الثلاثاء، 15 أغسطس 2023

نعم محمد ابن الوهاب خرج على الدولة العثمانية .

 الزعم أن دعوة محمد ابن الوهاب لم تخرج على الدولة العثمانية خطأ إن لم تزوير للحقائق , بل هو خروج صريح , قائم على تكفير الدولة العثمانية ومنتسبيها , للأسباب التالية :


1- أن للدولة العثمانية ولاية اسمية على نجد كون نجد لم تكن دولة مستقلة ؛ والدولة العثمانية حكمت الحجاز والرياض وماجاورها ؛ والدولة العثمانية باعتبارها امبراطوية إسلامية عظمى فهي مسؤولة عن نجد.

1- أن دعوة محمد ابن الوهاب دخلت الحجاز واليمن والإحساء والخليج وأطراف العراق والشام وهاجموا (كربلاء) وحاصروا (دمشق) وكلها تابعة للدولة العثمانية.
فمن يزعم أن دولة ابن عبد الوهاب لم تخرج على الدولة العثمانية كون نجد غير واقعة تحت سلطتها ؛ كيف توسّع دولة ابن سعود إلى الحجاز وكيف يبرر مهاجمتهم للدولة العثمانية في اليمن والعراق والشام ؟


2 - أن رسائل أمراء الدعوة أتباع الشيخ ابن عبد الوهاب تدل على تكفير الدولة العثمانية وهو أحد اسباب الخروج على الدولة العثمانية
من ذلك رسالة سعود بن عبد العزيز التي أرسلها إلى والي بغداد يقول فيها : " ...... وأما إن دمتم على حالكم هذه ولم تتوبوا من الشرك الذي أنتم عليه وتلتزموا بدين الله الذي بعث الله رسوله وتتركوا الشرك والبدع والخرافات لم نزل نقاتلكم حتى تراجعوا دين الله القويم ".

ويقول عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله بن عبد اللطيف ال الشيخ وهو من أحفاد محمد ابن عبد الوهاب وأحد أعلام وعلماء الدعوة يقول " " ومعلوم أن الدولة التركية كانت وثنية تدين بالشرك والبدع وتحميها "

فمما تقدم يتوضح أن الخروج على الدولة العثمانية كان بدافع تكفيرها وتكفير المنتسبين إليها ومن وقع تحت سلطانها وأن التكفير هو أساس قتال المخالفين لدعوة محمد بن عبد الوهاب .

ومما تذكره الوثائق أنه بعد غزو سعود بن عبد العزيز لمكة خطب قائلاً: "احمدوا الله الذي هداكم للإسلام وأنقذكم من الشرك أطلب منكم أن تبايعوني على دين الله ورسوله وتوالوا من والاه وتعادوا من عاداه في السراء والضراء والسمع والطاعة"

ووتذكر الكتب أنهم ألزموا تحت الإكراه علماء مكة من مختلف المذاهب الإسلامية على توقيع بيان الإقرار بالكفر والشرك.
فمما جاء في بيان الإعتراف: "نشهد نحن علماء مكة الواضعون خطوطنا وأحكامنا في هذا الرقيم أن هذا الدين الذي قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ودعا إليه إمام المسلمين سعود بن عبدالعزيز من توحيد الله ونفي الشرك الذي ذكره في هذا الكتاب أنه الحق الذي لا شك فيه ولا ريب وأن ما وقع في مكة والمدينة سابقاً ومصر والشام وغيرهما من البلاد إلى الآن من أنواع الشرك المذكورة في هذا الكتاب أنه الكفر المبيح للدم والمال والموجب للخلود في النار ومن لم يدخل في هذا الدين ويعمل به ويوالي أهله ويعادي أعداءه فهو عندنا كافر بالله واليوم الآخر وواجب على إمام المسلمين جهاده وقتاله حتى يتوب إلى الله مما هو عليه ويعمل بهذا الدين".
ووقّّع على هذا البيان :
- عبد الملك القلعي مفتي الحنفية بمكة
- محمد بن صالح بن إبراهيم مفتي الشافعية
- محمد البناتي مفتي المالكية
- محمد بن يحيى مفتي الحنابلة

وعندما غزيت المدينة وقـّع علماء المدينة بياناً مشابهاً جاء فيه نص البيان:
"نشهد أن ما وقع في مكة والمدينة سابقاً والشام ومصر وغيرهما من البلاد إلى الآن من أنواع الشرك المذكورة في هذا الكتاب أنها الكفر المبيح للدم والمال وكل من لم يدخل في هذا الدين ويعمل به فهو كافر بالله واليوم والآخر والواجب على إمام المسلمين وكافة المسلمين القيام بفرض الجهاد وقتال أهل الشرك والعناد وأن من خالف ما في هذا الكتاب من أهل مصر والشام والعراق وكل من كان على دينهم! الذي هم عليه الآن فهو كافر مشرك من موقعه..."
والبيانان موثقان في الدرر السنية والأجوبة النجدية.

لذلك قال الشيخ محمد الزواوي الشافعي في الفتح المبين عن أتباع ابن عبد الوهاب :"فجوزوا قتل من خالفهم من المسلمين واستحلوا مالهم وسبي ذراريهم ونكاح أزواجهم بلا طلاق من أزواجهن ولا عدة..." وهذا قتال الكفار والمرتدين

ويؤكده كذلك ما أرتكبه أتباع ابن عبد الوهاب في حق العلماء

فمن العلماء الذين نفذ فيها أتباع ابن عبد الوهاب حكم الإعدام بلا محاكمة أو "استتابة" نذكر :

- الشيخ عبد الله الزواوي مفتي الشافعية بمكة
- الشيخ سليمان بن مراد قاضي الطائف
- الشيخ عبد الله أبو الخير قاضي مكة
- السيد يوسف الزواوي الذي ناهز الثمانين من العمر
- الشيخ حسن الشيبي
- الشيخ جعفر الشيبي
- الشيخ عبد القادر الشيبي ذبح أبناؤه
أما هو فقد شهد تحت الإكراه على نفسه بالكفر فتركوه وزعموا أنه عرف الحق بعد الضلال

هل كانت الدولة العثمانية دولة إسلامية؟!

 هل كانت الدولة العثمانية دولة إسلامية؟


- قال الدكتور عبد العزيز محمد الشناوي (في الدولة العثمانية: دولة إسلامية مفترى عليها، ج1 ص54): "والدولة العثمانية دولة دينية. ويقصد بهذه العبارة الطابع الديني الإسلامي الذي اتسمت به تشريعاتها ومعظم تصرفاتها".

وقال (ج1 ص65): "ووضح الطابع الديني وعمقه في الدولة من حرصها على تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية تطبيقا صارما من ناحية، وعلى المحافظة على التقاليد الإسلامية من ناحية أخرى".

- وقال الدكتور إسماعيل أحمد ياغي (في الدولة العثمانية في التاريخ الإسلامي الحديث، ص7): "ويعتبر التاريخ العثماني مكملا لتاريخ الإسلام، وإن السلاطين (الخلفاء) العثمانيين كانت لهم الهيبة والمحبة في نفوس المسلمين أسوة بغيرهم من الخلفاء الأمويين والعباسيين، فقد عملوا على نشر الإسلام، وأجلّوا العلماء وأكرموا أهل القرآن، وانقادوا للشرع الشريف مع علو قدرهم، فهم دائما للشرع معظمون وبإتباعه آمرون. واهتموا بخدمة الحرمين الشريفين والاعتناء بمصالحهما، وقدموا الصدقات الجليلة والإحسانات إلى الأماكن المقدسة في مكة والمدينة والقدس والخليل...".

وقال (ص256): "كانت الدولة العثمانية تمثل الأقطار الإسلامية، فهي مركز الخلافة، لذا كان المسلمون في كل مكان ينظرون إلى الخلافة وإلى الخليفة نظرة احترام وتقدير، ويعدون أنفسهم من أتباعه ورعاياه، وبالتالي كانت نظرتهم إلى مركز الخلافة ومقرّها المحبة والعطف وكلما وجد المسلمون أنفسهم في ضائقة طلبوا الدعم من مركز الخلافة كما كان الخلفاء".

- وقال زياد أبو غنيمة (في جوانب مضيئة في تاريخ العثمانيين الأتراك، ص21): "الدولة العثمانية دولة إسلامية المنطلق، والراية، والهدف".
وقال (ص24): "لهؤلاء المتشككين، إن وجدوا، أسوق دليلا آخر، يتمثل في نصوص الواجبات التي أناطها دستور الدولة العثمانية بسلاطين الدولة... هذه الواجبات هي: أولا: أن يخضع السلطان لأحكام الشريعة الإسلامية خضوعا كاملا. ثانيا: أن يجلّ الشريعة الإسلامية ويبجّل علماءها. ثالثا: أن يحمي مقدسات المسلمين، وينظم شؤون الحجّ بعناية. رابعا: أن يدافع عن تخوم المسلمين ضد أعدائهم".
وقال (ص26): "ويؤكد الأستاذ الدكتور عبد الكريم غرايبة في كتابه (العرب والترك) الهوية الإسلامية للدولة العثمانية بقوله: لقد تعلّق الناس بالسلطان الذي وحدهم، فجعل بلادهم سوقا واحدة، وحماهم من العدو الإفرنجي، ورفع راية الإسلام زمنا طويلا، وطبّق أحكام الشريعة".

- وجاء (في كتاب: صفحات من تاريخ الدولة العثمانية، لجمال عبد الهادي محمد مسعود ووفاء جمعة وعلي لبن، ص8): "إن الدولة العثمانية كانت دولة عقدية بمعنى أنها تؤمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا رسولا؛ ولذلك فإن الدولة كانت تدعو إلى الإسلام في الداخل والخارج وتربي النشء عليه، وتحميه من التيارات الفكرية المعارضة للإسلام، وترتب على ذلك أيضا جميع أنظمة الدولة ومؤسساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والتعليمية والثقافية والعسكرية كانت تنبثق من الإسلام... من عقيد توحيد الله رب العالمين، وكذلك سياستها تجاه الدول الخارجية وعلاقاتها الدولية والمحلية".

- وقال الشيخ تقي الدين النبهاني (في نظام الإسلام، ص44-45): "أما كون المسلمين طبقوا الإسلام عملياً فإن الذي يطبق النظام هو الدولة، والذي يطبق في الدولة شخصان أحدهما القاضي الذي يفصل الخصومات بين الناس، والثاني الحاكم الذي يحكم الناس. أما القاضي فإنه نقل بطريق التواتر أن القضاة الذين يفصلون الخصومات بين الناس منذ عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتى نهاية الخلافة في استانبول، كانوا يفصلونها حسب أحكام الشرع الشريف في جميع أمور الحياة، سواء بين المسلمين وحدهم، وبين المسلمين وغيرهم. وقد كانت المحكمة التي تفصل جميع الخصومات من حقوق وجزاء وأحوال شخصية وغير ذلك، محكمة واحدة تحكم بالشرع الإسلامي وحده. ولم يرو أحد أن قضية واحدة فصلت على غير الأحكام الشرعية الإسلامية، أو أن محكمة ما في البلاد الإسلامية حكمت بغير الإسلام قبل فصل المحاكم إلى شرعية ونظامية بتأثير الاستعمار. وأقرب دليل على ذلك سجلات المحاكم الشرعية المحفوظة في البلدان القديمة كالقدس وبغداد ودمشق ومصر واستانبول وغيرها فإنها دليل يقيني بأن الشرع الإسلامي وحده هو الذي كان يطبقه القضاة. حتى إن غير المسلمين من النصارى واليهود كانوا يدرسون الفقه الإسلامي ويؤلفون فيه مثل سليم الباز شارح المجلة وغيره ممن ألفوا في الفقه الإسلامي في العصور المتأخرة. وأما ما أدخل من القوانين فإنه أدخل بناء على فتوى العلماء بأنها لا تخالف أحكام الإسلام، وهكذا أدخل قانون الجزاء العثماني 1275هـ الموافق 1857م وأدخل قانون الحقوق والتجارة 1276هـ الموافق 1858م ثم في 1288هـ والموافق 1870م جعلت المحاكم قسمين: محاكم شرعية ومحاكم نظامية، ووضع لها نظام. ثم في 1295هـ الموافق 1877م وضعت لائحة تشكيل المحاكم النظامية. ووضع قانون أصول المحاكمات الحقوقية والجزائية 1296هـ. ولما لم يجد العلماء ما يبرر إدخال القانون المدني إلى الدولة وضعت المجلة قانوناً للمعاملات، واستبعد القانون المدني وذلك 1286هـ. فهذه القوانين وضعت كأحكام يجيزها الإسلام، ولم توضع موضع العمل إلا بعد أن أخذت الفتوى بإجازتها، وبعد أن أذن شيخ الإسلام بها، كما تبين من المراسيم التي صدرت بها".

- وقال الدكتور أحمد آق كوندوز (في الدولة العثمانية المجهولة، ص12-13): "... حتى في أحلك أيام الدولة العثمانية وأكثرها سوءا بذلوا ما بوسعهم لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، فلم يخالفوا صراحة حكما شرعيا إسلاميا صريحا كحرمة الخمر مثلا، بل اتبعوا الشريعة حتى في الأمور الاجتهادية، وملايين الوثائق الموجودة حاليا في الأرشيف العثماني تبرهن على هذا...".

وقال (ص566): "... ويلزم أن نعيّن المصادر الأساسية للتشريع العثماني حتى نستجلي طبيعة العلاقة بين الدين والدولة العثمانية التي هي خير أنمودج للدول الإسلامية. وإننا نعلم عند الرجوع إلى هذه المصادر، أن الدولة العثمانية نفذت الشريعة الإسلامية، ولا يتناقض ذلك مع استثناءات قليلة من النقص أو الخلل في التطبيقات. وننقل هنا خلاصات من لائحة (مذكرة) قدمها إلى السلطان عبد الحميد الثاني حقوقي غير مسلم نسب نفسه إلى الفلمنك (هولندا) فيها مطالعة لمصادر التشريع الإسلامي وكنهه: الدولة العثمانية دولة إسلامية، والشريعة عند المسلمين أوامر إلهية تتفرع إلى فرعين: أوامر دينية وأوامر دنيوية (عبادات ومعاملات) وهما لا ينفصلان عن بعضهما...".

وقال (ص589): "إنّ مراجعة متون القوانين العثمانية تبطل المزاعم الخاوية بأنّ الدولة العثمانية، السابقة لكثير من دول العالم الحاضر في ميادين الحقوق والحريات، قد قامت على السيف والقوة والسطوة والظلم، أو أنها لم تعتمد على الشريعة الإسلامية في نظامها القانوني رغم أنف هذه الوثائق التي تبرهن التزامها بالشرع الشريف...".

- وقال يلماز أوزتونا (في تاريخ الدولة العثمانية، ج2 ص465): "يوجد نظامان حقوقيان: الشريعة، وهي في غنى عن الإيضاح، والنظام الذي يسميه العثماني "سلطاني" وعلى الأكثر "خاقاني" وهو نظام تركي قديم. يمكن به تشريع أحكام لا توجد في الشريعة ووضع قوانين باسم الخاقان لحماية مصالح الدولة وكذلك مصالح الدين العليا. بشرط ألاّ تكون متعارضة مع الشريعة... طبّق الفقه الحنفي بصورة كاملة تقريبا في القانون المدني. ولكن وضعت أحكام ونشرت قوانين جديدة في المجالات كالجزاء، والضريبة والسياسة. وأساسا كان مبدأ الاستحسان في المذهب الحنفي والاستصلاح في المذهب المالكي، يوفران تسهيلات وراحة وحرية لم بيدهم الصلاحيات التشريعية في الدولة، وأبدع الأمثلة لذلك هي القوانين التي أمر القانوني بوضعها، وأعدها شيخ الإسلام أبو السعود أفندي. أمكن بها، بدهاء قانوني خارق تلبية احتياجات الدولة العالمية العظمى لذلك العصر بشكل لطيف جدا دون معارضة أحكام الشريعة".

- وقال الدكتور خليل اينالجيك (في تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار، ص112): "كان القانون العثماني يصدر على شكل فرمان، إذ إنّ "كل ما يرسمه السلطان هو قانون للسلطان"، ويتضمن سلسلة من الأنظمة التي يصدرها السلاطين شخصيا حسب مقتضى الأحوال. ولأجل ذلك فقد كان كل سلطان جديد يقوم بعد تنصيبه بتثبيت هذه القوانين. أمّا الشريعة فقد كانت القانون الأساسي والثابت، وبالتحديد القانون الديني الإسلامي. ولذلك فقد كانت الفرمانات السلطانية تتضمن دائما جملة تفيد أنّ هذه الفرمانات تنسجم مع الشريعة والقوانين الصادرة من قبل".

- وقال الشيخ محمد البشير النيفر (في فصل الدين عن الحكومة، ص24): "ثم جاءت الحرب العالمية الأولى فكان ممن صلي نارها الدولة العثمانية الدستورية وهي يومئذ دولة الخلافة ودينها الإسلام حسب المنصوص عليه في دستورها. ثم وضعت الحرب أوزارها وخرجت الدولة منها مغلوبة على أمرها فرأت دولة انكلترا أنه جاء الوقت الذي تتمكن فيه من القضاء على الخلافة الإسلامية الدينية وتقيم مكانها دولة تقطع الصلة بينها وبين من يعتصم بحبل الدين من الدول والأفراد في الشرق والغرب، وسخرت لهذا أحد قواد الأتراك ممن رضي أن يقوم بهذا ويقضي على الخلافة ويجردها عن الدين، وفي هذا ما فيه من الفوائد للدولة الانكليزية والخسارات الجمة على الإسلام ودولته".


فالدولة العثمانية دولة إسلامية، كانت تطبّق الإسلام في سياستها الداخلية والخارجية، إلا أنها وقعت في أخطاء فادحة مما أدى إلى ضعفها وانحلالها وسقوطها.

- قال أبو الحسن الندوي (في ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص215-220): "ولم يكن الجمود العلمي والكلال الفكري مقتصرين على تركيا وأوساطها العلمية والدينية فحسب، بل كان العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه مصابا بالجدب العلمي، وشبه شلل فكري، قد أخذه الإعياء والفتور، واستولى عليه النعاس. ولعل القرن التاسع- إذا لم نقل القرن الثامن- آخر قرون النشاط والتوليد والابتكار في الدين والعلم، والأدب والشعر والحكمة، والقرن العاشر أول قرون الخمود والتقليد والمحاكاة، وترى هذا الخمود عاما شاملا للعلوم الدينية والفنون الأدبية والمعاني الشعرية والإنشاء والتاريخ ومناهج التعليم، فلا تجد في كتب التراجم التي ألفت للعصور الأخيرة من تطلق عليه لقب العبقري، أو النابغة أو المحقق على الأقل، أو من جاء في فن من الفنون بشيء طريف مبتكر، أو زاد في العلم زيادة حسنة إذا استثنينا بعض الأفراد في أطراف العالم الإسلامي... ولا نقرأ في شعر هذه العصور الأخيرة على كثرة ما نظم وقيل فيها شعرا مطبوعا يعلق بالذهن أو إنشاء مترسلا ينشرح له الصدر، ترى أدبا فاترا باردا قد أفسده التأنق في الحلية اللفظية والمبالغة والتهويل في الألفاظ والمعاني وكثرة التملق في المدح والغزل بالمذكر في الشعر، والتكلف حتى في الرسائل الإخوانية والأغراض الطبيعية والسجع البارد حتى في كتب التاريخ والتراجم. كذلك حلقات التعليم قد رحلت عنها كتب المتقدمين وحلت محلها كتب المتأخرين المتكلفين وغصت بالحواشي والتقريرات والتلخيصات والمتون التي ضن فيها مؤلفوها على القرطاس، وتعمدوا التعقيد والغموض، وكأنهم ألفوها في صناعة الاختزال، وكل ذلك ينبئ عن الانحطاط الفكري والعلمي الذي حل بالعالم الإسلامي وتغلغل في أحشائه... ولم يكن انحطاط المسلمين في العلوم النظرية والحكمية والمدنية فحسب، بل كان هذا الانحطاط عاما شاملا، حتى تخلفوا عن أوربا في صناعة الحرب التي كان التركي في الزمن الأخير ابن بجدتها وأبا عذرتها، قد أقر بفضلهم وتبريزهم فيها العالم، ولكن سبقتهم أوربا باختراعها وقوة إبداعها وحسن تنظيمها حتى هزمت جيوشها الجيوش العثمانية هزيمة منكرة...".

- وقال الشيخ تقي الدين النبهاني (في الدولة الإسلامية، ص177-179): "وما أن جاء القرن الثالث عشر الهجري التاسع عشر الميلادي حتى كان ميزان التاريخ بين الدولة الإسلامية والدول غير الإسلامية في تأرجح، فأخذت كفة العالم الإسلامي تخف في الوزن، وكفة الدول الأوروبية ترجح شيئاً فشيئاً. فقد بدأت اليقظة في أوروبا، وبدأت تظهر نتائجها وبدأت تظهر على المسلمين نتائج الجمود الفكري وسوء التطبيق للإسلام. وذلك أن القرن التاسع عشر شاهد انقلاباً خطيراً في الأفكار الأوروبية على أثر المجهود العظيم الذي بذله الفلاسفة والكتاب والمفكرون، والتغيير الشامل الذي طرأ على الفكر الأوروبي لإحياء الشعوب، فنشأت الحركات المتعددة التي كان لها أثر في إحداث آراء جديدة في وجهة النظر في الحياة. وكان من أهم ما وقع تعديل الأنظمة السياسية والتشريعية وجميع أنظمة الحياة، فقد زال شبح الملكية المستبدة تدريجياً في أوروبا، وحلت محلها أنظمة حكومية جديدة قائمة على الحكم النيابي وسيادة الأمة، فكان لهذا أثر كبير في توجيه النهضة الأوروبية، كما كان للانقلاب الصناعي الذي ظهر في هذا القرن في أوروبا الأثر الفعال. كما ظهرت الاختراعات المتعددة. فكان لذلك في مجموعه الأثر الفعال في تقوية أوروبا وفي تقدمها الفكري والمادي. وكان من جراء هذه القوى المادية والتقدم العلمي أن رجحت كفة العالم الأوروبي على العالم الإسلامي في الموقف الدولي رجحاناً عظيماً فتغير مفهوم المسألة الشرقية، فلم تعد مسألة اتقاء الأخطار الإسلامية على أوروبا، وإنما صارت مسألة الإبقاء على الدولة العثمانية أو تقسيمها، حيث اختلفت عليها الدول تبعاً لاختلافها في المصلحة، وكان هذا الانقلاب في مفهوم المسألة الشرقية وما طرأ على أحوال أوروبا من الارتفاع الفكري، والتقدم العلمي، والثورة الصناعية؛ وما طرأ على العثمانيين من الضعف والتفكك، كل ذلك أدى إلى هذا الانقلاب السياسي بين الدولة الإسلامية ودول الكفر، فرجحت كفة الأوروبيين وخفت كفة المسلمين. وكان سبب هذا الانقلاب السياسي في حالة أوروبا محاولة المفكرين فيها الوصول إلى نظام للحياة. وقد كان اتخاذهم وجهة نظر معينة في الحياة، واعتناقهم عقيدة معينة، وبناء النظام على أساسها، هو الذي قلب مفاهيم الأشياء عندهم وقلب مراتب القيم لديهم، مما أدى إلى الانقلاب العام في الحياة، ومما ساعد على وجود الانقلاب الصناعي العظيم. بخلاف الحال في العالم الإسلامي أو في الدولة العثمانية التي كانت تتزعمه، فإنها بدل أن تنظر لأوضاعها النظرة الصحيحة، وتفكر في مبدئها التفكير العميق، وتثير الأفكار وتعمل على إيجاد الاجتهاد، وتعالج مشاكلها حسب الأحكام المنبثقة عن عقيدتها، وتقبل على العلم والصناعة، بدل أن تفعل كل ذلك أصابتها حيرة وقلق مما حصل في أوروبا، ووقفت جامدة من جراء هذه الحيرة، ونتج عن ذلك تخلف الدولة العثمانية من الناحية العلمية والصناعية، فتخلفت في الرقي المادي وتخلفت عن باقي الدول. والسر في ذلك هو أن الدولة العثمانية دولة إسلامية، والشعوب التي تحكمها شعوب مسلمة. والإسلام هو عقيدة الدولة وهو نظامها، وأفكاره أفكارها، ووجهة نظره في الحياة هي وجهة نظرها، فكان عليها أن تنظر إلى الأفكار الجديدة التي حصلت في أوروبا وتقيسها بقاعدتها الفكرية، وأن تنظر إلى المشاكل الحديثة من وجهة نظر إسلامية فتعطي حكمها على الأفكار والمشاكل باجتهاد صحيح حسب وجهة نظر الإسلام، فَتَبُتفي شأنها من حيث الصحة والفساد، ولكنها لم تفعل؛ لأن الأفكار الإسلامية لم تكن واضحة لديها، فلم تكن لها مفاهيم محددة. ولأن العقيدة الإسلامية لم تكن قاعدة فكرية تبنى عليها جميع الأفكار، وإنما كانت عقيدة تقليدية. فكان الأساس الذي تقوم عليه الدولة وهو العقيدة والأفكار غير واضح لدى الدولة العثمانية، وكان النظام جامداً لعدم وجود الاجتهاد، وكانت الحضارة التي هي مجموع المفاهيم عن الحياة غير مبلورة وغير مقترنة بأعمال الدولة، فسبب ذلك الانحطاط الفكري وعدم وجود نهضة، ولهذا وقفوا مبهوتين أمام ما شاهدوه في أوروبا من الانقلاب الفكري والصناعي، فلم يقطعوا بأخذه، ولم يقطعوا بتركه، ولم يميزوا بين ما يجوز أن يأخذوه من علوم وصناعات واختراعات، وبين ما لا يجوز أن يأخذوه من فلسفة تعين وجهة النظر في الحياة، وحضارة هي مجموع المفاهيم عن الحياة. وبذلك جمدوا ولم يتحركوا، فكان هذا الجمود سبباً في وقوف عجلتهم في حين كانت عجلة الدول الأوروبية تسير، وما ذلك كله إلا بسبب عدم فهمهم الإسلام فهماً صحيحاً، وعدم إدراكهم التناقض بين الأفكار الأوروبية وأفكارهم، وعدم تمييزهم بين العلم والصناعات والاختراعات مما يحثهم الإسلام على أخذها، وبين الفلسفة والحضارة والفكر مما يمنعهم الإسلام من أخذها".

ورغم الأخطاء التي وقعت فيها الدولة العثمانية كسوء الفهم لبعض المسائل في العقيدة والشريعة ونظام الحكم، ورغم تكالب الأعداء عليها وسعيهم لتشويه صورتها، ورغم خيانة بعض الأمراء لها كالشريف حسين وآل سعود، رغم تكفير علماء الوهابية لها، إلا أنها ظلّت في نظر العالم الإسلامي وعند أغلب المسلمين خلافة إسلامية تمثّل وحدتهم ويجب الدفاع عنها. قال الدكتور محمد محمد حسين (في الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، ج1 ص27-28): "هذه النزعة الإسلامية التي رأيناها واضحة في كتّاب العصر وقادته ومفكريه نستطيع أن نتتبعها في الشعر فنجدها في مثل هذا الوضوح. فليس بين الشعراء المعاصرين وقتذاك، على اختلافهم وتباين نزعاتهم، من يخلو ديوانه من شعر في مدح الخليفة التركي، والإشادة بفضله على المسلمين، وحرصه على إعلاء كلمة الدين. وليس فيهم من تخلف عن المشاركة بشعره في حروب تركيا وأحداثها الجسام، مثل حرب اليونان وحرب طرابلس وحرب البلقان والدستور العثماني وسقوط عبد الحميد. وهم يرون أن الخليفة هو الجامع لشمل المسلمين، وأنه حين يحارب إنما يحارب دفاعا عن الإسلام وتمسكا بإعلاء كلمته بين الدول التي تتربص به. وهم يدعون إلى اتحاد كلمة المسلمين في ظل راية الخلافة، محذرين من الإصغاء إلى دعوة التفرقة التي لا تصيب الأمم الإسلامية جميعا إلا بالشرّ".

الأربعاء، 9 أغسطس 2023

الخارجي صالح الفوزان: الألباني مذهبه الإرجاء والإرجاء انتشر بسببه، وهو كذاب...!

الكلب في حياة الإنسان.. جوانب علمية في إشارات قرآنية وأحكام فقهية

  الأستاذ الدكتور/ كارم السيد غنيم

أستاذ بكلية العلوم جامعة الأزهر

تمهــــــــــيد:



الكلب هو أول حيوان استأنسه الإنسان، وارتبط كل منهما بالآخر، وتولدت بينهما صداقة أخذت تنمو خلال العصور، لما يتمتع به الكلب من صفات الوفاء والإخلاص للإنسان وقدرته الكبيرة في الصبر وتحمل المشاق والشجاعة… ولا تزال الآثار الباقية تدل على وجود الكلب مع الإنسان منذ آلاف السنين، حين كان الإنسان يعيش في الكهوف… وتحكي الكتب القديمة، والحديثة، الكثير من النوادر والطرائف المثيرة عن الكلاب، وكذلك الوقائع التي للكلب فيها دور قد يصل إلى مرتبة البطولة… ويستفيد الإنسان من الكلاب في أمور كثيرة كالحراسة والصيد والزينة وتعقب المجرمين، وإرشاد العميان إلى الطريق الآمن، وشدّ عربات المعاقين جسديا، وشدّ الزحافات وخلافه.

وتعيش الكلاب البريّة في جماعات، وتتعاون على الصيد… ويقود الجماعة أكبر الكلاب سنا وأكثرها خبرة وأعظمها شجاعة… ويتزاوج الكلب مع الكلبة وينجبا جراءً (جمع جَرو) بعد فترة حمل تصل إلى 61يوم، ولا تقل عن 60يوم… ويُعرف عمر الكلب من أسنانه، فكلما اسودّت دلّ ذلك على كبره، وكلما كبر عمره غلظ صوته… وقد قسمنا البحث الحالي قسمين، أولهما يتناول المثل القرآني المضروب بالكلب، وما يمكن استنباطه من إشارات علمية واردة بالآيات القرآنية، وأما القسم الثاني فيتناول العديد من الأحاديث النبوية والأحكام الفقهية في الشريعة الإسلامية.

ورد الكلب في خمسة مواضع بالقرآن الكريم، وفي العديد من الأحاديث النبوية، أما القرآن الكريم، فورد ذكر الكلب في أربعة مواضع من سورة الكهف، وفي موضع واحد من سورة الأعراف. أما المثل المضروب بالكلب في سورة الأعراف فهو المحور الأساس في رسالتنا الحالية التي سنستعرض فيها، أيضا، الأحكام الفقهية المبنية على الأحاديث النبوية الواردة في أمور متعلقة بالكلب…

في رحـــاب سورة الأعـراف:

سورة الأعراف سورة مكية النزول وهى من أطول السور المكية، وقد نزلت لتقرير أصول الدعوة الإسلامية، كغيرها من هذه السور، من توحيد لله، وتقرير للبعث والحساب والجزاء، وكذلك لتقرير الوحي والرسالة… وهى أطــول سورة عرضت لتفصيل قصص الأنبياء… وقد تضمنت هذه السورة العديد من المسائل أو الموضوعات، منها وجوب اتباع القرآن الكريم، عاقبة مخالفة الرسل وتكذبيهم، الدعوة إلى ترك الضلال والتحذير من وساوس الشيطان، أنواع المحرّمات وأصولها، أحوال بني آدم بعد الموت، عاقبة الجاحـدين بآيات الله عز وجل ، دلائل القدرة والوحدانية، دعوة نوح، معاناة هود، قصة صالح، فاحشة قوم لوط، دعوة شعيب قومه إلى توحيد الله، قصة موسى مع فرعون، جحود بني إسرائيل نعم الله عليهم، علم الساعة غيب لا يعمله إلا الله…إلخ، ثم خُتمت السورة بالتوحيد، كما بدأت بالتوحيد، وعبادة الله وحده لا شريك له.

وهذه السورة الكريمة هي السابعة في ترتيب سور المصحف الشريف، بعد سورة الأنعام وقبل سورة الأنفال، وعدد آياتها مائتان وستة آيات، بدأت بقول الله تعالى: ( المص{1} كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ{2})، وخُتمت بقوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ{206})، وفي هذه الخاتمة سجدة تلاوة…

كما تضمنت سورة الأعراف العديد من المسائل العلمية والإشارات الكونية، منها – على سبيل المثال: تصوير الإنسان بعد خلقه من طين، السرعة الفائقة التي كانت الأرض تدور بها حول محورها أمام الشمس في بدء الخلق، تسخير أجرام السماء من نجوم وكواكب وغيرها، تصريف الرياح وإزجاء السُحب بأمر الله وقدرته، مشارق الأرض ومغاربها، وجود المكنوز الوراثي لجميع البشر إلى يوم القيامة في صُلب آدم وصُلب حوّاء، وهما أصل البشرية… إلخ

وإضافة إلى هذا وذاك، المَـثل الذي ضربته الآية (176) في هذه السورة الكريمة لعلماء السوء، ولمن يلهث وراء أعراض الدنيا الفانية، بالكلب الذي يلهث على كل حال، طُورد أم لم يُطارد… يقول الله عز وجل: ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ{175} وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ{176})، وهو المثل القرآني الذي يمثل المحور الرئيس للرسالة الحالية، كما أشرنا في التمهيد…

ضرب المَـثل بالكلب، كما ورد في كتب التفسير:

جاء في “جـامع البيان في تفسير القرآن ” للطــبري (ت310هـ) في قول الله عز وجل: (وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ ): أصل الإخلاد في كلام العرب الإبطاء والإقامة. وكان بعض البصريين (من أصحاب اللغة ) يقول: معنى قوله: ” أخلد”: لزم وتقاعس وأبطأ. والمخلد أيضاً: هو الذي يبطئُ شَيْبهُ من الرجال…

وقد عمّم الطبري ضرب المثل بالكلب، وإن كان قد أشار إلى تخصيص البعض له بمن يُدعى (بلعم)، فقال:… ثم اختلف أهل التأويـل فـي السبب الذي من أجله جعل الله مثله كمثل الكلب، فقال بعضهم: مثَّله به فـي اللهث لتركه العمل بكتاب الله وآياته التـي آتاها إياه وإعراضه عن مواعظ الله التـي فـيها إعراض من لـم يؤته الله شيئاً من ذلك، فقال جلّ ثناؤه فـيه: إذا كان سواء أمره وُعظ بآيات الله التـي آتاها إياه، أم لـم يُوعظ فـي أنه لا يتعظ بها، ولا يترك الكفر به، فمثله مثل الكلب الذي سواء أمره فـي لهثه، طرد أو لـم يُطرد، إذ كان لا يترك اللهث بحال. ذكر من قال ذلك: حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: ( فَمَثَلُهُ كمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَـحْمِلْ عَلَـيْهِ ) الـحكمة لـم يحملها، وإن ترك لـم يهتد لـخير، كالكلب إن كان رابضاً لهث وإن طُرد لهث.

ثم يأتي الفخر الرازي بعد الطبري بقرون، ليؤكد تعميم ضرب هذا المثل، بل ويفصّل فيه. يقول الفخر (ت606هـ) ( في “التفسير الكبير”) – بعد أن عرض لبعض اللغويات ومفردات اللغة في الآية الكريمة:… واعلم أن هذا التمثيل ما وقع بجميع الكلاب، وإنما وقع بالكلب اللاهث، وأخس الحيوانات هو الكلب، وأخس الكلاب هو الكلب اللاهث، فمن آتاه الله العلم والدين فمال إلى الدنيا، وأخلد إلى الأرض، كان مُشبهاً بأخسّ الحيوانات، وهو الكلب اللاهث. وفي تقرير هذا التمثيل وجوه:

الأول: أن كل شيء يلهث، فإنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في حال الإعياء، وفي حال الراحة، وفي حال العطش، وفي حال الري، فكان ذلك عادة منه وطبيعة، وهو مواظب عليه كعادته الأصلية، وطبيعته الخسيسة، لا لأجل حاجة وضرورة، فكذلك من آتاه الله العلم والدين أغناه عن التعرّض لأوساخ أموال الناس، ثم إنه يميل إلى طلب الدنيا، ويُلقي نفسه فيها، كانت حاله كحال ذلك اللاهث، حيث واظب على العمل الخسيس، والفعل القبيح، لمجرد نفسه الخبيثة. وطبيعته الخسيسة، لا لأجل الحاجة والضرورة.

والثاني: أن الرجل العالِم إذا توسّل بعلمه إلى طلب الدنيا، فذاك إنما يكون لأجل أنه يورد (أي يعرض) عليهم أنواع علومه، ويظهر عندهم فضائل نفسه ومناقبها، ولا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات، وتقرير تلك العبارات يدلي لسانه، ويخرجه، لأجل ما تمكن في قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش إلى الفوز بالدنيا، فكانت حالته شبيهة بحالة ذلك الكلب الذي أخرج لسانه أبداً من غير حاجة ولا ضرورة، بل بمجرد الطبيعة الخسيسة.

والثالث: أن الكلب اللاهث لا يزال لهثه البتة، فكذلك الإنسان الحريص لا يزال حرصه البتة…. أما قوله عز وجل: ( إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ ) فالمعنى أن هذا الكلب إن شدّ عليه وهُيج لهث، وإن تُرك أيضاً لهث، لأجل أن ذلك الفعل القبيح طبيعة أصلية له، فكذلك هذا الحريص الضال إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال، لأجل أن ذلك الضلال والخسّة عادة أصلية وطبيعية ذاتية له.

وقد اختلف المفسرون في تعيين الشخص الذي نزلت فيه الآيات، على أقوال أقربها إلى الحقيقة أن يكون صاحب هذا النبأ ممن كان للعرب إلمام بمجمل خبره، كأمية بن أبي الصلت الثقفي… وقد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم (كاد أمية أبي الصلت أن يُسلم) وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم (آمنَ شعره وكفرَ قلبه ) يريد أن شعره كشعر المؤمنين، وذلك أنه يوحّد الله في شعره، ويذكر دلائل توحيده من خلق السموات والأرض، وأحوال الآخرة، والجنة النار، والثواب والعقاب، واسم الله وأسماء الأنبياء. وروى عن أمية أنه قال لمـــا مرِض مرَض موته: ( أنا أعلم أن الحنيفية حق، ولكن الشك يداخلني في محمد ).

الــكلب في اللغـــة:

ورد في “لسان العرب” لابن منظور المصري:… والكَلْبُ معروفُ ُ، واحدُ الكلاب. قال ابن سيده، وقد غَلبَ الكلبُ هذا النوع النابح وربما وُصف به يقال: امرأَةٌ كَلْبة. والجمع أكلبُ ُ، وأكالبُ جمع الجمع، والكثير كلابُ. وفي الصحــاح: الأكالبُ جمع أكلب… وكلابُ ُ: اسم رجل، سمى بذلك، ثم غلب على الحي والقبيلة.

قال سيبويه: كِلابٌ اسم للواحد، وقالوا ثلاثةُ كلابٍ، على قولهم ثلاثةٌ من الكِلابِ، قال: وقد يجوز أَن يكونوا أَرادوا ثلاثة أَكْلُبٍ، فاسْتَغْنَوْا ببناءِ أَكثر العَدَدِ عن أَقلّه… والكَلِيبُ والكالِبُ: جماعةُ الكِلابِ، فالكَليبُ كالعبيدِ، وهو جمع عزيز، والكالِبُ: كالجامِلِ والباقِر، ورجل كالِبٌ وكَلاَّبٌ: صاحبُ كِلابٍ، مثل تامرٍ ولابِنٍ.

والكَلاَّبُ: صاحبُ الكِلاب، والـمُكَلِّبُ: الذي يُعَلِّم الكِلابَ أَخْذ الصيدِ. وفي حديث الصيد: إِنَّ لي كِلاباً مُكَلَّبةً، فأَفْتِني في صَيدها. والـمُكَلَّبةُ: الـمُسَلَّطة على الصيد، الـمُعَوَّدة بالاصطياد، التي قد ضَرِيَتْ به. والـمُكَلِّبُ، بالكسر: صاحِـبُها، والذي يصطادُ بها. وذو الكَلْبِ: رجلٌ؛ سُمي بذلك لأَنه كان له كلب لا يُفارقه. والكَلْبةُ: أُنْثى الكِلابِ، وجمعها كَلْباتٌ، ولا تُكَسَّرُ.

وأُمُّ كَلْبةَ: الـحُمَّى، أُضِـيفَتْ إِلى أُنثى الكِلاب… وأَرض مَكْلَبة: كثيرةُ الكِلاب… وكَلِبَ الكَلْبُ، واسْتَكْلَبَ: ضَرِيَ، وتَعَوَّدَ أَكْلَ الناس.

وللكلاب في اللغة العربية أسماء عديدة، وبعض أسماء وصفات الأسد أو الذئب أو غيرهما تطلق أيضاً على الكلب، وطلق بعض الصفات حتى على البشر… وعلى سبيل المثال: الدرباس: اسم يطلق على الكلب العقور ويطلق أيضاً على الأسد، وحتى على الرجل الضخم الشديد… السرحوب: اسم يطلق على الذئب والأسد وابن آوى، وكذلك على الرجل الطويل المتناسف العضاء… والعملس: اسم يطلق على الكلب والذئب…براقش اسم يطلقس على كلبة تسببت هلاك أصحابها وأهل قبيلة أصحابها، وهلاكها ذاتها، ولذلك يقال في المثل: على أهلها (أو على نفسها) جنت براقش.

الـــكلب في عالم الحــيوان:

الكلب حيوان من اللبائن المشيمية، ويتبع فصيلة الكلبيات (Family: Canidae) ، من الضواري (Placental mamals) )، واسمه العلمي Canis familiaris. وقد استأنسه الإنسان منذ 14000-15000سنة. وقد وجدت هياكل عظام كلاب في الدانمارك وإنجلترا واليابان وألمانيا والصين، ترجع لعصور ما قبل التاريخ. وقد وُجدت سُلالة من الكلاب السلجوقية في مقابر قدماء المصريين، وكانت تُحنط منذ سنة 2100 قبل الميلاد بجوار الفراعنة داخل الأهرامات. واستطاع الرومان والإغريق إنتاج سلالات منها… ويقال: إن الكلب هو أول حيوان استأنسه الإنسان، وكان لسكان الكهوف منذ آلاف السنين كلابُهم الأليفة… والكلاب والذئاب تربطها قرابة وثيقة…

وتنتشر فصائل الكلاب في جميع قارات العالم ـ ما عدا القطب الجنوبي ـ وفي الأحراش والغابات بالمناطق المعتلة والمطيرة، وبالصحراء والجبال والتندرا. وتتجول الكلاب في مناطق شاسعة لحراستها من الذئاب (Wolves)، أو للبحث عن الطعام….

• مـــــنافع الـــكلاب:

هنا العديد من أنواع الكلاب وسلالاتها، مثل:كلب الصيد، كلب الحقول، كلب الرعاة، كلب الحراسة، كلب بوليسي، كلب الزلاقات (لجرّ العربات على الجليد)… وكانت الكلاب يتخذها الإنسان في الحراسة والصيد وجرّ العربات. كما كانت تُستخدم في الحرب للحراسة وحمل الرسائل… وهناك الكلاب المدربة التي تقود العميان والصُم في الشوارع، والعمل المنزلي كتنبيه الصُم لجرس التليفون أو الباب، أو قيادة الأعمى للتجول داخل البيت أو عبور الشارع… وبعض أنواع الكلاب تتسم بحاسة شم قوية، ولهذا فإنها تُدرب علي مهام أخرى كالكشف عن المخدرات والمفرقعات والديناميت والنمل الفارسي والغرقى في أعماق الماء. ويمكن استعمال الكلاب المدربة في البحث عن المفقودين في الزلازل والحرائق، وبعض الكلاب يمكنها التصنت علي الأصوات التي لا يسمعها الإنسان بأذنيه، حتى إن الكلب يستطيع أن يسمع دقات الساعة على بُعد 40 قدما….

وإضافة إلى كلاب الرعي التي استخدمها الإنسان منذ قرون لحماية الأبقار والأغنام ومنعها من الهرب، وحماية حظائر المواشي من الذئاب، وهى من السلالات الأليفة… هناك كلاب الحراسة، والكلاب البوليسية وغيرها… وتقسم معارض الكلاب أصنافها إلى ست مجموعات، هي: الكلاب الرياضية، الكلاب غير الرياضية، الكلاب العاملة، كلاب الصيد، كلاب الحراسة، كلاب التسلية… وتقسم كل مجموعة إلى عدة سلالات… ومن المعروف أن هناك كلاب كبيرة الحجم، وأخرى صغيرة الحجم، وكلاب ناعمة الشعر، وأخرى مرحة لاهية، وكلاب ذات أنفة وكبرياء…إلخ.

وتُستخدم الكلاب (أنواع أو سلالات خاصة منها) في الاختبارات الطبية والتجارب الدوائية، وحتى في بحوث علم النفس والسلوك، وعلى سبيل المثال، يقوم الباحثون في جامعة كمبريدج بإجراء تجارب على الإصابة بسرطان البروستاتا، من خلال تدريب الكلاب على الاستجابة لخلايا السرطان الموجودة في عينات البول، وهو أسلوب مبتكر للكشف المبكر عن حالات الإصابة بسرطان البروستاتا.

جوانب علمية في ضرب المَـثل بالكلب:

• الــكلب يلهــث في كل أحــواله:

تحدث عدد من المفسرين القدامى والمحدثين عن لهث الكلب، وذلك في معرض تفسير الآية (176) من سورة الأعراف، وقد اقترب البعض مما توصل إليه علم وظائف الأعضاء (الفسيولوجيا) حديثا. فهذا أبو السعود (ت951هـ) يقول (في تفسيره “إرشاد العقل السليم” ): واللهث إدلاع اللسان بالتنفس الشديد، أي هو ضيق الحال، مكروب دائم اللهث، سواء هيجته وأزعجته بالطرد العنيف، أو تركته على حاله، فإنه في الكلاب طبع، لا تقدر على نفض الهواء الساخن وجلب الهواء البارد بسهولة، لضعف قلبها وانقطاع فؤادها، بخلاف سائر الحيوانات، فإنها لا تحتاج إلى التنفس الشديد ولا يلحقها الكربُ والمضايقة إلا عند التعب والإعياء… وهذا محمد الطاهر بن عاشور (ت1393هـ) يقول (في تفسيره “التحرير والتنوير”): واللهث: سرعة التنفس مع امتداد اللسان لضيق النفس، وفعله بفتح الهاء وبكسرها، ومضارعه بفتحها لا غير، والمصدر اللهث بفتح اللام والهاء ويقال اللهاث بضم اللام، لأنه من الأدواء، وليس بصوت.

ويذهب الشعراوي (ت1418هـ) (في تفسيره “خواطر” ) إلى تفرّد الكلب من بين الحيوانات باللهث في كل أحواله، فالحيوانات تلهث إذا كانت جائعة أو متعبة أو مهاجمة، ولكن الكلب يلهث جائعاً أو شبعانا، عطشانا أو غير عطشان، مزجوراً أو غير مزجوراً، إنه يلهث دائماً. ثم هو أيضاً يصل إلى مغزى ضرب المثل القرآني لتشبيه الذي أخلد إلى الأرض بعد إذ أتاه الله آياته (علمه)، وذلك لأن الذي يظهر بهذه الصورة تجده مكروبا دائماً، لأنه متبع لهواه، وتتحكم فيه الشهوات. وحين تتحقق له شهوة الآن، يتساءل هل سيفعل مثلها غدا ؟ وتتملك الشهوة كل وقته، لذلك يعيش في كـرب مستمر، لأنه يخاف أن يفوته النعيم أو أن يفوت هو النعيم، ويصير حاله كحال الكلب، يلهث آمناً أو غير آمن، جائعاً أو غير جائع، عطشانا أو غير عطشان.

• لهــث الــكلب، من الناحية الفسيولوجية:

تبلغ درجة الحرارة الطبيعية لجسم الكلب 38.6م، وهى أعلى من درجة جسم الإنسان المعتادة، والبالغة 37م. وإذا كان جسم الإنسان يفرز عرقا من غدده العرقية من أجل تبريد الحرارة إذا ارتفعت عن الدرجة المعتادة، فإن الكلب يسلك مسلكا آخر هو “اللهث”، فيخرج لسانه ويلهث حتى عند الراحة، فيلهث بسرعة 10- 30 لهثه (أو نَفَسَ ) في الدقيقة. ولكن بعد بذل مجهود أو التعرض لخطر ما، فإنه يلهث بأكثر من عشرة أضعاف هذا المعدل. ويضطر الكلب لأن يلهث، في التعب والراحة، لعدم وفرة غدده العرقية (التي لا توجد سوى في وسادات أقدامه)، فهى لذلك لا تسهم في خفض درجة حرارة جسمه إلاّ بقدر ضئيل.

ولمزيد من التفصيل، فإن تدلى لسان الكلب وفتح فمه أثناء اللهث يؤدي إلى إدخال أكبر كمية ممكنة من الهواء الجوي إلى الجهاز التنفسي، وخلالها يتم تبخير جزء من الماء الموجود في الأنسجة التي يمرّ بها الهواء، وبالتالي تنخفض درجة حرارة الجسم… كما يسلك الكلب مسلكا مساعداً، فيلحس أرجله من جسمه، ويبلل لسانه بلعابه، فيتبخر هذا اللعاب، وهو ما يفيده في خفض درجة حرارة جسمه…

لقد شبه الله تعالى علماء السوء بأشنع وأقبح ما يمكن للخيال أن يتصوره، شبههم بصورة الكلب اللاهث الذي لا يكف عن اللهث

 

• عــود على بــدء:

نعود إلى الآية القرآنية الكريمة ( وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ{176}) [ سورة الأعراف]، وهو مثل مخزي لعلماء السوء، صوّرهم بأشنع وأقبح ما يمكن للخيال أن يتصوره، صورة الكلب اللاهث الذي لا يكف عن اللهث، ولا ينفك عن التمرغ في الطين والأوحال… ولتك لعمر الحق أقبح صورة مزرية لمن رزقه الله العلم النافع فاستعمله لجمع الحطام الفاني، وكان خزيا ووبالا عليه، لأنه لم ينتفع بهذا العلم، ولم يستقم على طريق الإيمان، وانسلخ من النعمة، وأتبعه الشيطان فكان من الغاوين.

وفي تشبيه ذلك الضال في حال لهفه على الدنيا بالكلب في حال لهثه، سِرٌّ بديعٌ، وهو أنَّ هذا الذي حاله ما ذكره الله مِن انسلاخه مِن آياته واتباعه هواه، إنما كان لشدة لـهفه على الدنيا لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة، فهو شديد اللهف عليها، ولـهفه نظير لـهف الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه.، فإنه في الكلاب طبع لا تقدر على نفض الهواء المتسخن، وجلب الهواء الهواء البارد بسهولة، لضعف قلبها وانقطاع فؤادها، بخلاف سائر الحيوانات، فإنها لا تحتاج إلى التنفس الشديد ولا يلحقها الكرب والمضايقة إلاّ عند التعب والإعياء.

ولكن يبقى التشبيه حاويا لحقيقة علمية لم يصل إليها علم الإنسان إلاّ في العقود المتأخرة من القرن العشرين الميلادي، ومؤداها أن الكلب هو الحيوان الوحيد الذي يلهث بطريقة تكاد تكون مستمرة، وذلك في محاولة منه لتبريد جسده الذي لا يتوفر له شئ يذكر من الغدد العرقية إلا في باطن أقدامه فقط، فيضطر إلى ذلك اللهاث في حالات الحرّ أو العطش الشديد أو المرض العضوي أو النفسي، أو الإجهاد والإرهاق أو الفزع والاستثارة….

إيضاحـــات عــلمية لأحـــكام فـقهية:

• نجاســة الــكلب وإزالتها:

روت كتب السنة حديثاً نبوياً يأمر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بإزالته نجاسة الكلب، وحددها بولوغ الكلب في الإناء، أي بشربه مما فيه، وتعددت روايات الحديث الشريف، وفيما يلي بعض هذه الروايات:

* عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرات ) رواه مسلم في صحيحه.

* عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب) رواه أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه (كتاب الطهارة).

* قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفرّوه الثامنة بالتراب ) رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

* قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا شرب الكلب في إناء أحكم فليغسله سبعاً) رواه البخاري في صحيحه (كتاب الوضوء) ومسلم في صحيحه (كتاب الطهارة).

* قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه وليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب) رواه الشيخان.

* قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات ) متفق عليه.

ونظرا لتعدد الروايات، اختلفت المذاهب الفقهية في تحديد المطلوب بعد ولوغ الكلب في الإناء، وتعددت ـ لذلك ـ الفتاوى قديماً وحديثاً، وكل صاحب فتوى يسوق أدلة يدعـــم بها رأيه… وقد بحث إحسان بن محمد بن عايش العتيبي هذا الموضوع، ووضع فيه كتابا، ذهب في مقدمته إلى أحكام، نوجزها فيما يلي:

1) لا فرق بين أن يكون في الإناء ماءُ أو لبنُ أو زيتُ ُ أو طعامُ ُ، لعموم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فلْيرقه)، وعموم قوله (طهور إناء). وعليه، فتفريق المالكية بين إناء الماء فيراق ويُغسل، وبين إناء الطعام فيؤكل ثم يُغسل الإناء، تعبّدا، مما لا دليل عليه.

2) ينصّ الحديث الشريف، برواياته، على تنجّس الإناء بولوغ الكلب فيه، ووجــوب تطهيره، لعموم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طهور إناء…).

3) الأمر بالإراقة لما في الإناء: وفيه يتضح أن الحُكم بنجاسة الإناء يستلزم الإراقة، ويؤيده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طهور إناء..). وفي رواية عند مسلم زيادة (فليرقه)، رواها على بن مُسهر (عن الأعمش)، وهو ثقة احتج به البخاري ومسلم، ووثقه أحمد وابن معين والعجلي وغيره… وعليه، فالزيادة في الراوية لا تضرّ تفرّد على بن مسهر بها.

4) اقتصار الحُكم على الولوغ والشرب بالفم، دون بقية أجزاء جسم الكلب وأعضائه. أي إذا عسّ الكلب أو أدخل رجله أو أذنه في الإناء، فلا يسري على الإناء وما فيه غسل سبع مرات إحداهن بالتراب. وأما الفريسة التي يمسك بها كلب الصيد ويأتي بها صاحبه، فلسوف نتحدث في حُكمها بعد… وكذلك بول الكلب وروثه، وهما وإن كانا نجسان، فلا يسري عليهما حُكم الولوغ والشرب، بل يكفي غسل الإناء مرة واحدة، كسائر النجاسات.

5) الكلب الوارد في الحديث النبوي هو عموم الكلب، وليس نوعا معينا، ولا فرق بين كلب مأذون باستعماله وكلب منهي عنه، وإن كان بعض المالكية (كابن عبدالبر في “التمهيد”) يذهب إلى الكلب المنهى عن اتخاذه، دون الكلب المأذون فيه… وقد ردّ الحافظ بن حجر ما ذهب إليه هؤلاء بقوله:

أ‌- يحتاج هذا الأمر إلى ثبوت تقدم النهى عن الاتخاذ على الأمر بالغسل.

ب‌- يحتاج هذا الأمر إلى قرينة تدل على أن المراد ما لم يُؤذن في اتخاذه.

ت‌- الظاهر من (اللام) (في قوله “الكلب”) أنها للجنس ـ في اللغة ـ أو لتعريف الماهية.

6) إذا ولغ كلبان أو أكثر، أو ولغ كلب واحد عدة مرات، فيكفي في جميع الحالات غسل الإناء سبع مرات إحداهن بالتراب. والتسبيع واجب، إذ لا صارف للأمر عن وجوبه، وقال بذلك الشافعي ومالك وأحمد وابن المنذر. وحين قال أبو حنيفة فيه بالاستحباب، فقد أخطأ. وحين رأى أبو حنيفة أن الغسل من ولوغ الكلب ثلاث مرات، واحتجّ له أصحابه ببعض الروايات (الموقوفة)، فقد ردّه كثير من العلماء , ومنهم البيهقي الذي قال: وفي ذلك دلالة على خطأ رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة (في الثلاث). وعبد الملك لا يُقبل منه ما يخالف الثقاب. واحتجّ أصحاب أبي حنيفة له، أيضاً، بما ورد في بعض طرق حديث أبي هريرة مرفوعاً: في الكلب يلغ في الإناء يغسله ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، وردّ العديد من العلماء هذه الرواية، ومنهم الدارقطني الذي أثبت أن الراوية ضعيفة جدا، ففيها (عبد الوهاب بن الضحاك)، وهو متروك، ومنها (إسماعيل بن عياش) وروايته عند الحجازيين ضعيفة…

7) وجوب الترتيب في الغسل، أي استعمال التراب، وذهب إليه الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو نور والطبري وأكثر الظاهرية. ومن لم يقل به (كبعض المالكية) فليس له حجة إلاّ عدم ذكر التراب في رواية (سبع مرات) ورواية (سبعا)، ويردّ عليه ثبوت (أولاهن بالتراب) في رواية، وثبوت (عـفروه الثامنة بالتراب) في رواية، وكلتاهما في مسلم عن أبي هريرة.

8) لا يحلّ الصابون، أو المنظفات الأخرى، محل التراب، فهذا أمر تعبُدي، وإن كان الباحثين والأطباء قد توصلوا حديثاً إلى بيان الحكمة فيه…

9) هل للإناء شكل وحجم معين ؟ ذهب ابن القيم (في “تهذيب سنن أبي داود”) إلى أن المراد هو الإناء المعتاد، وولوغ الكلب فيه ولوغ متتابع، وينزل في كل مرة من لسان ولعاب الكلب في الماء ما يخالطه، وإن لم يغيّر لونه، فأعيان النجاسة قائمة بالماء وإن لم تُر…

10) كيف يمكن الجمع بين الراويات التي ذكرت (أولاهن بالتراب)، (إحداهن)، (عفروه الثامنة بالتراب)، و(السابعة بالتراب) ؟ أما (إحداهن) فقد ذهب الحافظ ابن حجر (في “فتح الباري”) إلى ضعف روايتها، إذ في سندها الجارود بن زيد، وهو متروك، وقال ابن حزم (في”المحلى”): وكل ذلك لا يختلف معناه، لأنَّ الأُولى: هي بلا شك إحدى الغسلات، وفي لفظة (الأولى) بيان أيتهن هي، فمن جعل التراب في (أُولاَهُنَّ) فقد جعله في (إِحْدَاهُنَّ) بلا شك واستعمل اللفظتين معاً. ومن جعله في غير (أولاهن) فقد خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنْ يكون ذلك في (أُولاَهُنَّ)، وهذا لا يحل. ولا شك ندري أنَّ تعفيره بالتراب في (أولاهن) تطهيرٌ ثامنٌ إلى السبع غسلات، وأنَّ تلك الغسلة سابقة لسائرهن إذا جمعهن، وبهذا تصحّ الطاعة لجميع ألفاظه صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر.ا.هـ

11) إذا أدخل الكلب رأسه (وفيه فمه) في إناء ولم ندري أولغ فيه، أم لم يلغ، فما حُكم الماء؟ قال النووي (في”المجموع”):قال صاحب الحاوي وغــيره: إنْ كان فمه يابساً، فالماء طاهرٌ بلا خلاف، وإنْ كان رطباً: فوجهان: (أحدهما) يُحكم بنجاسة الماء، لأنَّ الرطوبة دليلٌ ظاهرٌ في ولوغه، فصار كالحيوان إذا بال في ماءٍ ثم وجده متغيراً، حُكم بنجاسته بناءً على هذا السبب المعين. (وأصحهما) أنَّ الماء باقٍ على طهارته، لأنَّ الطهارةَ يقينٌ والنجاسةَ مشكوكٌ فيها. ويُحتمل كون الرطوبة من لعابه، وليس كمسألة بول الحيوان، لأنَّا هناك تيَقنَّا حصول النجاسة، وهو سبب ظاهر في تغيّر الماء بخلاف هذا. ا.هـ

12) إذا وقع كلب في ماء (كبئر وما نحوه) فمات، ما حُكم الماء؟ قال ابن المنذر (في “الأوسط”) أجمع أهل العلم أنَّ الماء القليل أو الكثير إذا وقعت فيه نجاسةٌ فغيّرتْ النجاسةُ الماءَ، طعماً أو لوناً أو ريحاً، أنه نجس مادام الماء كذلك، ولا يجزئ الوضوء والاغتسال به. ا.هـ… فأما إذا لم تُغيِّر النجاسةُ الماء، لوناً أو طعماً أو ريحاً، فهو طاهر، وهو الذي رجّحه ابن المنذر، وهو قول: ابن عباس وابن المسيب والحسن البصري وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجابر بن زيد ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي(انظر “الأوسط” و “التمهيد”).

13) ما حُكم ولوغ الخنزير؟ وهل يُقاس على حُكم ولوغ الكلب في الإناء ؟ قاس بعض العلماء (منهم الشافعي وأحمد) الخنزير على الكلب، وقال النووي (وهو شافعي المذهب) (في “المجموع”): إنه يكفي غسله واحدة بلا تراب، وبه قال أكثر العلماء الذين قالوا بنجاسة الخنزير… وقال ابن حزم (في “المحلي” ): وأما قياس الخنـزير على الكلب فخطأٌ ظاهر – لو كان القياس حقّاً- لأنَّ الكلب بعض السباع، لم يحرم إلا بعموم تحريم لحوم السباع فقط، فكان قياس السباع وما ولغت فيه على الكلب الذي هو بعضها والتي يجوز أكل صيدها إذا علِّمت أولى من قياس الخنـزير على الكلب…. وكما لم يجز أنْ يقاس الخنـزير على الكلب في جواز اتخاذه وأكل صيده، فكذلك لا يجـوز أنْ يقاس الخنـزير على الكلب في عدد غسل الإناء من ولوغه، فكيف والقياس كلُّه باطلٌ… !!.ا.هـ.- (انظر “المحلى”).

• اقتــناء الــكلاب وتربيـتها:

اقتناء الكلاب وتربيتها وتدليلها حرام في الشريعة الإسلامية، وفيما يلي جملة من الأحاديث النبوية التي تؤكد هذا:

– عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من اتخذ كلبًا، إلاّ كلب زرع أو كلب صيد، ينقص من أجره كل يوم قيراط ) رواه مسلم.

– عن سفيان بن أبي زهير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله: ( من أمسك كلباً فإنه ينقص كل يوم من عمله قيراط، إلاّ كلب حرث أو ماشية) رواه البخاري. وفي رواية للشيخان: (… إلاّ كلب غنم، أو حرث، أو صيد ).

– عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مَنِ اقتنَى كلبًا، إلاّ كلب ماشية أو ضارٍ، نقص من عمله كل يوم قيراطان ) متفق عليه.

– عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مَنِ اقتنَى كلبًا، ليس بكلب ماشية أو ضارية، نقص كل يوم من عمله قيراطان ). وفي رواية عنه أيضاً يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (مَنِ اقتنَى كلبًا، إلاّ كلبا ضارياً أو كلب ماشية، فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان)

وهكذا، فإن اقتناء الكلاب، إلاّ كلاب الحراسة أو الصيد أو الزرع، حرام، وقد ردّ ابن حجر العسقلاني (في”فتح الباري”) على ابن عبد البر حين ذهب إلى أن اتخاذ الكلب مكروه وليس بمحرّم، وساق أدلة على هذا. وفي فتوى للدكتور / خالد محمد عبد القادر، فإن المراد بنقص الأجر، أو الإثم الحاصل باتخاذ الكلب، يوازي قدر قيراط، أو قيراطين من أجر، فينقص من ثواب عمل متخذه قدر ما يترتب عليه من الإثم باتخاذه، وهو قيراط أو قيراطين… والتعليل يدلّ على حُرمة اتخاذ الكلب لغير ما ذكر الحديث، لا كراهيته… ومادام اقتناء الكلب لغير منفعة ضرورية يؤدي إلى نقصان أجر ممسكه، يكون إمساكه، أي اقتناؤه، إثم، لأنه لا ينقص الأجر إلاّ الإثم…

‎‎ وأما سبب نقصان الأجر، فقيل: لامتناع الملائكة من دخول بيته، أو لما يلحق المارّين من الأذى، أو عقوبة له لاتخاذه ما نهى عن اتخاذه، أو لكثرة أكله النجاسات، أو لأن بعضها شيطان، أو لولوغها في الأواني عند غفلة صاحبها، فربما تنجس الطاهر منها، فإذا استعمل في العبادة لم يقع موقع الطاهر، أو لكراهة رائحتها…‏ ثم قال الدكتور / عبد القادر: قلتُ: وأقربها إلى ظاهر الحديث، أن نقصان الأجر عقوبة لمخالفة النهي. أما سبب النهي فلجميع ما ذُكـــر، ويــزاد عليهـــا مــا يترتب على اقتنائها من أمراض خطيرة.‏.. ثم انتهى إلى أن تربية الكلاب للهواية مُحرّمة، كما أنها من العادات السيئة، وفيها إسراف بالإنفاق عليها ومعالجتها، وانتقال الأمراض منها إلى الإنسان…!!

• لماذا يتعــوّذ المسلم من نُبــاح الــكلاب ؟

عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم نُباح الكلاب، ونهيق الحمير بالليل، فتعوّذوا بالله من الشيطان الرجيم، فإنها ترى ما لا ترون، وأقلوا من الخروج إذا هدأت الرّجل، فإن الله تعالى يبيّت في الليل من خلقه ما شاء ) رواه أحمد.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا سمعتم صياح الدّيكة فاسألوا الله من فضله، لأنها رأت مَلكا، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوّذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانا) رواه البخاري في كتاب (بدء الخلق)، ومسلم في كتاب (الذكر والدعاء )، وأحمد في مسنده.

في هذا الحديث النبوي الشريف، على اختلاف رواياته، إعجاز علمي، فهو يوضّح أن الديك والحمار كلاهما يرى مالا تستطيع عين الإنسان أن تراه…ومن هذا ما يُسمى “الأشعة فوق البنفسجية UItraviolet rays”، فعين الإنسان ترى الموجات الضوئية (الأشعة) التي تتراوح أطوالها ما بين 400 إلى 700 نانوميتر (والنانوميتر وحدة قياس الأطوال الموجية)، ولا تستطيع أن ترى الموجات الضوئية من 300 إلى 400 نانوميتر، بينما تستطيع الطيور، ومنها الديك، وكذلك الحمار، رؤيتها.

وبالنسبة لحدّة الإبصار، وتمييز الألوان بوضوح، فقد خلق الله سبحانه وتعالى عيون الحيوانات وأودع فيها من التراكيب ما يجعلها قادرة على الرؤية الواضحة في مجال الضوء الخافت، بينما لا تستطيع عين الإنسان أن ترى إلاّ بالضوء الساطع، أي في ضوء الشمس، مثلاً… وأما بالنسبة لحقل الرؤية (أي مجال الإبصار) ـ وهو المحيط الذي يمكن للعين رؤيته ـ فإن عيون الحيوانات تتفوق على عين الإنسان في ذلك، فالكلب ـ مثلاً ـ يمكنه رؤية حقل نظر إلى زاوية قدرها 250 درجة، بينما لا ترى عين الإنسان إلاّ بزاوية قدرها 180 درجة.

وتتوالى بحوث العلماء حول القدرة الإبصارية للحيوانات، ودراسة القدرات والإمكانات التي وهــبها الله الخـالق العظيم لهذه المخلوقات، تيسيرا لحياتها، لأنه كما يقال: ” كُلُ مُيَسّر لم خُلق له “… وإذا كان العلم الحديث لم يصل بعد إلى إثبات أن عين الحمار، أو عين الكلب، تستقبل “الأشعة تحت الحمراء Infrared rays “، وهى التي تمكنه من الرؤية ليلاً، وفي الظلام الدامس، فحسبنا الحديث النبوي بإشارته العلمية الداعية إلى مواصلة البحث في هذا المجال…فالديك يرى الأشعة فوق البنفسجية التي لا تراها عين الإنسان، وهذا جانب من الطيف (Spectrum)، فيكون الحمار والكلب كلاهما قادر على رؤية الأشعة تحت الحمراء، والتي تنبعث من النار، ومن المعروف أن الشيطان مخلوق من نار… والموضوع لا يزال في حاجة إلى المزيد من البحث والدارسة، وقد دعي الحديث النبوي الشريف ـ ضمنيا ـ إلى ولوجه…

رأي شيخ الألباني في العمليات الانتحاريَّة ؟!

 قول موثَّق لشيخ الألباني في جواز العمليات الانتحاريَّة 


عن أسلم أبي عمران التجيبي قال : كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفّاً عظيماً من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا : سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة فقام أبو أيوب الأنصاري فقال : يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سرّاً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد علينا ما قلنا { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم .

رواه الترمذي 2972 – واللفظ له - ، وقال : هذا حديث حسن صحيح غريب ، وأبو داود 2512 .

وصححه شيخنا الألباني في " صحيح موارد الظمآن " 2 / 119 – وهو من أواخر كتبه وقد طبع بعد وفاته ، وهو من كتبه الشرعيَّة لا المسروقة ! - وقال : وهذا ما أصاب المسلمين اليوم ، فشُغلوا بإصلاح أموالهم وتنميتها عن الاهتمام بدينهم والدفاع عن بلادهم ، وقد غزاها أذل الناس ، فصدَق فيهم قول نبيهم صلى الله عليه وسلم : " إذا تبايعتم بالعينة … " الحديث ، وفيه : " وتركتم الجهاد في سبيل الله : سلَّط الله عليكم ذلاًّ لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم " .

وفي الحديث ما يدل على ما يُعرف اليوم بـ " العمليَّات الانتحاريَّة " التي يقوم بها بعض الشباب المسلم ضد أعداء الله ، ولكن لذلك شروط ، من أهمِّها أن يكون القائم بها قاصداً وجه الله ، والانتصار لدين الله ، لا رياءً ، ولا سمعةً ، ولا شجاعةً ، ولا يأساً من الحياة .

انتهى .


كتبه

إحسان بن محمد بن عايش العتيبـي

أبو طارق

ماصحو هذا الاثر " أصابت امرأة وأخطأ عمر" او "أخطأ عمر واصابت جارية "

 

تخريج قصة المرأة مع عمر - رضي الله عنه -
وفيه : أصابت امرأة وأخطأ عمر


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله :
الأثر عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – له ثلاث طرق ، ولا تخلو طريق من مقال :
الأولى :
رواه أبو يعلى – كما في " تفسير ابن كثير " ( 1 / 468 ) – قال : حدثنا أبو خيثمة حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني محمد بن عبد الرحمن عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق قال : ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنما الصَّدُقات فيما بينهم أربع مائة درهم فما دون ذلك ، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها فلا أعرفنَّ ما زاد رجل في صداق امرأة على أربع مئة درهم ، قال : ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت : يا أمير المؤمنين نهيتَ النَّاس أن يزيدوا في مهر النساء على أربع مائة درهم ؟ قال : نعم ، فقالت : أما سمعت ما أنزل الله في القرآن ؟ قال : وأي ذلك ؟ فقالت : أما سمعت الله يقول { وآتيتُم إحداهنَّ قنطاراً } الآية ؟ قال : فقال : اللهمَّ غفراً ، كل النَّاس أفقه من عمر ، ثم رجع فركب المنبر ، فقال : أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربع مائة درهم ، فمن شاء أن يعطى من ماله ما أحب . قال أبو يعلى : وأظنه قال : فمن طابت نفسه فليفعل .
قلت : وإسناده ضعيف ، فيه : مجالد بن سعيد ، وقد ضعَّفه يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن مهدي وأحمد بن حنبل والنسائي والدارقطني وغيرهم .
انظر " التاريخ الكبير " للبخاري ( 8 / 9 ) ، و" الضعفاء والمتروكين " لابن الجوزي ( 3 / 35 ) .
والأثر رواه البيهقي ( 7 / 233 ) لكن بإسقاط " مسروق " بين الشعبي وعمر ، لذا قال عنه البيهقي : هذا منقطع .
فالشعبي – وهو عامر بن شراحيل – وُلد لست سنين مضت من خلافة عمر على المشهور ، كما في " تهذيب الكمال " للمزي ( 14 / 28 ) ، وروايته عن عمر مرسلة كما قال أبو زرعة الرازي وأيده العلائي في " جامع التحصيل " ( ص 204 ) ، وبيَّن المزي في " تهذيب الكمال " ( 14 / 30 ) أنه لم يسمع من عمر .
وأظن أن الوهم فيه من " مجالد " فيكون قد ذكر – مرة – مسروقاً ، ومرة أسقطه .

تنبيه :
الحديث في " أبي يعلى الكبير " كما قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ( 4 / 284 ) والعجلوني في " كشف الخفاء " ( 2 / 154 ) ، وليس هو في " مسنده " المطبوع البتة .

الثانية :
رواه عبد الرزاق في " المصنف " ( 6 / 180 ) عن قيس بن الربيع عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : قال عمر بن الخطاب : لا تغالوا في مهور النساء ، فقالت امرأة : ليس ذلك لك يا عمر ؛ إن الله يقول " وآتيتم إحداهن قنطاراً من ذهب " – قال : وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود – " فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئاً " ، فقال عمر : إن امرأة خاصمتْ عمر فخصمتْه .
قلت : وهو ضعيف ، فيه علتان :
أولاهما : الانقطاع بين أبي عبد الرحمن السلمي وعمر بن الخطاب ، فهو لم يسمع منه كما قال ابن معين وأقره العلائي في " جامع التحصيل " ( ص 208 ) .
والثانية : ضعف قيس بن الربيع ، قال يحيى بن معين – عنه - : ليس بشيءٍ ، وقال - مرة - : ضعيف ، وقال - مرة - : لا يُكتب حديثه ، وقيل لأحمد :لم ترك الناس حديثه ؟ قال : كان يتشيع ، وكان كثير الخطأ في الحديث ، وروى أحاديث منكرة ، وكان ابن المديني ووكيع يضعفانه ، وقال السعدي : ساقط ، وقال الدارقطني : ضعيف الحديث ، وقال النسائي : متروك الحديث .
انظر " ميزان الاعتدال " ( 5 / 477 ) و " الضعفاء والمتروكين " لابن الجوزي ( 3 / 19 ) .
وقد ذكر شيخنا الألباني – رحمه الله – العلتين في " إرواء الغليل " ( 6 / 348 ) .

الثالثة :
رواه الزبير بن بكار – كما في " تفسير ابن كثير " ( 1 / 468 ) – قال : حدثني عمِّي مصعب بن عبد الله عن جدِّي قال : قال عمر بن الخطاب : لا تزيدوا في مهور النساء وإن كانت بنت ذي الغصة - يعني : يزيد بن الحصين الحارثي - فمَن زاد ألقيتُ الزيادة في بيت المال ، فقالت امرأةٌ من صفة النِّساء طويلة ، في أنفها فطس : ما ذاك لك ، قال : ولم ؟ قالت : إنَّ الله قال { وآتيتم إحداهنَّ قنطاراً } الآية ، فقال عمر : امرأة أصابت ، ورجل أخطأ .
قلت : وإسناده ضعيف ، فيه علتان :
الأولى : ضعف جدِّ مصعب بن عبد الله وهو مصعب بن ثابت ، قال يحيى بن معين : ضعيف ، وقال - مرة - : ليس بشيءٍ ، وقال أحمد : أراه ضعيف الحديث ، وقال السعدي :لم أر النَّاس يحدِّثون عنه ، وقال ابن حبان : انفرد بالمناكير عن المشاهير فلمَّا كثر منه استحق مجانبة حديثه .
انظر " الضعفاء " للعقيلي " ( 4 / 196 ) ، و" المجروحين " لابن حبان ( 3 / 28 ) ، و" الضعفاء والمتروكين " لابن الجوزي ( 3 / 122 )
والثانية : الانقطاع بينه وبين عمر – رضي الله عنه - .
وبعد ، فلا يطمئن القلب لتحسين القصة عن عمر لكثرة علل طرقها ، ولعل هذا مما يزيدها ضعفاً ، وهو أن لا تأتي مثل هذه القصة المشهورة إلا من طريق هؤلاء الضعفاء .
ومما يدل على ضعف إنكار المرأة على عمر أمران :
الأول : أنه قد صح عن عمر النهي عن المغالاة في المهور من طريق صحيح ، وليست فيه هذه الزيادة المنكرة :
عن أبي العجفاء السلمي قال : قال عمر بن الخطاب : " ألا لا تغالوا صدقة النساء ؛ فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم ، ما علمتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئاً مِن نسائه ولا أَنكح شيئاً مِن بناته على أكثر من ثنتي عشرة أوقية " . رواه الترمذي ( والنسائي ( 3349 ) وأبو داود ( 2106 ) وابن ماجه ( 1887 ) .
قال أبو عيسى الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
والأوقية : أربعون درهماً – كما ذكره الترمذي - .

تنبيه :
ذكر العجلوني في " كشف الخفاء " ( 1 / ) و ( 2 / 155 ) رواية عبد الرزاق من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن عمر ، وجعلها عن أبي العجفاء عن عمر ! وهو وهم ، فلم يأت إنكار المرأة من طريق أبي العجفاء البتة ، وهي رواية السنن ، وها هما الروايتان - ولله الحمد – بين أيدينا ، وإنما نبهتُ على هذا لأن الدارقطني – كما سيأتي - رجح رواية أبي العجفاء فلعل أحداً أن يخلط بين الخطأ الذي في " الكشف " وبين الصواب الذي في السنن " فلزم التنبيه .

والثاني : أنه لا يخفى على مثل عمر – إن شاء الله – مثل هذه الآية ، وأنه كلامه ليس في النهي الشرعي ، بل هو للإرشاد كما هو واضح عند أدنى تأمل ، ومما يمكن الاستئناس به للأمرين – وهما علمه بالآية وأنه لم ينه النهي الشرعي – ما رواه البيهقي عنه قال – رضي الله عنه - : " لقد خرجتُ وأنا أريد أن أنهى عن كثرة مهور النساء حتى قرأت هذه الآية { وآتيتم إحداهن قنطاراً } .
قال البيهقي : هذا مرسلٌ جيِّدٌ .
وقضية غياب آية { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ } [ آل عمران / 144 ] التي غابت عنه يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمكن الاستدلال بها لتثبيت غياب هذه الآية كذلك ؛ لأن سبب غياب تلك الآية معقول وهو مصيبة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم التي تنسي المحب ما يعلم ، وليس الأمر كذلك هنا ، فلا سبب يمكن أن يقال في ذهول عمر عن هذه الآية ، أو يقال كان جاهلا بها ، ويرده ما سبق ذكره من أثر البيهقي ، وما هو معلوم عن عمر من دقة فهمه – لا حفظه فقط – لكتاب الله تعالى ، ويدل على ذلك حديث الصحيحين في اختبار الصحابة في معنى قوله تعالى { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ …} الآيات ، فلما لم يعلم الصحابة معناها وأمر ابنَ عباس أن يقول لهم ما يعلم وقال : إنها أجلُ النبي صلى الله عليه وسلم ، قال عمر : ما أعلم منها إلا ما تعلم ، والحديث في الصحيحين :

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ، فقال بعضهم :لم تُدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله ؟ فقال : إنه ممن قد علمتم ، قال : فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم ، قال : وما رئيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني ، فقال : ما تقولون في { إذا جاء نصر الله والفتح . ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً } حتى ختم السورة ؟ فقال بعضهم : أُمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا ، وقال بعضهم : لا ندري ، أو لم يقل بعضهم شيئاً ، فقال لي : يا ابن عباس أكذاك تقول ؟ قلت : لا ، قال : فما تقول ؟ قلت : هو أجَلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له { إذا جاء نصر الله والفتح } فتح مكة فذاك علامة أجلك { فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً } قال عمر : ما أعلم منها إلا ما تعلم .
رواه البخاري ( 4043 ) في كتاب المغازي ، باب منزل النبي يوم الفتح ، و ( 4686 ) في كتاب تفسير القرآن ، باب قوله { فسبِّح بحمد ربِّك واستغفره إنه كان توَّاباً } .
وأما ما ورد من حفظه للقرآن فكثير ومن أشهره : إنكاره على هشام بن حكيم قراءته سورة الفرقان ، وهو حديث مشهور معلوم رواه البخاري ( 2287 ) ومسلم ( 818 ) .

فائدة ( 1 ) :
سئل الدارقطني – رحمه الله – عن حديث السنن السابق ، وتكلم عليه ، وذكر طريق مجالد وتكلَّم عليها ، وخلاصة ما قال :
ولا يصح هذا الحديث إلا عن أبي العجفاء .
" علل الدارقطني " ( 2 / 238 ) .

فائدة ( 2 ) :
يستدل الرافضة بهذا الأثر كثيراً للطعن في عمر – رضي الله عنه – وأنه صوَّبته امرأة في حكم شرعي ، ولما كان الرافضة أغبى الطوائف المنتسبة للإسلام فإنهم لم يتنبهوا إلى أن في القصة – على فرض صحتها - تزكية عظيمة لعمر – رضي الله عنه – من قبوله للحق ممن هو دونه ، بل ومن امرأة ، ومن ثّمَّ اعترافه بذلك أمام الناس ، وهو مما لا يفعله إلا القلائل من خلق الله على مدى العصور .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
والجواب : أن هذه القصة دليل على كمال فضل عمر ودينه وتقواه ورجوعه إلى الحق إذا تبين له ، وأنه يقبل الحق حتى من امرأة ، ويتواضع له ، وأنه معترف بفضل الواحد عليه ولو في أدنى مسألة ، وليس من شرطِ الأفضل أن لا ينبهه المفضول لأمرٍ من الأمور ، فقد قال الهدهد لسليمان { أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأٍ بنبأٍ يقينٍ } [ سورة النمل / 22 ] ، وقد قال موسى للخضر { هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً } [ سورة الكهف / 66 ] ، والفرق بين موسى والخضر أعظم من الفرق بين عمر وبين أشباهه من الصحابة ، ولم يكن هذا بالذي أوجب أن يكون الخضر قريباً من موسى فضلاً عن أن يكون مثله ، بل الأنبياء المتِّبعون لموسى كهارون ويوشع وداود وسليمان وغيرهم أفضل من الخضر . وما كان عمر قد رآه فهو مما يقع مثله للمجتهد الفاضل .
" منهاج السنة " ( 6 / 76 ، 77 ) .
والله أعلم .