الاثنين، 30 يناير 2023

حكم مجالس العزاء ؟!

 مجالس العزاء

———————-
مع الاسف ان هذا الشيخ وامثاله يحرمون اموراً كثيرة من غير دليل على التحريم ولا تفصيل لذلك.
والحق: ان التعزية مشروعة لثلاثة ايام وليس لها كيفية معينة الفاظاً ومكانا. فيمكن ان تعزي صاحب المصيبة في الشارع وفي المسجد وفي اي مكان ومن ذلك الجلوس في البيت لاستقبال المعزين الذي اصبح عادة للناس وذلك لتسهيل المهمة عليهم . وليس هناك من دليل يحرم ذلك او يكرهه . بل ان ماراه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن فالجلوس للتعزية لا مخالفة فيه لنص بل هي عادة تسهل للمعزين تعزية ذويهم واصدقائهم واقارب الميت.
والمنهي عنه في هذه المجالس المخالفات الشرعية كتقديم السجاير والتدخين وكثرة اللغط والكلام متزامناً مع قراءة القران. اما مجرد تقديم الطعام للمعزين - وان كانت السنة ان يكون من غير اهل الميت - فانه اذا خلا من التبذير والاسراف والصرف من اموال القاصرين فانه لا باس به خصوصاً للضيوف القادمين من بعيد.
والله اعلم
الشيخ الدكتور
عبدالحكيم عبدالرحمن السعدي

الثلاثاء، 17 يناير 2023

الطلاق فى موضع الخلع تحايل على الشرع وخطيئة، والعكس

 رسالة للزوجين ( الطلاق فى موضع الخلع تحايل على الشرع وخطيئة، والعكس)

للزوج: الخلع في موضع الطلاق تحايل على الشرع وإثم وخيانة
للزوجة: الطلاق في موضع الخلع تحايل على الشرع وإثم وخيانة
====================================
الأصل أن تكون الحياة بين الزوجين قائمة على:
1- المودة والرحمة قال الله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21].
2- العشرة بالإحسان والمعروف ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 228]، وقال: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء: 19]
فإذا اختل هذا الأصل ودبت روح النزاع والشقاق والفرقة واستحالت العشرة بين الزوجين ، فقد شرع الإسلام الخلع أو الطلاق ولكل واحد منهما موضعه.
- إن كرهت الزوجة زوجها فقد شرع الإسلام لها الخلع.
- إن كره الزوج زوجته فقد شرع الإسلام له الطلاق .
==========================================
**** المشكلة هنا أنه كثيرا ما يحدث تحايل على شرع الله ،وتحايل على الأهل ، وتحايل على المجالس العرفية أو المحاكم.
وذلك بأن يكره الرجل المرأة بلا مشكلة عندها ولكنه لا يريد إعطائها كافة حقوقها فيقوم بتنغيص حياتها بالضرب، والسب، والإهانة حتى يجبرها على الخلع فيكون الظاهر أمام الناس والمحاكم والمجالس العرفية أنه خلع لكن الحقيقة أنه طلاق .
الزوج الذى يفعل ذلك آثم متحايل على الشرع خائن، وقد يعجل الله له العقوبة فى الدنيا بالتضييق فى الرزق أو قلة البركة بسبب أكله مال الزوجة وحقوقها بالباطل ، كما أنه سيعاقب فى الآخرة فإن استطاع أن يقنع الناس فى الدنيا ويخدعهم ، فلن يستطع فعل ذلك مع من يعلم السر وأخفى .
وأيضا قد تكره المرأة الزوج بلا مشكلة عنده ، ولكنها تريد الحفاظ على حقوقها فتقوم بتنغيص حياته وتتفنن فى النكد، والهجران، وسوء الأدب حتى توصله وتجبره على الطلاق فيكون الظاهر أمام الناس والمحاكم والمجالس العرفية أنه طلاق لكن الحقيقة غير ذلك .
الزوجة التى تفعل ذلك آثمة متحايلةعلى الشرع خائنة وقد يعجل الله لها العقوبة فى الدنيا بقلة البركة أو بولد عاق أو بزوج سيئ الخلق يهينها ، كما أنها ستعاقب فى الآخرة فإن استطاعت أن تقنع الناس فى الدنيا وتخدعهم ، فلن تستطع فعل ذلك مع من يعلم السر وأخفى .
فعلى الزوجين أن يتقيا الله فى بعضهما فإما العشرة بالمعروف أو الفراق بالمعروف ووضع كل شيئ فى موضعه .
وعلى أهل المجالس العرفية والحكمين أن يتفطنوا إلى تحايل الرجل أو المرأة ليكون حكمهم صحيحا.

الجمعة، 13 يناير 2023

شبهة ارضاع الكبير ؟!

 


💥شبهة ارضاع الكبير 💫
السؤال: شيخنا بخصوص ارضاع الكبير والشبهات والطعن من الاعداء والمنافقين على ان الشريعة تبيح للمرأة ان ترضع الرجال من ثديها ليصيروا محرما لها ! فما حكم ارضاع الكبير عند العلماء وما ردهم على هذه الشبهات ؟جزاكم الله خيرا
الجواب: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:
💎فقد كثرت في هذا العصر اثارة الشبهات حول الاسلام، وحول القران الكريم وحول السُّنة النبوية ورواتها من الصحابة الكرام ومن مصنفيها ورجالها وحَمَلتها، وهذه الشبهات تُثار من اعداء الاسلام ومن المنافقين، ومع الاسف يرددها كذلك بعض جهلة المسلمين ومن المخدوعين بالحضارة الغربية المزيفة.
ومن المعلوم أن إثارة الشبهات حول الإسلام ليست وليدة اليوم، وإنما بدأت في عصر النبوة، وكان الهدف من الشبهات صد الناس عن الدخول في الإسلام، أما اليوم فقد صار الهدف منها تشكيك المسلمين بإسلامهم وإخراجهم منه، وتشككهم في العقيدة الصحيحة، وزعزعة الثوابت الشرعية في نفوسهم، وهذه الشبهات التي تثار مدعومة بالمال والاعلام من دول وحكومات ومنظمات ومؤسسات عالمية وافراد !
ومن هذه الشبهات هي مسألة ارضاع الكبير لإثبات الحرمية من الرضاعة، وهي مسالة فقهية خلافية، وليست كما يروج لها الاعداء .
وقد اختلف العلماء في حكم إرضاع الكبير هل تثبت به الحُرمة أو لا؟ على ثلاثة أقوال :
👌القول الأول :إن إرضاع الكبير لا يوجب الحُرمة مطلقاﹰ ، وأنه لا يحرم من الرضاع إلاَّ ما كان في الصغر. وان حكم ارضاع سالم مولى ابي حذيفة من لبن زوجته خاص بسالم ولا يتعداه إلى غيره ، فهي حالة لن تتكرر لتحريم سببها وهو التبني ، والحكم يدور مع العلة وجودا او عدما لن يحتاج إلى الحكم لانعدام حصول العلة بتحريم التبني.
وهذا هو قول: جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وروي ذلك عن أُمراء المؤمنين عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، ومن الصحابة عبد اﷲ بن مسعود، وعبد اﷲ بن عباس، وابن عمر ، وأبي هريرة ، وجابر بن عبد اﷲ ، وسائر أمهات المؤمنين- رضي اﷲ عنهم أجمعين – واصحاب الحديث وهو مذهب الائمة الاربعة المتبوعين المرضيين.
واستدلوا بادلة كثيرة منها بما يأتي:
1- قوله تعالى: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } [البقرة:233 ].
وجه الدلالة : أن اﷲ عز وجل جعل تمام الرضاع في الحولين فدل على أنه لا حكم للرضاع بعد الحولين.
وقوله تعالى : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } [لقمان:14 ]. وقوله تعالى: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا }.[الاحقاف:15 ].
وجه الدلالة من الآيتين : بأن أقل مدة الحمل ستة أشهر فبقي مدة الفصال حولين ، ولا رضاع بعد الفصال.
2-وبحديث ام المؤمنين عائشة –رضي الله عنها- في صحيح مسلم ان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: ((انْظُرْنَ إِخْوَانَكُنَّ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ)). والمعنى: أنظرن ما سبب هذه الأخوة فإن حرمة الرضاع إنما هي في الصغر حيث تسد الرضاعة المجاعة.
قال الامام ابن القيم في زاد المعاد [5/589 ]: (أن لفظة –المجاعة- إنما تدل على رضاعة الصغير ، فهي تثبت رضاعة المجاعة وتنفي غيرها ، ومعلوم يقيناﹰ أنه إنما أراد مجاعة اللبن لا مجاعة الخبز واللحم).
3-وبحديث ام المؤمنين ام سلمة -رضي ﷲ عنها –قالت : قال رسول اﷲ-صلى الله عليه وسلم-: ((لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرِّضَاعَةِ إِلَّا مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ فِي الثَّدْيِ، وَكَانَ قَبْلَ الفِطَامِ)) ، وقال الامام الترمذي بعد أن روى هذا الحديث : (هذا حديث حسن صحيح ،والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- وغيرهم أن الرضاعة لا تحرم إلاَّ ما كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يحرم شيئاﹰ).
4- بحديث عبد اﷲ بن مسعود –رضي الله عنه- قال : قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- : ((لا يُحَرَّمُ من الرضاع إلا ما أنبت اللّحمَ وأنْشَر العَظْم )). رواه ابو داود والامام أحمد. وقد فسّر النبي –صلى الله عليه وسلم- الرضاع المحرم بكونه دافعاﹰ للجوع منبتاﹰ للّحم منشزاﹰ للعظم فاتقاﹰ للأمعاء وهذا وصف رضاع الصغير لا الكبير لأن إرضاعه لا ينبت اللحم ولا ينشر العظم.[ينظر زاد المعاد لابن القيم 5/580 ].
👈القول الثاني :إن إرضاع الكبير يوجب الحرمة مطلقاﹰ كرضاع الصغير .
وهذا هو قول : أم المؤمنين عائشة –رضي اﷲ عنها -، والامام الليث بن سعد في المشهور عنه ، وعطاء بن أبي رباح . وهو قول ابن حزم الظاهري.
واحتجوا بالحديث الصحيح الذي رواه الامام مسلم وغيره وهذا لفظ ابي داود ؛ عن عائشة وأُمِّ سلمة – رضي الله عنهن-: (أن أبا حُذيفة بنَ عُتْبةَ بنِ ربيعة بنِ عبد شمسٍ كان تبنَّى سالماً وأنكحه ابنةَ أخيه هندَ بنتَ الوليد ابنِ عُتبة بن رَبيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصارِ، كما تبنَّى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - زيداً - وكان من تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناسُ إليه ووُرِّث ميراثَه، حتى أنزلَ الله عز وجل في ذلك {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} إلي قوله: {فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب: 5] فَرُدُّوا إلى آبائهم، فمن لم يُعلَم له أبٌ كان مولًى وأخاً في الدين - فجاءت سهلةُ بنتُ سهيل بنِ عمرو القُرشيّ ثم العامِريّ، وهي امرأةُ أبي حُذيفة، فقالت: يا رسولَ اللهَ، إنا كُنا نرى سالماً ولداً، وكان يأوي معي ومَعَ أبي حذيفة في بيتٍ واحدٍ، ويراني فُضُلاً، وقد أنزلَ الله فيهم ما قد عَلِمتَ، فكيف ترى فيه؟ فقال لها النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلم -: "أرضعِيه" فأرضعته خمسَ رضعاتٍ، فكان بمنزلة وَلَدِها مِن الرَّضاعة).
واجاب عنه الجمهور: بانه حكم خاص بسالم دون من عداه فهي واقعة حال، واستدلوا: بما رواه الأمام مسلم في صحيحه ، وغيره من حديث زينب بنت أبي سلمة : أن أمها أم سلمة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- كانت تقول: )أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ أَحَدًا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاللهِ مَا نَرَى هَذَا إِلَّا رُخْصَةً أَرْخَصَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَالِمٍ خَاصَّةً، فَمَا هُوَ بِدَاخِلٍ عَلَيْنَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ، وَلَا رَائِينَا).
وذهب بعض العلماء الى ان رضاع الكبير حكم منسوخ ، قال الامام الجصاص في احكام القران [3/68 ]: )وما كان منسوخا فالعمل به ساقط ، وقد ثبت عندنا وعند الشافعي نسخ رضاع الكبير فسقط حكمه).
👈القول الثالث: التفصيل في الحكم ؛وهو أن إرضاع الكبير يوجب الحرمة إذا دعت إليه الحاجة عند وجود المشقة في الإحتجاب عنه وعدم الإستغناء عن دخوله على النساء ، كحال سالم مع سهلة امرأة أبي حذيفة وإلا فلا يوجب التحريم وان لا يكون الرضاع مباشرا ،بل بواسطة اداة، لان المرأة قبل الرضاع أجنبية عن المرتضع.
وهذا هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية والامام ابن القيم، والامام الصنعاني، والامام الشوكاني.
ويجاب عليهم : ان حالة سالم مولى أبي حذيفة نادرة لن تتكرر ولن تنطبق على أحد بعده، وإنها واقعة عين لا يقاس عليها إلا مثلها، لان سالما هذا كان قد تبناه صغيرا أبو حذيفة ( قبل تحريم التبني )؛ فكان يعامل معاملة الابن من النسب من حيث دخوله و اختلاطه بأهل البيت كواحد منهم، ومثلها لا يقع ،لان التبني من بعد حالة سالم قد منع وحُرم.
قال الشيخ العلامة ابن عثيمين -رحمه اﷲ تعالى- في الشرح الممتع على زاد المستقنع [13/435 ]: )ليس مطلق الحاجة بل الحاجة الموازية لقصة سالم، والحاجة الموازية لقصة سالم غير ممكنة ؛ لأن التبني أبطل ، فلما انتفت الحال انتفى الحكم(.
وذهب الجمهور ايضا الى ان الرضاع الذي تثبت به الحُرمة؛ أي الرضاع الذي يكون به الطفل ابنًا للمرأة التي أرضعته من الرضاعة هو وصول اللبن إلى جوف هذا الطفل وهو رضيع، بما يوازي خمْسَ رضعاتٍ مشبعاتٍ، وليس بمجرد التقام الثدي.
👈وحالة رَضاع سالِم مولى أبي حذيفة-رضي الله عنهما- ليس من ثديها مباشرة بل حلبت سهلة بنت سهيل-رضي الله عنها- اللبن في إناء وشربه سالم حتى صارت أمًّا له من الرضاع.
وهذه الحالة كانت خاصةً بسالم كما نصَّ على ذلك أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- ومَن بعدهن من العلماء من التابعين والعلماء.
قال الإمام ابن عبد البر القرطبي المالكي في التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد [8 /257 ] : (إرضاع الكبير كما ذكر: يحلب له اللبن ويسقاه، وأما أن تلقمه المرأة ثديها كما تصنع بالطفل فلا؛ لأن ذلك لا يحل عند جماعة العلماء، وقد أجمع فقهاء الأمصار على التحريم بما يشربه الغلام الرضيع من لبن المرأة وإن لم يمصه من ثديها..).
فقد روى ابن سعد في الطبقات الكبير [10/257 ]: (كَانَ يَحْلُبُ فِي مِسْعَطٍ أَوْ إِنَاءٍ قَدْرَ رَضْعَةٍ فَيَشْرَبُهُ سَالِمٌ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَةَ أَيَّامٍ ، وَكَانَ بَعْدُ يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَهِيَ حَاسِرٌ رُخْصَةً مِنْ رَسُولِ اللهِ لِسَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ).
وقال الامام ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث [1/437 ] ): فأراد رسول الله -صلى الله عليه و سلم - بمحلها عنده، وما أحب من ائتلافهما، ونفي الوحشة عنهما ـ أن يزيل عن أبي حذيفة هذه الكراهة، ويطيب نفسه بدخوله، فقال لها: أرضعيه ـ ولم يرد: ضعي ثديك في فيه، كما يفعل بالأطفال، ولكن أراد: احلبي له من لبنك شيئا، ثم ادفعيه إليه ليشربه، ليس يجوز غير هذا، لأنه لا يحل لسالم أن ينظر إلى ثدييها، إلى أن يقع الرضاع، فكيف يبيح له ما لا يحل له وما لا يؤمن معه من الشهوة؟)
وقد ذُكر في الحديث ان سبب ذهاب سهلة بنت سهيل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- هي أنها كانت ترى الكراهة أي (الضيق) في وجه أبي حذيفة من دخول سالم إلى بيتهما، فهل سيقبل أبو حذيفة بالتقام سالم لثدي زوجته، وهو الذي كان يتضايق من مجرد دخوله إلى البيت ؟ وكذلك فإنه لا يجوز لسالم أن يرى ثدي سهلة حتى وهي أمه من الرضاع فكيف جاز له أن يرى ثديها قبل هذا التحريم ؟!
👍الخلاصة والمفتى به:
هو ما رجحه جمهور العلماء سلفا وخلفا من أن رضاع الكبير لا تثبت به محرمية مطلقاً، وأنه لا يحرم من الرضاع إلاَّ ما كان في الصغر، وأن واقعة سالم – رضي الله عنه – واقعة عين خاصة به دون سواه ، فهي حالة لن تتكرر لتحريم سببها وهو التبني، والحكم يدور مع العلة وجودا وعدما، ولن يحتاج إلى الحكم لانعدام حصول العلة بتحريم التبني، وبالتالي فإن من يقول بأن رضاع الكبير يُحرم كالنسب فهو قول مرجوح ومردود بالاحاديث الصحيحة وبأقوال جمهور العلماء سلفا وخلفا.
ومن المعلوم أن العلماء قد اجمعوا على أنه لا يجوز أن يرى ويمس ثدي المرأة من الرجال غير زوجها، وإلا فإن التعسف والقول بالرضاعة المباشرة فيه نكارة شديدة
ذلك أن حذيفة-رضي الله عنه- كان يغار من دخول مولاه سالم على زوجته، فكيف يأمرها النبي-صلى الله عليه وسلم- بأمرٍ يغار منه المرء أشد من غيرته من الدخول، ألا وهو الرضاعة؟! .
وبالإضافة الى ذلك فانه لا يشترط عند الجمهور التقام الثدي في الرضاع المعتبر والذي تثبت به حرمة النكاح، إذ اعتبروا وصول اللبن إلى الحلق بأي طريق كان مثل صب اللبن في الفم من غير التقام الثدي، وشربه رضاعا .والله تعالى اعلم
✍د. ضياء الدين عبدالله الصالح

الاثنين، 2 يناير 2023

حكم زيادة لفظي : (اللهم) و (الواو) في التحميد عند الرفع من الركوع

 شرح وتوضيح ...

حكم زيادة لفظي : (اللهم) و (الواو) في التحميد عند الرفع من الركوع فيقول : (اللهم ربنا ولك الحمد) ...
اتفق المحدثون والفقهاء على صحة ورود زيادة لفظي : (اللهم) و (الواو) في التحميد عند الرفع من الركوع .
ولكنهم اختلفوا في الأفضلية والترجيح بين الصيغ الواردة على أقوال :
١- حذفهما وزيادتهما سواء بلا ترجيح بينهما ولا تفضيل : فلا فرق بين أن يقول المصلي : (ربنا لك الحمد) أو يقول : (اللهم ربنا ولك الحمد) ؛ لصحة الرواية بهما ، وبه قال الإمام النووي رحمه الله .
٢- حذفهما أفضل : لأن الأصل عدم التقدير ، ونسب للإمام الشافعي رضي الله عنه ، والصحيح عنه أنه مع الجمهور ، وهذا القول لبعض الشافعية .
٣- زيادتهما أفضل ، بشرط عدم الجمع بين لفظ (اللهم) ولفظ (الواو) في آن واحد : فليس له أن يقول : (اللهم ربنا ولك الحمد) ولكن له أن يقول : (اللهم ربنا لك الحمد) أو يقول : (ربنا ولك الحمد) ؛ استنادا بأن ذلك غالب فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رواية عن الإمام أحمد رضي الله عنه ، واختاره ابن القيم رحمه الله .
٤- زيادتهما مع الجمع بينهما أفضل، وتكون الأفضلية حسب الترتيب الآتي:
أ‌- (اللهم ربنا ولك الحمد) .
ب‌- (اللهم ربنا لك الحمد) .
ت‌- (ربنا ولك الحمد) .
ث‌- (ربنا لك الحمد) .
وهذا قول جماهير المحدثين والفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة ؛ لصحة ورود الرواية به ، وللقاعدة المتفق عليها : (إن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى) مع الاختلاف في توجيه المعنى حينئذ .
فالأفضل أجرا ، والأبلغ معنى ، والأرجح دليلا رواية ودراية : هو زيادتهما مع الجمع بينهما بأن يقول المصلي : ((اللهم ربنا ولك الحمد)) ... والله تعالى أعلم ...
حرره الفقير : فتحي مولان
الثلاثاء : ٩/ جمادى الآخرة/ ١٤٤٤ الموافق ٢/ ١/ ٢٠٢٣

السبت، 24 ديسمبر 2022

مدة المسح على الخفين والجوربين

 

💥ابتداء مدة المسح على الخفين والجوربين
السؤال: شيخنا متى يبدأ حساب مدة المسح على الخفين والجوربين؟ افتونا مأجورين
الجواب: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:
فيرخص للشخص المقيم في المسح يوم وليلة ، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها لحديث سيدنا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، أن شريح بن هانئ سأله عن المسح على الخفين، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(( للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وللمقيم يوم وليلة)) رواه مسلم وأحمد وأهل السنن. وفي رواية الامام احمد : ((يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثَلَاثَ لَيَالٍ وَالْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً)). وهذا مذهب الجمهور الا المالكية فعندهم عدم التوقيت فيمسح عليهما ما لم ينزعهما أو من جنابة.
وقد اختلف العلماء في تحديد بدء مدة المسح على الخفين وما يقوم مقامهما على أقوال أهمها:
القول الأول: يبدأ من حين أول مسح بعد الحدث ، وهو قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- والاوزاعي وأبي ثور والراوية الثانية عند الإمام احمد واختاره النووي وابن المنذر من الشافعية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، وترجيح الشيخين ابن باز وابن عثيمين -رحمهما الله تعالى-.
واحتجوا بظاهر أحاديث التوقيت في المسح وهي أحاديث صحاح ، وفيها قوله عليه الصلاة والسلام ((يمسح المسافر ... ويمسح المقيم))، فظاهر الأحاديث يدل على أن ابتداء احتساب المدة من وقت المسح بعد الحدث فلا يصدق عليه انه ما مسح إلا بفعل المسح ولا يجوز العدول عن الظاهر بلا حجه، ولحديث عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- قال: (يمسح عليها مثل ساعته من يومه وليلته) رواه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف إسناده صحيح على شرط الشيخين ؛ وصححه الشيخ الالباني.
وهو صريح في أن المسح يبدأ من ساعة إجرائه على الخف إلى مثلها من اليوم والليلة، وهو ظاهر جميع الآثار المروية عن الصحابة في مدة المسح؛ ولا شك أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - أعلم بمعنى قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ممن بعده، وهو أحد من روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- المسح على الخفين، وموضعه من الدين موضعه، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي)).
القول الثاني: أن المدة تحسب من أول حدث بعد لبس الخف سواء مسح ام لم يمسح، وهذا مذهب الثوري ومذهب الإمام أبي حنيفة والشافعي وظاهر مذهب احمد؛ لان ما بعد الحدث زمن يستباح فيه المسح فكان من وقته كبعد المسح، ولأنها عبادة مؤقتة فأعتبر أول وقتها من حين جواز فعلها كالصلاة .
القول الثالث: انه يمسح خمس صلوات للمقيم وخمس عشرة للمسافر ولا يمسح أكثر من ذلك ، وهو مذهب الشعبي واسحق وأبي ثور .
القول الرابع: من حين اللبس، وهو مذهب الحسن البصري .
المفتى به:
هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من ابتداء المدة من حين أول مسح بعد الحدث لظاهر قول النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في أحاديث التوقيت بالمسح (يمسح) ولا يمكن أن يصدق عليه انه ماسح إلا بفعل المسح، ولا يجوز العدول عن هذا الظاهر بغير برهان.
وعلى هذا لو أن رجلاً توضأ عند صلاة الظهر ولبس خفيّه الساعة الثانية عشرة مثلاً وبقي على طهارة حتى الساعة الثالثة عصراً ثم أحدث ولم يتوضأ إلا الساعة الخامسة عصراً ومسح على خفيه فله أن يمسح عليها حتى الساعة الخامسة عصراً من اليوم التالي إن كان مقيماً ومن اليوم الرابع إذا كان مسافراً، والله تعالى اعلم.
✍️د. ضياء الدين عبدالله الصالح
١

أقوال العلماء في سفر المرأة بدون محرم

 


[أقوال العلماء في سفر المرأة بدون محرم]
هذه المسألة مسألة عظيمة جداً، ترددت فيها أربعة أحاديث، هي التي أنشأت خلاف الفقهاء.
الحديث الأول: حديث في الصحيح وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم) فهنا أناط النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بالسفر مع المحرم.
الحديث الثاني: قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم -وهو الذي يحتج به الأحناف-: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة ثلاثة أيام بلياليهن إلا مع ذي محرم).
وعندنا حديث يرد على من يخالفنا، وهو حديث متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم).
وهذا الحديث مطلق وليس بمقيد.
والحديث الرابع: هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتمرن الظعينة) والظعينة: المرأة التي على الهودج، (من حضرموت إلى مكة) يعني: تطوف بالبيت.
(لتطوفن بالبيت لا تخش إلا الله والذئب على الغنم).
فعندنا الآن أربعة أحاديث تتكلم عن سفر المرأة بدون محرم، نظر إليها العلماء نظرات ممحصة فاختلفت الأقوال كالآتي:
القول الأول: يحرم على المرأة تحريماً باتاً أن تسافر مع غير ذي محرم على العموم في مسافة القصر.
ومسافة القصر: هي أربعة برد على الراجح الصحيح، والأربعة برد تساوي: ثمانين كيلو، أو واحداً وثمانين كيلو، أو بضعاً وسبعين كيلو، ولنجعلها تجوزاً ثمانين كيلو، وقولي على العموم أي: يحرم على المرأة أن تسافر مسيرة يوم وليلة بدون محرم، سواء كان السفر بالطائرة، أو بالسيارة، أو بالجمل أو بالبعير أو بغير ذلك، وسواء سافرت للحج أو للدراسة، أو للطب أو للجراحة أو غير ذلك، وهذا قول الجمهور.
القول الثاني: يصح سفر المرأة مع صحبة آمنة في الحج دون غيره، وهذا قول المالكية والشافعية.
القول الثالث: إذا سافرت سفراً طويلاً أو قصيراً ولم يبلغ يوماً وليلة مع غير ذي محرم جاز، بمعنى: لو سافرت إلى باريس -والمسافة إلى باريس سبع ساعات بالطائرة- فلها أن تسافر وحدها؛ لأن المحرم سفر يوم وليلة بنص الحديث، وهذا قول نسبوه لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو ما يرجحه الشيخ ابن جبرين.
القول الرابع: مدار سفر المرأة على الأمان وهذا الذي رجحه القرضاوي، فإن أمنت على نفسها بالسفر إلى لندن صح أن تسافر، وهذا قال به أيضاً ابن كج من الشافعية.
سومبر : المكتبة الشاملة
----------------------------------
سفر المرأة بدون محرم هل يجوز للمرأة السفر بغير محرم:
الأصل المقرر في شريعة الإسلام ألا تسافر المرأة وحدها، بل يجب أن تكون في صحبة زوجها، أوذي محرم لها.
ومستند هذا الحكم ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ” لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم “.
وعن أبي هريرة مرفوعًا: ” لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها محرم ” (رواه مالك والشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة).
وعن أبي سعيد عنه – صلى الله عليه وسلم -: ” لا تسافر امرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها أو ذي محرم “. (رواه الشيخان في رواية لهما عن أبي سعيد).
وعن ابن عمر: ” لا تسافر ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم “. (متفق عليه من حديث ابن عمر).
والظاهر أن اختلاف الروايات لاختلاف السائلين وسؤالهم، غير أن أبا حنيفة رجح حديث ابن عمر الأخير، ورأى أن لا يعتبر المحرم إلا في مسافة القصر . وهو رواية عن أحمد.
هل كل سفر لإمرأة لابد له من محرم: مجموع الأحاديث تشمل كل سفر، سواء كان واجبًا كالسفر لزيارة أو تجارة أو طلب علم أو نحو ذلك. هل وجود المحرم مع المراة لسوء الظن بها: وليس أساس هذا الحكم سوء الظن بالمرأة وأخلاقها، كما يتوهم بعض الناس، ولكنه احتياط لسمعتها وكرامتها، وحماية لها من طمع الذين في قلوبهم مرض، ومن عدوان المعتدين من ذئاب الأعراض، وقطاع الطرقات، وخاصة في بيئة لا يخلو المسافر فيها من اجتياز صحار مهلكة، وفي زمن لم يسد فيه الأمان، ولم ينتشر العمران. حكم سفر المرأة مع عدم وجود المحرم: إذا لم تجد المرأة محرمًا يصحبها في سفر مشروع: واجب أو مستحب أو مباح ؟ وكان معها بعض الرجال المأمونين، أو النساء الثقات، أو كان الطريق آمنًا.
بحث الفقهاء هذا الموضوع عند تعرضهم لوجوب الحج على النساء . مع نهي الرسول – صلى الله عليه وسلم – أن تسافر المرأة بغير محرم.
( أ ) فمنهم من تمسك بظاهر الأحاديث المذكورة، فمنع سفرها بغير المحرم، ولو كان لفريضة الحج، ولم يستثن من هذا الحكم صورة من الصور.
( ب ) ومنهم من استثنى المرأة العجوز التي لا تشتهي، كما نقل عن القاضي أبي الوليد الياجي، من المالكية، وهو تخصيص للعموم بالنظر إلى المعنى، كما قال ابن دقيق العيد، يعني مع مراعاة الأمر الأغلب فتح الباري ج 4 ص 447.
( ج ) ومنهم من استثنى من ذلك ما إذا كانت المرأة مع نسوة ثقات . بل اكتفى بعضهم بحرة مسلمة ثقة.
( د ) ومنهم من اكتفى بأمن الطريق . وهذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية . ذكر ابن مفلح في (الفروع) عنه قال: تحج كل امرأة آمنة مع عدم المحرم، وقال: إن هذا متوجه في كل سفر طاعة .. ونقله الكرابيسي عن الشافعي في حجة التطوع . وقال بعض أصحابه فيه وفي كل سفر غير واجب كزيارة وتجارة. (انظر: الفروع ج 3، ص 236، 237، ط.ثانية).
ونقل الأثرم عن الإمام أحمد: لا يشترط المحرم في الحج الواجب . وعلل ذلك بقوله: لأنها تخرج مع النساء، ومع كل من أمنته. بل قال ابن سيرين: مع مسلم لا بأس به.
*و قال الأوزاعي: مع قوم عدول.
*و قال مالك: مع جماعة من النساء.
*و قال الشافعي: مع حرة مسلمة ثقة .
وقال بعض أصحابه: وحدها مع الأمن. (الفروع ج 3، ص 235 – 236).
قال الحافظ ابن حجر: والمشهور عند الشافعية اشتراط الزوج أو المحرم أو النسوة الثقات . وفي قول: تكفي امرأة واحدة ثقة .
وفي قول نقله الكرابيسي وصححه في المهذب تسافر وحدها إذا كان الطريق آمنًا. وإذا كان هذا قد قيل في السفر للحج والعمرة، فينبغي أن يطرد الحكم في الأسفار كلها، كما صرح بذلك بعض العلماء (فتح الباري ج 4 ص 447، ط. مصطفى الحلبي) . لأن المقصود هو صيانة المرأة وحفظها وذلك متحقق بأمن الطريق، ووجود الثقات من النساء أو الرجال. دليل القائلين بجواز سفر المراة بدون محرم:
والدليل على جواز سفر المرأة من غير محرم عند الأمن ووجود الثقات :
أولأً: ما رواه البخاري في صحيحه أن عمر رضي الله عنه أذن لأزواج النبي – صلى الله عليه وسلم – في آخر حجة حجها، فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن، فقد اتفق عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ونساء النبي – صلى الله عليه وسلم – على ذلك، ولم ينكر غيرهم من الصحابة عليهن في ذلك . وهذا يعتبر إجماعًا. (المصدر السابق).
ثانيًا: ما رواه الشيخان من حديث عدي بن حاتم، فقد حدثه النبي – صلى الله عليه وسلم – عن مستقبل الإسلام وانتشاره، وارتفاع مناره في الأرض. فكان مما قال: ” يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة (بالعراق) تؤم البيت لا زوج معها، لا تخاف إلا الله … إلخ ” وهذا الخبر لا يدل على وقوع ذلك فقط، بل يدل على جوازه أيضًا، لأنه سبق في معرض المدح بامتداد ظل الإسلام وأمنه. هذا ونود أن نضيف هنا قاعدتين جليلتين :
أولأً: أن الأصل في أحكام العادات والمعاملات هو الالتفات إلى المعاني والمقاصد بخلاف أحكام العبادات، فإن الأصل فيها هو التعبد والامتثال، دون الالتفات إلى المعاني والمقاصد . كما قرر ذلك الإمام الشاطبي ووضحه واستدل له.
الثانية: إن ما حرم لذاته لا يباح إلا للضرورة، أما ما حرم لسد الذريعة فيباح للحاجة . ولا ريب أن سفر المرأة بغير محرم مما حرم سدًا للذريعة. كما يجب أن نضيف أن السفر في عصرنا، لم يعد كالسفر في الأزمنة الماضية، محفوفًا بالمخاطر لما فيه من اجتياز الفلوات، والتعرض للصوص وقطاع الطرق وغيرهم. بل أصبح السفر بواسطة أدوات نقل تجمع العدد الكثير من الناس في العادة، كالبواخر والطائرات، والسيارات الكبيرة، أو الصغيرة التي تخرج في قوافل . وهذا يجعل الثقة موفورة، ويطرد من الأنفس الخوف على المرأة، لأنها لن تكون وحدها في موطن من المواطن.
سومبر : إسلام أون لاين
----------------------------------
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه،
أما بعـد:
فيجدر التنبيه إلى أن الغالبية العظمى من الذين أجازوا للمرأة السفر بلا محرم إنما قصروا ذلك على سفر الحج الواجب، والعمرة الواجبة عند من أوجب العمرة، ولم يجيزوا لها السفر مطلقا بلا محرم كما هو حادث اليوم وعمت به البلوى وانتشرت بسببه المخازي والمصائب التي لا ينكرها إلا مكابر، وشذ بعضهم فأجاز للمرأة السفر بلا محرم في كل الأسفار، قال الحافظ في "فتح الباري": قال البغوي: لم يختلفوا في أنه ليس للمرأة السفر في غير الفرض إلا مع زوج أو محرم، إلا كافرة أسلمت في دار الحرب، أو أسيرة تخلصت، وزاد غيره: أو امرأة انقطعت من الرفقة فوجدها رجل مأمون، فإنه يجوز له أن يصحبها حتى يبلغها الرفقة... وقد روى الدارقطني وصححه أبو عوانة حديث الباب من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار بلفظ لا تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم، فنص في نفس الحديث على منع الحج، فكيف يخص من بقية الأسفار، والمشهور عند الشافعية اشتراط الزوج أو المحرم أو النسوة الثقات، وفي قول: تكفي امرأة واحدة ثقة، وفي قول نقله الكرابيسي وصححه في المهذب: تسافر وحدها إذا كان الطريق آمنا، وهذا كله في الواجب من حج أو عمرة، وأغرب القفال فطرده في الأسفار كلها واستحسنه الروياني، قال: إلا أنه خلاف النص.
والذين أجازوا للمرأة سفر الحج الواجب والعمرة الواجبة استندوا إلى أدلة رأوا أنها تخصص الأحاديث الدالة على نهيها عن السفر بلا محرم.
فمن هذه الأدلة:
- أن الله تعالى قد أوجب الحج على الرجل والمرأة على السواء، ولم يقيد ذلك بوجود محرم، فقال عز من قائل: [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ] (آل عمران: 97).
- ونوقش هذا الدليل بأن النصوص دلت على تحريم سفر المرأة بلا محرم، ولم يخصص سفرا دون سفر، مع أن سفر الحج من أشهرها وأكثرها، فلا يجوز أن يغفله ويهمله، بل قد جاءت نصوص تفيد منعها من سفر الحج بلا محرم، وقد سبقت الإشارة إلى الحديث الذي رواه الدار قطني وصححه أبو عوانة بلفظ: لا تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم. وذلك في كلام الحافظ الذي تقدم، ومن الأدلة أيضا: ما رواه البخاري عن عدي بن حاتم قال: بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا قطع السبيل، فقال يا عدي: هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها قال: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله.
ونوقش هذا الدليل بأنه يدل على وجود السفر لا على جوازه، ولذا لم يذكر فيه وجود غيرها معها، والذي أجازوا لها السفر إلى الحج الواجب والعمرة الواجبة بلا محرم قد اشترطوا وجود غيرها معها.
ومن الأدلة أيضا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لزيد بن حارثة: ألا تنطلق فتأتي بزينب؟ قال: بلى، فانطلق فأتى بها. رواه الطحاوي في "مشكل الآثار" وزينب كانت بمكة وزيد كان بالمدينة، ونوقش هذا الدليل بما قاله الطحاوي: تأملنا ما كان من رسول الله عليه السلام في هذا الحديث من إطلاقه لزيد السفر بزينب فوجدنا زيدا قد كان حينئذ في تبني رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه حتى كان يقال له بذلك زيد بن محمد، ولم يزل بعد ذلك كذلك إلى أن نسخ الله ذلك، فأخرجه من بنوته ورده إلى أبيه في الحقيقة.. فوقفنا على أن ما كان أمر به عليه السلام زيدا قبل ذلك في زينب وفي إباحته لها وله السفر من كل واحد منهما مع صاحبه كان على الحكم الأول، وفي الحال التي كان زيد فيها أخا لزينب، فكان بذلك محرما لها جائزا له السفر بها، كما يجوز لأخ لو كان لها من النسب من السفر بها فهذا وجه هذا المعنى من هذا الحديث. والله أعلم.
ومن الأدلة أيضا: ما رواه البخاري من أن عمر أذن لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة حجها فبعث معهن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف.
ونوقش هذا الدليل بأنه لا يدل على أنهن سافرن بلا محرم، فمثلا حفصة كان محرمها والدها عمر رضي الله عنهما، ولا يعدم أن يكون مع عائشة أخوها عبد الرحمن، ولا مع ميمونة ابن أختها ابن عباس، وهكذا.
كما أن من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من امتنعت من السفر، روى أحمد وأبو داود وصححه الحافظ في "الفتح" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنسائه في حجة الوداع: هذه ثم ظهور الحصر... فكن نساء النبي صلى الله عليه وسلم يحججن إلا سودة وزينب، فقالتا: لا تحركا دابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد تم سفر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في غاية الحيطة والتحفظ، ففي بعض طرق الأثر كما في "الفتح" أن عثمان كان ينادي ألا يدنو أحد منهن ولا ينظر إليهن وهن في الهوادج على الإبل، فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشعب، فلم يصعد إليهن أحد، ونزل عبد الرحمن وعثمان بذنب الشعب، ومعلوم أن هذه صفة لا تتوفر لأي امرأة الآن.
سومبر : إسلام ويب

الخميس، 22 ديسمبر 2022

مسألة حلق اللحية ونصِّ الشافعي رضي الله عنه .

 مسألة حلق اللحية ونصِّ الشافعي رضي الله عنه .


استشكل بعض أهل الزمان اعتماد محققي الشافعية أن حلق اللحية مكروه كراهة تنزيهية ، وليس محرمًا ، وتعقبهم بنصِّ الشافعي رضي الله عنه ، ورمى من فسره على الكراهة بالتعسف والبعد ، وهذا كلام من لا يعرف لغة الشافعي رضي الله عنه .
(1) فهل حقًّا نصَّ الشافعي رضي الله عنه على التحريم ؟
(2) وإذا لم يكن النصُّ على التحريم فهل ثمَّ نصٌّ آخر صارف إلى الكراهة ؟
(3) ثم ألا يحتمل أن يكون الرافعيُّ والنوويُّ قد فاتهما نصُّ الشافعي في المسألة ؟
(4) أليس ابن الرفعة رحمه الله قد تعقب الرافعي والنوويَّ رحمهما الله ، فبمَ توجهون ذلك ؟
(5) ثمَّ ما دليل الكراهة التنزيهية رغم ورود الأمر الصريح المحمول على الوجوب ؟ وكيف يوجه إجماع ابن حزم على الحرمة ؟
===
وهاك تحقيق المقام :
• أمّا كون الشافعي نصَّ على حرمة حلق اللحية ففيه نظرٌ ، بل غاية ما في نصِّ الشافعي رضي الله عنه التعبير بعدم الجواز ، وعدم الجواز يقع في كلام إمامنا الشافعي رضي الله عنه على ثلاثة أحوال ، إما أن يريد به الصحة (أي : لا يصحُّ) ، أو أن يريد به التحريم ، أو أن يريد به نفي الإباحة مستوية الطرفين (أي : لا يباح فيكره) ، وهاكَ تحقيق المقام.
• الحال الأولى : أن يريد الشافعي بنفي الجواز نفيَ الصحة .
• مثال ذلك قوله رضي الله عنه في «الأم» (ج1/ص164) : «ولا يجُوزُ أنْ تكونَ امرأةٌ إمامَ رجلٍ في صلاةٍ بحالٍ أبدًا» .
• فقوله : «لا يجوز» في هذا الموضع أي : لا يصحُّ ، وعدم الصحة يلزم من الحرمة ؛ إذ يحرم التعبد بما أبطله الشارع .
• الحال الثانية : أن يريد الشافعي بنفي الجواز التحريم .
• مثالُ ذلك : قوله رضي الله عنه في «الأم» (ج5/ص39) : «فإذا أومرت في رجل فأذنت فيه لم يجز أن تخطب» ، أي : فيحرم أن تخطب .
• الحال الثالثة : أن يريد الشافعيُّ بنفي الجواز الكراهة التنزيهية .
• مثالُ ذلك : قوله رضي الله عنه في «الأم» (ج1/ص246) : «ولا يجوز ترك صلاة الكسوف عندي لمسافر ولا مقيم» .
• ومراده رضي الله عنها : الكراهة التنزيهية ، فقوله : «لا يجوز» أي : لا يباح إباحة مستوية الطرفين ، أي : فيكره .
• فإذا علمتَ ذلك ، فالسؤال الذي يأتي هنا : كيف يعرف مراد الشافعي بنفي الجواز ، فيحمل في موضع على التحريم ، وفي آخر على الكراهة ، وفي ثالث على نفي الصحة ؟
• لا بد هنا من نظر في أمرين ، أمر الحامل ، وأمر النص المحمول .
• أما الحامل فهو العالم الذي يحمل نصَّ الشافعي رضي الله عنه ، فهذا لا بد أن يكون له من الاطلاع على نصوص الشافعي رضي الله عنه وقواعده ومداركه ، لا أن يكون أجنبيًا عن المذهب ، لم يرَ «الأم» إلا حينما أرادَ نصَّ اللحية .
• وأما النصُّ المحمول فالذي يحدد مراد الشافعي فيه القرينة المفسرة ، والنص حينئذ ينقسم إلى نوعين :
• النوع الأول نصٌّ مقترنٌ بقرينة مفسرة ، وهذا على نوعين :
(1) نصٌّ مقترن بقرينة مُفَسِّرة متصلة .
مثال ذلك قول الشافعي رضي الله عنه في «الأم» (ج5/ص39) : «فإذا أومرت في رجل فأذنت فيه لم يجز أن تخطب» .
فقد اقترنت بهذا النصِّ قرينة مفسرة متصلة ، يحمل بها عدم الجواز على التحريم ، وهي قول الشافعي رضي الله عنه بعده مباشرة : «وإذا خطَبَ الرجلُ في الحال التي نهى أن يخطب فيها عالمًا فهي معصيةٌ يستغفر الله منها» .
(2) نصٌّ مقترن بقرينة مُفَسِّرة منفصلة .
(3) مثالُ ذلك قول الشافعي رضي الله عنه في «الأم» (ج1/ص246) : «ولا يجوزُ تركُ صلاةِ الكسوف عندي لمسافر ولا مقيم» .
فقد جاءت القرينة المفسرة لهذا النصِّ الحاملة له على الكراهة لا على التحريم ، وهي قول الشافعي رضي الله عنه في «البويطي» (ص194) : «صلاة الكسوف سنة» ، وقال في موضع آخر (ص197) في صلاتي الكسوف والخسوف : «لأنهما ليسا بنافلتين ، ولكنهما واجبتان وجوب سنة» .
قال النوويُّ رحمه الله في «المجموع» (ج5/ص60) : «فأراد الشافعي أنه يكره تركها فإن المكروه قد يوصف بأنه غير جائز من حيث إن الجائز يطلق على مستوى الطرفين والمكروه ليس كذلك» .
النوع الثاني : نصٌّ مطلق عن القرينة .
مثال ذلك قول الشافعي رضي الله عنه في «الأم» (ج2/ص115) : «وإذا كُسِرَ للمرأة عظمٌ : فلا يجوزُ أن ترقعه إلا بعظم ما يؤكل لحمُه ذكيًّا» .
فقول الشافعيِّ : «لا يجوز» أي : يحرم ؛ لقاعدة الشافعي في الباب المنثورة في نصوصه في حرمة الانتفاع بجزء آدمي .
===
• وأما التساؤل بأنه إذا لم يكن النصُّ على التحريم فهل ثمَّ نصٌّ آخر صارف إلى الكراهة ، وهذا نصٌّ ظاهر في التحريم ؟
• فنقول : النصُّ ليس ظاهرًا في التحريم لاعتبارات عديدة في فقه عبارة الشافعي رضي الله عنه ، ومع ذلك ؛ فثمَّ نصٌّ آخر مع هذا النص يصرفه إلى الكراهة التنزيهية ،
• وهو قوله في «الأم» (6/56) : «وينبغي له أن يأمر العدلين إذا أقاد تحت شعرٍ في وجهٍ أو رأسٍ أن يأمر بحلاق الرأس أو موضع القَوَدِ منه ... فإن أقادَ وعلى المستقاد منه شعرٌ فقد أساءَ ولا شيء عليه ، وإنما أعني بذلك شعر الرأس واللحية» .
• فهذا النصُّ يدل على الكراهة من وجوه ، أظهرها أن الشافعي رضي الله عنه خيّر الإمام بين بين موضع القود وكامل اللحية أو الرأس ، كما يدل على ذلك قول : «بحلاق الرأس أو موضع القود منه» مع قوله : «وإنما أعني بذلك الرأس واللحية» .
• وثمَّ وجوه أخرى للاستدلال به على الكراهة تستدعي التطويل .
===
• وأما التساؤل بأنه : ألا يحتمل أن يكون الرافعيُّ والنوويُّ قد فاتهما نصُّ الشافعي في المسألة ؟
• فنقول : لا يظهر ذلك لعدة أسباب :
• السبب الأول : أن هذا النصَّ الذي احتُجَّ به على تخطئة الرافعي والنووي رحمهما الله : موجودٌ وجودًا حكميًّا في «الشرح الكبير» و«الروضة» .
• فنصُّ الشافعي يقول : «ولو حلقه حلاق فنبت شعره كما كان أو أجود لم يكن عليه شيء ، والحلاق ليس بجناية ؛ لأن فيه نسكًا في الرأس ، وليس فيه كثير ألم ، وهو وإن كان في اللحية لا يجوز فليس فيه كثير ألمٍ ولا ذهاب شعر لأنه يستخلف ، ولو استخلف الشعر ناقصًا أو لم يستخلف كانت فيه حكومة ، ولو أن رجلًا حلق غير شعر الوجه والرأس فلم ينبت أي موضع كان الشعر أو من امرأة كانت فيه حكومة بقدر قلة شينه».
• وقد نصَّ الرافعي والنوويُّ على ذلك في «الشرح الكبير» و«الروضة» ، وعبارة الشرح الكبير» (ج10/ص359) : «إزالة الشعور بحلق ونحوه؛ من غير إفساد المَنْبِتِ، لا يجب به حكومة أصلاً؛ لأن الشعور تعودُ مرة بعد أخرَى» ، وعبارة «الروضة» (ج9/ص310) : «إزالة الشعور من الرأس وغيره بحلق أو غيره من غير إفساد لا يجب بها حكومة أصلًا بلا خلاف ؛ لأن الشعر يعود» .
• السبب الثاني : أن النووي لم يكن يختصر «الشرح الكبير» خلف الرافعي اختصار المتابع ، بل كان يختصر اختصار المقابل المتتبع ، يقابل نصوص الرافعي على تصانيف الشافعي وتصاينف الأصحاب ، فيوافقه ويخالفه ، ويتعقبه بنصوص الشافعي ونصوص الأصحاب كثيرًا جدًّا ، فلو كان النصُّ قد فات الرافعي – وهو احتمال واردٌ لما يعلمه طلبة المذهب – فاحتمال فوته للنووي بعيد أشد البعد ، لا سيما مع ما قدمناه .
• ومن يعرف النووي وتصانيفه يعرف استحضاره العجيب لها في متفرقات الأبواب على نحو لا يبارى فيه ، مع دقة الفهم التي يفوق فيها كلَّ من جاء بعده .
• السبب الثالث : أن النووي والرافعي لم يتفردا بهذا الاعتماد ، بل تابعهما جميع محققي المتأخرين ، وإن كانوا في الاطلاع على نصوص الشافعي ليسوا كالشيخين فقد اطلعوا اطلاعًا كبيرًا على النقود التي كتبت على الشيخين .
===
• وأما التسائل بأنه : أليس ابن الرفعة رحمه الله قد تعقب الرافعي والنوويَّ رحمهما الله ، فبمَ توجهون ذلك ؟
• فنقول : لا بد أن يُعلم هنا أمورٌ :
• الأول : أن ابن الرفعة حينما تعقبَ النوويَّ لم يتعقبه في «كفاية النبيه» ولا في «المطلب العالي شرح وسيط الغزالي» ، وإنما ذكر ذلك عن «حاشية الكفاية» ، أما في «كفاية النبيه» نفسها» فقد نصَّ على أن كراهة نتفها ، ولا فرق بين النتف والحلق عند الأصحاب ، وعبارته (ج1/ص253) : «ويكره تبييضها بالكبريت أوغيره استعجالًا للشيخوخة, ونتفُها أول طلوعها إيثارًا للمرودة وحسن الصورة ... ونتف جانبي العنفقة وتركها شعثة إظهارًا لقلة المبالاة بنفسه» .
• الثاني : أن ابن الرفعة حكى عن النص الحرمة ، وهذا فيه نظر ، بل النصُّ على عدم الجواز ، فكفة النوويِّ مترجحة .
• الثالث : أن النوويَّ أقعد في فهم المذهب من ابن الرفعة ، وهذا يعرفه كلُّ متمذهب بمذهب الشافعي ، فابن الرفعة قوته إنما هي جمع نصوص الأصحاب ، فهو لا يبارى في هذا الباب ، لا سيما في «المطلب العالي» ، أما في دقة الفهم فالنوويُّ أقعد وأعلم بمدارك الشافعي رضي الله عنه ، ولا شكَّ .
• ومع ذلك فإن ابن الرفعة لم يتفرد بالتحريم بين الشافعية ، بل سبقه أناسٌ إليه ، وتبعه أناسٌ عليه ، فقد ذهب إليه القفالُ الشاشي في «محاسن الشريعة» (ص239) ، والحليمي في «الشعب» (ج3/ص79) ، وكذا الإسنوي في «المهمات» (ج9/ص56) ، ولم يتعقبه تلميذه ابن العماد في «التعقبات» (ج3/ق189/نسخة المكتبة الظاهرية) ، وكذا وافقه الأذرعي في «التوسط والفتح» (ج3/ق229/نسخة المكتبة الظاهرية) ، وهو ظاهر صنيع الزركشي في «خادم الرافعي» (ج15/ق145/نسخة المكتبة الظاهرية) .
• ومع ذلك فمعتمد المذهب باتفاق محققيه : الكراهة التنزيهية ، وعلى ذلك نصُّ الشافعي رضي الله عنه .
===
• وأما التساؤل بأنه : ما دليل الكراهة التنزيهية رغم ورود الأمر الصريح المحمول على الوجوب ، أليس قول النبي صلى الله عليه وسلم : «وفروا اللحى» برواياته الخمسة نصٌّ قاطع في تحريم حلق اللحية ؛ إذ الأمر محمول على الوجوب ؛ إلا لقرينة صارفة ، مع كون ابن حزم الظاهر قد ساق الإجماع على التحريم ؟
• قلتُ : في هذا نظرٌ من وجوه :
• الوجه الأول : أن قولهم : «وفروا اللحى» نصٌّ قاطع في التحريم خطأ ، بل النصُّ يرد على من حيثية واحدة خمسة وثلاثون احتمالًا عند الأصوليين ، وما كان شأنه كذلك يقال فيه : «ظاهر في الوجوب» .
• الوجه الثاني : أن الحديث وإن ورد بصيغة الأمر فإن الأمر في باب الآداب (أي : مطلوبات الشارع في أمور العادات) إنما يكون للندب لا للوجوب ، وهذا الذي تدلُّ عليه نصوص أصحابنا خلافًا للظاهرية ، وعلى ذلك أمثلة لا تحصر ، جعل الفقهاء القرينة الحالية فيها صارفة عن الوجوب إلى الاستحباب .
• فقد جاءت صيغة الأمر الصريحة في : التسمية قبل الأكل ، والأكل باليمين ، والأكل مما يلي ، والاجتماع على الطعام ، وأخذ اللقمة إذا وقعت وإماطة الأذى عنها ، ولبس البياض ، وتكفين الموتى فيه ، والاضطجاع على الشق الأيمن في النوم ، وابتداء السلام ، والضيافة ، وكلُّ هذه الأوامر محمولة على الاستحباب لا على الوجوب ؛ لأنها من قبيل الآداب ، ولا يحمل أمر الآداب على الوجوب إلا بدليل مؤكد .
• وجاء النهي في النهي عن القران بين تمرتين ، وعن الأكل متكئًا ، وعن مسح الأصابع حتى يلعقها ، وعن التنفس في الإناء ، وعن الشرب من فم القربة ، وعن الشرب قائمًا ، وكلُّ ذلك محمول على الكراهة التنزيهية ، ولا يحمل على التحريم إلا لدليل مؤكد .
• فكون الأمر والنهي في الآداب قرينة حالية تجعل النصَّ محمولًا على الاستحباب لا على الوجوب .
• ولذلك يقول أصحابنا في بداية باب آداب الخلاء : «اعلم أن جميع ما هو مذكور في هذا الفصل من الآداب محمول على الاستحباب إلا الاستقبال والاستدبار والاستنجاء».
• وتأمل ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم في نفس الحديث قال : «قصوا الشارب» ، وهذا أمرٌ ، ولا قرينة تصرفه من الوجوب إلى الندب إلا أنه من قبيل الآداب .
• وأما إجماع ابن حزم رحمه الله فإنه لا يستقيم الاستدلال به ؛ إذ إن ابن حزم قال : «وأجمعوا على أن حلق جميع اللحية مثلة لا تجوز» .
• فهذا إجماع على عدم الجواز لا على الحرمة .
• وابن حزم أجلُّ من أن يسوق إجماعًا على الحرمة في مسألة كهذه ، والنوويُّ والرافعي أجلُّ من أن يخالفا إجماعًا كهذا .
• ونحوه قول شيخ الإسلام ابن تيمية : «لم يبحه أحدٌ» ، هذا لا يخالف فيه أحد ، فلو يقل بإباحة حلق اللحية أحدٌ ، بل أهل العلم مختلفون على قولين ، قائل بالحرمة ، وقائل بالكراهة .
• فإن قلتَ : ألا يكون قوله : «مثلة» قرينة على حمله على التحريم ؟
• فنقول : نعم ، لا تكون ، فالمثلة منها ما هو محرمٌ ، ومنها ما مكروه .
• هذه رؤوس أقلامٍ في المسألة ، ونسأل الله التوفيق والإخلاص .
• وأخيرًا ؛ فاعلم أيها القارئ الكريم ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرك بإعفاء اللحية ، فانظر ما أنت فاعلٌ في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم !!
• اللهم إني أعوذُ بكَ من طغيان العلم وغلبة الجهل ، وأن أعوذ بكَ أن أنصر باطلًا أو أسوغ له ، وأعوذ بكَ من الهوى كلِّه ...
منقووول عن الشيخ محمد سالم بحيري .