في الدنيا بل عند الديان في الآخرة .. ومما حذف أو غير وزور :

كتاب ( الأذكار ) للإمام محيي الدين النووي وذلك في طبعة (دار الهدى ) بالرياض سنة 1409 هـ .

بتحقيق عبد القادر الارناؤوط الشامي ، استبدل (ص295) عنوان فصل في زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ، بعنوان فصل في زيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع حذف عدة اسطر من اول الفصل وآخره وحذف قصة العتبي التي ذكرها الامام النووي بكاملها .

وهذا اعتداء جائر على المؤلف وكتابه ، ولما روجع المحقق أجاب بأن وكلاءكم هم الذين غيروا وبدلوا ولدي صورة بخط يده بذلك .

حذفت عبارات لا تعجبكم من حاشية الصاوي على تفسير الجلالين .

حذف الفصل الخاص بالأولياء والابدال والصالحين من ( حاشية ابن عابدين الشامي ) في الفقه الحنفي .

حذف الجزء العاشر من الفاتوي لابن تيميه وهو الخاص بالتصوف في طبعتكم الأخيرة للفتاوي .

حاول الشيخ ابن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد ( سابقا ) أن يستدرك على ما لا يعجبه في كتاب ( فتح الباري بشرح البخاري ) للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني فأصدر مع معاونيه ( ثلاثة أجزاء ) ثم توقف عن التعليق . وقد فتح باب شر بهذه التعليقات .

فسح إلى ابي بكر الجزائري بأن يعمل تفسيرا للقرآن الكريم يكون بديلا ومنافسا لتفسير الجلالين ولبس على الناس انه هو ليتم ترويجه على العامة .

27 - في الوقت الذي تفصلون النساء عن ذويهن ومحارمهن في المسجد النبوي بحجة الغيرة على العرض والدين ، توقفون الرجال من اتباعكم امام مداخل النساء يستشرفونهن وكأنهم معصومون عن كل ما يصدر عن غيرهم ، كما انكم توقفون مراقبيكم من الرجال بين صفوف الطائفين والطائفات من الحجاج والمعتمرين يستشرفون وجوه النساء ، ويطالبونهن بالحجاب خلافا لما عليه الجمهور من وجوب كشف الوجوه عند اداء هذه الشعيرة .

28- لا تعترضون على من يرعب المسلمين الموجودين في الحرم المكي ويحقق معهم ثم يقبض عليهم اذا لم يجد معهمه ( سند الاقامة ) خلافا لقول الله تعالى عن الحرم الشريف : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [ آل عمران : 97 ] وهو ايضا مما يشوش ويعكر الصفو والهدوء والسكينة والهيبة على المعتكفين والركع السجود .

29- تمنعون وتمتنعون في المحاكم الشرعية عن إبرام عقود الزواج والنكاح بين المسلمين والمسلمات لكل مسلم غريب ومسلمة إذا كان زائرا ولا يملك سند الإقامة الدائم ، وهذه بدعة وظلم وفي ذمتكم لو ارتكب ما هو محرم شرعا .

30- ترفضون أن تسجلوا أي طالب للدراسات العليا في جامعاتكم إلا بعد أن تمتحنونه في ما تسمونه : ( العقيدة الصحيحة ) ولا تكتفون بأنه مسلم من عامة المسلمين الموحدين ، وهذه عصبية ممقوتة .

31- إذا اختلف معكم احد في موضوع أو امر فقهي أو عقدي ، اصدرتم كتبا في ذمه وتبديعه أو تشريكه ، ومع هذا لا تمنحونه حقه في الدفاع عن نفسه وتبرئتها من ذلك كما حصل مع السيد المالكي وأبو غدة والصابوني وغيرهم كثير .

32- سعيتم لبدعة كبيرة لم تسبقوا إليها حتى من اسلافكم في العقيدة والمنهج ، وهي انكم سعيتم لغلق وقفل ( البقيع الشريف ) ومنع الدفن فيه ونقل دفن الأموات الجدد إلى موقع آخر بعيد عن موقع الشرك والبدع في رأيكم ، ولمنع الناس من الدخول إلى البقيع وزيارة من فيه من الآل والصحابة والتابعين وبقية الصالحين ، ولكن الله تعالى أحبط مسعاكم وهيأ من قام بإبلاغ الملك فهد خادم الحرمين الشريفين بذلك ، فرفض ما نويتم وأمر بتوسعة البقيع الشريف حتى لا تكون الحجة عندكم ضيقه عن استيعاب من يموت من المسلمين .

33- رضيتم ولم تعارضوا هدم بيت السيدة خديجة الكبرى أم المؤمنين والحبيبة الأولى لرسول رب العالمين صلى الله عليه وآله وسلم المكان الذي هو مهبط الوحي الاول عليه من رب العزة والجلال ، وسكتم على هذا الهدم راضين أن يكون المكان بعد هدمه دورات مياه وبيوت خلاء وميضآت .



فأين الخوف من الله تعالى ؟ وأين الحياء من رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام ؟

34- حاولتم ولازلتم تحاولون وجعلتم دأبكم هدم البقية الباقية من آثار رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ألا وهو ( البقعة الشريفة التي ولد فيها ) التي هدمت ثم جعلت سوقا للبهائم ثم حولها بالحيلة الصالحون إلى مكتبة هي ( مكتبة مكة المكرمة ) فصرتم ترمون المكان بعيون الشر والتهديد والانتقام وتتربصون به الدوائر وطالبتم صراحة بهدمه واستعديتم السلطة وحرضتموها على ذلك بعد اتخاذ قرار بذلك من هيئة كبار علمائكم قبل سنوات قليلة ( وعندي شريط صريح بذلك ) غير أن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد العاقل الحكيم العارف بالعواقب ، تجاهل طلبكم وجمّده . فيا سوء الأدب وقلة الوفاء لهذا النبي الكريم الذي اخرجنا الله به وإياكم والأجداد من الظلمات إلى النور ! ويا قلة الحياءة منه يوم الورود على حوضه الشريف .. ! ويا بؤس وشقاء فرقة تكره نبيها سواء بالقول أو بالفعل وتحقره وتسعى لمحو آثاره ! . والله تعالى يقول لنا : وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى .

والله تعالى ممتنا على بني اسرائيل بطالوت وموسى وهارون : وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [ البقرة : 248 ]

وقال المفسرون : إن البقية المذكورة هي عصاة موسى ونعليه و…… إلخ .

واقرؤوا إن شئتم الأحاديث الصحيحة الواردة فيما يتعلق بآثار النبي صلى الله عليه وسلم واهتمام الصحابة رضوان الله عليهم بها المذكورة في ثنايا أبواب صحيح البخاري ففيه الكفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، وفيه الغنية لقوم يعقلون ويتدبرون .

35- كان أسلافكم حنابلة المذهب يتبعون ويقلدون مذهب الإمام الشيخ أحمد بن حنبل رضي الله عنه ابتداء من ابن تيمية وابن القيم وابن رجب وابن عبد الهادي وابن قدامة المقدسي ومرورا بالزركشي ومرعي ابن يوسف وابن هبيرة والحجاوي والمرداوي والبعلي والبهوتي وابن مفلح وختاما بالشيخ محمد ابن عبد الوهاب وأولاده والمفتي محمد بن إبراهيم وابن حميد رحمهم الله تعالى جميعا …

ولكنكم الآن تخليتم عن هذا المذهب وقلتم ( إنكم سلفيون ) حيث أعلن الشيخ عبد العزيز بن باز ( القائم بالفتوى والارشاد ) لمجلة ( المجلة السعودية ) قريبا في مقابلة معه انه لا يلتزم ولا يعتمد على المذهب الحنبلي وفقه الحنابلة ، وأنكم تلتزمون بالكتاب والسنة فقط .

فسبحان الله تعالى … هل كان الإمام أحمد ، واخوانه الأئمة الآخرون إلا ملتزمين بذلك ؟ ام هل بلغتم والشيخ واتباعكم مرتبة ( المجتهد المطلق ) – ومرتبة الامام الذي يجتهد رأيه ولا يتبع أو يقلد من سبقه ؟! نعظكم أن تزعموا ذلك ونعوذ بالله تعالى من الجهل والغرور والدعوى وان نكون في الزمان الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : " إن بين يدي الساعة أياما ينزل فيها الجهل ، ويرفع فيها العلم ، ويكثر فيها الهرج والهرج القتل " .

وقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا ، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا " ( 1 ) .

وقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا ، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا " ( 2 ) .

سمحتم للصغار وسفهاء الأحلام بمهاجمة السلف الصالح الأعلام لهذه الأمة ومنهم حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله تعالى حيث سمحتم وفسحتم للمدعو محمود الحداد أن ينشر كتابا يزعم فيه أنه يجمع تخريجي العراقي والزبيدي لكتاب إحياء علوم الدين فبدأه بمقدمة رمى فيها الإمام الغزالي بالضلال وبعظائم الأمور .

وذلك طبعا بعد التهجم بشتى وسائل مطبوعاتكم على الإمام أبي الحسن الأشعري وأتباعه من السواد الأعظم من المسلمين منذ مئات السنين حيث وصفتموهم بالضالين المضلين ( راجعوا أعداد مجلتكم ، البحوث الإسلامية ، ومنهج أهل السنة والجماعة لسفر الحوالي وسواها) وقد اطلعت بنفسي الشيخ عبد الله عبد المحسن التركي وزير الأوقاف على بعض هذه الأعداد … ولم يتغير شيء .

37- ضيقتم ثم أوصدتم وأقفلتم ( باب النصيحة ) من المسلمين لأئمتهم وحكامهم وأولي الأمر منهم وأفتيتم بمعصية من يخالف ذلك وعاديتموه في الوقت الذي فيه المسلمون وحكامهم بأمس الحاجة إلى الوعظ والنصيحة بالحسنى وصلى الله تعالى على القائل : " الدين النصحية – قلنا لمن قال : " لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " ( 1 ) .

38- عبتم واستنكرتم على الخميني الزعيم الإيراني وصحبه اتخاذ الآية في قوله تعالى : إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [ المائدة : 33 ] .

___

حجة شرعية لإصدار أحكام الموت والاعدام على خصومهم ، ولكنكم بعد ذلك اتخذتموها وليجة لفعل الأمر نفسه في حق خصومكم وطوعتموها لضرب اعناق الاغرار من الغرباء والمستضعفين ولو بقطعة ( حشيش اوقات ) ، لمأسمع أنكم استفتيتم ( مجمع الفقه الاسلامي ) الذي عندكم في جدة ولا استأنستم برأي غيره كالأزهر الشريف والعلماء الكبار من المسلمين في هذا الشأن كأنكم تناسيتم كقضاة ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم ، إلا في الحدود " رواه أبو داود وغيره ( 2 ) .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة " . رواه الترمذي وقال : قد روي عنها ولم يرفع وهو أصح ( 1 ) .



قال الحافظ ابن حجر في التلخيص ( 4/56 ) : " قال (البخاري) : وأصح ما فيه حديث سفيان الثوري عن عاصم عن ابي وائل عن عبدالله بن مسعود قال : " ادرؤا الحدود بالشبهات ، ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم " . وروي عن عقبة بن عامر ومعاذ أيضا موقوفا ، وروي منقطعا وموقوفا على عمر . ورواه ابو محمد بن حزم في كتاب الايصال من حديث عمر موقوفا عليه بإسناد صحيح ، وفي ابن ابي شيبة من طريق ابراهيم النخعي عن عمر : " لأن أخطئ في الحدود بالشبهات احب إلى من أن اقيمها بالشبهات " . وفي مسند ابي حنيفة للحارثي من طريق مقسم عن ابن عباس بلفظ الاصل مرفوعا " . ا هـ .

ونسيتم قوله تعالى وهو أصدق القائلين عن النفس البشرية : من قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [ المائدة : 32 ]

وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " أول ما يقضي بين الناس يوم القيامة في الدماء " ( 1 ) .

فاتقوا الله تعالى ولاتقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، واحذروا موجبات الندامة يوم الحسرة والقيامة .

39- أغريتم الشباب الأغرار بمذهبكم وآرائكم المتشددة كجهيمان العتيبي قتيل الحرم المكي وجماعته وكان شيخكم شيخهم ومرشدهم يثوبون إليه ويرجعون ويصدرون عن آرائه هو والشيخ والجزائري ، وكانوا يسرحون تحت أنظاركم يضايقون المسلمين في الحرمين يأمرون وينهون ويمرحون حتى إذا قويت شوكتهم وطالت أظافرهم وارتكبوا فعلتهم واحيط بهم فسقطوا بين قتيل وجريح واسير .. قلتم انكم براء منهم ومما كانوا يفعلون .. وكتبهم ونشراتهم التي خلفوها خير شاهد ودليل على ذلك ، فمن آرائكم المتشددة استقت ومنها شربت حتى ثملت ولازلتم على استحياء تفعلون .. باسم الكتاب والسنة فاتقوا الله الذي إليه ترجعون .

40- كفّرتم الصوفية ثم الاشاعرة والماتريدية وهو سواد المسلمين ، ثم التفتم إلى الاخوان ، ثم التبليغيين ثم بقية الدعاة والمفكرين . فماذا ابقيتم غيركم من المسلمين ؟

40- كفّرتم الصوفية ثم الاشاعرة والماتريدية وهو سواد المسلمين ، ثم التفتم إلى الاخوان ، ثم التبليغيين ثم بقية الدعاة والمفكرين . فماذا ابقيتم غيركم من المسلمين ؟

41- منعتم الدروس إلا دروسكم والمذاهب إلا مذهبكم والوعظ إلا وعظكم والدعاة إلا دعاتكم فتعطلت مجالس العلم ودرست محافل الوعظ وخوت حلقات القرآن واستخفت مجالس الذكر فماذا غدا انتم لربكم قائلون .. ؟ يوم يقول : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ [ الصافات : 24 ]

42- كفرتم ابن عربي ثم ألحقتم به حجة الإسلام الغزالي ثم التفتم لأبي الحسن الاشعري وبعده قلتم ما ما ت حسن البنا شهيدا ولا كذلك الشهداء في افغانستان لأن عقيدتهم لم تكن صحيحة وسليمة بل كانوا احنافا مقلدة تائهين هالكين وابقيتم انفسكم وحدكم الناجين ، ونسيتم قوله عليه الصلاة والسلام : " إذا قال الرجل : هلك الناس ، فهو أهلكهم " ( 1 ) .



أنشأتم جامعة في المدينة المنورة سميتموها (الجامعة الإسلامية) بجوار سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم فهرع الناس والعلماء إليها بفلذات أكبادهم وأبنائهم مسرعين فرحين لينهلوا من هذا المنبع ظانين أنها ستزيدهم محبة واتباعا لحبيبهم صلى الله عليه وسلم وآله الطيبين وأصحابه والتابعين .. فإذا بكم تدرسونهم كيف يجافونه ويجافونهم أجمعين .. وتجعلون الطلاب على بعضهم يتجسسون لينقلوا إليكم أسماء وأخبار من سميتموهم ( القبوريين ) الذين يكثرون الزيارة والسلام على سيد المرسلين ورحمة الله للعالمين حتى يكونوا من المحاربين المنبوذين المفصولين إلا من والاكم وأطاعكم فهو وحده الصادق الأمين .

ومن تخرج بكم وتشرب بآرائكم من الناجحين صرتم ترسلونهم إلى بلادهم وكلاء عنكم منذرين ومبشرين لتجديد إسلام آبائهم وأقوامهم الضالين بزعمكم ، وتغدقون عليهم الرواتب وتفتحون لهم المكاتب وتفسحون الميادين ، فتقوم القيامة وينشب الخلاف والعداء بينهم وبين العلماء والصلحاء من آبائهم وشيوخهم السابقين وكأنهم (قنابل موقوتة) عبأتموها وملأتموها بكل سوء ظن وحقد دفين مما جعل البلاد الإسلامية وخاصة إفريقيا وآسيا ساحة للمعارك والخلافات بين المسلمين بل وصل الامر هذا إلى البلدان الاسلامية التي استقلت حديثا من روسيا والى الاقليات والجاليات المسلمة في اوروبا وامريكا واستراليا وغيرها فإلى الله المشتكى .

44- لم يقل ابن تيمية ولا ابن القيم ولا احد من أئمة السلف من قبلهما أن الصوفية كلهم مشركون بل قالوا أن منهم من يصل إلى مقام الصديقين فراجعوا أن شئتم كتب الذهبي وابن رجب وفتاوي ابن تيميه ومدارج السالكين لابن القيم وغيرها . ولكنكم تكفرون الصوفية ( كافة ) وتصفونهم بالابتداع والشرك .

ويفعل الشيء نفسه احبابكم وتلاميذكم المحدثون كأمثال عبدالرحمن عبد الخالق والجزائري وزينو ودمشقية والألباني ، ومقبل الوادعي ومن لف لفهم فهل آراؤكم هذه تابعة للسلف الصالح ام انتم بها منفردون مبتدعون ؟! وهل يجوز بعدها أن تقولوا نحن سلفيون ولم يسبقكم سلفي إلى هذا الامر المقيت ؟!

45- بلاد امريكا وأوربا وصلها داؤكم الدفين فاشتعل الخلاف في مساجد ومدارس المسلمين هذا تابع لابن باز وابن عثيمين ، يكفر الصوفية والذاكرين وهذا أشعري أو ماتريدي وهذا ديوبندي أو بريلوي … إلخ ، يحارب بعضهم بعضاً ويحرم الصلاة خلفهم والزواج والتواصل فيما بينهم ويقطع أواصر الدين ، وقد شاهدت ذلك بنفسي وحضرت منع الخطيب من الخطابة في مسجد بأمريكا لأنه صوفي فقام الشجار بين المصلين … فالتوبة التوبة إلى الله رب العالمين القائل : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ النور : 31 ]

46- إن ما يحصل من مذابح ومجازر ومآسي تشوه سمعة الإسلام وتفتك بالمسلمين خاصة كالتي في الجزائر ومصر أو التي حدثت في الحرم المكي ما هي إلى ثمرة خريجيكم وآرائكم وقراءة كتبكم ومطبوعاتكم التي بنيت على التكفير والتشريك والتبديع وسوء الظن بالمسلمين .

ولتتبينوا ويتبين الناس انظروا هل فيهم ( المتشددون ) صوفي أو أزهري أو أشعري أو مقلد للمذاهب الأربعة المجتهدين؟! وبعد أن أطلقتموهم سكتم ولزمتم الصمت وتفرجتم ولم تشجبوا أعمالهم ولم تكونوا لهم من الناصحين ، فليت شعري من هو ( لغوي المبيت ) ؟!

47- تتهمون المخالفين لكم من المسلمين بأنهم ة أو معتزلة مارقين . وأنتم الة لأنكم وافقتموهم في بعض آرائهم . وحقاً أنتم المعتزلة لأنكم شاركتموهم في إنكار الولاية والأولياء والكرامة والكرامات ، وحياة الموتى وتحكيم العقل في المغيبات من أمور الدين .

وقديماً قيل : ( رمتني بدائها وانسلت ) .

وقيـل :

لا تنه عن خلق وتأتي مثله عـار عليك إذا فعلت عظيم

فهل أنتم للحق سامعون ؟!

48- تعملون عمل الخوارج ، فإذا جاءكم أحد من المسلمين – وخاصة طلبة العلم – تبدأون في عقيدته أصحيحة عندكم أم لا ؟ ما تقول في كذا ، وكذا … وأين الله ؟ و … ؟

وهكذا كان يعمل الخوارج فيما سبق فكانوا إذا جاءهم أو مر بهم المسلم الموحد امتحنوه فإذا خالفهم قتلوه – أما المشرك أو الكافر فيتلطفون به ويتلون الآية : وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ [ التوبة : 6 ] . أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [ القلم : 35 ، 36 ]

49- كان للمذاهب الأربعة في الحرم المكي منابر فهدمتموها ثم كراسي للتدريس فمنعتمونها وكان من آخرها كرسي الدكتور السيد محمد بن علوي المالكي الذي أحياه بعد أبيه وجده فضاقت أعينكم أن تراه فاتهمتموه بالضلال وبالكفر البواح في كتابكم ( الحوار ) ولولا أن أعانني الله تعالى فدافعت عنه بكتاب ( الرد المنيع ) ، ودافع عنه آخرون من أهل العلم في كتبهم ، وتدخل خادم الحرمين الشريفين الملك فهد فحماه لكان الآن في خبر كان

وكان هناك علماء يدرسون في الحرم النبوي الشريف على المذاهب الأربعة من آخرهم الشيخ ( عبد الرحمن الجهني الشافعي ) صاحب كتاب (قطف الثمار في أحكام الحج والاعتمار) فمنعتموه حتى يحصل على تصريح من الشيخ ابن باز ولم يمنح له التصريح فأوقف .

ومنهم العلامة الوزع المفتي الشيخ سعيد اللحجي الشافعي رحمه الله تعالى ، أوقفه عن الدرس جاسوس لكم ، ولم تنجح المساعي لدى ابن باز لإعادة الشيخ اللحجي للدرس فحرم الطلبة من دروسه النافعة .

ومن قبله أوقف العلامة المحقق الشيخ إسماعيل عثمان الزين الشافعي رحمة الله عليه ، وضيق عليه ، فالله حسيبكم .

وبذلك أقفل في الحرمين الشريفين باب تدريس علوم المذاهب الأربعة ( المالكي والشافعي والحنفي والحنبلي ) الذي كان مستمراً ومتواصلاً منذ العصور الزاهية للإسلام أيام التابعين وتابعيهم من خير القرون الممدوحة وحتى في أيام أسلافكم لما دخلوا الحجاز ، وتركتم المجال فيها للجزائري وصهره وأضرابه ينادي بأعلى صوته بجوار المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أن ( أبوي النبي في النار ، أبوي النبي في النار ، يكررها ) ويرفع بها عقيرته ( 1 ) . فإنا لله وإن إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وحسبنا الله ونعم الوكيل .

وهذا في حسابكم وذمتكم عند الله الجبار – بلا خوف ولا وجل من الله تعالى القائل : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا [ الأحزاب : 57 ] ، والقائل : وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ التوبة : 61 ]

50- كان هناك أثر ( مبرك الناقة ) ناقة النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد ( قباء ) يوم قدومه مهاجراً إلى المدينة في مكان نزل فيه قوله تعالى : لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [ التوبة : 108 ] ، فأزلتم هذا الأثر ، وكنا نشاهده حتى وقت قريب .

51- وكان في مسجد القبلتين علامة على القبلة القديمة إلى المسجد الحرام علامة على القبلة القديمة إلى المسجد الأقصى المنسوخة فأزلتموها باعتبارها بدعة .

52- أزلتم بستان الصحابي سلمان الفارسي رضي الله عنه حيث كانت هناك نخلة غرسها النبي صلى الله عليه وسلم وردمتم بئر ( العين الزرقاء ) قرب قباء وبئر أريس (بئر الخاتم) ومنعتم مشاهدة بئر رومة التي اشتراها عثمان رضي الله عنه من اليهودي وأوقفها في سبيل الله . وهناك آثاراً أخرى كثيرة هامة إما أزيلت كلية أو غيرت معالمها .

53- وكان لأهل الأحساء من أصحاب المذاهب الأربعة مدارس خاصة لكل مذهب أغلقتموها ومنعتم التدريس فيها لأنه لا يجوز عندكم تدريس ما سوى مذهبكم في المدارس التي تشرفون عليها للذكور والإناث ، ولما صاروا يقيمون بعض الدروس في بيوتهم راقبتموهم وضايقتموهم وحاصرتموهم وتجسستم عليهم ، فهل هذه أعمال الدعاة الأبرار والرجال الأخيار التقاة الزهاد الورعين الخائفين من الله تعالى القائل : وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [ البقرة : 281 ]

والقائل : أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [ المطففين : 4 ، 5 ، 6 ]

54- وضعتم معاولكم في بيت الصحابي الجليل ( أبي أيوب الأنصاري ) الذي استضاف فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند قدومه المدينة المنورة قبل بناء حجراته الشريفة ، وقد حافظت عليه كل العهود السابقة بما فيها عهد أسلافكم فهدمتم هذا الأثر الشريف الذي كان في قبلة محراب المسجد النبوي الشريف وذلك بزعم أن المسلمين " المشركين " يتبركون به .

55- وهدمتم بجوار بيت أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه مكتبة شيخ الإسلام ( عارف حكمت ) المليئة بالكتب والمخطوطات النفيسة وكان طراز بنائها العثماني رائعاً ومميزاً .

هدمتم كل ذلك في حين أنه بعيد عن توسعة الحرم ولا علاقة له بها .



56- كما ردمتم ( بير حاء ) التي دخلت في التوسعة ولم تتركوا عليها أثراً أو علامة كأثر دخله النبي صلى الله عليه وسلم ورد ذكره في صحيح البخاري ( 1 ) وغيره . ولم تبقوا في المدينة المنورة من آثار المصطفى وأصحابه غير المسجد النبوي وحده فهلا التفتم لخيبر وغيرها وهل يجوز أن نقلد اليهود في إزالتهم لكل أثر إسلامي في القدس الشريف فنزيل آثارنا في المدينة المنورة ؟!

وماذا أبقيتم للأجيال القادمة ، من تراثنا المجيد ؟

57- وتوسعتم في إصدار الأحكام باسم الشرع الحنيف في قتل المخالفين لكم من أصحاب الرقية والعلاج الروحي وسميتموهم (سحرة) ولم تفرقوا بين المحقين منهم وبين المبطلين منهم ، وتركتم لأنفسكم مطلق الفتوى والحكم بذلك فأسلتم دماء الكثيرين من الأبرياء بحجة أنهم سحرة تستباح دماؤهم متناسين قوله تعالى : وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ، وقول البشير النذير صلى الله عليه وسلم : " أول ما يقضى به بين الناس يوم القيامة في الدماء " . ( 1 )



فقفوا عند الحدود وادرؤها بالشبهات ، واتقوا يوم يقتص للجماء من القرناء ، يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [ النبأ : 40 ] ، وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [ البقرة : 281 ]

الثلاثاء، 20 أغسطس 2019

دفع شبهة وإزالة إشكال في مسألة إرضاع الرجال ...

دفع شبهة وإزالة إشكال في مسألة إرضاع الرجال ...  
لقد كان التبني أمرا شائعا في الجاهلية وقد بقي الى زمن في الاسلام ثم حرم
فكان الرجل يتبى الابن يأخذه من ابويه ويكون عنده بحكم الابن المولود له حتى في الميراث
فالابن يتعامل وفق تربيته عندهم كوالدين من المحبة والميول ويدخل عليهم ويرى منهم مايراه ابنهم فليس هناك فارق في التحفظ بينه وبين الابن المولود لهم
وكان سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهما عبدا فأُعتق فوالى أبا حذيفة رضي الله عنه فأحبه وتبناه
وتربى عندهم كابن مع والديه
رأت زوجة ابي حذيفة ان زوجها بدء يتحرج من دخوله عليها وقد بلغ مبلغ الرجال
فهو الآن شرعا أجنبي عليها فقد حرم الله التبني
فجاءت الى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بأمر زوجها
فقال لها صلى الله عليه وسلم أرضعيه
فقالت له هو كبير فقال صلى الله عليه وسلم أعلم انه كبير
فأرضعته وانتهى الأمر
الإشكال هنا
اولا : ان أحاديث تحريم الرضاع هي للصغير وأثناء الحولين
فجاءت الأحاديث تبين "ان الرضاعة من المجاعة "و "لا رضاع إلا ما كان في الحولين" و " لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء ، وكان قبل الفطام"
ومابعد الحلوين يكون بحكم الغذاء وليس الرضاع
فكيف ترضع سالما وهو كبير ؟!
فمن العلماء من قال إرضاع الكبير كارضاع الصغير يثبت به الحرمة
ومنهم من قال هذا خاص بسالم رضي الله عنه ولايصح رضاع الكبير
قال الإمام مالك رحمه الله: "إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ رُخْصَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَعْمَلِ النَّاسُ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ لَعَمِلَ بِهِ النَّاسُ بَعْدَهُ"
وهذا قول جماهير العلماء وهو قول ازواج النبي صلى الله عليه وسلم باستثناء الصديقة بنت الصديق عائشة رضي الله عنها
ومنهم من قال هذا يجوز لمن يكون حاله كحال ابي حذيفة مع سالم
وهذا قول شيخ الاسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله وغيرهما من العلماء
وهذا هو الأقوى جمعا بن الأدلة وضعف الخصوصية
قال الصنعاني " والأحسن في الجمع بين حديث سهلة وما عارضه: كلام ابن تيمية , فإنه قال: إنه يعتبر الصغر في الرضاعة إلا إذا دعت إليه الحاجة كرضاع الكبير الذي لا يُستغنى عن دخوله على المرأة وشق احتجابها عنه، كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أثّر رضاعه. وأما من عداه , فلا بد من الصغر. انتهى. فإنه جمع بين الأحاديث حسن، وإعمال لها من غير مخالفة لظاهرها باختصاص , ولا نسخ , ولا إلغاء لما اعتبرته اللغة ودلت له الأحاديث))
وقد رد ابن تيمية دعوى الخصوصية فقال ( أن ما ثبت في حق الواحد من الأحكام ثبت في حق جميع الأمة وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام،وحيث ما خص الواحد بحكم فلا بد أن يكون اختصاصه بذلك الحكم لعلة اختص بها لو وجدت في غيره لكان حكمه حكمه ولا بد من دليل على التخصيص كما قال لأبي بردة بن نيار في الأضحية تجزؤك ولا تجزؤ عن أحد بعدك لأنه كان قد ذبح قبل أن يسن وقت الأضحية وكما خص سالما مولى أبي حذيفة بأن يرضع كبيرا لأنه قد تبني قبل أن يحرم ) وبين ان هذه الخصوصية لسالم ان وجدت في حال يشابهه فيأخذ حكما
جاء في ((الاختيارات الفقهية-البرهان ابن القيم)) أنه قال : ((وأن ارتضاع الكبير تنتشر به الحرمة بحيث يبيح الدخول والخلوة إذا كان قد تربى في البيت بحيث لا يحتشمون منه - كقصة سالم مولى أبي حذيفة - رضي الله عنه - وهو بعض مذهب عائشة رضي الله عنها فإنها تقول: إن ارتضاع الكبير ينشر الحرمة مطلقاً)).
وقال في ((الاختيارات الفقهية- للبعلي)):
((وَيَثْبُتُ حُكْمُ الرَّضَاعِ عَلَى الصَّحِيحِ وَرَضَاعُ الْكَبِيرَ[ةِ ] تَنْتَشِرُ بِهِ الْحُرْمَةُ بِحَيْثُ لَا يَحْتَشِمُونَ مِنْهُ لِلْحَاجَةِ لِقِصَّةِ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَائِشَةَ وَعَطَاءٍ وَاللَّيْثِ وَدَاوُد مِمَّنْ يَرَى أَنَّهُ يَنْشُرُ الْحُرْمَةُ مُطْلَقًا)).
وقال ابن القيم: ((أن حديثَ سهلة ليس بمنسوخ، ولا مخصوصٍ، ولا عامٍ فى حقِّ كُلِّ أحد، وإنما هو رخصةٌ للحاجة لمن لا يَستغنى عن دخوله على المرأة، ويَشقُّ احتجابُها عنه، كحال سالم مع امرأة أبى حُذيفة، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجَةِ أَثَّر رضاعُه، وأما مَنْ عداه، فلا يُؤثِّر إلا رضاعُ الصغير، وهذا مسلكُ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، والأحاديثُ النافية للرضاع فى الكبير إما مطلقة، فتقيَّد بحديث سهلة، أو عامة فى الأحوال فتخصيصُ هذه الحال من عمومها، وهذا أولى من النسخ ودعوى التخصيص بشخص بعينه، وأقرب إلى العمل بجميع الأحاديثِ من الجانبين، وقواعدُ الشرع تشهد لهُ، والله الموفق)).
بقي أن نبين أمر وهو ...
1- هل التقم سالم ثديها في الرضاع أم سقته حليبها بإناء ؟!
أخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى (8\ 271): « كانت سهلة تحلب في مسعط أو إناءٍ قدر رضعة، فيشربه سالمٌ في كل يومٍ حتى مضت خمسة أيام. فكان بعد ذلك يدخل عليها وهي حاسِرٌ رأسها، رُخصة من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لسهلة بنت سهيل»
وأخرج عبد الرازق في مصنفه (7\ 458): عن ابن جريج قال: سمعت عطاء يُسأل، قال له رجل: «سقتني امرأة من لبنها بعدما كنت رجلاً كبيراً، أأنكحها؟». قال: «لا». قلت: «وذلك رأيك؟». قال: «نعم. كانت عائشة تأمر بذلك بنات أخيها».
ففي الأثر الأول ذكر إناء وفي الثاني كلمة سقتني
وعلى فرض ضعف هذه الروايات فالتقام سالم ثدي زوجة ابي حذيفة هو التقام الابن ثدي أمه فليس هناك غريزة جنسية يخشى منها فالأمر طبيعي لمثل حاله معهم وهو رخصة لهم لبقاء الألفة والمحبة بينهم
قال النووي في "شرح صحيح مسلم" (5/ 375):
" قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "أرضعيه" قال القاضي عياض: لعلها حلبته، ثم شربه من غير أن يمس ثديها، ولا التقت بشرتاهما، وهذا الذي قاله القاضي حسن، ويحتمل أنه عفي عن مسه للحاجة كما خص بالرضاعة مع الكبر"
2- ماورد عن عائشة ام المؤمنين رضي الله عنها وارضاها
الطاهرة المطهرة والمبرأة من فوق سبع سموات بقرآن يتلى حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم
أنها كانت تأمر بنات أخيها وبنات أخواتها أن يرضعن من تشاء أن يدخل عليها
حول ماورد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها كانت تأمر بنات إخوانها أو بنات أخواتها أن يرضعن من أرادت أن يدخل عليها .
********
روى الامام مالك أن عائشة رضي الله عنها " كانت تأمر أختها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق وبنات أخيها أن يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال وأبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس وقلن لا والله ما نرى الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم سهلة بنت سهيل إلا رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في رضاعة سالم وحده لا والله لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد، فعلى هذا كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في رضاعة الكبير"
وأخرج مسلم عن زينب بنت أم سلمة عن أمها: أنها قالت لعائشة: " إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي،
فقالت عائشة: أما لك في رسول الله أسوة ؟
قالت: إن امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله، إن سالما يدخل علي وهو رجل، وفي نفس أبي حذيفة منه شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرضعيه حتى يدخل عليك."
*************
سبق وأن بينا أن ارضاع الكبير هو أمر خاص بسالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه وأجاز بعض العلماء لمن يكون بمثل حاله من الحاجة والضرورة
***************
لقد حرم الاسلام الخلوة بالمرأة الأجنبية ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم.
وقال صلى الله عليه وسلم: ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان. رواه أحمد والترمذي
وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والدخول على النساء!»، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: «الحمو الموت»
الحمو هو أقارب الزوج من الرجال
«الحمو الموت»: معناه "أن الخوف منه أكثر من غيره لحصول الفتنة "
قال العلامة العثيمين رحمه الله " ومعلوم أن الحمو يحتاج إلى الدخول إلى بيت أخيه، ولاسيما إذا كانوا في بيت واحد، فلو كان إرضاع الكبير مؤثراً لقال: الحمو: ترضعه زوجة قريبه، ليزول الحرج، فلما لم يقل ذلك، علم أن مطلق الحاجة لا يؤثر في ثبوت حكم الرضاع في الكبير، وأنه لابد أن تكون حاجة خاصة نمشي فيها على كل ما حصل في قضية سالم مولى أبي حذيفة. "
فشذوذ ان يفتي البعض للموظفين أنه إذا كان الموظف مع الموظفة في غرفة لوحدهما ولايدخل عليهما أحد إلا بإذنهما
فليرتضع منها حتى يجوز له أن يختلي بها ؟!
فهذا فتح باب فساد عريض وليس ثمة حاجة ملحة لو أجزناه للحاجة هنا والشرع قد نهى عن الخلوة والاختلاط
**************
ولما كان ازواج النبي صلى الله عليه وسلم قد فرض عليهن الحجاب
قال الله تعالى:
" وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ "
وقد كانت عائشة رضي الله عنها عالمة ويرجع اليها في الفتوى
وكانت حريصة على تبليغ ماعندها من علم من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولعل نشر العلم وتبليغه للرجال كان من اجتهادها رضي الله عنها انه من جملة الحاجات التي تجيز فعل ما أمر النبي به من ارضاع سالم من سهيلة زوجة ابي حذيفة حتى يدخل عليها من تحب أن تنفعه بماعندها من علم من الرجال
وهي مأجورة في اجتهادها إن أصابة فيه أو أخطأت
فهل كانت تأمر بارضاع الصغار حتى يدخلوا عليها حين البلوغ وهم رجال
أم هو إرضاع للكبار الرجال ؟!
فقد ورد عن نافع أن سالم بن عبد الله بن عمر أخبره أن عائشة أم المؤمنين أرسلت به وهو [ رضيع ] إلى أختها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق فقالت: أرضعيه عشر رضعات حتى يدخل عليَّ.
ويؤيد هذا ماورد عن مالك عن نافع أن صفية بنت أبي عبيد أخبرته: أن حفصة أم المؤمنين أرسلت بعاصم بن عبد الله بن سعد إلى أختها فاطمة بنت عمر بن الخطاب ترضعه عشر رضعات ليدخل عليها وهو [صغير يرضع ] ففعلت فكان يدخل عليها)
اي يدخل عليها وهو كبير
وفي أحكام القرآن للجصاص (3/ 25):
" وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ عَائِشَةَ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي رَضَاعِ الْكَبِيرِ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ مَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَأْمُرُ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنْ تُرْضِعَ الصِّبْيَانَ حَتَّى يَدْخُلُوا عَلَيْهَا إذَا صَارُوا رِجَالًا "
إذن كانت عائشة تحب أن يدخلوا عليها بعد أن يصيروا رجالا؛ لتعلمهم أمر دينهم؛
ولو فرضنا كان الارضاع للكبار فهو بطريقة السقي وليس التقام الثدي
اخرج عبد الرزاق في مصنفه قال: أخبرنا ابن جريج قال: سمعت عطاء يسأل، قال له رجل: [ سقتني ] !! امرأة من لبنها بعد ما كنت رجلاً كبيراً، أأنكحها؟ قال: لا، قلت: وذلك رأيك ؟ قال: نعم، قال عطاء: كانت عائشة تأمر بذلك بنات أخيها.
قال الإمام ابن عبد البر في التمهيد (8\ 257): «هكذا إرضاع الكبير كما ذكر: يحلب له اللبن ويسقاه. وأما أن تلقمه المرأة ثديها -كما تصنع بالطفل- فلا. لأن ذلك لا يَحِلُّ عند جماعة العلماء. وقد أجمع فقهاء الأمصار على التحريم بما يشربه الغلام الرضيع من لبن المرأة، وإن لم يمصه من ثديها. ».
وقال ابن حجر في الفتح (9\ 148): «التغذية بلبن المرضعة يحرِّم، سواء كان بشرب أم بأكل، بأيِّ صفةٍ كان، حتى الوجور والسعوط والثرد والطبخ، وغير ذلك إذا ما وقع ذلك بالشرط المذكور من العدد، لأن ذلك يطرد الجوع». الوجور هو صب اللبن في الفم، والثرد هو خلط اللبن بالخبز.
اللهم اهدنا واهد بنا وزدنا هدى وانفعنا وانفع بنا وعلمنا وزدنا علما
وصل يارب وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الأحد، 18 أغسطس 2019

طاولة السفرة .. قصة وعبرة - ورسالة فقهية ..


طاولة السفرة

دعا الأخ إخوانه إلى الطعام ، وطار مسرورا وفرحا بتلبية الدعوة ، واجتماع الشمل ، فالحياة متع ، ومن أمتع متعها عند الصالحين اجتماع الأخوة في الله على الطعام ، وكلما زاد السرور والحبور ، وأقبل أهل البيت على إعداد الطعام بشوق ونفس طيبة ، لأنه طعام يقدم للصالحين الأتقياء .
استعدت الأسرة لاستقبال هذه القلوب الخيرة ، لتناول الطعام ، وليسود الوثام ، ويفوز أهل البيت بدعاء الصالحين . فاجتهدت ربة البيت ، وقدمت الطعام البسيط ، في تنسيق بديع ، وطهي متقن . ووضعت ذلك على طاولة نظيفة ، صفت حولها الكراسي بعدد الحضور .
فلما تم الأمر ، واطمأن صاحب الدعوة على التنسيق الطعام ، وحسن توزيعه أمام الضيوف ، وحانت لحظة الانتقال ؛ تقدم فدعا إخوانه إلى الطعام في الحجرة المجاورة .
انتقلوا إلى الحجرة المجاورة ، وما إن تقدم أحدهم ـــ وقد كان شابا متحمسا للإسلام مسموع الكلمة بينهم ـــ حتى رفض الأكل على الطاولة ، معتبرا ذلك مخالفة للسنة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم (( لم يأكل على خوان قط)).
أحدث الموقف ضجة وربكة ، وأثار امتعاضا وبلبلة ، وتقدمت الأيد فرفعت الطعام عن الطاولة ، فمن حامل للصحون ، إلى حامل للملاعق ، إلى رافع الأكواب ...و...و...
أخرجت الطاولة حتى يتسع المكان ويتمكنوا من فرش الأرض ، وأخرجت الكراسي حيث لا لزوم لها ، وفرشت أوراق الجرائد!!! ووضع الطعام عليها ، وتحلق القوم بين راض وساخط ، مقر ومعترض .
أما صاحب الدعوة فقد آلمه هذا الصنيع ، وأفقده الإحساس بالرضى ، ومما لا شك فيه أن أهله أشد منه امتعاضا ، فما من امرأة في الوجود إلا وتعتبر جودة الطعام ، ودقة إعداده ، وحسن تنسيقه من أهم اختصاصاتها ، يسعدها الثناء عليها في ذلك ، ويسوؤها أن تضيع جهودها عبثا ويؤلمها أن تتفوق امرأة أخرى عليها           
أكلوا الطعام بين راض وساخط ، مستريح ومنغص عليه ، وكثرت الاعتراضات والمداخلات والتساؤلات حول الابقاء على منضدة السفرة أم إلغائها واستبدالها بجلسة أرضية                                     
...و...و...
الإسلام دين الذوق الرفيع ، والإحساس المرهف ببدائع صنع الله ، وهو دعوة إلى الترقي في حياة الفرد المسلم ، وفي حياة الجماعة المسملة يوما بعد يوم .
والإسلام مع التطور والتقدم نحو الرقي والكمال بمعناها الحقيقي الذي يجعل الإنسان في سعادة وهناء ، لا التطور الوهمي الواقف عند القشور غير النافذ إلى اللباب . ولقد نعى القرآن الكريم على أولئك الجامدين الواقفين عند القديم ـــ من حيث هو قديم ـــ دون استخدام العقل فيما يفيد الإنسان ، فقال تعالى : ((قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ، قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون ، أنتم وآباؤكم الأقدمون) [الشعراء:74ـ76]. والإسلام لا يمانع أن نكتسب عادات حسنة من غيرنا ، إن كانت صالحة لنا وللحياة ، وليس لها تأثير سلبي على عقيدتنا ، بل يحصن أتباعه على البحث عن كل نافع في الحياة يعين على أمر الله في يسر وسهولة ، وكلما كان الأمر أيسر على الإنسان ، كان الإسلام إليه أميل ، ما لم يكن إثما أو قطيعة رحم .
ومن المسلمات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها أرسل ، لم يرسل لنسف قواعد المجتمع القائم من أساسها ، ولكنه بعث لتصحيح الانحراف في العقيدة ، وما تبعه من انحراف وخلل في السلوك . أما ما كان حسنا ، موافقا الفطرة والهدى ؛ فقد أقرهم عليه ولم يلغه . وهذا واضح تماما في موضوع الأنكحة في الجاهلية ، حيث أبطل ما لا يتفوق والفطرة ، وأبقى الأسلوب أو النهج الحسن ، الذي يرضى عنه االله تعالى ، وفيه مصلحة الأطراف جميعها . ففي صحيح البخاري عن عروة بن الزبير أن عائشة (رضي الله عنها) زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء ، منها نكاح الناس اليوم ، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها ، وهذا الذي أقرهم الاسلام عليه وألغى الثلاثة الأخرى وهي :نكاح الاستبضاع ، والعشرة يدخلون على المرأة الواحدة ، والبغاء (1) . وواضح أيضاً في موضوع حلف الفضول الذي قال عنه الرسول (صلى الله عليه وسلم): (( لو دعيت به في الإسلام لأجبت ))(2).
فهو إذن لا يلغي كل شيء من المجتمع ، بل يلغي السيىء ، ويبقى على الحسن .
ومن المعلوم أيضاً أن السنة : قول أو فعل أو تقرير ، وعندما يقر النبي (صلى الله عليه وسلم) إنساناً على شيء فقد وافقه ، ويلمح في الإقرار جانب طبيعة الناس وعاداتهم المتأصلة فيهم ، فهو إن أقر شيئاً ، أقر عادة أو فهماً أو رأياً أو سلوكاً ، وهذه الأمور لا تنبت من فراغ ، بل من خلفية عند الإنسان ، هي المجتمع وما يسود فيه من قيم فكرية أو سلوكية... الخ.
أما السنة الفعلية ، فهي تصنف تحت العزائم ،فما يفعله الرسول (صلى الله عليه وسلم)  قد لا يستطيع فعله عموم الناس ، فمن يستطيع أن يصوم صومه ؟ أو قيامه؟ أو يذكر الله ذكره ؟... الخ ولذا فهي لأصحاب العزائم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)        انظر الحديث في فتح الباري ج9 ص 150.
(2)        فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي ص 75 ط الرابعة دار الكتب الحديثة .
أما السنة القولية ، فهي تصنف في الرخص ، وهي لعامة الناس وخاصتهم ، ولذا يقول (صلى الله عليه وسلم) : (( ... فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ))(1).
ومن المعلوم أيضاً ، أن سلوك الرسول (صلى الله عليه وسلم)     في حياته قسمان : قسم لكونه نبي ، فنحن متأسون به فيه ، ولنا الأجر لقوله تعالى : (بقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) [ الأحزاب:21]. وقس خاص به  لكونه بشر ، نقلده ونتبعه إن أردنا ، دون إلزام ، أو لا تتبعه فيه دون أن يكون علينا إثم أو مؤاخذة ، من ذلك: عدم أكله الضب ن فلما قال له خالد بن الوليد (رضي الله عنه) : أحرام الضب يا رسول الله ؟ قال: ((لا ، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعاقة )) (2) فهذا جانب شخصي بحت .
هذه مقدمة تيسر لنا الدخول في صلب موضوعنا ، وهو تناول الطعام على طاولة السفرة .
أما الحديث الذي استشهد به المعترض على طاولة السفرة فهو لأنس (رضي الله عنه) وله روايتان في صحيح البخاري :
الأول : عن قتادة عن أنس (رضي الله عنه) قال : لم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم على خوان حتى مات ، وما أكل خبزا مرفقا حتى مات ))(3).
(1)        متفق عليه . اللؤلؤ والمرجان ص 309 حديث 846 .
(2)        متفق عليه . اللؤلؤ والمرجاني ص 507 حديث 1273
(3)        فتح الباري ج 11 ص 234

والثانية : عن قتادة عن أنس (رضي الله عنه) قال : ما علمت النبي صلى الله عليه وسلم أكل على سكرجة قط ، ولا خبز له مرفق قط ، ولا أكل على خوان قط . قيل لقتادة فعلى ما كانوا يأكلون ؟ قال : على الشفرة)) (1) .
ورد في هاتين : الروايتين ثلاث كلمات ، في حاجة لتوضيح وهي : خوان ، سكرجه ، السفر.
أما الخوان : فهو المائدة ما لم يكن عليها الطعام ، وهي ما يؤكل عليه ، أو يوضع عليه الطعام للأكل ، وهو شيء مرتفع عن الأرض ، ويشبهه في زمننا هذا المنضدة (الطاولة) والطبلية ، وكل ما يرتفع عن الأرض . والكلمة (خوان) معربة .
               والسكرجة : قصعة مدهون، وقيل قصعة لها قوائم ، وهي أيضا إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الإدم . وهي (فارسية) . ويشبهها في زماننا الصحون العميقة والسلطانيات ... الخ ..
والسفر : جمع سفرة ، والسفرة طعام المسافر ، وما يحمل فيه هذا الطعام من منديل ونحوه ، وسميث سفرة لأنها تبسط إذا أكل عليها .
ويشبهها في زماننا مفارش النايلون ، والخوص ، والورق ، والمشمع ... الخ ما يوضع على الأرض مباشرة (2) .
والسؤال الآن : لماذا لم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الأشياء أو فيها أو يستعملها؟
(1)        فتح الباري ج 9 ص 438
(2)        انظر في هذا الشرح : فتح الباري ، لسان العرب المحيط ، المعجم الوسيط.

والجواب : إما لأنها كانت غير معروفة لهم ، أو معروفة ولكنها غير منتشرة . وإما زهدا من النبي صلى الله عليه وسلم .
ولنناقش هذين الجوابين حتى نصل إلى الحقيقة ، ولنقف عند الجواب الأول : أنها غير منتشرة عندهم وفي زمانهم .
قال العسقلاني في الفتح ( ج 9 ص 438)
: (( قال شيخنا في شرح الترمذي : تركه الأكل في السكرجة إما لكونها لم تكن تصنع عندهم غذ ذاك ، أو استصغارا لها ، لأن عادتهم الاجتماع على الأكل ،
أو لأنها ... كانت لوضع الأشياء التي تعين على الهضم ، ولم يكونوا غالبا يشبعون ، فلم يكن لهم حاجة بالهضم)).
ويؤكد هذا الرأي أن أنسا ( رضي الله عنه) كان من آخر الصحابة وفاة ، فقد عمر حتى بلغ مئة وثلاث سنين ، ومات سنة ثلاث وتسعين من الهجرة (1) في خلافة الوليد بن عبد الملك (3) وقد استعمله أبو موسى الأشعري (رضي الله عنه) عندما كان واليا على البصرة ، فجعله عاملا له على فارس (3) .
إذن فقد عاش أنس (رضي الله عنه) حتى فتحت البلاد مثل فارس والروم ، واختلطت الشعوب ، ودخلت عادات وكلمات لم يكن للعرب عهد أو علم لها ، أو كان لهم ، ولكنها لم تكن منتشرة في محيطهم مثل خوان وسكرجة . وهذا يؤكد أن كلام أنس (رضي الله عنه)
_______________________
(1) أنس بن مالك لعبد الحميد طهماز ص 174
(2)تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 209
(3)        أن بن مالك لعبد الحميد طهماز ص 157

عنه ) حدث بعد انتشار هذه الأشياء في بيوت المسلمين على أثر احتكاكهم بالفرس ، لا سيما وقد عمل أنس (رضي الله عنه) في بلاد فارس ـــكما تقدم ـــ.
 ومما يقوى هذا الرأي ، أن المسلمين الأوائل كان فيهم الأغنياء والسادة ، ولم نقرأ أو تسمع أنهم كانوا يملكون شيئا من تلك الأشياء ، مع علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل في بيوت بعضهم وعلى موائدهم ، ولا يعقل ألا يستخدموها إذا كانت متوفرة في بيئتهم .

أما الجواب الثاني : أنه لم يأكل عليها أو يستخدمها زهدا منه فقد أورد العسقلاني في الفتح (ج11ص234) قول ابن بطال : ((تركه عليه الصلاة والسلام الأكل على الخوان وأكل المرفق إنما هو لدفع طيبات الدنيا اختبارا لطيبات الحياة الدائمة)).

ونحن لا نميل الى هذا الرأي ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في زمانه وفي مجيطه من يأكل على أو في هذه الأشياء ويستخدمها ، رغم أن فيهم الأغنياء والسادة ـــ كما أسلفت ـــ ولم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه امتنع عن الأكل عند بعضهم لأن عنده خوان أو سكرجة أو ما شابه ذلك بدافع الزهد أو الترفع عن نعيم الدنيا. قال ابن القيم تعليقا على موضوع الضب : (( بل كان يأكل ما جرت عادة أهل بلده بأكله)) (1) فقضية العادة واردة ، وكما هو معروف من حياة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يجد ما يملأ به بطنه ، فإن وجد أكل وتنعم ، فقد
(1)        زاد للعاد ج 4 ص 217

أكل الثريد (1) واحتز من كتف الشاة (2) واختص بطعام أو شراب اتحافا له (3) . وهو أعلم خلق الله بقوله تعالى : (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) [الأعراف:32] وهو الملام في قوله تعالى : ( يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك ولله غفور رحيم) [التحريم:1] أتراه بعد ذلك يقف هذا الموقف ؟!
كما أن الأكل في هذه الأشياء أو عليها لا ينافي الزهد ، لأن الزهد ليس في هذه ليس في هذه الأمور ، بل قد يأكل المرء ويلبس ويتنعم في الحياة وهو من أزهد الناس ، قال سفيان الثوري : الزهد في الدنيا قصر الأمل ، وليس بأكل الغليظ ولا لبس العباء ، وقال الحسن البصري : ليس الزهد في الدنيا يتحريم الحلال ولا إضاعة المال ، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك ، وكان الفضيل بن عياض يقول عمن ترك الطيبات من اللحم والخبيص للزهد : ما للزهد وأكل الخبيص ، ليتك تأكل وتتقى الله ، إن الله لا يكره أن تأكل الحلال إذا اتقيت الحرام (4) ...
يتبين لنا من السود السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكل على خوان أو في
(1)        رواه البخاري من حديث أنس (رضي الله عنه) . روضة المحبين لابن القيم ص 398
(2)        متفق عليه . اللؤلؤ والمرجان ص74 حديث 201
(3)        حديث سهل بن سعد في صحيح البخاري . انظر فتح الباري ج9ص205
(4)        من كتاب مخطوط للمؤلف بعنوان ((وفقيد آخر))

سكرجة لأنها كانت غير مألوفة ولا متوفرة في زمانهم ولا محيطهم ، وليس للزهد أو التقشف .
ثم إن حديث أنس (رضي الله عنه) بروايتيه ، ليس الإلزام،ولكنه مجرد إخبار ، والإخبار غير ملزم إذا أخذنا بعين الاعتبار موضوع السنة من قول أو فعل أو تقرير .
ويؤكد عد الإلزام أن أنسا نسفه (رضي الله عنه) كان له خوان يأكل عليه ، ويتمتع بالطيبات . أورد العسقلاني في الفتح (ج9ص437) : ((عن قتادة ؛ كنا تأتي أنسا وخبازه قائم ، زاد ابن وماجه : وخوانه موضوع . فيقول : كلوا ، وفي الطبراني من طريق راشد بن أبي راشد قال : كان لأنس غلام يعمل له النقانق ويطبخ له لونين طعاما ويخبز له الحواري ويعجنه بالسمن )).
ولو كان الأمر ملزما ، لكان أنس (رضي الله عنه9 أول وأسرع من يلتزم ، ثم إن الأحاديث التي تخبز عن حياة النبيصلى الله عليه وسلم يهذه الصيغ كثيرة (( ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم شبعتين)) (( ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غذاء وعشاء)) ((ما جمع بين غداء وعشاء ثلاثة أيام ولاء)) (( ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منخلا من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه إليه))(1)
والإخبار هنا لا يخرج  عن قول من يقول في زماننا هذا : (( ما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب في غواصة قط )) أو (( ما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الأهرامات قط)) أو (( لم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم الموز حتى
(1)        انظر في هذه الأحاديث الترغيب والترهيب ج 4 ص 190ـ200 .

مات)) لا فرق بين هذه العبارات وتلك التي في حديث أنس (رضي الله عنه) .
كما ان النفي في الحديث تضمن عدة أشياء منها : ما أكل مرفقا . ونحن الآن نأكل المرقق بلا حرج ، ونأكل لب القمح ، بل لب القمح هو الغالب على دقيق الناس اليوم ، وأكثره وفرة حتى تكاد تعجز أن تجد دقيقا بنخالته في ظل المطاحن الحديثة والدقيق المستورد ، بينها النبي صلى الله عليه وسلم ـــ بأبي وأمي  ــ كان يأكل مطحون الشعير بلا منخل ، لقلة الطعام وعدم توفره هذه الأشياء كما أسفلنا .
وخلاصة القول :
أن الاسلام يحث على طلب كل ما يسر الحياة للناس من غير إثم ، والطاولة من تيسير الحياة ، لاسيما إذا وجدت ، وربات البيوت أعلم الناس بذلك ، كما أن هناك فئة من الناس لا تحسن التربع أو الجلوس أرضا لأسباب خلقية ( جسدية )
وأن الإسلام مع الرقي والتطور الذي لا يمس عقيدة الناس وسلوكهم بسوء ، وهو دين شامل للناس جميعهم ، وللبيئات كافة في كل زمان .
وأن طاولة السفرة لا ارتباط بينها وبين الزهد أو التواضع من قريب أو بعيد ، فقد يكون الكبر مع الأكل على الأرض ، كما يكون مع الأكل على الطاولة ، والعكس أيضا صحيح .
وأن الاهتمام بمثل هذه القضايا وجعلها محور الحياة ، يصرف الناس والشباب عن أشياء أهم وأنفع لهم والسلام وللدعوة .




الاختلاط العائلي

الاختلاط العائلي

دخل الرجل بيت أخيه ، فسلم وجلس ،وأخذ يتجاذب أطراف الحديث مع أخيه ... وبعد فترة ، وإذا بنقرات على  الباب الداخلي ، فقام صاحب البيت وأحضر الضيافة ... دهش الأخ الزائر لهذا التصرف ؛ فإن زوجة أخيه ، والتي هي ابنة عمه ، والتي نشأت معها أطفالا ، لا تظهر عليه .. ولا تكلمه ..!! نمط جديد في السلوك لم يتعوده ..!!

المرأة فهمت بعض تعاليم الإسلام بعد جفاء وطول غفلة ، وأرادت الأسرة أن تطبق ما فهمت من تعاليم الإسلام فتحجبت المرأة ، ولم تعد تتكلم أو تجلس مع أقاربها أو أقارب زوجها من الرجال ..

شعر الأخ الزائر بشيء من الإهانة لا سيما وهو الأخ الإكير ، ثارت الدماء في عروقه ، غضب ، ولم تفلح الحجج القوية في إقناعه ، وغضب لغضبته الأب والأم واللإخوة والأخوات ... وتقطعت حبال المودة ، وذر الخلاف والجفاء بقرنه بين الأخوين ، ومن ثم الأهل وهذه الأسرة التي بدأت تسير على طريق الإسلام ، فانقسموا إلى فريقين ، وكلاهما يتصور أنه على الصواب .



الإسلام دين الفطرة السوية ، وهو دين المودة وصلة الأرحام ، ولم يحرم الإسلام شيئا إلا لضرر محقق يلحقه بالناس ، فتعاليمه لحماية المجتمع ، لا لتفتيت الناس ، وتقطيع الأرحام .

ولما كان الناس قد بعدوا عن دينهم ، وحلت محله الأعراف الخاطئة ، سلكوا مسالك عدة ، استعاضوا بها عن الدين ، وفهموا لطول الممارسة أن هذا هو الصحيح ، وما عداه باطل . 

فلما بدأ الناس يرجعون إلى تعاليم دينهم ، وأخذت الصحوة الإسلامية طريقها إلى القلوب ؛ فهم بعض الناس الإسلام على غير وجهه ، فهم جاؤوا الأمر من أقصاه إلى أقصاه ، في حين أن رجعتهم إلى الإسلام وسلوكيات الإسلام لا تعني محاربة كل شيء في المجتمع ، فإن بعض القيم والعادات السائدة لها جذورها الإسلامية ، ومن الخطأ محاربتها والتصادم معها .

ومن هنا يأتي الشاب الملتزم أو الشابة الملتزمة فيريدان تطبيق الإسلام ـــ بفهمهم الخاص ـــ فيصطدمان مع سلوكيات اجتماعية لا يعارضها الإسلام ، وإن كان يهذبها .



فلو أن الناس عدلوا قليلا في بعض سلوكياتهم لاتفقت مع روح الإسلام و تعاليمه ، دون مشقة وعسر ، أو خلاف يقطع أواصر المحبة ووشائج القربى .

والسؤال : هل الإسلام يمنع أن تجلس المرأة مع أقاربها أو أقارب زوجها من الرجال في وجود محرم لها ، وبلباس شرعي محتشم ، متقيدة بشروط التقوى ؟



لقد كانت حياة الصحابة ــــ رضوان الله عليهم ــــ خالية من العقد النفسية ، والحساسية المتعبة التي يعيش فيها ناس هذا الزمان ، ولقد كان الإختلاط بينهم ــــ بشروطه الشرعية ـــ حاصلاً دون حساسية أو سوء ظن ، والأحاديث والوقائع في ذلك كثيرة: فقد ذكر البخاري ــــ رحمه الله ــــ في باب ((تسليم الرجال على النساء والنساء على الرجال)) حديث سهل رضي الله عنه ـــ قال: كنا نفرح يوم الجمعة ، قلت لسهل : ولم ؟
 قال : كانت لنا عجوز (وفي كتاب الجمعة : كانت لنا امرأة) ترسل إلى بضاعة ( قال ابن مسلمة راوي الحديث: نخل بالمدينة ) فتأخذ من أصول السلق فتطرحه في قدر وتكركر حبات من شعير ، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا ، ونسلم عليها فتقدمة إلينا فنفرح من أجله ... إلخ الحديث (1).

قال العسقلاني في الفتح : ((... فلو اجتمع في الجلس رجال ونساء جاز السلام من الجانبين عند أمن الفتنة ))
(1)(لاحظ: السلام غير المصافحة) .

وذكر البخاري أيضاً في باب (( قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس )) حديث سهل بن سعد (رضي الله عنه ) قال :لما أعرس أبو أسيد الساعدي دعا النبي (صل الله عليه وسلم) وأصحابه ،  فما صنع لهم طعاماً ولا قربه إليهم إلا امرأته أم سيد ، بلت تمرات في ثور من حجارة من الليل ، فلما فرغ النبي (صل الله عليه وسلم) من الطعام أمانته له فسقته تتحفه بذلك (2)

وفي رواية : ( فكانت امرأته خادمهم يومئذ وهي العروس ) . قال العسقلاني في الفتح : ((... وفي الحديث جواز الخدمة المرأة زوجها ومن يدعوه ، ولا يخفى أن محل ذلك عند أمن الفتنة ، ومراعاة ما يجب عليها من الستر )) (3)

وروى مسلم ـــ رحمه الله ـــ عن أنس (رضي الله عنه) قال: قال أبو بكر لعمر (رضي الله عنه) : انطلق بنا إلى أم أيمن ( رضي الله عنه ) نزورها كما كان رسول الله (صل الله عليه وسلم) يزورها ، فلما انتهيا إليها بكت ، فقالا لها : ما يبكيك أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله (صل الله عليه وسلم) فقالت : إني لا أبكي ، إني لأعلم ما عند الله تعالى خير لرسول الله (صل الله عليه وسلم) ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء ، فهيجتها علىالبكاء ، فجعلا يبكيان معها )) (1) . قال النووي في شرح صحيح مسلم: (( فيه زيارة جماعة من الرجال للمرأة الصالحة وسماع كلامها )) (2) .

أما حديث عقبة بن عامر (رضي الله عنه) أن رسول الله (ص) قال: ((إياكم والدخول على النساء . فقال رجل من الأنصار : أفرأيت الحمو قال : الحمو الموت)) (3) فإنه يعني الدخول عليها

والخلوة بها دون محرم . ويوضح ذلك تمام التوضيح حديث ابن عباس (رضي الله عنها) أن رسول الله (صل الله عليه وسلم) قال: (( لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم)) (4) .

ولا شك أن كلمة ((يخلون)) تعني الجلوس معها والانفراد بها ، لأن الاستثناء في قوله (صل الله عليه وسلم): ((إلا مع ذي محرم)) يعني: إذا كان المحرم موجودا فلا بأس بالتواجد معها في مكان واحد . ويدل على ذلك أيضا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنها) قال رسول الله (صل الله عليه وسلم): (( لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان)) (5) . والمغيبة هي التي غاب عنها زوجها . أما قوله تعالى في  شأن نساء النبي (صل الله عليه وسلم): (...وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ، ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما) [الأحزاب:53] فإن ذلك خاص بنساء النبي (صل الله عليه وسلم ) ، فإذا تقيدت به امرأة من عامة الناس فلا بأس ، وإن لم تفعل فلا حرج عليها . أما دعوى أن هذا الأمر يلزم كل النساء فلا دليل عليها.

وأما قول من قال: أن هذا في شأن نساء النبي (صل الله عليه وسلم) وهن أطهر من غير هن وأتقى ، فالأمر ألزم في شأن من دونهن ، فهذا أمر مردود ، لأن الله عزوجل أراد أن يحيط بيت النبوة بسياج لا تنفذ منه الريبة ، ويعصمه من كل خلل ، لأنه أصل الرسالة ، وعنهن يؤخذ العلم ، وهذا وضع خاص بهن ، بدليل أن الله عزوجل ضاعف لهن العذاب ، كما ضاعف لهن الثواب كذلك :( يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين، وكان ذلك على الله يسيراً ، ومن يقنت منكن الله ورسوله وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا
 لها رزقاً كريماً ، يا نساء النبي لسن كأحد من النساء...)  وهذا وضع متميز لمكانتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعلى هذا نقول: أنه في حالة الأقارب الأدنيين ، والأصهار الأقربين، الحالة التي يشق على الناس فيها العزلة التامة، بأس أن تجلس المرأة معهم ، في وجود أحد محارمها كالأب والأخ والزوج والابن والعم والخال والجد ....، محتشمة حشمة واضحة ، اّخذة بأسباب التقوى ، وهذا حال الفلاحات في القرى والبدويات في البادية منذ القدم إلى يومنا هذا ، حيث يقمن بخدمة الضيوف ، والتردد على مجلسهم، ومخالطة الرجال الأجانب (غير الحارم)في الأسواق والحقول ، وهن متحفظات بسترهن وحشمتهن (1).

وإن شعرت أن هناك سبباً يخل بذلك ، ولا تأمن فيه من الفتنة فلتتحرز من ذلك جهدها ،وإن أخذت بعدم الجلوس معهم أو الظهور عليهم والاختلاط  بهم بالشروط السابقة ، دون عسر أو إحداث خلاف أو تقطيع رحم ، فهو أولى وأكمل ، وتكون أخذت بالعزائم،والله يوفقها ويثيبها على نيتها.