الأحد، 10 سبتمبر 2023

ليس دفاعا عن الشهيد سيد قطب

 هذه السطور ليست دفاعًا عن الشهيد سيد قطب- نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا-، وإنما توضيح وتأكيد حقائق نعلمها جيدًا يجب أن نذكرها ولا نسكت عنها.

إننا نتساءل: لماذا هذه الهجمة الشديدة على الشهيد وكتاباته؟ 

وهي تهدأ لفترة ثم لا تلبث أن تنشط وينضم لها كل حين بعض الكتاب أو الأفراد ممن يتحركون في مجال الدعوة الإسلامية، وهم لم يظهروا نصف هذا الغضب على المشروع الصهيوني والمؤامرات والقيم الغربية التي تستهدف أمتنا.

ولمصلحة مَن يتم ذلك؟ 

ولماذا تلتقي هذه المواقف مع مواقف أعداء الإسلام من صهاينة وأمريكان؟ 

ولماذا في هذا الوقت الذي نحتاج فيه إلى إيقاظ الأمة وحشدها لمقاومة ومواجهة العدوان عليها؟

ويا ليت الحملة كانت تستهدف النقد الموضوعي، وأن تطرح النقاط والمواضيع التي تكلَّم فيها الشهيد، وتعرض التصور الصحيح المستند للأدلة الشرعية في تلك الأمور، لكنها استخدمت الأسلوب الإعلامي، وإطلاق الأحكام وإلصاق الصفات بكتابات الشهيد دون تمحيص علمي.

ينبغي على مَن يحكم على كتابات الشهيد سيد قطب أن يستخدم الأسلوب العلمي المحايد، وأن يتجرد من أي انحياز نفسي يكون متأثرًا بموقفه من التيار الذي ينتمي إليه، أو متحاملاً على شخصه وذاته، أو شاعرًا بالغيرة منه.

إن أي كاتب إذا أردنا أن نحكم على آرائه أو نستوضحها لا يكتفي بمجرد قراءتنا وفهمنا لبعض ما كتب وإنما يكون هذا من خلال أسلوب علمي محدد يحقق مبدأ "التثبت والتبين".

1. إما أن يكون بمناقشته فيما كتب واستيضاح ما يقصد.

2. وإذا كان غير موجود، فننظر إلى سلوكه وآرائه العملية، لنفهم في ضوئها مقاصده ومعتقداته.

3. وكذلك أن ننظر في كلماته كلها ولا نجتزأ منها سطورًا.

4. وإذا كان الكاتب قد سطَّر آراء ثم رجع عنها بعد ذلك وأعلن عدم رضائه، فلا ينبغي أن نحاسبه عليها بعد ذلك، مثلما فعل الشهيد عندما أعلن عن عدم رضائه عن كتابه "العدالة الاجتماعية في الإسلام" وأن به بعض الأخطاء وسيحاول إعادة كتابته، وكان هذا الكتاب في بداية توجهه الإسلامي وقبل التزامه بجماعة الإخوان المسلمين.

5. كذلك علينا ألا نحاسبه فيما فهمه بعض الناس عندما طالعوا كتاباته وإنما ماذا كان يقصد وما هو فهمه؟

إن الشهيد سيد قطب- رحمه الله - من مواليد (9/10/ 1906م) أي يسبق مولد الإمام الشهيد حسن البنا بأيام قليلة (أقل من شهر)، وكان رحمه الله أديبًا بليغًا، وناقدًا أدبيًّا متميزًا شهد له بذلك مَن عاصروه، وقد تميَّز في عصرٍ كثُر فيه الفطاحل من الأدباء والشعراء.

وقد التزم بجماعة الإخوان المسلمين أواخر عام 1951 واستشهد يوم الإثنين 29/8/1966 قبل بزوغ الفجر (صدر الحكم عليه 21/8/1966م)، ونفذ بعد أسبوع 

أي قارب على الخمسةَ عشر عامًا داخل صفوف الإخوان، قضى منها داخل السجون أكثر من أحد عشر عامًا وتولى بعد عام 1951 مسئولية قسم نشر الدعوة، وهو أحد أهم أقسام الجماعة التي تتعامل مع المجتمع.

فهل كان الشهيد يكفر الناس حكامًا ومحكومين؟ 

وهل كان يصف هذه المجتمعات بالجاهلية، أي بالكفر والخروج عن الدين؟ 

وهل كان ينتهج منهج العنف والانعزال؟ 

إننا إذا طبقنا المنهج العلمي في الدراسة والتقييم لوصلنا إلى نتيجة قطعية بالنفي لهذه الاتهامات.

لقد كان الخطأ في حقيقته عند هؤلاء الذين أرادوا أن يفهموا فهمًا معينًا ويحملوا باقي كلامه على هذا الفهم رغم أن حياته العملية وأقواله وكتاباته ومَن عاشوا بالقرب منه تقطع بابتعاده عن هذه المفاهيم.

أو نجد البعض يقفون عند بعض الألفاظ ذات الدلالة الأدبية ويجردونها عن سياقها ولا ينظرون إلى أن الكاتب كان أديبًا ولا يقصد المعنى الذي ذهبوا إليه مطلقًا.

ولا يعنينا هنا أن فلانًا من العلماء أو المشاهير أصدر هذه الأحكام والصفات على ما كتبه الشهيد، 

فالبحث العلمي يقوم على الأدلة والبراهين وعلى القواعد العلمية للتثبت والحكم، 

وبالنسبة لما سطَّره الشهيد من كتاباتٍ فإن طبيعته الأدبية وبلاغته كانت ملازمة له.

وهو نفسه عندما كتب الظلال، قال في مقدمته أنه لا يكتب تفسيرًا للقرآن، فهذا له قواعده وأسلوبه، ولكن خواطر ومعانٍ يستشعرها عند معايشته وتلاوته لآيات الذكر الحكيم.

ومن المعروف عن الشهيد أنه كان رجّاعًا، إذا راجعه أحد وناقشه، وكان يعرض ما يكتب قبل طباعته على الكثير من إخوانه ويستمع إلى نصائحهم.

ولكي نفهم ما كتب، نرى أنه لم يخرج عما كتبه من كان قبله من علماء الإسلام في الأمة، فهذه كتابات ابن القيم وابن تيمية وغيرها كان فيها لفظ الجاهلية والحملة الشديدة عمن انحرفوا عن أحكام الإسلام.

كان مقصده بكلمات الجاهلية: القيم والمفاهيم، وليس الأشخاص أو الناس في المجتمع، 

لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر-رضي الله عنه- عندما أخطأ مرةً "إنك امرؤٌ فيك جاهلية".

وما ذكره هو من لفظ الحاكمية وضحه في أماكن أخرى، حيث يقصد بها تأكيد المرجعية لشرع الله وضرورة تطبيقه، وما ذكره عن انتساب الناس للإسلام بحكم شهادة الميلاد هو كلام عام ذكره غيره من العلماء الذين سبقوه ولم يتهمهم أحد بادعاء التكفير.

كان رحمه الله يستخدم الكلمات البليغة الأدبية لتوضيح رأيه وللدفاع عن الإسلام، ولم يكن بصدد إصدار أحكام، فهذه لها أصول ولها أهلها من علماء الشريعة، ولم يدع هو ذلك في يومٍ من الأيام.

وحول حديثه عن الجهاد، لم يخرج عن قول علماء الأمة عن شرح نوعي الجهاد: "جهاد الدفع" و"جهاد الطلب" أي الغزو في سبيل الله ... ولم يدع أنه سيتكلم عن الأحكام الفقهية والشروط الشرعية المتعقلة بذلك وإنما كان يتحدث عن المبدأ والمفهوم.

 

المناخ والمرحلة التي واجهها الشهيد

كان رحمه الله في مرحلةٍ من تاريخ الأمة تواجه فيها ضغوطًا كبيرةً وهجومًا حادًّا شديدًا حول القيم الإسلامية- وخاصةً في مجال المرأة- مع غيابٍ لتطبيق الشريعة الإسلامية، وزحف للقيم الغربية على المجتمعات الإسلامية، مما أثَّر على التصورات والمفاهيم، وكانت قيم الإسلام في المجتمع تتعرض وقتها للسخرية والاستهزاء من وسائل الإعلام ومن بعض التيارات المختلفة.

فكان يرد على كل ذلك وهو يركز على البناء النفسي لكي يحدث التوازن فيه، ويرسخ فيه الثبات على هذه القيم الإسلامية مهما كان الواقع من حوله، ولهذا كان حديثه القوي عن الاستعلاء والعزلة الشعورية وعن جاهلية القيم والمفاهيم المنحرفة عن منهج الله، ولم يقصد أن يتكلم عن قضية التكفير وأحكامها الشرعية.

كان كما وصفه المستشار طارق البشري، كالمدفعية الثقيلة التي ترد على تلك الهجمة من خندق الدفاع والثبات.

كان رحمه الله يواجه محاولة تمييع القيم والمفاهيم الإسلامية واستدراج الناس إلى مسميات مضمونها فارغ من قيم الإسلام أو حتى تعارضه فكان يريد أن ينبَّه الأمة لكي تفطن إلى ذلك ولا تنخدع ولا تضفي الشرعية الإسلامية على مثل تلك الأطروحات.

 

توضيح بعض كلماته وآرائه

نشير هنا إلى نماذج من بعض آرائه وكتاباته التي إذا وضعناها بجوار الكتابات الأخرى يتضح لنا حقيقة ما يقصد:

أ) ففي كتاب "معالم" الذي اشتهر بأن فيه تلك الرؤية التكفيرية الانعزالية نجده في آخر صفحات الكتاب يتكلم عن الجاهلية والتعامل معها: " ليس لنا أن نجاري الجاهلية في شيء من تصوراتها، ولا في شيء من أوضاعها ولا في شيء من تقاليدها مهما يشتد ضغطها علينا، إن وظيفتنا الأولى هي إحلال التصورات الإسلامية والتقاليد الإسلامية في مكان هذه الجاهلية.

إن ضغط التصورات الاجتماعية السائدة، والتقاليد الاجتماعية الشائعة ضغط ساحق عنيف.. لا بد أن نثبت أولاً، ولا بد أن نستعلي ثانيًا، ولا بد أن نرى الجاهلية حقيقة الدرك الذي هي فيه بالقياس إلى الآفاق العليا المشرقة للحياة الإسلامية التي نريدها.

ولن يكون هذا بأن نجاري الجاهلية في بعض الخطوات، كما أنه لن يكون بأن نقاطعها الآن وننزوي عنها وننعزل، كلا.. إنما هي المخالطة مع التميز، والأخذ والعطاء مع الترفع، والصدع بالحق في مودة والاستعلاء بالإيمان في تواضع.. " 

(كتاب معالم في الطريق صـ 176)

 

ب) ومن أقواله التي نقلت عنه:

"إن مهمتنا ليست إصدار الأحكام على الناس ولكن مهمتنا تعريفهم بحقيقة لا إله إلا الله؛ لأن الناس لا يعرفون مقتضاها الحقيقي وهو التحاكم إلى شريعة الله" 

(من كتاب أعلام الحركة الإسلامية لعبد الله العقيل صـ 652 ).

 

جـ) كان الشهيد يرفض فرض الإسلام من أعلى على الناس، أو يستخدم العنف والقوة داخل المجتمع، وإنما السبيل للالتزام بالإسلام وإقامة الحكم الإسلامي، هو إيقاظ القلوب وتفهيم الناس وبناء القناعات الصحيحة لديهم.

فيقول رحمه الله .. " ولا بد إذن أن تبدأ الحركات الإسلامية من القاعدة، وهي إحياء مدلول العقيدة الإسلامية في القلوب والعقول، وتربية مَن يقبل هذه الدعوة وهذه المفهومات الصحيحة تربية إسلامية صحيحة.. وعدم محاولة فرض النظام الإسلامي عن طريق الاستيلاء على الحكم قبل أن تكون القاعدة المسلمة في المجتمعات هي التي تطلب النظام الإسلامي لأنها عرفته على حقيقته وتريد أن تحكم به.." 

(جريدة المسلمون، من مقالة بعنوان لماذا أعدموني؟ ذكرت كلمات وكتابات له).

 

د) وها هو الشهيد يصف المجموعة التي تولى تربيتها عام 65، عندما تم اعتقاله تمهيدًا لإعدامه: 

"لقد اتفقنا على مبدأ عدم استخدام القوة لقلب نظام الحكم وفرض النظام الإسلامي من أعلى؛ لأن المطالبة بإقامة النظام الإسلامي وتحكيم شريعة الإسلام ليست هي نقطة البدء، وإنما هي نقل المجتمعات ذاتها إلى المفهومات الإسلامية الصحيحة، وتكوين قاعدة إن لم تشمل المجتمع كله، فعلى الأقل تشمل عناصر وقطاعات تملك التوجيه والتأثير في اتجاه المجتمع كله إلى الرغبة والعمل في إقامة النظام الإسلامي". 

(كتاب شبهات حول الفكر الإسلامي المعاصر- المستشار سالم البهنساوى صـ 237، وكتاب العبقري العملاق سيد قطب صـ83 للأستاذ إبراهيم منير).

هـ) وعندما سُئل في التحقيق- وكانت إجاباته من منطلق أنها شهادة للتاريخ؛ حيث كان متأكدًا أنه سيصدر عليه الحكم بالإعدام، 

سأله المحقق: هل ترى أن هناك فرقًا بين المسلم المنتمى لجماعة الإخوان وغير المنتمى لتلك الجماعة؟

كانت إجابته المدونة في الأوراق:

"الذي يميز الإخوان أن لهم برنامجًا محددًا في تحقيق الإسلام فيكونون مقدمين في نظري على مَن ليس لهم برنامج محدد.."

ثم سأله المحقق:

س: فلم التمييز بين أفراد هذه الجماعة وبين المسلمين قاطبةً وهم جميعًا أصحاب عقيدة وأهداف وبرنامج؟

أجاب: التمييز- في رأيي- ليس تمييز شخص على شخص، ولكن فقط باعتبار أن الجماعة ذات برنامج، وأن كل فردٍ مرتبط بهذا البرنامج لتحقيق الإسلام عمليًّا، وهذا هو وجه التمييز في رأيي".

فلم يكن رحمه الله حتى آخر يوم في حياته يعتقد أو يظن أن المسلمين أصبحوا داخلين في نطاق الكفر بل يثبت لهم الإسلام.

وأيضًا يتضح أن الشهيد لم يذهب مطلقًا في رؤيته أن ينتقي مجموعة من الأفراد ينعزل بهم عن المجتمع بحجة أنه جاهلي ليقوم بتربيتهم ثم القفز بهم على السلطة، 

فها هو يقرر بوضوح أن الطريق هو تربية أفراد المجتمع وتفهيمهم وإقناعهم القيم والتصورات الإسلامية وكيفية الالتزام الصحيح بها، وأن يشمل ذلك جيلاً بأكمله، فإن لم يكن المجتمع كله فعلى الأقل نسبة كبيرة فيه تصبح هي الغالبية وتملك التأثير فيه.

وقد كانت رؤيته لمجموعة الشباب في 65، أنهم خطوة على الطريق ضمن البداية التي يجب أن تستمر وتتسع لتشمل جيلاً بأكمله.

س) وفي تعريفه الجاهلية، وكما ذكر بالمعالم: 

"المجتمع الجاهلي: هو المجتمع الذي لا يُطبق فيه الإسلام ولا تحكمه عقيدته وتصوراته، وقيمه وموازينه وسلوكه ونظامه وشرائعه..

 "في ظلال القرآن جـ 2 صـ37.

وفي موضع آخر يحدد قصده منها: "إنها تعلن العلمانية كمنهج في التشريع، وحتى الحياة كلها، وبعضها وضع القوانين من عند نفسه تخالف شرع الله، وقال عنها: هذا شرع الله" إ. هـ.

فهو هنا يشير إلى حكم عام وليس حكمًا على أشخاص أو مجتمع معين، كما أنه يقصد بكلامه من يقول للناس أن هذا شرع الله، وهو متأكد أنه ليس كذلك بل من عند نفسه.

وما ذهب إليه الشهيد هنا، يتطابق مع ما قرره علماء المسلمين.

 

ص) ويظهر بوضوح أن أقوال الشهيد سيد قطب، عن الجاهلية، وعن الكفر لا تعني الأفراد، بل تتعلق بجاهلية السلوك والمناهج والقيم والتصورات، وبكفر التشريعات والأحكام المناقضة للإسلام. 

بل إنه في المسألة إثبات الإسلام يرى أن النطق باللسان بالشهادتين كافٍ لذلك.

يقول في الظلال في تفسير آية ?وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا? (النساء: الآية94): 

"يكتفى الإسلام هنا النطق بكلمة اللسان، فلا دليلَ يناقضها. "إ. هـ 

أي أنه يقول بإسلام مَن نطق بالشهادتين دون انتظار لامتحانه.

كما أنه في حديثه أحيانًا يتكلم عن جاهلية العقائد، وفي موضعٍ آخر عن جاهلية السلوك، وهناك فرق كبير بينهما.

ومن أقواله: " أنه فيما يختص بالفرد يكون الاحتكام إلى عقيدته وخلقه، وفيما يختص بالأمة الاحتكام إلى نظام حياتها كلها" إ. هـ.

والشهيد يقر ويعترف بإسلامية الأفراد في داخل مجتمعاتنا، أما الأنظمة التي توجه حياة الناس والعادات والسلوكيات والمفاهيم والأخلاق في المجتمع، فهي محل كلامه، وهي التي وردت النصوص الشرعية بوصفها بالجاهلية وبالنفاق وبنفي الإيمان الكامل أحيانًا عنها.

"كتاب العبقري العملاق سيد قطب صـ 78 للأستاذ إبراهيم منير".

 

ع) كان يرفض فكرة تجزئة القبول بالاحتكام للإسلام في جزئية، ورفضهم الاحتكام إليه في أجزاء أخرى من قضايا المجتمع، وهناك فرق فقهى واضح بين رفض مبدأ القبول بالاحتكام إليه وبين الضعف في التنفيذ مع وجود القبول والرضى.

كان – رحمه الله - ينادى بالرؤية الشمولية، ومن أقواله في ذلك: "والذين يصرخون اليوم طالبين منع المرأة من الانتخاب باسم الإسلام أو منعها من العمل باسم الاسلام، أو إطالة أكمامها وذيلها باسم الإسلام، ليسمحوا لي مع تقديري لبواعثهم النبيلة أن أقول لهم: 

إنهم يحيلون الإسلام هزأةً وسخريةً؛ لأنهم يحصرون المشكلة كلها في مثل هذه الجزئيات.

إن طاقتهم كلها يجب أن تنصرف إلى تطبيق النظام الإسلامي والشريعة الإسلامية بأن يسيطر على نظام المجتمع وقوانين الدولة، وللتربية الإسلامية بأن تسيطر على المدرسة والبيت والحياة، يجب أن يأخذوا الإسلام جملةً وأن يدعوه يؤدي عمله في الحياة جملةً، فهذا هو الأليق لكرامة الإسلام، وكرامة دعاة الإسلام" 

(راجع كتاب العبقري العملاق صـ 67، للأستاذ إبراهيم منير).

 

ل) لقد كان الشهيد يواجه مؤامرات شديدة للقضاء على التصور والفهم الإسلامي الصحيح، فكان عليه أن يواجه ذلك وأن يكشف زيغه مهما تستر في شعارات:

".. ومن ثم استداروا في التجارب الجديدة يستفيدون من تجربة أتاتورك: ألا يرفعوا على التجارب الرائدة راية الإلحاد، وإنما يرفعون عليها راية الإسلام، كي لا تصطدم الفطرة كما صدمتها تجربة أتاتورك ثم يجعلون تحت هذه الراية ما يريدون من المستنقعات والقاذورات والانحلال الخلقي، ومن أجهزة التدمير للخامة البشرية بجملتها في الرقعة الإسلامية. "إ. هـ. 

الظلال جـ2 صـ211 عن الآية 49 من سورة الأنعام.

فهو هنا يتحدث عن نموذج به الإلحاد والانحراف الكامل عن الإسلام ويزعمون فيه أن هذا هو الإسلام، لهذا لا بد أن نفهم عباراته القوية من خلال هذه الرؤية التي أشار إليه ولا نعمم هذا على كل صور الخلل والضعف أو نستنتج مفهومًا لم يقصده أو يذهب إليه.

 

م) ومن كلماته التي وردت في مقالاته وكتبه وهو يتحدث عن الخضوع للاستعمار، وغفلة الحكام والسياسيين:

".. ولكن من الحق ألا نصم الشعوب العربية بهذه الوصمة، إن هذه الشعوب لأذكى وأشد حميةً من أن ترضى لنفسها بالهوان، ولكنها تلك الحفنة من ساسة الجيل الماضي في مصر وبعض البلاد العربية تلك الحفنة الرخوة المسنة الضعيفة المتهالكة، المهدورة الأعصاب لا تقدر على الكفاح، ولا تدع الشعوب تكافح؛ لأن أنانيتها الآثرة تمسكها عن الانسحاب من الميدان وتركه للقادرين". 

(صـ155 من كتاب العبقرى العملاق).

ويقول أيضًا: ".. لو كان مقدرًا لهذا العالم الإسلامي أن يمون لمات في خلال فترة الاسترخاء والإعياء، وفي إبَّان فتوة الاستعمار وقوته، ولكنه لم يمت بل انتفض حيًّا كالمارد الجبار، يحطم أغلاله وينقض أثقاله ويتحدى الاستعمار الذي شاخ.. " إ. هـ. 

(في ظلال القرآن جـ2 صـ940).

ويقول: ".. وإن يوم الخلاص لقريب وإن الفجر ليبعث خيوطه، وإن النور يتشقق به الأفق، ولن ينام هذا العالم الإسلامي بعد صحوته ولن يموت هذا العالم الإسلامي بعد بعثه، ولن تموت العقيدة الحية التي قادته في كفاحه" إ. هـ 

(في ظلال القرآن جـ2 صـ940) 

فهل هذا كلام مَن يكفر الشعوب أم من يحرص عليها ويضع أمله فيها، ويعرف مواطن الضعف والقوة.

 

ن) ومن كلماته عندما تحدث عن الزكاة في واقع الأمة:

"وقد بهتت صورة الزكاة في حسِّنا وحسِّ الأجيال التعيسة من الأمة الإسلامية التي لم تشهد نظام الإسلام مطبقًا في عالم الواقع ولم تشهد هذا النظام يقوم على أساس التصور الإيماني والتربية الإيمانية" إ. هـ 

(الظلال سورة البقرة الآية 177)

فالأستاذ سيد وصف الأمة اليوم بالأمة الإسلامية رغم أنه يراها أمة تعيسة ولم تطبق أحكام الإسلام في واقعها، فلم ينف عنها إسلامها.

ط) أشاع البعض لسوء فهمه أن الشهيد يدعو إلى مقاطعة واعتزال المساجد الحكومية لأنها مساجد جاهلية.. 

وهذا خطأ والذي يرجع لكتاباته يجد حديثًا لا يؤدي لهذا فهو في تفسيره للآيات التي تحدثت عن نبي الله موسى (عليه السلام) وما لاقاه بني إسرائيل من تعذيب ومطاردة لجأوا فيها إلى اتخاذ بيوتهم قبلةً، فيقول في وصف هذه الحالة: ".. وقد يجد المسلمون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي وقد عمَّت الفتنة وتجبّر الطاغوت وفسد الناس، وانتنت البيئة، وهنا يرشدهم الله إلى أمور، منها اعتزال معابد الجاهلية "إ. هـ.

فلم يقل – رحمه الله - أن المساجد الموجودة حاليًّا بالمجتمع هي معابد جاهلية، وأن المسلمين يواجهون فتنةً ومطاردةً مثل التي واجهها بني إسرائيل على يد فرعون،

فلماذا يلجأ البعض إلى الاستنتاج الخاطئ وإلى التعميم الذي ليس عليه دليل إلا تفسيرًا واحدًا، أن هذا هو رأيهم وقناعتهم الداخلية، وأي عبارات بعد ذلك ستكون الشماعة التي يتسترون وراءها، سواء قالها الشهيد أم قالها غيره.

 

ظ) كتب في مقال له بجريدة الإخوان المسلمين عن الدعوة والأمة الإسلامية عام 1953م:

".. لقد صحت الأمة الإسلامية بعد طول سبات، ولو كانت إلى فناء وموت ما استيقظت من سبات، ولقد صحت بعد نوم طويل، فليس من سنة الحياة أن تنام من جديد، لقد صحت لتحيا وصحت لتنمو وصحت لتنتفض عنها الأوشاب والأخلاط، وإذا كانت الأمة الإسلامية ما تزال تتعثر، وما تزال تكبو وما تزال تضطرب فتلك هي اختلاجة الحياة الجديدة، لا سكرات الموت ولا صراعات الداء. 

تلك هي علائم الصحو واليقظة بعد نوم طويل وهمود، والمستقبل لها، والدلائل كلها تشير إلى هذا المستقبل". إ. هـ 

(صـ 58 من كتاب العبقري العملاق).

 

شهادات مَن عاشوا معه والتقوا به

الشهادات التي وردت كانت من هؤلاء الأساتذة الكرام الذين عايشوه ولم تكن فردية بل تواترت عبر العديد من الأفراد، ولكن نذكر فقط أسماء من سمعنا منهم مباشرة):

أ) لقد حدثت مناقشات وأسئلة له من كثير من إخوانه عندما أشاع البعض أنه يكفر المجتمع ويصفه بالجاهلية.

حدث هذا ممن كانوا معه في قفص المحكمة أثناء التحقيقات، وفيمن التقى به داخل مستشفى السجن، بل إن قيادة الإخوان كلفت الأستاذ عمر التلمسانى عندما كان يلتقى به لسؤاله المباشر عن ذلك وعاد وهو يحمل إجابة واضحة منه، بنفي الشهيد أنه يكفر أحدًا أو يقصد بجاهلية المجتمع تكفير الناس ..

(شهادة أ. جمعة أمين).

ب) إن كتاباته قبل طباعتها كان يقرأها كبار الإخوان ومنهم الأستاذ الهضيبي وأقروا ما فيها ولم يجدوا فيها ما فهمه البعض واتهمه به 

(شهادة أ. جمعة أمين ود. محمود عزت).

جـ) لقد تواترت عشرات الشهادات ممن عاصروه وسألوه مباشرةً، فأكد رأيه الواضح وأنه لا يكفر أحدًا، بل وصف مَن فهموا ذلك- أي ما فهموه من تكفير المجتمعات- أنهم لم يفهموا وأساءوا الاستخدام فقال: لقد حُملت كتبي وآرائي على حمارٍ أعرج.." 

(شهادة د. محمد بديع، ود. محمود عزت).

هـ) شهادة الداعية زينب الغزالي، عندما سألته مباشرةً عام 1964م عندما زارها في منزلها عن إشاعة أنه يكفر الناس لأنهم لم يفهموا الإسلام، فاستغرب هذا القول، وبيَّن أن فهمهم هذا خاطئ لما كتبه، وأنه سيوضح هذا ويرد عليه في الجزء الثاني من "المعالم". 

(حوار مجلة المجتمع الكويتية 1982م، صـ 85 كتاب العبقري العملاق).

والأستاذ الهضيبي كان رأيه في مسألة التكفير واضحًا حاسمًا وقد فصل الإخوان الذين انتهجوا هذا الفكر ورفض بقاءهم في الجماعة ولم يتهاون في ذلك قط.

فهذا دليلٌ واضحٌ أن الشهيد كان موقفه واضحًا من مسألة التكفير، وأن مَن اعتنقوا ذلك بحجة ما فهموه من آراء، هم الذين أساءوا الفهم، وأن أصل الفكرة كانت عندهم مسبقًا وكان ذلك في ظروفٍ يتعرضون فيها للسجن والتعذيب.

و) وكان فضيلة الأستاذ الهضيبي يعتز دائمًا بسيد قطب، وكان يذكر أنه شهيد الإخوان (شهادة أ. مهدي عاكف وأ. جمعة أمين).

فقد قرأ غيرهم من آلاف الإخوان.. هذه الكتابات ولم يفهموا منها هذا الفهم، في حين أن عدد الآخرين الذين أشاعوا ذلك على أصابع اليد من الإخوان.. 

وبالمثل نذكر، وما ذنب الإمام علي وابنيه الحسن والحسين سيدَي شباب أهل الجنة (رضي الله عنهم) في نشأة المذاهب المنحرفة والتي نسبت نفسها إليهم بعد ذلك).

ش) أرسل بعض الإخوان في سجن طره الأخ عبد الرءوف أبو الوفا عندما تناقل بعض الأفراد موضوع التكفير، يخبره بذلك ويستوضحه، فانزعج الأستاذ سيد لهذا الكلام ورد عليه:

".. إننا لم نكفر الناس، وهذا نقل مشوه، إنما نحن نقول إنهم صاروا من ناحية الجهل بحقيقة العقيدة، وعدم تصور مدلولها الصحيح والبعد عن الحياة الإسلامية إلى حال تشبه حال المجتمعات في الجاهلية، وإنه من أجل هذا لا تكون نقطة البدء في الحركة هي قضية إقامة النظام الإسلامي، ولكن تكون إعادة زرع العقيدة والتربية الأخلاقية الإسلامية، فالمسألة تتعلق بمنهج الحركة الإسلامية أكثر مما تتعلق بالحكم على الناس" إ. هـ. 

(من كتاب لماذا أعدموني؟ وهو عبارة عن تجميع لإفادات الأستاذ سيد عند التحقيق معه قبل الحكم بإعدامه، ومعها بعض الشهادات من إخوانه).

 

ص) وعندما نقل الأستاذ عبد العزيز عطية والأستاذ عمر التلمساني إلى مستشفى طره، وهما من أعضاء مكتب الإرشاد وقتها، التقيا بالشهيد للاستفسار عما يشيعه البعض عنه، فنفى ذلك وشرح لهما ما يقصده فاستراحا لذلك وأقراه عليه وأبلغا الإخوان بذلك. 

(صـ79 من كتاب العبقري العملاق للأستاذ إبراهيم منير).

 

ض) شهادة أ. عمر التلمساني في كتابه ذكريات لا مذكرات:

".. وما أراد الشهيد الأستاذ سيد قطب في يومٍ من الأيام أن يكفِّر مسلمًا"، ".. إن كثرة ترداده "للمتجتمع الجاهلي" لم يقصد بها تكفير المجتمع، ولكن تشديد النكير على الظلمة والطغاة والمستغلين والمشككين، وهو أسلوب تعرفه اللغة العربية..".

"والذين يعرفون الشهيد سيد قطب ودماثة خلقه وجمّ أدبه، وتواضعه ورقة مشاعره، يعرفون أنه لا يكفر أحدًا.."

".. هذا موجز مقتضب للمبادئ التي قام عليها كتاب معالم في الطريق وقد كان لي شرف الاطلاع عليه قبل طبعه ونحن في مستشفى ليمان طرة" إ. هـ 

(وراجع أيضًا كتاب العبقري العملاق).

ط) شهادة الأستاذ سيد نزيلي (من قيادات الإخوان في 65):

"أنه- يقصد الشهيد سيد قطب- لم يتهم عامة المسلمين بالكفر، وكان يصلي خلف الإمام العادي، وكان يأكل ذبائح المسلمين، ويؤثر عنه في سجنه أن سُئل: "هل أنت تُكفِّر عامة المسلمين؟" 

فقال: كيف أكفر عامة المسلمين وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وحب الدين متغلغل في وجدانهم وقلوبهم.."، 

ثم نادى على سجينٍ من أرباب الإجرام والمعروفين بالشراسة وسوء الخلق، وقال له: يا فلان إذا قابلك رجل ولعن دينك ماذا يكون موقفك؟ 

فقال هذا السجين: أقتله، 

فاستشهد سيد قطب بذلك في أن للإسلام قدسيةً واحترامًا في نفوس حتى الذين يُخيل إلينا أنهم أبعد ما يكونون عن الإسلام بأعمالهم.." أ. هـ.

ويقول أيضًا الأستاذ سيد نزيلي: ".. نحن الجيل الذي تربَّى على فكر سيد قطب لم نلحظ هذه الدعاوى التي تتهمه بالتكفير، وهو لم يطلب منا ذلك في الكتابات التي كان يرسل بها إلينا ويربينا عليها نحن جيل 65، نحن كنا نعيش بإسلامنا بين أهلينا ومجتمعنا ولم يخطر على بالنا أننا متميزون بأي شيء عن غيرنا من المسلمين".

ويقول: "وسيد قطب لم تكن كتاباته لانعزال هذه الفئة، بل كان يطلب من الشباب أن يندمجوا مع المجتمع حتى يغيروا هذا المجتمع". إ. هـ.

".. وقد انتهيت بعد لقائي بإخواني واستجلاء حقائق الأمور إلى: أننا لم نكفر مسلمًا ولم نعلم من الأستاذ سيد قطب أنه يأمرنا بالتكفير أو الانعزال عن المجتمع أو المفاصلة الشعورية التي يفهمها البعض خطأ بمعنى الانعزال". إ.هـ 

( صـ78، 88، 89 من كتاب البعقري العملاق).

 

ظ) شهادة العالم الجليل الشيخ محمد عبد الله الخطيب -رحمه الله-، حيث ذكر أنه زار الأستاذ سيدًا في الفترة القصيرة التي خرج فيها من السجن عام 1964م، وأنه زاره في بيته يوم جمعة، فوجده عائدًا من صلاة الجمعة مصليًا وراء إمام المسجد، وحكى لي أحد الإخوان أنه رأى الأستاذ سيدًا يصلى خلف أحد المسجونين الجنائيين في فترة محبسه". اهـ.

فهل يعقل أن الأستاذ يحكم بالكفر على عموم الأفراد والمجتمعات ثم يصلى وراءهم؟ 

(صـ 94 من كتاب العبقري العملاق).

ك) شهادة الأستاذ إبراهيم منير، والأستاذ أحمد كنزي (من شعبة عابدين بالقاهرة)؛ حيث إنهما وهما في السجن عام 1963م وصل إليهم من بعض الإخوان أن الأستاذ سيد يقوم بوضع كتاب عليه اتفاق من الجماعة هو (معالم في الطريق) وأن على الإخوان جميعًا خارج السجون قراءته.. 

وعندما اشتد المرض على الشهيد سيد قطب تم نقله إلى مستشفى قصر العيني، فتحايلنا على زيارته كل يوم جمعة- أسبوعيًّا تقريبًا- لنسمع منه ونستفسر، ولم نسمع منه على الإطلاق أنه يعنى بالجاهلية تكفير الناس، ولم نسمع منه قولاً بكفر الحكام، ولم نسمع منه أن العزلة الشعورية عن الناس تعني مقاطعتهم والعيش في الكهوف والجبال وتجنب العمل في وظائف المجتمع، ولكنه كان يركز على إحياء معانى الإيمان في قلوب الأمة، ويعنى بالجاهلية جاهلية السلوك وليست جاهلية الاعتقاد.. وهذه شهادة بما علمت ألقى بها الله عز وجل: أنى لم أسمع منه خلاف ما قلت. اهـ. 

(صـ7 كتاب العبقري العملاق للأستاذ إبراهيم منير)

ويقول أيضًا الأستاذ إبراهيم منير:

"صرح الشهيد أكثر من مرة وفي أكثر من موضع أن من رغب في معرفة.. إننا دعوة مهمتها بيان الحقائق للناس لا إصدار الأحكام عليهم". 

السبت، 9 سبتمبر 2023

حكم الدعاء للكافر بالمغفرة والرحمة ؟!

 مسألة الدعاء للكافر بالمغفرة والرحمة يحتاج  إلى مناقشة جدية ونقدية، نستعيد فيها النقاشات الفقهية الأصيلة التي سبقت نزعات التسلف والخطابات الدعوية التي تنزع إلى المفاصلة مع فقر في الزاد الفقهي، وهو ما سأحاوله في هذا المقال.

يتصل الدعاء للكافر بمسألة أخرى شديدة الأهمية، وهي الموقف من الأعمال الصالحة التي قام بها الكافر في حياته، وهل تعتبر أم تكون هباءً؛ لأجل كفره؟ وهل يثاب عليها في الآخرة أم أنها فقط تخفف عنه العذاب؟ وهي مسائل كلامية تستحق المناقشة لفهم تصورات متكلمي المسلمين، بعيدا عن التصورات الشعبية المهيمنة اليوم والتي تُشيع مزاجا عامّا غير متسامح، بل لا يراعي أحيانا أدنى درجات اللباقة في التعامل مع موتى غير المسلمين.

وترجع دعوى الإجماع المشار إليها في كلام الألباني إلى القاضي المالكي عياض اليحصبي (544 هـ) الذي نقل عنه النووي قوله: "وقد انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب، لكن بعضهم أشدُّ عذابا من بعض؛ بحسب جرائمهم"، أي إن الدعاء للكفار ليس يحرم فقط، بل لا يُجدي نفعا مع موتهم على الكفر.

وقد ناقش النووي الشافعي هذه المسألة في كتابين من كتبه، ففي كتابه الفقهي قال: "وأما الصلاة على الكافر والدعاء له بالمغفرة فحرام بنص القرآن والإجماع"، وقال في كتاب الأذكار: "ويحرمُ أن يُدعى بالمغفرة ونحوها لمن مات كافرا… وقد جاء الحديث بمعناه، والمسلمون مجمعون عليه". وقال أيضا: "اعلم أنه لا يجوز أن يُدعى له بالمغفرة وما أشبهها مما لا يُقال للكفار، لكن يجوزُ أن يُدعى بالهداية وصحةِ البدن والعافية وشبهِ ذلك".

والسؤال الذي على المدقِّق أن يبحثه هنا هو: من أين جاء هذا الإجماع؟ وهل المسألة إجماعية بالفعل كما ادعى القاضي عياض وتبعه النووي الذي ينقل عنه كثيرا في شرحه لصحيح مسلم؟ الواقع أن النووي نفسه ينقض هذا الإجماع بشكل غير صريح حين ينقل بعد كلام القاضي عياض مباشرة عن الإمام البيهقي الشافعي (458 هـ) أن القول بأن أعمال الكافر الصالحة لا تنفعه في الآخرة إنما هو قول "بعض أهل العلم والنظر"، أي إنه لا يعدو مجرد قول وليس إجماعا، بل إن النووي ينقل عن البيهقي أيضا أن الآيات والأحاديث الواردة في بطلان عمل الكافر الخيِّر إذا مات على الكفر، يمكن أن تُحمل على معنى إخراجه من النار وإدخاله الجنة، ومعنى ذلك أن هذه الأعمال الصالحة من الكافر يمكن أن تساعده في أن يُخفف عنه العذاب الذي استوجبه على جنايات ارتكبها غير الكفر.

وهذا الرأي ليس رأي البيهقي وحده، بل هو رأي كثيرٍ من العلماء من مختلف المذاهب الفقهية، وهو رأي قويّ ووجدته شائعا في المصادر المتعددة بعد البحث والتتبع، حتى إن الفقيه المالكي الكبير ابن الفرس الأندلسي (597 هـ) وهو معاصر للقاضي عياض، اكتفى بحكاية وجود قولين في المسألة ولم يرجح بينهما. ونجد حكاية هذين القولين أو الخلاف في كتب شروح الحديث والفقه والتفسير، وفي أزمنة مختلفة؛ فهو خلاف قويّ وإن كان القول بأن العمل الصالح من الكافر ينفعه هو القول الأقوى، حتى إن الفقيه الحنفي أحمد الكوراني (893 هـ) اكتفى بإيراده وحده وجزم به، وقد رجح هذا عدد من العلماء نقضوا دعوى الإجماع التي أطلقها القاضي عياض وقالوا إنها غير صحيحة، وللقاضي عياض مثل هذه الإطلاقات التي تحتاج إلى تروٍّ، وكثيرا ما ينقل عنه النووي. وممن رجحوا أن الكافر ينتفع بعمله الصالح في الآخرة الفقيه الحنفي والمحدث محمد أنور شاه الكشميري (1353 هـ) والعلامة شهاب الدين الخفاجي (1069 هـ) والعلامة شهاب الدين الآلوسي (1270 هـ) وغيرهم.

والكلام في انتفاع الكافر بعمله الصالح في الآخرة يطول، ولعلي أخصص له مقالا مستقلا؛ لأن غرضي في هذا المقال أن أوضح جواز الدعاء للكافر بالمغفرة والرحمة أو بأمر أخرويّ لا دنيوي فقط، سواءٌ في حياته أم بعد مماته؛ ولكن بشرط ألا يتناول ذلك ذنب الكفر أو الشرك الأكبر، وهذا مذهبٌ معتبرٌ بل هو مذهب الشافعية على خلاف ما أوهم كلام الإمام النووي السابق، وعلى خلاف إجماع عياض الذي لا أعرف أحدا سبقه إليه.

وإذا كنا سنتحدث عن الشافعية لبيان محل كلام النووي الشافعي، فإننا نجد أن كلامه أشكل على أئمة الشافعية اللاحقين، ويمكنني أن أميز هنا بين موقفين اثنين:

الموقف الأول: فهم من كلام النووي الإطلاق، وأنه يُحرّم مطلق الدعاء بالمغفرة والرحمة للكافر، سواءٌ كان ذنب الشرك أو غيره، ومن ثم انشغل بعض شيوخ المذهب ببيان أن المذهب أنه يجوّز الدعاء للكافر بالمغفرة؛ خلافا لكلام النووي. وقد نحا هذا المنحى شيوخ عدة في المذهب كما سيتضح لاحقا.

الموقف الثاني: حمل كلام النووي على أنه يريد حرمة الدعاء للكافر بمغفرة شركه أو كفره، أي وإدخاله الجنة، ويمثل هذا الموقف العلامة ابن عِلّان الشافعي؛ فقد فسر كلام النووي بأن المراد به "الرحمة أو دخول الجنة أو رضوان الله تعالى"، أي الاستغفار المُخرِج من النار والمُدخِل إلى الجنة.

وبعيدا عن دعوى الإجماع لدى عياض، إذا عدنا إلى كلام النووي في كتابيه نجد أن ظاهره يدل على أنه إنما أراد الشرك الأكبر فقط لا ما هو دونه، ويدل على ذلك 3 قرائن:

القرينة الأولى: أن النووي قرن بين الصلاة على الكافر والدعاء له، ثم إنه بعد أن قرر تحريم الدعاء له بالمغفرة، قرر أيضا أن المذهب جواز اتباع المسلم جنازةَ قريبه الكافر، وأن زيارة قبر الكافر جائزةٌ.

القرينة الثانية: أن النووي نفسه نقض إجماع القاضي عياض حين نقل عن الإمام البيهقي الشافعي أن عمل الكافر الصالح ينفعه في الآخرة وإن لم يُدخله الجنة.

القرينة الثالثة: استدلال النووي في هذا السياق بآية "ما كانَ لِلنَّبيّ والَّذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لهم أنهم أصْحابُ الجَحِيمِ" [التوبة: 113]، وهي تشير إلى الشرك، وأنه لا يُخرج أصحابه من الجحيم، ومن هنا أوضح ابن علان الشافعي أن في الآية دليلا على جواز الاستغفار للمشركين الأحياء؛ لأنه "طلبُ توفيقهم إلى الإيمان".

وبالإضافة إلى القرائن السابقة، لا بد من القول: إن المغفرة إذا أُطلقت تنصرف إلى الشرك الأكبر؛ فالدعاء بالمغفرة ينصرف إلى ألا تمس النارُ المدعوَّ له، وهو حقيقة الدعاء للموحِّدين، وخصوصا حين يقترن الدعاء للميت بالصلاة عليه؛ لأن المراد من الصلاة عليه الدعاء له بالمغفرة المُدخلة للجنة. فالإشكال في كلام النووي نابع من عدم تحرير محل النزاع؛ فكلامه يحتمل معنيين:

الاحتمال الأول: أن يريد الدعاء بمغفرة الشرك الأكبر، وتحريم هذا الدعاء محلّ إجماع بين الفقهاء؛ لأنه خلاف النص القرآني الصريح، وهو ظاهر كلام النووي حين قال: "بنص القرآن والإجماع"، فالذي ثبت بالنص الصريح هو "إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"، وهو المعنى المُجْمَع عليه.

الاحتمال الثاني: أن النووي يريد تحريم مطلق الدعاء بالمغفرة؛ بما يشمل الشرك الأكبر وغيره من الذنوب، فإن أراد هذا المعنى فالراجح في مذهبه الشافعي هو خلاف هذا، وقد توارد على بيان هذا الراجح عدد من مشايخ المذهب.

وإذا عدنا إلى كتب المذهب، نجد بعض أئمة الشافعية ينصّون على أنه يجوز الدعاء للكافر بأمر أخرويّ وبالمغفرة والرحمة؛ خلافا لما أوهمه كلام النووي من إطلاق القول بالتحريم، كما نجد مثلا لدى الخطيب الشربيني (977 هـ)، وأحمد سلامة القليوبي (1069 هـ)، وإبراهيم البرماوي (1106 هـ)، وسليمان البجيرمي (1221 هـ).

وربما التبس هذا النص الصريح بنصوص أخرى في بعض كتب الشافعية يَرِد فيها إطلاق القول بحرمة الدعاء للكافر بالمغفرة، كما نجد عند الخطيب الشربيني وشهاب الدين الرملي مثلا؛ فقد عللا حرمة الصلاة على الكافر بأنه لا يجوز الدعاء له بالمغفرة، لقوله تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به" [النساء: 48]. ولكن إطلاق التحريم في هذه النصوص إنما يرد مقرونا بحرمة الصلاة على الكافر صلاة الجنازة؛ وفي بعض النصوص يرد التعبير بأن "قضية كلامهم في الجنائز حرمة الدعاء للكافر بالمغفرة"، إلى جانب النص على جواز الدعاء للكافر بالمغفرة، وهو يدل على أن مرادهم في تحريم الصلاة عليه مع الدعاء له هو مغفرة ذنب الشرك الأكبر الذي يُشعر به هذا الاقتران بين الصلاة عليه والدعاء له، خصوصا أن حواشي كتب المذهب الشافعي تحكي أن ثمة خلافا بين الفقهاء في "استحباب الدعاء للكافر"، وإن كان الراجح هو جواز الدعاء. نجد ذلك لدى نور الدين بن علي الشبراملسي (1087 هـ) وسليمان بن منصور الجمل (1204 هـ) وعبد الحميد الشرواني (1301 هـ) مثلا.

بل إن الشبراملسي تعقب الكلام المطلق السابق الوارد عن الشربيني والرملي بأن آية "إن الله لا يغفر أن يشرك به" هي أخص من دعوى تحريم مطلق الدعاء للكافر؛ لأن الآية إنما تدل على معنى محدد هو عدم مغفرة الشرك الأكبر، وربما تدل على مغفرة غير الشرك؛ لعموم قوله تعالى: "ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" [النساء: 48]. وهذا يدل على جواز الدعاء للكافر بمغفرةٍ غير الشرك؛ لأن ذنب الشرك لا يُغفر، فلا يجوز الدعاء له به، في حين يجوز الدعاء للكافر بمغفرة ما عدا الشرك وبالرحمة وبصحة البدن وكثرة المال والولد وبالهداية، بل "ويجوز التأمين على دعاء الكافر ويجوز طلب الدعاء منه أيضا" كما أوضح القليوبي وغيره.

وفي بعض كتب الشافعية يرد تقييد جواز الدعاء للكافر الحي بقيد "إن أسلم"، أو بنية أن يحصل للكافر سبب المغفرة وهو الإسلام، وهو ما دفعني سابقا في تعليق فيسبوكي إلى توهم التمييز في الدعاء للكافر بين حالتي الحياة والممات، ولكن اتضح لي بعد ذلك أن مدار الأمر كله إنما هو على التمييز بين الشرك الأكبر وغيره، وفي هذه الحالة فإن الدعاء محمول على طلب مغفرة الشرك في الدنيا إن أسلم؛ بناء على "إيمان الموافاة" الذي يقول به كثير من الأشاعرة، ومعناه أن العبرة في السعادة والشقاوة هي الحالة التي يموت عليها الشخص بغض النظر عن عمله السابق على هذه الحالة، فقد يرتد المسلم قبل موته وقد يؤمن الكافر عند موته، فالدعاء له بعموم المغفرة يترك مجالا لهذا الاعتبار بأن يوفقه الله للهداية قبل موته فيموت على الإسلام.

ولكن ماذا لو دعا المسلم للكافر بمغفرة ذنب الشرك في الآخرة، هل يكفر؟ انتقد بعض مشايخ الشافعية اعتبار ذلك كفرا، كما فعل الشبراملسي والجمل والشرواني، وأن صاحبه ارتكب محرما فقط.

 وخلاصة الكلام، أن الدعاء للكافر بالمغفرة يشتمل على معنيين:

الأول: أن يريد بدعائه له مغفرة الشرك الأكبر، وهذا يحرم بالإجماع؛ لأن الشرك الأكبر لا يُغفر بنص القرآن.

الثاني: أن يريد مغفرة ما دون الكفر، والأصل في الأعمال التي هي دون الشرك أنها متروكة للمشيئة الإلهية بنص القرآن (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، فدعاء المسلم للكافر إنما هو دعاء من أجل تحقيق المشيئة الإلهية بالمغفرة للكافر ما دون الشرك، ولم يستبعد الآلوسي هذا المعنى، في حين أن غيره أثبته صراحة كما نجد لدى عدد من العلماء. وقد أوضح شهاب الدين الخفاجي والآلوسي وغيرهما أن العذاب الذي لا يُخَفَّف هو عذاب الكفر بحسب مراتبه، أما العذاب الذي دلت الأحاديث النبوية على تخفيفه فهو ما عدا الكفر. ومعنى إحباط أعمال الكفار التي ورد النص القرآني بها هو أنها لا تنجيهم من العذاب المخلِّد في النار، وهو معنى كونها سرابا وهباء، وسأزيد هذا الأمر تفصيلا في مقالي الذي سأخصصه لمنفعة العمل الصالح من الكافر في الآخرة بإذن الله.

ويرجع أصل هذا النقاش إلى مقدمات رئيسية، هي:

  1. ثبوت تفاوت الكفار في الآخرة، وأنهم ليسوا سواءً، وأن النار دركات كما أن الجنة درجات، بل إن أنور شاه الكشميري قد نقل الإجماع على أن الكافر العادل أحسن حالا من الكافر الظالم في الآخرة.
  2. أن الشرك الأكبر لا يُغفر بصريح القرآن، وهو مسألة إجماعية.
  3. بقي النقاش في هل يجوز أن ندعو للكافر بمغفرة ما عدا الشرك الأكبر؟ وهو ما حررناه هنا وأنه يجوز، ولكن الكافر الذي ندعو له هنا إما أن يكون قد عمل عملا صالحا وإما عملا سيئا. فالدعاء لمن عمل صالحا يكون بأن يقبله الله تعالى منه لا بالمغفرة؛ لأن المغفرة إنما تكون للعمل السيئ، كما أن عدل الله تعالى يقتضي أن يكافئ الكافر على عمله الصالح إما في الدنيا بإكرامه، وإما في الآخرة بتخفيف العذاب عنه، ومعنى ذلك أن دعائي للكافر بخصوص عمله الصالح غير مؤثر في الواقع، والذي يؤثر هو دعائي للكافر بالتجاوز عن عمله السيئ فيما دون الشرك، وفي أحاديث تخفيف العذاب عن أبي طالب وأبي لهب وغيرهما شواهد على هذا، وإن كان أبو طالب وأبو لهب ليسا سواءً أيضا في الآخرة.
  4. الكفر لا يقتضي أن كل عمل صدر من الكافر غير معتبر؛ لأجل كفره، فيمكن أن نميز بين الأعمال كما سنفصل في مقال لاحق بمشيئة الله.

توضح هذه الآراء رحابة النقاشات الفقهية الكلاسيكية، وأنها تجمع بين مسائل تأويلية نصية وأخرى أخلاقية وإنسانية، فحتى الذين أطلقوا القول بحرمة الدعاء للكافر تحدثوا عن جواز المشي في جنازته بل زيارة قبره إن كان قريبا، وتكفينه إن كان من أهل الذمة رعاية لذمته، ولكن النقاشات الشعبية الحالية تغيب عنها رعاية البعد الإنساني ويغلب عليها اتخاذ مواقف متوترة؛ فضلا عن أنها لا تعكس الموروث الفقهي نفسه، والله المستعان.


أسئلة مسابقة المولد النبوي !

 مسابقة المولد النبوي

السؤال ۱ : اذكر دليلا خاصا على تحريم الاحتفال بالمولد النبوي اظهارا للفرح والسرور ؟
السؤال ۲ : اذكر دليلا خاصا على تحريم احداث اي وسيلة تعين على طاعة حب رسول الله ؟
السؤال 3 : اذكر دليلا خاصا على تحريم توزيع الحلويات والطعام في المولد النبوي؟
السؤال ٤ : اذكر دليلا خاصا على تحريم الانشاد في مدح الرسول في المولد النبوي ؟
السؤال ٥ : اذكر دليلا خاصا على تحريم اجتماع المسلمين لاظهار الفرح والسرور في مولد الرسول؟

نتحدى اهل التبديع والتضليل والتفسيق والتكفير ان تعرفوا الاجابة.....
.. اذا لم تستطع احضار دليل ... في التحريم فلا تكن ممن يوقعون فتوى باسم الشرع والدين عن رب العالمين. واذا لم تجد الا قول لم يأمر بها رسول الله مع الاول العلم ولم يسبقنا اليها الصحابة فاعلم انك لا تفقه في اصول الفقه الذي اجمع عليه علماء أهل السنة والجماعة !!
فالترك ليس دليلا ؛ مع احداث لكثير من المسائل في عهد الصحابة لم تكن في عهد رسول الله ولم يأمر بها عمله الا الله (!!!)
أيُعقل ان الصحابة وقعوا في البدعة وكل بدعة ضلالة في النار !!  


مقالات علمية في رد بدعة الحشوية في تحريم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.

 في رد بدعة الحشوية في تحريم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف


اقدم لكم ردود اهل السنة على شبهات الحشوية .....سلسلة منشورات الرد على شبهات حول المولد النبوي الشريف
[1]. رد على شبهة احداث في دين الله ما ليس منه
[2] الرد على شبهة هذا عبادة والعبادة تحتاج إلى توقيف من الشرع
[3]. الرد على شبهة انها عبادة :وهي من الوسائل التي تُعين على اصل شرعي
[4]. الرد على شبهة انه لم يفعلها الصحابة :اجتمع الصحابة لتكريم نبيهم ? وشكر الله عليه
[5]. الرد على لماذا لم يأمر بالاحتفال به رسول الله
[6] الرد على توزيع الحلويات
[7] الاحتفال وسيلة شرط كمال الايمان
[8] اول من احدثه من أهل السنة ملك اربل ابن بكتيكين
[9] جواز الذبائح عند مقامات الاولياء لله تعالى
[10] كتب ومؤلفات اهل السنة في المولد النبوي
[11] لماذا نحتفلون بمولده لا بيوم وفاته ؟
[12] لماذا لم يخصص الله عبادة في شهر ربيع الاول مثل رمضان او شهر ذي الحجة
[13] الرد على اختلاف تاريخ مولده
[14] . حقيقة المولد يفيد القدوم
[15] تكريمه من الاشجار والاحجار
[16] خطبة جمعة مقترحة بمناسبة يوم المولد النبوي الشريف
[17] الرد على قولهم لو كان خيرا لسبقونا اليه
[18] تخفيف العذاب لابي لهب لانه اعتق جاريته فرحا بمولد محمد
[19] الرد على انهم خالفوا الاجماع !!
[20] الرد على ان رسول الله بلغنا اياه وامرنا فيه
[21] الرد على ليس لنا عيد غير الفطر والاضحى
[22] لماذا لا نصوم فيه كما فعل الرسول
[***] اسئلة المسابقة للاحتفال بالمولد النبوي
كل التفاعلات:
١٢٩

بيان جهل من يزعم أن يوم الوفاة رسول الله ﷺ هو يوم المولده .

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد الفاتح أما بعد، مع إقتراب يوم مولد سيد الخلق سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم بدأ الوهابية الجفاة في حبه في نشر شبهاتهم المعتادة على أنه لا يجوز إظهار السرور بيوم مولده، ومن أشهر - وأسخف - الحجج التي يطرحونها أنه يوم مولد النبي ﷺ مختلف فيه بينما يوم وفاته مجمع عليه وعلى أنه عليه أفضل الصلاة والسلام قد توفي في ١٢ ربيع الأول ١١هـ فعلى هذا فالمحتفلين بمولد الرسول ﷺ إنما يحتفلون بوفاته لا مولده ! وهذا هو الكذب والتدليس بعينه !! ونقول ردًا على هذا الطرح وقد توكلنا على الله:



[أولاً: إثبات أنه الرسول ﷺ قد ولد في يوم ١٢ ربيع الأول]

بداية فلا شك على أنه الرسول ﷺ قد ولد يوم الإثنين، فعن أبي قتادة الحارث بن ربعي قال: "وَسُئِلَ عن صَوْمِ يَومِ الاثْنَيْنِ، قالَ: ذاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ" (صحيح مسلم ١١٦٢) فمتى وجدنا التاريخ لا يوافق يوم الإثنين جزمنا ببطلانه، ثانيًا فقولنا هذا هو قول جمهور أهل العلم، قال الإمام الجليل ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله: "قال غير واحد من أهل العلم، ومنه كثير مما حفظ عن مالك في هذا المعنى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول عام الفيل ونبيء يوم الاثنين." (الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ ص ١٢٦) ويقول الحافظ ابن كثير: "وَقِيلَ: لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عَفَّانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينَا عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالَا: وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفِيلِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ بُعِثُ، وَفِيهِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفِيهِ هَاجَرَ، وَفِيهِ مَاتَ. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ." (البداية والنهاية ت التركي ٣/ ٣٧٥) وأما باقي الأقوال فهي باطلة، ونحن نذكرها ونحكمها إلى القاعدة التي أصلناها في البداية:


1- أنه ولد في ٢ ربيع الأول وهذا باطل لأنه يوافق الجمعة لا الإثنين.

2- أنه ولد في ٨ ربيع الأول وهو كذلك باطل لأنه يوافق يوم الخميس لا الإثنين كذلك.

3- أنه ولد في ٩ ربيع الأول الموافق لـ ٢٠ إبريل ٥٧١م وهو قول ساقط من جميع الأوجه لأنه ٩ ربيع الأول يوافق بداية ٢ مايو ٥٧٠م والذي هو يعادل يوم الجمعة لا يوم الإثنين !

4- كذلك من قال بأنه الرسول قد ولد في ١٠ ربيع الأول قد أخطئ لأنه يوافق السبت لا الإثنين.

5- أما ما حكته الشيعة من أنه الرسول ﷺ قد ولد في يوم الجمعة الموافق ١٧ ربيع الأول فلا نعلق عليه سوى بأنه ١٧ ربيع الأول يوافق يوم السبت لا الجمعة !!!!!

6- وقد زعم الزبير بن بكار أنه الرسول قد ولد في يوم ١٢ رمضان !! وهو قول باطل لأنه ١٢ رمضان يعادل يوم الخميس، وقد روى الحافظ ابن عساكر في (تاريخ دمشق ٣/ ٩٩) هذا القول عن محمد بن عبد الله السهمي وأنه الرسول ﷺ قد حمل به في عاشوراء وولد في ١٢ رمضان بعد ٢٣ سنة من عام الفيل !!! وبداية ففي سند الرواية المسيب بن شريك وهو متروك الحديث، ثانيًا فبين شهر محرم ورمضان ثمانية شهور ولا يوجد حمل يدوم ثمانية شهور ! ثالثًا هذا مخالف لإجماع أهل العلم وقبلهم صحابة رسول الله على أنه النبي ﷺ قد توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة وأنه قد  ولد عليه السلام في عام الفيل، رابعًا فهذا التاريخ يعادل السبت لا الإثنين ! خامسًا فهذا مخالف لإجماع أهل العلم على أنه الرسول ﷺ قد ولد في شهر ربيع الأول كما سننقله عن الإمام النووي رحمه الله، سادسًا هذا القول مخالف لما ثبت في كتب السير من كون ولادته ﷺ كانت بعد دخول الفيل بخمسة وخمسين يوم، وقد كان دخولهم في منتصف شهر محرم فإذًا كان مولد الرسول ﷺ في الثلث الأول من شهر ربيع الأول.

وراجع هذا الموقع الإسلامي المخصص لمعرفة يوم الأسبوع عن طريق التاريخ الهجري والمخصص للتحويل بين التقويمين الميلادي والهجري للتحقق من ما نقوله:

http://www.muslimphilosophy.com/ip/hijri.htm

وقد تحققت من صحة تلك النتائج عن طريق عدة مواقع آخرى، فثبت أنه الرسول ﷺ قد ولد في ١٢ ربيع الأول سنة ٥٣ ق.هـ ولم يصح شيء خلاف ذلك.

[ثانيًا: بيان أنه الرسول ﷺ لم يتوفى كما زعموا في يوم ١٢ ربيع الأول]

1- أجمع أهل السنة على أنه الرسول ﷺ قد توفي في يوم الإثنين من شهر ربيع الأول، يقول الإمام الطبري رحمه الله: "أما اليوم الذي مات فيه رسول الله ص، فلا خلاف بين أهل العلم بالأخبار فيه أنه كان يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، غير أنه اختلف في اى الاثانين كان موته ص؟" (تاريخ الطبري ٣/ ١٩٩ - ٢٠٠) ويقول الإمام النووي رحمه الله: "وَاتَّفَقُوا أَنَّهُ وُلِدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فِي شَهْرِ ربيع الاول وتوفي يوم الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ" (شرح مسلم ١٥/ ١٠٠) ويقول بدر الدين العيني رحمه الله: "وَلَا خلاف أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم توفّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ" (عمدة القاري ١٨/ ٦٠) وقد سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "في أيِّ يَومٍ تُوُفِّيَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ؟" فقالت: "يَومَ الِاثْنَيْنِ" (صحيح البخاري ١٣٨٧) (صحيح مسلم ٩٤١) وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: "وَمَاتَ لَيْلَةَ الْإِثْنَيْنِ ، فَمَكَثَ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمَيْنِ ، وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ" (مسند أبي حنيفة رواية الحكصفي ١١٧) وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ، فَتُرِكَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ، وَمِنَ الْغَدِ ، وَدُفِنَ لَيْلا" (أنساب الأشراف للبلاذري ١/ ٢٦٧) وقال عكرمة رضي الله عنه: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ فَجَلَسَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ وَمِنَ الْغَدِ حَتَّى دُفِنَ مِنَ اللَّيْلِ" (الطبقات الكبرى ط العلمية ٢/ ٢٠٣) وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ، وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ" (تاريخ أبي زرعة ص ١٥٣) وقال مكحول: "وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ" (دلائل النبوة ٧/ ٢٥٥) وقال ابن شهاب الزهري رضي الله عنه: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ" (الطبقات الكبرى ٢/ ٢٣٢)  وقال الإمام الأوزاعي رضي الله عنه: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ ، قَبْلَ أَنْ يَنْتَصِفَ النَّهَارُ ، وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ" (دلائل النبوة ٧/ ٢٥٦) وقال الإمام محمد الباقر عليه السلام: "تُوُفِّيَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ، فَلَبِثَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَتِلْكَ اللَّيْلَةَ ، وَيَوْمَ الثُّلاثَاءِ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ" (المعرفة والتاريخ ٣/ ٢٦٤) وأعتقد أنه في هذا الكفاية للبرهنة على إجماع الأمة على أنه الرسول ﷺ قد توفي في يوم الإثنين من شهر ربيع الأول.

2- رغم إتفاق أهل العلم على وفاة الرسول ﷺ في يوم الإثنين إلا أنهم أختلفوا في يوم وفاة الرسول ﷺ فقال موسى بن عقبة والليث والخوارزمي أنه توفي ﷺ في الأول من ربيع الأول، وقال ابن الكلبي وأبو مخنف وسليمان التيمي أنه وفاته ﷺ كانت في اليوم الثاني من ربيع الأول، وقال جمهور أهل العلم أنه توفي في الثاني عشر من ربيع الأول وقد فسر القاضي بدر الدين بن جماعة قولهم بأن قال: "يُحْمَلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ أَيْ بِأَيَّامِهَا فَيَكُونُ مَوْتُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثَ عَشَرَ" (فتح الباري ٨/ ١٣٠) وهو القول الصحيح كما سنبين إن شاء الله، وأما ما رواه روى ابن سعد (الطبقات الكبرى ٢/ ٢٠٩) عن علي بن أبي طالب عليه السلام وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنه الرسول ﷺ توفي في ١٢ ربيع الأول فلم يصح، فراويها عنهما هو محمد بن عمر الواقدي وهو متروك متهم بالكذب، فما يزعمه الوهابي من إجماع وهمي على أنه الرسول ﷺ قد توفي في ١٢ ربيع الأول هو محض خرافة لا وجود لها، بل هي خرافة مضحكة باطلة بالأدلة والبراهين كما سنيين بعد قليل.

3- بعد أن نقلنا الإجماع على أنه الرسول ﷺ قد توفي يوم الإثنين في ربيع الأول وإختلاف في تحديد هذا اليوم فنحن نقول بإستحالة أن يكون الرسول ﷺ قد توفي في يوم ١٢ ربيع الأول لأنه هذا التاريخ لم يوافق يوم الإثنين، وإنما وافق يوم الأحد ! (راجع الموقع الذي سبق وأشرنا إليه) وأول من تفطن إلى تلك الإشكالية كان الإمام السهيلي رحمه الله فقال: "وَلَا يَصِحّ أَنْ يَكُونَ تُوُفّيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلّا فِي ((الثّانِي مِنْ الشّهْرِ أَوْ الثّالِثَ عَشَرَ أَوْ الرّابِعَ عَشَرَ أَوْ الْخَامِسَ عَشَرَ)) لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنّ وَقْفَةَ عَرَفَةَ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ كَانَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ التّاسِعُ مِنْ ذِي الْحَجّةِ فَدَخَلَ ذُو الْحَجّةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَكَانَ الْمُحَرّمُ إمّا الْجُمُعَةُ وَإِمّا السّبْتُ فَإِنْ كَانَ الْجُمُعَةُ فَقَدْ كَانَ صَفَرٌ إمّا السّبْتُ وَإِمّا الْأَحَدُ فَإِنْ كَانَ السّبْتُ فَقَدْ كَانَ رَبِيعٌ الْأَحَدَ أَوْ الِاثْنَيْنِ وَكَيْفَا دَارَتْ الْحَالُ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ فَلَمْ يَكُنْ الثّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ بِوَجْهِ وَلَا الْأَرْبِعَاءَ أَيْضًا كَمَا قَالَ الْقُتَبِيّ ... إلخ" (الروض الأنف ت تدمري ٧/ ٥٧٧ - ٥٧٨)، وإنما توفي الرسول ﷺ في يوم ١٣ ربيع الأول ١١هـ الموافق ٨ يونيو ٦٣٢م والدليل على ذلك موافقته يوم الإثنين ودخوله ضمن مجموعة الأيام التي حددها الإمام السهيلي رحمه الله، ويُفسر قول الجمهور بما ذكره القاضي بدر الدين بن جماعة رحمه الله.


فتبين من ما سبق سقوط مزاعم الوهابية وأننا نحتفل بيوم وفاة الرسول ﷺ !

[ثالثًا: بيان أنه على فرض صحة زعمهم فلا حجة فيه]

ثم لنفترض جدلاً أنه الرسول ﷺ قد توفي في ١٢ ربيع الأول - وهو قول باطل - فنحن لا نسلم بأنه إتفاق يوم الوفاة مع يوم المولد ينفي فضل هذا اليوم، وينفي إظهار الفرحة فيه، ونجيب عن تلك الشبهة في نقاط فنقول:-

1- نحن لا نسلم من الأساس بأنه الرسول ﷺ ميت الآن، بل نقول بأنه وفاته كانت مجرد إنتقال مؤقت لحديث: "الأنْبياءُ أحياءٌ في قُبورِهِمْ يُصَلُّونَ" (صححه ألبانيهم في صحيح الجامع ٢٧٩٠ وغيره) ولقوله ﷺ: "حياتي خيرٌ لكم، ووفاتي لكم خيرٌ، تُحْدِثون فيحدثُ لكم، فإذا أنا متُّ عُرِضَتْ عليَّ أعمالُكم، فإن رأيتُ خيرًا حمدتُ اللهَ، وإن رأيتُ شرًّا استغفرتُ اللهَ لكم." (مجمع الزوائد للهيثمي ٩‏/٢٧) (فضل الصلاة للألباني ٢٦) فأفنحزن على من هو حي في قبره وفي مقام خير مقامنا هذا؟!

2- قد قال رسول الله ﷺ: "إنَّ مِن أفضلِ أيّامِكم يومَ الجُمعةِ فيه خلَق اللهُ آدَمَ وفيه قُبِض" (سنن أبي داود ١٠٤٧) (صحيح ابن حبان ٩١٠) وقال الصحابي  سهل الساعدي رضي الله عنه: "إنّا كُنّا نَفْرَحُ بيَومِ الْجُمُعَةِ" (صحيح البخاري ٢٣٤٩) فلم تنفي مسئلة موت سيدنا آدم عليه السلام في يوم الجمعة خيرية هذا اليوم المبارك ولا يجوز أن يُقال لمن يفرح بقدومه أنه إنما يفرح بوفاة سيدنا آدم عليه السلام، أو كيف يفرح به الصحابة رضوان الله عليهم وهو قد وافق كذلك يوم وفاته !!

3- قال الله جل جلاله على لسان سيدنا عيسى عليه السلام: ﴿وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَیَّ یَوۡمَ وُلِدتُّ وَیَوۡمَ أَمُوتُ وَیَوۡمَ أُبۡعَثُ حَیࣰّا﴾ [مريم ٣٣] فسلم على نفسه في يوم ميلاده وفاته، وقال الله عزوجل عن سيدنا زكريا عليه السلام: ﴿وَسَلَـٰمٌ عَلَیۡهِ یَوۡمَ وُلِدَ وَیَوۡمَ یَمُوتُ وَیَوۡمَ یُبۡعَثُ حَیࣰّا﴾ [مريم ١٥] فجعل الله يوم مولده يوم سلام ومحبة كما جعل يوم وفاته يوم سلام ومحبة، فثبت أنه وفاة الإنبياء لا حزن فيها ولا شر.

4- نحن نصوم كل يوم إثنين لما سبق من كونه يوم مولد النبي ﷺ، وقد قال رسول الله ﷺ: "لِلصّائِمِ فَرْحَتانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقاءِ رَبِّهِ." (صحيح البخاري ٧٤٩٢) (صحيح مسلم ١١٥١) فصيامنا بهذا اليوم هو فرحة به، ومع ذلك لا يقول قائل أنتم إنما تفرحون بيوم وفاة نبيكم لأنه قد توفي في نفس اليوم !

5- قال رسول الله ﷺ: "إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ إذا أرادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِن عِبادِهِ، قَبَضَ نَبِيَّها قَبْلَها، فَجَعَلَهُ لها فَرَطًا وسَلَفًا بيْنَ يَدَيْها، وإذا أرادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ، عَذَّبَها ونَبِيُّها حَيٌّ، فأهْلَكَها وهو يَنْظُرُ، فأقَرَّ عَيْنَهُ بهَلَكَتِها حِينَ كَذَّبُوهُ وعَصَوْا أمْرَهُ." (صحيح مسلم ٢٢٨٨) فوفاة الرسول ﷺ هي رحمة لنا، وهي خير كذلك كما سبق في حديث حياتي خير لكم، فلماذا نحزن على ما هو خير من الله ورحمة؟

6- قد أبدع الإمام السيوطي رضي الله عنه في الجواب عن هذه الشبهة إذ قال: "إِنَّ وِلَادَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْظَمُ النِّعَمِ عَلَيْنَا، وَوَفَاتَهُ أَعْظَمُ الْمَصَائِبِ لَنَا، وَالشَّرِيعَةُ حَثَّتْ عَلَى إِظْهَارِ شُكْرِ النِّعَمِ وَالصَّبْرِ وَالسُّكُونِ وَالْكَتْمِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ، وَقَدْ أَمَرَ الشَّرْعُ بِالْعَقِيقَةِ عِنْدَ الْوِلَادَةِ، وَهِيَ إِظْهَارُ شُكْرٍ وَفَرَحٍ بِالْمَوْلُودِ، وَلَمْ يَأْمُرْ عِنْدَ الْمَوْتِ بِذَبْحٍ وَلَا بِغَيْرِهِ بَلْ نَهَى عَنِ النِّيَاحَةِ وَإِظْهَارِ الْجَزَعِ، فَدَلَّتْ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّهُ يَحْسُنُ فِي هَذَا الشَّهْرِ إِظْهَارُ الْفَرَحِ بِوِلَادَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ إِظْهَارِ الْحُزْنِ فِيهِ بِوَفَاتِهِ، وَقَدْ قَالَ ابن رجب فِي كِتَابِ اللَّطَائِفِ فِي ذَمِّ الرَّافِضَةِ حَيْثُ اتَّخَذُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ مَأْتَمًا لِأَجْلِ قَتْلِ الحسين: لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ بِاتِّخَاذِ أَيَّامِ مَصَائِبِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَوْتِهِمْ مَأْتَمًا، فَكَيْفَ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُمْ؟!" (الحاوي للفتاوي ١/ ٢٢٦) فالإسلام إنما يدعو إلى تجديد الأفراح لا الأحزان !!

7- قال الله جل جلاله: ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَ ٰ⁠لِكَ فَلۡیَفۡرَحُوا۟ هُوَ خَیۡرࣱ مِّمَّا یَجۡمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨] والرسول ﷺ من رحمة الله عزوجل لنا لقوله عز من قائل: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء ١٠٧] فأمر الله عزوجل صريح لنا بالفرح بالرسول ﷺ لا بالحزن به والتعزية فيه ! فالرسول ﷺ نعمة عظيمة ورحمة من الله للعالمين، فهو عتقنا من النار وشفيعنا يوم القيامة، وعليه فالمفترض أن نحمد الله ونشكره على تلك النعمة لا العكس !!

8- قد أمرت الشريعة الإسلامية بترك الحداد بعد ثلاثة أيام إلا للزوجة فلها أن تحد على زوجها أربعة أشهر وعشرًا، وقد كره جمهور الفقهاء التعزية بعد ثلاثة أيام، لذا فلا يجوز الحزن على وفاة الرسول ﷺ اليوم أو تخصيص يوم لهذا الغرض بحكم مرور السنين المتطاولة على وفاته عليه أفضل الصلاة والسلام.

ثم كذلك لنفترض صحة ما يزعمونه من عدم وجود أي أدلة على أنه الرسول ﷺ قد ولد في ١٢ ربيع الأول (وهذا باطل لأنه هذا القول بمولده ﷺ في ربيع الأول من عام الفيل محل إجماع، والقول بمولده ﷺ في يوم ١٢ هو قول الجمهور الذي لم يصح شيء خلافه) فما المشكلة؟ المهم هو نية المحتفلين وأسلوبهم البديع في تعبيرهم عن حب النبي ﷺ، وأني لأسئلك، هل إذا وهمت أنه اليوم يوم ميلاد صديقك فقدمت له هدية ما بمناسبة حلول يوم مولده، هل لن يفرح بها بحجة أنه هذا ليس بيوم مولده؟ أم سيفرح بها ويقبلها منك رغم ذلك وستكون تعبير عن مدى حبك له؟ أليس هناك من لا يدري تاريخ مولده ومع ذلك يخصص لنفسه تاريخ إعتباطي في السنة لهذا الغرض ويفرح إذا أحتفل معه أحد بهذا اليوم وكأنه يوم مولده الحقيقي؟ فمما سبق يتبين لك سقوط تلك الحجة على جميع المستويات، وكذب الوهابي على من الصوفية عندما زعم أنهم يحتفلون بوفاة النبي ﷺ !

وإلى ربك المنتهى.


السفير السعودي خالد بن بندر : الحكومة السعودية لاعلاقة لها بالإسلام !

السفير السعودي خالد بن بندر بن سلطان آل سعود يعترف بكفر الحكومة السعودية وأنه لاعلاقة لها بالإسلام !!
هل يستطيع سفير السعودية في لندن أن يقول مثل هذا الكلام دون توجيه من سيده محمد بن سلمان الذي يزعم كذباً بأن دستوره القرآن؟
كم أنت مستحمر أيها المواطن السعودي !!!

الخميس، 7 سبتمبر 2023

الرد على شُبهات القائلين بعدم جواز الإحتفال بالمولد النبوى الشريف.

 الرد على شُبهات القائلين بعدم جواز الإحتفال بالمولد النبوى الشريف.


------------------
/ قولهم : المالكيه لا يُجيزون الإحتفال بالمولد النبوى الشريف وينقلون رأى الفاكهانى وطرفاً من مقالة إبن حاج ليوهمو القارئ أن المُعتمد والمشهور بمذهب الساده المالكيه عدم جواز الإحتفال بالمولد النبوى الشريف .
يُجاب عليهم : هذا ليس بالحق وإليكم الدليل : قال الشيخ عبد الرحمن الجزيرى فى كتابه الفقه على المذاهب الأربعه كتاب الصيام والإعتكاف مبحث الصوم المكروه ناقلاً قول المالكيه الراجح في الصوم المكروه : (( .... ويُكره سرد الصوم وتتابعه لمن يُضعفه ذلك عن عمل أفضل من الصوم ، ويُكره أيضا صوم يوم المولد النبوى لأنه شبيه بالأعياد .... )) وبهذا تعلم أخى القارئ أن المشهور والمُعتمد عند الساده المالكيه تمييز يوم ميلاد النبى  وأنه عندهم كالأعياد ، وأن رأى الشاطبى والفاكهانى من عُلماء المالكيه يمثلون فيه أنفسهم لا مذهبهم فالمعتمد فى المذهب غير ما ذهبو هم إليه كما نقل لك الجزيرى رحمه الله وليس ما أرادوا أن يُوهموك به لينتصروا لرأيهم الضعيف فــأفـهـم .
رد الحافظ جلال الدين السيوطى على الفاكهانى وإبن حاج
ولتكتمل لديك الصوره إليك ردّ الحافظ السيوطى كاملاً من الحاوى للفتاوى / رسالة حسن المقصد فى عمل المولد على جزئين ( أ ، ب ) وفيه رد على من يمنع الإحتفال بالمولد بدعوى وجود إختلاط ، وبدعوى أن يوم مولد النبى الكريم هو يوم موته وإنتقاله الى الرفيق الأعلى  : قال السيد جلال الدين السيوطى رحمه الله تعالى :
( ( أ ) وقد إدعى الشيخ تاج الدين عمر بن علي اللخمي السكندري المشهور بالفاكهاني من متأخري المالكية أن عمل المولد بدعة مذمومة وألف في ذلك كتابا سماه المورد في الكلام على عمل المولد، وأنا أسوقه هنا برمته وأتكلم عليه حرفاً حرفاً ، قال رحمه الله: الحمد لله الذي هدانا لإ تباع سيد المرسلين وأيدنا بالهداية إلى دعائم الدين ويسر لنا اقتفاء أثر السلف الصالحين حتى امتلأت قلوبنا بأنوار علم الشرع وقواطع الحق المبين وطهر سرائرنا من حدث الحوادث والابتداع في الدين أحمده على ما من به من أنوار اليقين وأشكره على ما أسداه من التمسك بالحبل المتين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين صلاة دائمة إلى يوم الدين ، أما بعد فإنه تكررّ سؤال جماعة من المُباركين عن الإجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه المولد هل له أصل في الشرع أو هو بدعة وحدث في الدين وقصدوا الجواب عن ذلك مبينا والإيضاح عنه معينا فقلت وبالله التوفيق : ( 1 ) لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة و لا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين بل هو (2 ) بدعة أحدثها البطالون وشهوة نفس إعتني بها الأكالون بدليل أنا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا إما أن يكون واجبا أو مندوبا أو مباحا أو مكروها أو محرما وليس بواجب إجماعا ( 3 ) ولا مندوباً لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة ولا التابعون المتدينون فيما علمت وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلت ( 4 ) ولا جائز أن يكون مباحاً لأن الابتداع في الدين ليس مباحاً بإجماع المسلمين فلم يبق إلا أن يكون مكروهاً أو حراماً وحينئذ يكون الكلام فيه في فصلين والتفرقة بين حالين أحدهما أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله لا يجاوزون في ذلك الإجتماع على أكل الطعام ولا يقترفون شيئاً من الآثام وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام سرج الأزمنة وزين الأمكنة ، ( 5 ) والثاني أن تدخله الجناية وتقوى به العناية حتى يعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه وقلبه يؤلمه ويوجعه لما يجد من ألم الحيف وقد قال العلماء أخذ المال بالجاه كأخذه بالسيف لا سيما أن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء مع البطون الملأى بآلات الباطل من الدفوف والشبابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الفاتنات إما مختلطات بهن أو مشرفات والرقص بالتثني والانعطاف والإستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الإنشاد والخروج في التلاوة والذكر المشروع والأمر المعتاد غافلات عن قوله تعالى : ( إن ربك لبالمرصاد ) وهذا الذي لا يختلف في تحريمه إثنان ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان وإنما يحلو ذلك لنفوس موتى القلوب وغير المستقلين من الآثام والذنوب وأزيدك أنهم يرونه من العبادات لا من الأمور المُنكرات المُحرمات فإنا لله وإنا إليه راجعون بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدا ولله در شيخنا القشيري حيث يقول فما أجازناه:
قد عرف المنكر وأستنكر المعروف في أيامنا الصعبة
جازوا عن الحق فما للذي * ساروا به فيما مضى نسبة
فقلت للأبرار أهل التقي * والدين لما اشتدت الكربة
لا تنكروا أحوالكم قد أتت * نوبتكم في زمن الغربة
ولقد أحسن الإمام أبو عمرو بن العلاء حيث يقول لا يزال: الناس بخير ما تعجب من العجب، ( 6 ) هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وسام وهو ربيع الأول هو بعينه الشهر الذي توفي فيه فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه. وهذا ما علينا أن نقول ومن الله تعالى نرجو حسن القبول.هذا جميع ما أورده الفاكهاني في كتابه المذكور . إنتهى
وإليك مُلخص رد السيوطى عليه رحمه الله تعالى :
1 / أما قوله لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب و لا سنة ، فيقال عليه نفي العلم لا يلزم منه نفي الوجود، وقد إستخرج له إمام الحُفاظ أبو الفضل بن حجر أصلاً من السنة وأستخرجت له أنا أصلاً ثانياً وسيأتي ذكرها بعد هذا ....
2 / قوله بل هو بدعة أحدثها البطالون وشهوة نفس إعتني بها الأكالون ........
يقال عليه : قد تقدم أنه أحدثه ملك عادل عالم وقصد به التقرب إلى الله تعالى وحضر عنده فيه العُلماء والصُلحاء من غير نكير منهم وإرتضاه إبن دُحية وصنف له من أجله كتاباً فهؤلاء عُلماء مُتدينون رضوه وأقروه ولم ينكروه
3 / وقوله ولا مندوبا لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة ولا التابعون المتدينون .......
يـقــــال عليـــــه إن الطلب في المندوب تارة يكون بالنص وتارة يكون بالقياس وهذا وإن لم يرد فيه نص ففيه القياس على الأصلين الآتي ذكرهما
4 / وقوله ولا جائز أن يكون مباحاً لأن الإبتداع في الدين ليس مباحاً بإجماع المسلمين .
كـــلام غيـر مُسلم لأن البدعة لم تنحصر في الحرام والمكروه بل قد تكون أيضاً مُباحة ومندوبة وواجبة قال النووي في التهذيب الأسماء واللغات البدعة في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله  وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في القواعد البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة قال والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإذا دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة أو في قواعد التحريم فهي محرمة أو الندب فمندوبة أو المكروه فمكروهة أو المباح فمباحة، وذكر لكل قسم من هذه الخمسة أمثلة إلى أن قال وللبدع المندوبة أمثلة: منها إحداث الربط والمدارس وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول ومنها التراويح والكلام في دقائق التصوف وفي الجدل، ومنها جمع المحافل للاستدلال في المسائل إن قصد بذلك وجه الله تعالى، وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي عن الشافعي قال المحدثات من الأمور ضربان أحدهما ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه البدعة الضلالة والثاني ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان نعمت البدعة هذه
4/ قوله فلم يبق إلا أن يكون مكروهاً أو حراماً وحينئذ يكون الكلام فيه في فصلين والتفرقة بين حالين أحدهما أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام و لا يقترفون شيئا من الآثام وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة .....إلى آخره لأن هذا القسم مما أحُدث وليس فيه مخالفة لكتاب ولا سنة ولا أثر ولا إجماع فهي غير مذمومة كما في عبارة الشافعي وهو من الإحسان الذي لم يُعهد في العصر الأول فان إطعام الطعام الخالي عن إقتراف الآثام إحسان فهو من البدع المندوبة كما في عبارة إبن عبد السلام ........
5/ وقوله والثاني أن تدخله الجناية وتقوى به العناية حتى يُعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه وقلبه يؤلمه ويوجعه لما يجد من ألم الحيف وقد قال العُلماء أخذ المال بالجاه كأخذه بالسيف لا سيما أن إنضاف إلى ذلك شيء من الغناء مع البطون الملأى بآلات الباطل من الدفوف والشبابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الفاتنات إما مختلطات بهن أو مشرفات والرقص بالتثني والانعطاف والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الإنشاد والخروج في التلاوة والذكر المشروع والأمر المعتاد غافلات عن قوله تعالى : (إن ربك لبالمرصاد) وهذا الذي لا يختلف في تحريمه إثنان ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان وإنما يحلو ذلك لنفوس موتى القلوب وغير المستقلين من الآثام والذنوب وأزيدك أنهم يرونه من العبادات لا من الأمور المُنكرات المحرمات فإنا لله وإنا إليه راجعون ....إلى آخره
هو كلام صحيح في نفسه غير أن التحريم فيه إنما جاء من قبل هذه الأشياء المُحرمة التي ضُمت إليه لا من حيث الإجتماع لإظهار شعار المولد بل لو وقع مثل هذه الأمور في الاجتماع لصلاة الجمعة مثلاً لكانت قبيحة شنيعة و لا يلزم من ذلك ذم أصل الإجتماع لصلاة الجمعة كما هو واضح وقد رأينا بعض هذه الأمور يقع في ليالي من رمضان عند إجتماع الناس لصلاة التراويح فهل يُتصور ذم الإجتماع لأجل هذه الأمور التي قرنت بها كلا بل نقول أصل الاجتماع لصلاة التراويح سنة وقربة وما ضم إليها من هذه الأمور قبيح شنيع وكذلك نقول أصل الاجتماع لإظهار شعار المولد مندوب وقُربة وما ضُم إليه من هذه الأمور مذموم وممنوع .
6/ وقوله مع أن الشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم وهو ربيع الأول هو بعينه الشهر الذي توفي فيه فليس الفرح فيه بأولى من الحزن ..
جـــوابه أن يقال أولاً أن ولادته  أعظم النعم علينا ووفاته أعظم المصائب لنا والشريعة حثت على إظهار شكر النعم والصبر والسلوان والكتم عند المصائب وقد أمر الشرع بالعقيقة عند الولادة وهي إظهار شكر وفرح بالمولود و لم يأمر عند الموت بذبح ولا غيره بل نهى عن النياحة وإظهار الجزع فدلت قواعد الشريعة على أنه يحسن في هذا الشهر إظهار الفرح بولادته صلى الله عليه وسلم دون إظهار الحزن فيه بوفاته وقد قال إبن رجب في كتاب اللطائف في ذم الرافضة حيث إتخذوا يوم عاشوراء مأتماً لأجل قتل الحُسين لم يأمر الله ولا رسوله بإتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتماً فكيف ممن هو دونهم.))
( ب ) أما نقلهم قول إبن حاج فإنه مبتور ليخدم مُرادهم وإليك قوله كاملاً وتعليق الحافظ السيوطى رحمه الله كما جاء فى الحاوى للفتاوى : قال السيوطى رحمه الله فى نفس المرجع السابق : ( وقد تكلم الإمام أبو عبد الله ابن الحاج في كتابه المُدخل على عمل المولد فأتقن الكلام فيه جداً، وحاصله مدح ما كان فيه من إظهار شعار وشكر، وذم ما إحتوى عليه من مُحرمات ومُنكرات، وأنا أسوق كلامه فصلاً فصلاً قال: (فصل في المولد) ومن جملة ما أحدثوه من البدع مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات وإظهار الشعائر ما يفعلونه في شهر ربيع الأول من المولد وقد إحتوى ذلك على بدع ومُحرمات جُملة فمن ذلك إستعمال المغاني ومعهم آلات الطرب من الطار المصرصر والشبابة وغير ذلك مما جعلوه آلة للسماع ومضوا في ذلك على العوائد الذميمة في كونهم يشغلون أكثر الأزمنة التي فضلها الله تعالى وعظمها ببدع ومُحرمات ولا شك أن السماع في غير هذه الليلة فيه ما فيه فكيف به إذا إنضم إلى فضيلة هذا الشهر العظيم الذي فضله الله تعالى وفضلنا فيه بهذا النبي الكريم  فآلة الطرب والسماع أي نسبة بينها وبين هذا الشهر الكريم الذي من الله علينا فيه بسيد الأولين والآخرين وكان يجب أن يزاد فيه من العبادة والخير شكراً للمولى على ما أولانا به من هذه النعم العظيمة وإن كان النبي  لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئا من العبادات وما ذاك إلا لرحمته صلى الله عليه وسلم لأمته ورفقه بهم لأنه عليه الصلاة والسلام كان يترك العمل خشية أن يُفرض على أمته رحمة منه بهم لكن أشار عليه السلام إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين (ذاك يوم ولدت فيه) فتشريف هذا اليوم متضمن لتشريف هذا الشهر الذي ولد فيه فينبغي أن نحترمه حق الاحترام ونفضله بما فضل الله به الأشهر الفاضلة وهذا منها لقوله عليه السلام (أنا سيد ولد آدم ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي) وفضيلة الأزمنة والأمكنة بما خصها الله به من العبادات التي تفعل فيها لما قد علم أن الأمكنة والأزمنة لا تشرف لذاتها وإنما يحصل لها التشريف بما خصت به من المعاني فانظر إلى ما خص الله به هذا الشهر الشريف ويوم الاثنين ألا ترى أن صوم هذا اليوم فيه فضل عظيم لأنه  ولد فيه فعلى هذا ينبغي إذا دخل هذا الشهر الكريم أن يكرم ويعظم ويحترم الاحترام اللائق به إتباعا له صلى الله عليه وسلم في كونه كان يخص الأوقات الفاضلة بزيادة فعل البر فيها وكثرة الخيرات ألا ترى إلى قول إبن عباس كان رسول الله  أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان فنمتثل تعظيم الأوقات الفاضلة بما إمتثله على قدر إستطاعتنا فان قال قائل قد إلتزم عليه الصلاة والسلام في الأوقات الفاضلة ما ألتزمه مما قد علم ولم يلتزم في هذا الشهر ما ألتزمه في غيره فالجواب أن ذلك لما علم من عادته الكريمة أنه يُريد التخفيف عن أمته سيما فيما كان يخصه ألا ترى إلى أنه عليه السلام حرم المدينة مثل ما حرم إبراهيم مكة ومع ذلك لم يشرع في قتل صيده ولا شجره الجزاء تخفيفاً على أمته ورحمة بهم فكان ينظر إلى ما هو من جهته وإن كان فاضلاً في نفسه فيتركه للتخفيف عنهم فعلى هذا تعظيم هذا الشهر الشريف إنما يكون بزيادة الأعمال الزاكيات فيه والصدقات إلى غير ذلك من القربات فمن عجز عن ذلك فأقل أحواله أن يجتنب ما يحرم عليه ويسكن له تعظيما لهذا الشهر الشريف وإن كان ذلك مطلوبا في غيره إلا أنه في هذا الشهر أكثر إحتراماً كما يتأكد في شهر رمضان وفي الأشهر الحرم فيترك الحدث في الدين ويجتنب مواضع البدع وما لا ينبغي وقد إرتكب بعضهم في هذا الزمن ضد هذا المعنى وهو أنه إذا دخل هذا الشهر العظيم تسارعوا فيه إلى اللهو وللعب بالدف والشبابة وغيرهما ويا ليتهم عملوا المغاني ليس إلا بل يزعم بعضهم انه يتأدب فيبدأ المولد بقراءة الكتاب العزيز وينظرون إلى من هو أكثر معرفة بالتهوك والطرق المبهجة لطرب النفوس وهذا فيه وجوه من المفاسد ثم أنهم لم يقتصروا على ما ذكر بل ضم بعضهم إلى ذلك الأمر الخطر وهو أن يكون المغني شاباً لطيف الصورة حسن الصوت والكسوة والهيئة فينشد التغزل ويتكسر في صوته وحركاته فيفتن بعض من معه من الرجال والنساء فتقع الفتنة في الفريقين ويثور من المفاسد ما لا يحصى وقد يؤول ذلك في الغالب إلى فساد حال الزوج وحال الزوجة ويحصل الفراق والنكد العاجل وتشتت أمرهم بعد جمعهم وهذه المفاسد مُركبة على فعل المولد إذا عمل بالسماع فإن خلا منه وعمل طعاماً فقط ونوي به المولد ودعا إليه الإخوان وسلم من كل ما تقدم ذكره فهو بدعة بنفس نيته فقط لأن ذلك زيادة في الدين وليس من عمل السلف الماضين وإتباع السلف أولى ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد ونحن تبع فيسعنا ما وسعهم انتهى.
قال السيوطى رحمه الله : وحاصل ما ذكره أنه لم يذم المولد بل ذم ما يحتوي عليه من المُحرمات والمُنكرات وأول كلامه صريح في أنه ينبغي أن يُخص هذا الشهر بزيادة فعل البر وكثرة الخيرات والصدقات وغير ذلك من وجوه القربات وهذا هو عمل المولد الذي إستحسناه فإنه ليس فيه شيء سوى قراءة القرآن وإطعام الطعام وذلك خير وبر وقربة، وأما قوله آخراً إنه بدعة فإما أن يكون مناقضاً لما تقدم أو يحمل على انه بدعة حسنة كما تقدم تقريره في صدر الكتاب أو يحمل على أن فعل ذلك خير والبدعة منه نية المولد كما أشار إليه بقوله فهو بدعة بنفس نيته فقط وبقوله ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد فظاهر هذا الكلام أنه كره أن ينوي به المولد فقط ولم يكره عمل الطعام ودعاء الأخوان إليه وهذا إذا حقق النظر لا يجتمع مع أول كلامه لأنه حث فيه على زيادة فعل البر وما ذكر معه على وجه الشكر لله تعالى إذا أوجد في هذا الشهر الشريف سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وهذا هو معنى نية المولد فكيف يذم هذا القدر مع الحث عليه أولا و أما مجرد فعل البر وما ذكر معه من غير نية أصلا فانه لا يكاد يتصور ولو تصور لم يكن عبادة ولا ثواب فيه إذ لا عمل إلا بنية ولا نية هنا إلا الشكر لله تعالى على ولادة هذا النبي الكريم في هذا الشهر الشريف وهذا معنى نية المولد فهي نية مستحسنة بلا شك فتأمل، ثم قال ابن الحاج ومنهم من يفعل المولد لا لمجرد التعظيم ولكن له فضة عند الناس متفرقة كان قد أعطاها في بعض الأفراح أو المواسم ويريد أن يستردها ويستحي أن يطلبها بذاته فيعمل المولد حتى يكون ذلك سببا لأخذ ما اجتمع له عند الناس هذا فيه وجوه من المفاسد منها أنه يتصف بصفة النفاق وهو أن يظهر خلاف ما يبطن إذ ظاهر حاله أنه عمل المولد يبتغي به الدار الآخرة وباطنه أنه يجمع به فضة، ومنهم من يعمل المولد لأجل جمع الدراهم أو طلب ثناء الناس عليه ومساعدتهم له وهذا أيضا فيه من المفاسد ما لا يخفى انتهى، وهذا أيضا من نمط ما تقدم ذكره وهو أن الذم فيه إنما حصل من عدم النية الصالحة لا من أصل عمل المولد. أنتهـى
والله نسأل أن يرحم ويرضى ويجزى عنا الإمام الهُمام والحافظ خاتمة الأعلام السيد الحافظ جلال الدين السيوطى أوسع رحمه وأتم رضى وأوفر جزاء على مادافع به عن حوذة الدين وإمام المُرسلين .