الأربعاء، 13 فبراير 2019

ملخص لكتاب: كيف ندعو الناس؟

حتى بعث الله محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين، فأصبحت هذه المهمة موكلة للأمة المسلمة، وصارت تكليفًا دائمًا لها، يقول تعالى:
كنتم خير أمةً أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله

وتنقسم الدعوة لقسمين:

  1. دعوة غير المسلمين الذين لم يؤمنوا بعد
  2. النصح والتذكير للمسلمين، والتي توشك أن تكون في أيامنا هذه إعادة بناء. يقول جرير بن عبد الله رضي الله عنهما: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم

أهمية الدعوة للفرد والمجتمع

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الْمُؤْمنُ للْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشدُّ بعْضُهُ بَعْضًا. فالمؤمن يكون سندًا وعونًا لأخيه المؤمن وإلا اختل البنيان، فغن المرء منا يزداد رصيده من الإيمان حين يلقى أخاه يذكره بالله عز وجل، ولا ننسى كم حث النبي صلى الله عليه وسلم على قيمة الجماعة والأخوة، بل إن الله تعالى يقول:
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم
الأخوة
فمن شرط ولاية المسلم لأخيه المسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لحفظ المجتمع، وحين أهملنا أمر الدعوة حينًا ومارسنا أخطاء جلبت نتائج سلبية أحيانًا أخرى، صار الإسلام  غريبًا على أهله، وهبطت معرفة الأمة الإسلامية بالإسلام هبوطًا جعل مهمة التذكير توشك أن تتحول إعادة بناء، فكيف ندعو الناس؟

تأملات في نشأة الجيل الأول

اقتضت إرادة الله عزّ وجل أن يتم أمر هذا الدين على السنن الجارية لا الخارقة، أما الوحي فإنه باقٍ ومحفوظ، هذا هو المنهج الرباني الذي أراد الله عز وجل أن تقوم عليه حياة البشر. وقبل أي شيء فإن ثمة أمورٍ عدة لابد أن تكون هي قضية الدعاة، ولابد أن تكون واضحةً كشمس النهارِ لا يشوشهـا أي تصرف.. فما هي؟

*قضية لا إله إلا الله

القضية الكُبرى، من المعبود؟ ومن ثَمّ من صاحب الأمر؟ ومن المشرع وواضع منهج الحياة؟ كان المشركون يريدونهـا حسب أهوائهم والمؤمنون حول رسول الله يريدونهـا لله وحده.
لا إله إلا الله

*تركيز الجهد لبناء القاعدة الصلبة التي ستتحمل البناء

*قضية الشرعية

يقول الله تعالى: «وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ». واستبانة سبيل المجرمين تتضمن أمرين:
  1. بيان السبيل الذي يسلكونه فأصبحوا مجرمين.
  2. وألا معبود بحق إلا الله وحده، ففريقٌ للمؤمنين وفريقٌ للمكذبين (الخارجين عن الشرعية)
فالشرعية مصدرهـا إفراد الله عز وجل بالعبادة. وهذا التوضيح في مسار الدعوة الذي يبين سبيل المجرمين وسبيل المؤمنين في المقابل، لا يمكن للقاعدة أن تتسع بدونه.
وفي واقعنا خاضت أمتنا في أمرين دون تحرير قضية الشرعية وبيانها بيانًا شافيًا فازدادت الأمور سوءًا:
1- الديمقراطية:
فإن الشرط الأساسي لشرعية الحاكم في الإسلام أن يكون التشريع قائمًا بشرع الله عز وجل، هذه القضية أصلًا لم تكن واضحة في أذهان الدعاة فضلًا عن الجماهير، فكل الحديث كان حول الانتخابات!
وإن الظن بأن حصولنا على أغلبية في البرلمان سيُتيح لنا المجال لتطبيق الشرعية هو وهمٌ وسذاجة ولنا في التاريخ عبرة!
الديمقراطية
اقرأ أيضًا: خدعوك فقالوا الديموقراطية هي الشورى
2- الدخول في معارك غير متكافئة مع السلطة قبل تحديد قضية الشرعية:فبين “كفوا أيديكم” و “أُذِن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا” سنوات من التربية والبناء.

*التجرد

سبحان الله حين تتأمل الآيات لا تجد وعدًا بالنصر بل:
وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ
فمهمة الداعية هي البلاغ وفقط، فسبحان الله الذي يجرد القلوب حتى من رغبة التمكين لهذا الدين في حياة الفرد، حتى خلت نفوسهم من حظ نفوسهم وصار همهم أن يخلصوا العبادة لله وحده.

موضع القدوة في الجيل الفريد

موضع الاقتداء أن نتدبر عناية القرآن بـ لا إله إلا الله، فهي ليست درسًا يُتلى ثم ينتقل إلى غيره، بل يظل حديث الأمة المسلمة إلى قيام الساعة، يُتلى ثم يُنتقل معه إلى غيره. فقضية لا إله إلا الله هذه يتحدد عليها منهج الإنسان في الدُنيا ومصيره في الآخرة. وأن مبدأ الجاهلية دومًا مع هذه الدعوة هو محاربتها ومنع بيانها كاملة:
لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا
لذا فواجبنا أن نبين للناس حقيقة لا إله إلا الله وندعوهم ليمارسوا الإسلام في حياتهم، لا كلمة تُقال ثم لا يُلقى لها بالًا في التعاملات اليومية.

فهل تجردت قضية لا إله إلا الله في قلوب الدعاة أنفسهم أولًا؟!

إننا الآن في واقعٍ متناقض، في واقعٍ يعلن أصحابه أنهم مسلمون بينمـا هم يمارسون أخطاء منها:
  • اتخاذ البشر وسطاء يقربون لله!
  • الحكم بغير ما أنزل الله
  • اتباع البشر فيما يشرعون بغير ما أنزل الله مما يجعلهم أربابًا من دون الله

أسباب التعجل والنتائج المترتبة على التعجل

*عدم التقدير الدقيق لمدى بُعد الأمة عن الإسلام

كان عمل الدعاة تصحيحًا لما يرونه فسد من سلوك الناس، بينما لم يدركوا أن فساد السلوك هذا إنما نبع لفسادٍ في المفاهيم! فإن عبادات الإسلام لابد أن تُؤَدى أداءً واعيًا؛ يربط الإنسان بمنهج حياة متكامل يشمل الحياة كلها: عبادتها وعملها، سياستها واقتصادها، روابطها الاجتماعية وروابطها الفكرية. أما الآن فقد أصابت الأمة أمراض القلب فمرض الجسد كله:
ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب
وتحول المسلمون لذلك النموذج الجاهلي الغربي الذي لا يستوعب في أي طورٍ من أطواره إلا أحد شِقي الإنسان (إما الروح وإما المادة)، هذا النموذج يعجز في جميع أحواله عن استيعاب الإنسان كله كما خلقه الله عز وجل بشقيه مجتمعين: قبضة طين، ونفخة روح. أما المسلم الحق فتتجاور فيه نزعة الإيمان ونزعة المعرفة بلا تعارض

*الانخداع بحماسة الجماهير

هذه الجماهير التي تجتمع في البداية حين تجد من يشبع عاطفتها الروحية، تذهب أدراج الرياح مع بوادر الخطر. ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتحرك بالأنصار إلا بعد أن جندوا أنفسهم للدعوة.
الجماهير

*عدم التقدير الكافي لرد فعل الأعداء

عندما تتحرك الجماهير تنزعج السلطات المحلية، وعندما تكون الدعوة إسلامية تنزعج السلطات المحلية والعالمية في آنٍ واحد. لأن الجماهير تطالب بالاستقلال السياسي دون الاستقلال الثقافي والروحي والفكري فتظل التبعية للغرب قائمة، أما الصحوة الإسلامية فلا تلاقي بينها وبين الاستعباد للغرب.
ولانزعاجهم فقد خططوا ليفسدوا هذا الأمر لسنين عديدة، فقسموا البلاد وقطعوا وحدة الأمة، وأدركوا خطورة الشباب الذين هم طاقة كل أمة فصرفوهم إلى سفاسف الأمور تستهلك طاقتهم من لهوٍ ومجون وقضايا لا أساس لها عندنا كتحرير المرأة.
عدم التقدير الكافي لرد فعل الأعداء يجعل الحركات تنهار ولمّا تستكمل بعد بنيانها أو تؤدي وظيفتها، ليس المسار الصحيح مطلوبًا لتنجو الدعوة من الأذى بل لتؤدي رسالتها على أكمل وجه.

القاعدة الصلبة

تشتمل ثلاث مناحي:

*المنهج (القيم والمبادئ)

حقيقة التوحيد والعبودية لله عز وجل فيكون الفرد مستقرًا مستقيمًا، لا يعاني من هذا الشتات الناتج عن: (اتباع آلهة شتى، ضغط الشهوات، عدم معرفة هدفٍ محدد في الحياة).
ففي حين كان الولاء في الإسلام لله ورسوله والمسلمين، صار في الجاهلية المعاصرة للمصلحة القومية والرأي العام العالمي والعلمانية. وحين كان المسلم يبدأ طريقه من الدُنيا ليصل إلى الآخرة ففي هذه الجاهلية المعاصرة لا هدف أبعد من الحياة الدُنيا

*المُربي

لابد من عنصرين رئيسين: معرفة الله عز وجل، اليقين بالدار الآخرة. الابتلاء قائمٌ في كل لحظة وكذا الحاجة للتربية مستمرة، وبين جواذب النفس الداخلية وجواذب الحياة والمجتمع الخارجية نحتاج إخضاع حياتنا كلها لله عز وجل.
التربية لازم لإكساب النفس صلابة لمواجهة الضغوط، ويمضي المسلم في مجاهدة الباطل وإصلاح الأرض، وفي عملية التربية لابد من الصبر الطويل والمتابعة الدقيقة والتدرج: فتدريب النفس على ضبط الشهوات، ومن ثم تكتسب صلابة ثم ترتقي فتجعل المستحبات كالواجبات.
التربية
وإن الصمود أمرٌ شاق على الإنسان حتى يعتاده بعون الله وتوفيقه، ويتوجه لعمارة الأرض مع عدم الركون للشهوات وجواذب النفس فيصير المسلم عاملًا في الدُنيا عاملًا للآخرة.

*الفطر التي تتلقى هذه التربية

أيها المسلم في كل بقاع الأرض، اعمل على تزكية نفسك وتطهيرها لتكون ممن يصطفيه الله عز وجل لدعوته
خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا
فحاسب نفسك وفتش فيهـا، أَكسِبها الصفات الحميدة وجردها من كل ما لا يرضاه الله.

توسيع القاعدة

حين تتشكل النواة مهما بدا الأمر في أوله شاقًا وبطيئًا فإنها ستجذب حولها الجماهير المتحمسة التي ترى القدوات ماثلة أمامها فتصير جنودًا مجندة للدعوة، إن النار التي اصطلى بها المسلمون في مكة هي التي أشرق بها الأنصـار في المدينة.
وفي خطابنا للناس لابد أن نكلمهم بما أراده الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة والتي لا تعني بحال التمييع أو إلغاء التكاليف، بل أن نخاطب فطرهم التي فطرهم الله عليها، حين نخاطب فطرهم فإن ما أدخله الغزو الفكري في عقولهم لا يلبث أن يكون غمامة عما قريب تنقشع.
اقرأ أيضًا: هل نحن مضطرون لمخاطبة شعوبنا ودعوتهم؟

ولابد لنا من أمورٍ عدة:

  1. تعظيم الله في النفوس
  2. بيان مفهوم الولاء والبراء في الإسلام
  3. وجود النماذج والقدوات الحية ممن سبقوا
  4. تعميق الإيمان بالآخرة
  5. التجرد لله عز وجل
  6. الوعي السياسي والحركي
  7. ألا نكتفي في خطابنا بالوعظ فحسب بل نراعي جوانب التربية كلها الروحية والفكرية والحركية

ونقطة أخيرة

الله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء ويقدر الأسباب من حيث لا ندري ولا نحتسب، وبالنظر في واقع أمتنا فإن أسباب الفساد ومكر أهلها عديدة ومحكمة، بينما الدعوة ضعيفة جدًا فاحتضن من أمامك ولا تلفظه، أنت لا تعاديه بل تشد بيده نحو النجاة، نحو العزة والإباء والاستسلام لله وحده.

المصادر:

  • كتاب كيف ندعو الناس للأستاذ محمد قطب

عندما يلعب الطاغية دور مجدد الدين

وقد أظهر التاريخ أنه مهما أعتمد الاستبداد السياسي في المجتمع المسلم، على القوة الباطشة والدعم الأجنبي، فإن القوة الذاتية في الإسلام قادرة على حصار هذا الاستبداد وهزيمته في النهاية. ولذلك فإن كثير من المستبدين يلجئون إلى استراتيجية مخادعة، وعوضًا عن الدخول في صدام مكشوف مع الإسلام، يعملون على تدليس التصورات الإسلامية في أذهان الشعوب، من خلال الترويج للتصورات الجاهلية بدعوى تجديد الدين. ولقد شهد التاريخ الإسلامي عدد من هذه المحاولات انتهت إلى فشل ذريع، وكانت نتيجتها الوحيدة أن أكدت أن انتصار الإسلام حتمي مهما كاد له خصومه.

لمأمون العباسي ومسألة خلق القرآن

لعل المأمون العباسي هو أول هؤلاء المستبدين الذي زعم أنه مجدد للدين، وإن كان زعمه بالفعل وليس بالقول. فمنذ أول يوم جلس فيه المأمون على كرسي الخلافة وهو يشعر بأنه غير آمن في كرسيه هذا، وكان قد وصل إليه فوق جثة أخيه الأمين، بعدما قاد تمردًا شعوبيًا فارسيًا ضد الخلافة.
وحتى يطمئن على عرشه، فإنه أتبع السياسة الفرعونية القديمة بأن يجعل قومه شيعًا، فقرب الفرس وأبعد العرب، فلما أظهر بني العباس الغضب على سياسته تلك، قام بتنصيب علي بن موسى العلوي وليًا للعهد، مُلوِّحًا لهم بأن يخرج الخلافة من بيت العباس إلى بيت علي، ولكنه لم يحسب حساب رد فعل العباسيين، الذين قاموا بخلعه أثناء وجوده في خراسان، وبايعوا إبراهيم بن المهدي خليفه في بغداد. ولما خرج، أو أُخرجَ، على بن موسى الرضا من مسرح الأحداث بالوفاة، أستطاع المأمون أن يقمع ثورة بغداد ويعود إلى عرش الخلافة. أدرك المأمون يومئذ، أن سياسة التفرقة القائمة على العصبية الشعوبية أو الطائفية عظيمة الكلفة خطيرة التهديد، فأراد أن يشغل الأمة عنه وعن جرائمه، فكانت مسألة خلق القرآن.
ادعى المأمون يومئذ أنه أراد أن يحمل الناس على صحيح الدين، ففرض على الناس القول بخلق القرآن، وقرب منه جماعة من سفهاء المعتزلة الذين لا قيمة فكرية لهم ولا قامة لهم بين جماعتهم، وعلى رأسهم أحمد بن أبي داؤود. ثم فرض المأمون المحنة على الناس، في البداية أمتحن موظفي الدولة في عقيدتهم، فمن قال بخلق القرآن بقي في وظيفته، ومن رفض هذه العقيدة طرد من وظيفته، ثم توسع في المحنة ليمتحن القضاة والفقهاء وأئمة المساجد، وأمر بمنع من يرفض القول بخلق القرآن من الجلوس للتدريس أو الفتوى أو القضاء، ثم أمر بتعذيب من يرفض القول بخلق القرآن. وفي رسائله التي كان يرسلها تحمل أوامره إلى القائمين على امتحان الناس، أو لتقرأ على هؤلاء الذين سوف يخضعون للمحنة، تجد المأمون يقدم نفسه بأنه ممثل الله على الأرض، في ادعاء لا يقل كذبًا ووقاحة عن ادعاء فرعون ونمرود الألوهية.
كان ممن امتُحن، فرفض القول بخلق القرآن، أحمد بن حنبل، وعلى الرغم من التعذيب، الذي بلغ حد أن حمل ليقتل، فإن أحمد بن حنبل ظل ثابتًا يأبى أن يخضع لهؤلاء المبتدعة، واحسبه يومئذ قد فطن لنتائج بدعة خلق القرآن، فكل مخلوق مصيره الموت والفناء، فإذا كان القرآن مخلوق، فمصيره الفناء، فتبطل أحكامه، ويصبح الطاغية بلا حاكم ولا قيد شرعي، بل يغدو هو نفسه الشرع، أليس هو ممثل الله على الأرض؟ ولعل هذا التصور المرعب قد دار في خيال ابن حنبل يومئذ، فجعله في دفاعه عن دين الله ثابتًا كما الطود، حتى تزلزلت البدعة نفسها أمام ثباته، قبل أن تضمحل رويدا رويدا ثم تنتهي في عصر الخليفة المتوكل، وتصبح مجرد قصة تاريخية عن محاولة أخرى فاشلة من محاولات الطغاة والمستبدين السطو على هذا الدين بدعوى تجديده.
4

بورقيبة وصيام رمضان

على الرغم أن الجهاد التونسي ضد الاستعمار الفرنسي قد خرج من رحاب جامع الزيتونة، وتصدره علماء المسلمين مثل عبد العزيز الثعالبي. إلا أن الاستعمار الفرنسي عندما حانت لحظة رحيله الإجباري، كان قد مهد الطريق لتسليم تونس إلى الحبيب بورقيبة، صديق فرنسا، كما كان ينعت في الدوائر الاستعمارية الفرنسية كما ذكر مؤرخ سيرته الذاتية الفرنسي بيير آلبين مارتل، وقد مثل صديق فرنسا منذ تربع على عرش تونس نموذج الطاغية العلماني التغريبي الذي يفضله الغرب.
وعلى الرغم من الهالة التي يصنعها حوله مريدوه، فيقدموه في كتابتهم كمثقف ومفكر، إلا إن بورقيبة لم تتجاوز مصادر ثقافته الكتابات الصحفية، أو الخطابات السياسية التي اعتاد بعض السياسيين المهاجرين في فرنسا إلقاءها في المقاهي. وكصديق أصيل لفرنسا، فإنه قام بما لم تجرأ عليه فرنسا نفسها، فافتتح عهده بإغلاق جامع الزيتونة، معقل الفكر الإسلامي التجديدي، ثم قرر أن يقدم نفسه للتونسيين كمفكر إسلامي، وهو من أعلن نفسه علماني في الوقت ذاته، إلى جانب الألقاب التي أغدقها على نفسه أو أغدقها عليه دراويشه مثل المجاهد الأكبر، وباني تونس الحديثة وما إلى ذلك من ألقاب تذكرك بقول الشاعر أبي البقاء الرندي: “ألقاب مملكة في غير موضعها  كالقط يحكي انتفاخًا صولة الأسد.”

وكمفكر إسلامي، وطاغية علماني في آن واحد، راح يعلن على الشعب التونسي أنه يسعى إلى تجديد الدين حتى يتماشى مع العصر، وتفتق ذهن بورقيبة إلى أن ما يحول دون تقدم تونس هو الصيام، فخرج على شاشات التلفاز في حادثة مشهورة وقعت عام 1962، وأفتى الناس بأن الصيام يعطل الإنتاج وهو ما يوجب الإفطار في رمضان، على أن يقضي المفطر ما أفطره بعد التقاعد!! وكان قد دُعِي يومئذ الطاهر بن عاشور، أخر عميد للزيتونة، وعبد العزيز الجعيط، مفتي تونس، حتى يؤمنا على بدعته أمام جمهور المشاهدين، إلا أن الشيخين رفضا الرضوخ له، وأعلنا على الشاشة، وأمام بورقيبة نفسه، أن الصيام من المعلوم من الدين بالضرورة، وإنه لا يجوز إفطاره إلا لذي عذر نص عليه القرآن، ولا عذر لمن ترك صيامه بسبب العمل.
وعلى الرغم من هذا الفشل الذريع للمشروع التجديدي العلماني، وما أتبع ذلك من اتساع الهوة بين بورقيبة والزيتونيين، إلا أن بورقيبة استمر في اجتهاداته التجديدية، ففي عام 1964، طلب من التونسيين التوقف عن الحج والعمرة لما فيه من إهدار للعملة الصعبة، والاستعاضة عن هذه الشعيرة بزيارة قبور الأولياء والصالحين!! أما آخر اجتهاداته، فكان أن أكتشف أن الحجاب ليس من الدين، وسن قانون يلزم المسلمات التونسيات بعدم ارتداء الحجاب.
هل يذكرك مشروع بورقيبة التجديد بأمر ما، عزيزي القارئ؟؟
امنع النقاب

مفهوم التجديد الإسلامي

مفهوم “تجديد الدين” مفهوم إسلامي أصيل، فلا زال المسلمون يحدثون بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا” [أخرجه أبو داوود]. والتجديد في اللغة من “جَدَدَ” أي جعل القديم جديدًا، فتجديد الدين لا يعني انتحال دين جديد كما يفعل علماء السلاطين، بل يعني رد الإسلام لمكانته الطبيعية كمنهاج حياة للمسلمين، وإزاحة أي منهاج آخر يزاحم الإسلام في هذه الوظيفة.
وعلى مدار تاريخ الإسلام، أهمل المسلمون بعض جوانب الإسلام، الشرعية أو الحضارية، وكانت النتيجة الطبيعية أن ينفذ العدو إلى الإسلام من تلك الثغرات التي نسيها المسلمون. وفي كل مرة كان يبرز فيها تحدٍ على هذا النحو، كان يظهر من يجدد الدين، ويعيده إلى مكانته في حياة المسلمين، ويسد الثغرة التي نفذ منها العدو. وتعددت مشروعات التجديد بتعدد التحديات التي واجهت المسلمين. فكان مشروع أبي حامد الغزالي مشروعًا ثقافيًا معرفيًا يهدف إلى تنقيه الفكر الإسلامي مما علق به من الفلسفات الوثنية في زمانه، وكان مشروع ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الانتصار للسنة ومحاربة البدعة التي طغت على المجتمع الإسلامي يومئذ، وكان مشروع العز بن عبد السلام مشروعًا سياسيًا هدفه إيقاظ الأمة وتوحيدها في مواجهة العدوان الصليبي/المغولي.

الخطاب الزائف لتجديد الدين

ففي الإسلام ليس ثمة مؤسسة دينيه، ولكن الفكر الإسلامي هو نتاج المسلمين العاديين الذين يحاولون دراسة الدين وفهمه في أطره الشرعية، وهذا ما يمنح الإسلام ديناميكية ثقافية واجتماعية قادرة دائمًا على تطوير مشروعه التجديدي في مواجهة التحديات التي تفرض عليه. أما خطاب التجديد الديني الزائف، الذي صُنِع من أجل تحقيق أهداف لا تَمُتّ بصلة للإسلام أو الأمة الإسلامية، فهو خطاب غير قادر على استيعاب الأمة الإسلامية لأنه لا يمثلها، ويسعى إلى إضعاف الإسلام وعزله عن المجتمع، من خلال تنصيب المستبد «بابا» للمسلمين يحاد الله ورسوله بتصورات تضاد تصورات الإسلام، ومصيره الفشل دائمًا، كما ثبت من التجارب التاريخية، إذ أنه يعمل عكس سنن التاريخ القاضية محاولًا إحياء قيم مجتمعات الجاهلية التي درست، وتمكينها من مجتمع الإسلام.

بحث في حديث: وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا – الجزء الأول

يَستشهد بعض من يؤصل للملكية الوراثية، والاستبداد، والطغيان، والظلم بحديث «وألا ننازع الأمر أهله» بزعم عدم الفتنة، واتباع السنة! وفي هذه السطور-إن شاء الله-سنناقش طرفاً من هذا الحديث الشريف.
جاء في صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت: «قَالَ: دَعَانَا النَّبِيُّ: (فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» [البخاري/ 7056]
ومن طريق آخر: «وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ» [صحيح البخاري/ 7199، ومسلم/ 1842]

الفهم المنحرف لهذا الحديث:

لقد فُهم هذا الحديث-عند البعض-على هذا النحو:
  1. الطاعة المطلقة لأولي الأمر، وإن ظلموا، وبغوا، وارتكبوا الفواحش والكبائر واستأثروا بالأموال.
  2. أن المنازعة لهم إنما تكون فقط عند “الكفر البواح” أي الكفر الناقل عن الملة.
  3. أن مفهوم المنازعة يعني حصراً القتال.
  4. أنه حتى في حالهم كفرهم البواح، فلا يجب الخروج عليهم لما في ذلك من فتنة! واحتمال الفشل، فهذا إلقاء للنفس في التهلكة.
3
وهذا التأصيل المنحرف للفهم القاصر للحديث جعل من الحاكم كأنه رب أو نصف إله! وهو كل شيء في الأمة، والجميع خدم تحت قدمه! يسمعوا له ويطيعوا بزعم أن رسول الله قال ذلك، وحاشاه صلى الله عليه وسلم.
وهذا الفهم-والذي صارت إليه جماعة من الأمة بعد عهد الراشدين-إنما هو سُنة أهل الكتاب الذين كانوا يرون في الملوك أنهم يحكمون باسم الحق الإلهي المقدس، وأنهم ظل الله في الأرض، وأنه لا راد لحكمهم، ولا محاسب لهم على أعمالهم، وانتقل إلينا هذا الشر، وتأصل في عهد الملك العضوض.
بل لقد جعلوا فهمهم المنحرف لهذا الحديث عقيدة! ونسبوها إلى أهل السنة والجماعة، وزعموا أن الخارج عنها هو المبتدع! فأنى يؤفكون عن الحق؟!

كيف إذن نفهم هذا الحديث، وما هي مناسبته، وما معنى الكفر البواح؟

هناك طريقين لفهم الحديث:
  • الأول: ندرسه كأنه نسيج وحده، فريد في بابه.
  • الثاني: نفهمه بمجموع الأحاديث الأخرى الواردة في هذا الباب.
راوي هذا الحديث هو الصحابي الجليل عبادة بن الصامت، وقد روى الحديث في مناسبته لإنكار منكر رآه بالشام.

مناسبة الحديث كما في البحر الزخار:[1]

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: مَرَّتْ عَلَيْهِ أَحْمِرَةٌ، وَهُوَ بِالشَّامِ تَحْمِلُ الْخَمْرَ فَأَخَذَ شَفْرَةً مِنَ السُّوقِ، وَقَامَ إِلَيْهَا حَتَّى شَقَّقَهَا، ثُمَّ قَالَ: ” بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ  عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَعَلَى الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ فِي اللَّهِ لا تَأَخُذُنَا فِيهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، وَعَلَى أَنْ نَنْصُرَ، أَحْسَبُهُ قَالَ: الْمَظْلُومَ، وَنَمْنَعَ مِنْهُ مَا نَمْنَعُ مِنْهُ أَنْفُسَنَا، وَأَبْنَاءَنَا هَذَا مَا بَايَعَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ” [مسند البزار/ 2731]
فهو في هذه الرواية يتحدث عن البيعة التي بايعها للنبي فقال: ” بَايَعْنَاهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ فِي اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَلَا نَخَافَ لَوْمَةَ لَائِمٍ فِيهِ” فهو ذكر البيعة عند رؤية المنكر، ولم يفهم منها-رضوان الله عليه-ما فهمه من يؤصِّل لعبادة الظالمين-والعياذ بالله-وأردف كلامه في النهاية بحديث يرفعه إلى النبي : “إِنَّهُ سَيَلِي أُمُورَكُمْ بَعْدِي رِجَالٌ يُعَرِّفُونَكُمْ مَا تُنْكِرُونَ، وَيُنْكِرُونَ عَلَيْكُمْ مَا تَعْرِفُونَ، فَلَا طَاعَةَ لِمَنْ عَصَى اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَلَا تَعْتَلُّوا بِرَبِّكُمْ” فهذا هو حال وسيرة الصحابي الذي روى الحديث.

بيعتي العقبة وفي أي منهما ورد الحديث:

ونلفت النظر أيضاً إلى أن عُبادة شهد بيعة العقبة الأولى والثانية والرضوان، وكانت بيعة العقبة الأولى يُقال لها بيعة النساء إشارة لقوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ. الآية. وأما بيعة العقبة الثانية وهي بيعة الحرب، وهذه هي التي جاء فيها “ألا ننازع الأمر أهله” فلعلها تكون خاصة بأمور الحرب، وما يجب فيها من طاعة القيادة، وعدم الاعتراض والتنازع وقت الحرب، وهذا ما تؤكده الروايتين للإمام أحمد في مسنده:

بيعة النساء:

“عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ حَضَرَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى، وَكُنَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، ” فَبَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ  عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْتَرَضَ الْحَرْبُ عَلَى: أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيَهُ فِي مَعْرُوفٍ، فَإِنْ وَفَّيْتُمْ، فَلَكُمْ الْجَنَّةُ، وَإِنْ غَشِيتُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَأَمْرُكُمْ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَكُمْ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَكُمْ ” [مسند أحمد/ 22247]
فهذه بيعة توضح عقيدة التوحيد، والتزام الأخلاق والآداب الإسلامية، والطاعة في المعروف، وذكر الجزاء الأخروي. وسبحان الله. أن نقول لنبي الله “ولا نعصيه في معروف” فالنبي  لا يأمر إلا بالمعروف، بل هو السراج المنير، والهادي-بإذن الله-إلى الصراط المستقيم، ولكنه التأكيد على التزام المعروف والطاعة فيه فيمن هو دون النبي ، وبيان للمسؤولية، والتمحيص في أتباع المعروف، وليس الطاعة مطلقة أو في معصية والعياذ بالله.

بيعة الحرب:

“عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ، قَالَ: ” بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ  بَيْعَةَ الْحَرْبِ، وَكَانَ عُبَادَةُ مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ بَايَعُوا فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ: فِي السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي عُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَمَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَلَا نُنَازِعُ فِي الْأَمْرِ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ” [مسند أحمد/ 22191]
فهذه بيعة من يستعد لخوض الحرب دفاعاً عن الرسول ، وعن دينه وفيها السمع والطاعة في المنشط والمكره، والعسر واليسر. وطاعة القيادة، وعدم الاختلاف والتنازع، وقول الحق، والعمل به، والقيام به، لا نخشى أحداً إلا الله. ففي البيعة الأولى “لا نعصيه في معروف” وفي البيعة الثانية “ألا ننازع الأمر أهله”.
وجاء في رواية أخرى: ” قُلْنُا: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: ” تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا فِي اللَّهِ لا تَأْخُذُكُمْ فِيهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْتُ يَثْرِبَ، فَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ، وَلَكُمُ الْجَنَّةُ “
وبالعودة إلى رواية البخاري ومسلم:
فالبيعة إنما كانت لرسول الله  وفيها: [السمع والطاعة للنبي  في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وأثرة علينا] [وألا ننازع الأمر أهله]
وهناك زيادات مثل: “إلا أن تروا كفراً بواحاً” وزيادة: “لا تنازع الأمر وإن رأيته أنه لك”. وأردف الحديث في الرواية الثانية: “وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ” فرُوي الحديث مرة: “بعدم المنازعة إلا عند رؤية الكفر البواح” ومرة “بعدم المنازعة مع قول الحق حيثما كنا”.
وهناك من يعتبر قوله: “إلا أن تروا كفراً بواحاً” زيادة لعلها من تصرفات الرواة لإحكام الحديث، فجاء في مسند الإمام أحمد: “بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ  عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَلَا نُنَازِعُ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، نَقُولُ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ” قَالَ سُفْيَانُ: زَادَ بَعْضُ النَّاسِ مَا لَمْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا [مسند أحمد/ 22170]

فما معنى الكفر البواح؟

جاء في رواية للإمام أحمد:
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : ” عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ، وَلَا تُنَازِعْ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَإِنْ رَأَيْتَ أَنَّ لَكَ “، وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: ” مَا لَمْ يَأْمُرُوكَ بِإِثْمٍ بَوَاحًا ” [مسند أحمد/ 22228]
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : ” عَلَيْكَ بِالطَّاعَةِ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ، وَأَنْ لا تُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ يَأْمُرُوكَ بِالْكُفْرِ صُرَاحًا “، وَقَالَ غَيْرُ يَحْيَى: ” أَنْ يَأْمُرُوكَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ ” [مسند البزار/ 2698]
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : ” عَلَيْكَ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ، وَلا تُنَازِعِ الأَمْرَ أَهْلَهَ، وَإِنْ رَأَيْتَ أَنَّهَ لَكَ “، قَالَ عُمَيْرٌ: فَحَدَّثَنِي خُضَيْرٌ، أَوْ حُضَيْرٌ السُّلَمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ مِنَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ  وَزَادَ ” إِلا أَنْ يَأْمُرَكَ بِإِثْمٍ بَوَاحًا عِنْدَكَ تَأْوِيلُهُ مِنَ الْكِتَابِ ” [مسند الشاميين للطبراني/ 225]
فالكفر البواح إنما هو “الإثم البواح” كما في رواية أحمد والطبراني، أو “المعصية البواح” كما في مسند البزار، هذا على فرض أن لفظ “الكفر البواح” من أصل الحديث.
فهو إذن ليس الكفر المخرج من الملة، وإنما هو المعصية البواح التي تظهر ويُستعلن بها فيجب عند ذلك الإنكار، كما ورد في خاتمة الحديث بطرقه المختلفة: “نقول الحق حيثما كنا” “نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر” وكما فعل عُبادة واحتجاجه بهذه البيعة عند إنكار ما رآه من المنكر، ولم يذكر في قضية إنكاره للمنكر الكفر المخرج من الملة، فهو يتحدث عن إثم بيع الخمر فقط، وبذلك ينقطع الجدل في هذه القضية كونها حديث عن المعاصي بشكل عام لا حديث عن كفر شخص الحاكم.

ولنأخذ لفظ “الكفر البواح” على عمومه بلا تخصيص أو بيان:

إن قوله: “إلا أن تروا كفراً بواحاً” لم يتحدث فيه عن شخص الحاكم، فقد يكون الحاكم على دين وخلق، ولكنه مغفل أرعن، يُتلاعب به. إنما المقصد رؤية الكفر البواح في الحياة بصرف النظر عن شخص الحاكم ودينه، فالقضية هي منع الاعتداء على حرمات الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أياً كان مصدره.
فإن ظهر الكفر البواح-سواء على تفسير الكفر بأنه الناقل عن الملة أو المعاصي البواح أو كفر نعم الله-فلا بد إذن من إعادة الأمور إلى نصابها وإلى الحق والعدل الذي جاءت به الرسالة الإسلامية.
نتابع في الجزء الثاني تفصيل القول في ولي الأمر ومن هم المؤهَّلون لتلك الولاية… فكونوا على بالقرب

المراجع

[1] لمراجعة باقي الروايات التي وردت في القصة: يمكن تحميل البحث كاملًا من هنا 

دور علماء السوء على مدار التاريخ

فسبحان الذي أجرى علما من الغيب على لسان نبيّه وصفوة خلقه محمد صلى الله عليه وسلم، ليشخص لنا حالنا بدقة لا متناهية فلا نقول: كنّا جاهلين!

دور علماء السوء على مدار التاريخ

وكيف نجهل و نحن أينما قلبنا أبصارنا في صفحات التاريخ ندرك قاعدة ثابتة تتكرر مع الحكام، ملخصها أن أي سلطة قامت على رؤوس المسلمين فظلمت وتجبرت لم تكن لتحقق مرادها لولا مساندة علماء “السوء” وفي المقابل أي سلطة عدلت وأحسنت لم تكن لتتألق في سعيها بدون معيّة علماء “الحق”. ولو ركزنا الاهتمام على تاريخ خلفاء بني أمية والعباسيين، لعرفنا كيف كانت البداية باستمالة الفقهاء والعلماء ليدعموا سلطانهم عند العامة، واستمر الحال معهم في تصاعد تدريجي ليتفاقم ويتحول لأبشع صوره، حين وقعت فتنة خلق القرآن في عصر المأمون والمعتصم، وحينها ظهر ابن أبي دؤاد–عالم البلاط في ذلك العصر والمفتي العام لخليفة المسلمين– وهو يحرض المعتصم لقتل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ، قائلا له : اقتله يا إمام ودمه في عنقي!

3كيف يجب أن تكون مواقف العلماء

ولكن مهما اكفهرت صورة تلك الحقبة من الزمن واسودت، إلا أنها كانت متميّزة بنور ماجد شق الظلام الدامس وأشرق بالانتصارات! كونها شهدت–على الضفة المقابلة- بطولات خالدة كانت تزخر بها أمة الإسلام ، سطرها علماء حق، قاماتهم في العلم والإباء لا تُبارى، تصدوا لهؤلاء المبتدعة المتذللين للسلاطين ولم تأخذهم في دين الله لومة لائم. كالإمام أحمد بن حنبل وأبو حنيفة وسفيان الثوري والأوزاعي رحمهم الله.

الإمام أحمد بن حنبل وخلق القرآن

بل وثق لنا التاريخ مواقف الثبات لهؤلاء الجبال بصورة تعجز الأقلام عن وصف روعتها، ونسجل منها هنا موقف أحمد بن حنبل في رفض عذر العلماء الذين أجابوا الحاكم للقول بخلق القرآن تحت وطأة التهديد وقد ترخصوا في الأمر بقول الله تعالى: ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) وبحديث عمار رضي الله عنه، فكان رد الإمام أحمد المفحم: ( إن عمارا ضربوه وأنتم قيل لكم سنضربكم)!
واستمر كذلك إمامنا أحمد لا يداهن في دين الله أحدا وإن كان علما عالما مثله، كما كان موقفه مع الإمام المحدث يحيى بن معين رحمه الله، الذي تنازل للحاكم مترخصا بنفس ذاك الدليل، فقال الإمام أحمد بحكمة المبصر: (يقول لي أكره ولم يضرب سوطا واحدا!). ثم بعد إقامة الحجة عليه لم يكلم أحمد يحيى بقية حياته، ولم يرد عليه السلام، لما سلم عليه حين كان أحمد طريح فراش الموت رحمه الله !
ولا شك أن أخوف ما يخاف العالم على نفسه هو مجالس السلاطين والحكام، لما جاء فيها من تحذير نبوي واضح وصريح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ومن أتى أبواب السلاطين افتتن) ، وقال: (وما ازداد عبد من السلطان قربا إلا ازداد من الله بعدا). وقال سعيد بن المسيب رحمه الله: إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء فاحذروا منه فإنه لص. وهذا ما يفسر حزم إمام السنة أحمد بن حنبل مع العلماء أكثر من غيرهم في موقف الفتنة!

حال علماء السلاطين في العصر الحديث

ولنطوي هذه الصفحات التي مضت، وكل أمة رهينة بما كسبت، ونطلع على حالنا اليوم، بحكام غير شرعيين أقامهم الغرب بقياسات تناسب مصالحه تماما في المنطقة .. أذاقونا ألوان الغصاصة والقهر ولا زالوا! وطوقونا بالآصار والأغلال التي من بينها بلا شك، علماء السوء ليستمروا في ظلمهم وغيّهم بسياسة “الاستغفال”.

الجامية

ولعل بداية بروز صيت هؤلاء “العلماء” في عصرنا الحديث كان منذ إنشاء التيار المدخلي أو الجامي في السعودية–نسبة لربيع المدخلي أو محمد أمان الله الجامي-إبان حرب الخليج الثانية 1991م حين صدرت الفتاوى “المتأنقة” من هذا التيار بجواز دخول القوات الأجنبية بلاد الحرمين، ولم يقف رموز هذا التيار ومفتيوه عند هذا الحد بل انتشروا في عدة أمصار مسلمة كالسرطان الخبيث ليسجلوا أقبح الفتاوى المخالفة لنصوص الشريعة، الهدف الأول والأخير منها هو شرعنة أحكام السلطان وتمرير قراراته بلباس ديني وتجريم من يتظلم أو يستنكر أيضا بلباس ديني! ذلك أن السلطة الدينية كانت ولا زالت أقوى مروّض للشعوب وأنفذ قوة لريادتها.
5
ربيع المدخلي
ولقد رسخ هذا التيار قواعد ما أنزل الله بها من سلطان وعوّدوا الشعوب المسلمة عليها كي تبقى خانعة للحكم الجبري الذي نعيش حقبته – أو زوال حقبته إن كنا لها أهلا -. منها أنه لا يجوز معارضة الحاكم مطلقا ولا الخروج عنه ولا نصحه علنا. وكل من تجرأ على ذلك صنف من الخوارج ونبذ وحوصر .
اقرأ أيضًا: توظيف الأنظمة الحاكمة للسلفية المدخلية لضرب التيار الإسلام

اختلفت مواطنهم واجتمعوا على شرعنة أفعال الحكام

ومن هؤلاء الأئمة المبتدعة في دين الله أفتى بعض شيوخ الأزهر في مصر بقتل سيد قطب وإخوانه بدم بارد–رحمهم الله-. وعلى نهجهم وقلة حيائهم قال الشيخ السعودي عبد المحسن العبيكان: أن الأمريكان لا يضربون إلا من يعتدي عليهم في العراق! وأن الكفار لو عينوا على المسلمين حاكما ، فهو ولي أمر شرعي!
وبتحايلهم أيضا تمكن حافظ الأسد من توريث الملك لابنه السفاح بشار الأسد في سوريا وأفتى محمود لطفي عامر أن جمال يجوز له أن يرث حكم والده حسني مبارك في مصر باعتباره أميرا للمؤمنين! وكذلك فعل أسامة القوصي حين حث حماس على قبول الصلح مع إسرائيل اقتداء بالسادات، وبفعل الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية-زعم-، وكذلك على خطاهم تجرأت هيئة كبار العلماء في السعودية على فتوى قتل المجاهدين للأمريكان والحكم بأنهم لا يروحون رائحة الجنة – تأليا -!
اقرأ أيضًا: صلح الحديبية دعوة لعدم التنازل
ومما لا شك فيه أن ثورات الشعوب أضحت أكثر حدث مزلزل في عصرنا الحديث لعروش المتسلطين على البلاد المسلمة، ولهذا في أوج هذه الثورات كان نشاط هؤلاء العلماء المطبلين للحكام يصل الذروة، وبلغوا معها أبشع درجات الفظاعة والجرأة في حياكة الفتاوى للسمع والطاعة العمياء وتعدي حدود الله لصالح حكامهم.
ولهذا حظي هذا التيار بقرب النظام وإضفاء الشرعية لفتاواه وامتلأت منهم مجالس وموائد الحكومات. بل وانتشروا بين طبقات الناس والعلماء لتشتيت المعتقدات والاختراق. فلا تخلو برامج التلفاز من لقاءاتهم ولا دروس الإذاعات من سمومهم وكذلك اللقاءات والاجتماعات التي تسمى “إسلامية” من هيمنتهم بل لا يعترف بدار إفتاء إلا إن كانوا هم سدّتها ورأس حربتها!
7
ولا أحد يجادل في أن الفتاوى اليوم تحاك على قياس الحاكم، وأن الحائك الذي يلقب بـ “فضيلة الشيخ” و”العلامة”، وظيفته تحريف الكلم عن مواضعه وسوء التأويل ولي أعناق النصوص، لتوافق أهواء من يخدم من الملوك.
وللأسف الشديد فقد أضحت هذه الظاهرة سنة كونية في كل صراع بين الحق والباطل، ومع عصرنا الذي تقبع فيه الأمة المسلمة تحت وطأة حكام عملاء للهيمنة الغربية، كانت الظاهرة ملفتة جدا، لتعكس حجم الظلم والجور الذي يقوم عليه هؤلاء الحكام ولتبرز حجم مولاتهم للكفار وكذا لتفسر فداحة الضرر والأذى الذي يدفع ثمنه المسلمون تحت سلطانهم، ويبقى أشدها مرارة أن بفضل هؤلاء العلماء أسبغت الشرعية على الاحتلال لديار المسلمين–مباشرا كان أو غير مباشر-وأفتي بموالاة الأمريكان في حربهم ضد الإسلام بلا أدنى حياء!.
قال ابن القيم –رحمه الله- وإن الذنوب لتعم مصائبها الحيوانات والحشرات والجعلان في جحورها، يقول الله عزوجل: ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ). قال مجاهد وعكرمة: هي الحشرات والبهائم يصيبها الجدب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم.
وفي زماننا لا يتجاوز تصنيف العلماء ثلاثة أصناف: أحدها علماء سلطان ومطبلين له في كل مناسبة وبدون مناسبة، والآخر، علماء عجزة قد أثقلت كاهلهم الخشية من الحاكم وسطوته فتشبثوا بنصوص “للضرورة أحكام” وصنف أبى إلا أن يقول كلمة الحق عند سلطان جائر فكان مصيره السجن والتعذيب.
وبهذا فإن أصناف العلماء على ثلاثة منازل، منزل يكتم الحق أو يبدله، ومنزل يشتري بدين الله وعهده ثمنا قليلا، ومنزل لا يخاف في الله لومة لائم ولا يخشى إلا الله.
اقرأ أيضًا: 10 دعاة وعلماء في السجون إلى تاريخ غير محدد
عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى     وللمشتري دنياه بالدين أعجب
وأعجب من هذين من باع دينه    بدنيا سواه فهو من ذين أعجب

كيف يؤثر علماء السوء على واقع الناس؟


حزب النور - علماء السطان
وبهذا يمكننا أن نفسر خذلان كل ثورة نهوض وإجهاض كل دعوة تحرير وتبديد كل نداء (أن اغدوا على حرثكم وحي على الجهاد)، نفسره بنكوص العلماء عن دورهم في القيادة، وقعودهم تحت ظلال الحكام المستبدين، فتلاشت الكثير من المحاولات وفشلت – بسبب غيابهم عنها – العديد من التضحيات، ثم بدل أن يستدركوا هذا التقصير قاموا بتوجيه سهامهم في اللوم والتقريع والذمّ لأصحابها! فكانوا سببا محوريا في ضعف بنيان هذه الأمة بلا جدال. قال ابن مبارك–رحمه الله- :
وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها
لقد آن الأوان لأمة دينها الإسلام أن تخرج من عناصر حزنها واستضعافها، أن تنطلق من طور الهدنة والاستكانة بروح وثابة رافضة للظلم والعدوان جريئة في الحق لتكسر آصار وأغلال علماء السوء هؤلاء، وتنأى بنفسها عن التكلف والصلف وإعدام الكيان والذات، آن الأوان أن نطوق علماء السوء هؤلاء بجيش من السخط ونستبدلهم بأئمة تشهد لثباتهم جدران الزنازين الباردة والحارة، من أئمة الحق الذين حوربوا لمجرد إنكارهم منكرا في زمن الخور! ولتحييهم الأفئدة أينما كانوا ولتشيعهم الأرواح أينما رحلوا!
لقد آن الأوان لهذا الليل الطويل الجاثم على هممنا وآمالنا أن ينجلي. لقد آن الأوان أن نسحب الثقة ومصير خواتيمنا من أيدي علماء يجيدون الانطراح على عتبات السلاطين ونسلمها لأئمة لا يجيدون الانطراح إلا على عتبات الربوبية.
آن الأوان أن نكسر كل الآصار والأغلال التي تقيد نهوضنا وتحرمنا الوقوف من جديد بلا تلجلج أو خوف بل بكل ثقة بالله ثم النفس! وأولها و أخطرها على الإطلاق هي آصار علماء السوء ثم نبدأ بعدها الحديث عن الإنجاز!

شبهات انتهت صلاحيتها… لم يعد من عذر



لا شك أن الغالبية العظمى متفقة أن المسؤولية تقع على عاتق الحكومات، ولا يجادل أحد في أن ثورات الربيع العربي كانت دليلا صارخا على رفض هذه الشعوب المسلمة لواقعها المرير ولرغبتها الجامحة في تغيير أنظمة الحكم التي تأنقت في أساليب الاستبداد والقمع والتجويع للرعية وكذا السجن والتنكيل والتشريد لكل من عارض سياساتها وتعدياتها بحق الإسلام والمسلمين.
ولكن هذه الحكومات قد خبرت شعوبها المسلمة وأدركت أن لجام الدين هو السبيل الأنجع لترويضها وتطويعها راغمة فتسكن وتهدأ وتتبدد ثورتها مهما أسرف الحكام في الظلم وقبح التدبير!
وكما أسلفنا من قبل في مقالتنا (آن الأوان لتحطيم آصار علماء السوء) فإن الحاكم قد سخّر لخدمته فريقا متخصصا من المشايخ والعلماء حرفتهم المتاجرة بدين الله وليّ النصوص وتحريف الكلم عن مواضعه في سبيل إخضاع الشعب لأهواء هذا الحاكم وإن كانت تلك الأهواء جريمة كبرى في منظار الإسلام وأئمته.
ويبلغ نشاط هذه الحاشية الملازمة لبلاط السلاطين، ذروته حين يلوح في الأفق دخان ثورة أو رذاذ موجة استنكار أو حتى هتافات مظاهرات احتجاج سلمية!
فما إن تبدأ ملامح السخط بالتبلور إلى رد فعل غير مرغوب فيه عند هؤلاء الحكام، حتى يخرج علينا أبواقهم، وعلماء السوء، المرقعين للظالمين، فيحتلون المنابر والشاشات ويخرجون أوراقهم المهترئة لتكرار نفس سيناريو الحجج البالية! مهمتهم: إحباط النفوس التي اضطرمت حنقا وأسا ورغبة في التغيير.

3
ولاشك أن أول كرت يرفعه هؤلاء بوجه المستنكرين هو تحريم الخروج عن الحاكم  واعتبار جميع الحكام اليوم-الجاثمين على صدور شعوبهم–ولاة أمر مسلمين وجبت طاعتهم ويحرّم الخروج عليهم بل وحتى انتقادهم. وبعرضهم لقائمة من الأحاديث والنصوص التي تدعم قولهم بغض النظر عن الخطأ في تنزيلها على واقعنا، تكبّل أي حجة في المطالبة بتجريم الحاكم!

وقفة

إن قوة أي أمة مسلمة-لا شك-خلْفها حاكم مسلم، يوالي المسلمين ويبرأ من الكافرين، يحكم بما أنزل الله ويطبق شريعته، يُقاتَل من ورائه ويدفع به العدوان، صفته العدل والقسط، والإخلاص والفداء للأمة المسلمة، فتتوازن الأمة داخليا، وتدفع عدوها خارجيا وتزدهر حضارتها وتصلح أحوال الرعيّة. ثم بالعكس كلما فسد الحاكم، فسد معه كل شيء وتزعزعت أركان الدولة وتقهقرت أحوال الرعية وامتدت يد الأعداء الخارجية وعبثت بها أيدي النفاق الداخلية وتنتهي بقصة سقوط حرّ،  ولا يمكن أن يقوم حكم في بلاد مسلمة دون قيام العلماء الربانيين لثغرهم، يقوّمون الاعوجاج ويفتون للناس في المدلهمات وأمور العبادة والحياة، ينصحون للحاكم ولا تأخذهم في دين الله لومة لائم، فبهم تتحد فئات الأمة وبهم تتقدم الأجيال للقمة. ولكن إن فسد الحكام وفسد معهم العلماء فالمصاب جلل، كما جاء في الأثر:
(صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس، العلماء والأمراء).

نقطة الضعف

ولأن حكامنا أدركوا تماما-كما يدرك العلماء-أن الدافع الأقوى للشعوب للثورة والانتفاض والمطالبة بعزل الحاكم هو أن يرسخ في أذهانهم وجوب عزل هذا الحاكم في شريعة الإسلام، والذي هو في الأخير مرتبط ارتباطا وثيقا حاسما بقضية إسلام هذا الحاكم أو كفره وكذا تطبيقه لحكم الله أو تبديله لشرع الله، وعلموا تمام العلم أن رسوخ هذا الحكم في أذهان المسلمين يترتب عليه نتائج قد تقضي على أحلامهم وعروشهم وينفلت معها عقد أهدافهم. فكان التوظيف المحموم لعلماء السوء، من أجل تبديد أي محاولة تفكير للفصل في هذه القضية -وإن وصلت حالة هذه الشعوب إلى أسوء حالات الظلم والانهيار -وكان الترويج بقوة لتلك الحجج البالية في أن الخروج عن الحاكم فساد في الأرض يوجب العقاب!
حزب النور
ولن تجد حاكما واحدا نصب على ديار المسلمين إلا وله مؤسسة دينية ضخمة تؤمن لهم  الشرعية  لتأمين انقياد الشعب، الذي يشكل الدين جزءا رئيسيا من تركيبته النفسية والثقافية.

الحكم الشرعي

وإن المتفَق عليه عند علماء الأمة السابقون واللاحقون، هو أن الحاكم الذي لا يجوز الخروج عنه هو المسلم الذي يحكم بما أنزل الله وإن ظلم، فله حق السمع والطاعة في كل ما يأمر به، ما لم يكن معصية، في المنشط والمكره، والصبر على الأثرة،وألا ينازعه أمره وصفته، فإن بدّل حكم الله وحكم بغير ما أنزل! فقد كفر، وجاز الخروج عليه بل وحرّم البقاء تحت حكمه كما في الحديث الصحيح المتفق عليه، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: دعانا رسول صلى الله عليه وسلم فبايعناه فكان مما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله، قال صلى الله عليه وسلم:
(إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان).
و معنى– بواحا–يريد ظاهرًا، باديا… (وعندكم من الله برهان) قال: الحافظ بن حجر في شرح البخاري ( أي نقص آية وخبر صحيح لا يحتمل… التأويل. وقال النووي في شرحه لمسلم: (المراد بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام). أي أنه لا يشترط أن يعلن هذا الحاكم الردة عن الإسلام أو الكفر، بل يكفى إظهاره لبعض المظاهر الموجبة للكفر.

لوازم الحكم

إذًا فمسألة الخروج على الحاكم مقرونة بثبوت كفره ثم يترتب عليها وجوب قتاله والخروج عنه، وقد نقل الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم عند شرح الحديث السابق عن القاضي عياض الإجماع على الخروج على الحاكم إن كفر. فقال:  قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر. وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل. وقال وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها. قال القاضي عياض: فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة، خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك. فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه فإن تحقق العجز لم يجب القيام ويهاجر المسلم عن أرضه ويفر بدينه”[1].
فإن طوينا صفحة الكفر البواح ونظرنا في أحد موجبات عزل الحاكم الأخرى سنجد ترك الحكم بما أنزل الله موجب رئيسي يجيز عزله، وقد ورد هذا في جمع من  الأحاديث النبوية الصحيحة منها الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله)[2].
وإقامة كتاب الله تعني الحكم بما أنزل الله… فمن لم يحكم بما أنزل الله فلا ولاية له.
وأما إن كان الحاكم مسلما لم يتلبس بناقض من نواقض الإيمان، أو كفر فيه من الله برهان أو لم يحكم بغير ما أنزل الله فلا يجوز الخروج عليه ولا عزله.
ووجوب الخروج مشروط بالقدرة والمنعة، وجواز الخروج فيهما مشروط بأن يرجى عقد الإمامة لرجل صالح تتواجد فيه شروط الإمامة، وأما إذا صار الأمر من جائر إلى جائر، أو استلزم مثل استيلاء الكفار على المسلمين، فلا يجوز الخروج.

تزكية فاسدة

ثم إن اجتمعت جريمة كفر الحاكم وحكمه بغير ما أنزل الله وظلمه وتضييعه لحقوق الرعية وموالاته لأعداء الإسلام، فلا يرتاب عاقل حول وجوب عزله وقتاله وإن زكاه جميع علماء السلطان.
عندما يلعب الطاغية دور مجدد الدين
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله عن أولئك الذين يزكون من يحكم بغير ما أنزل الله: (إن هؤلاء الطواغيت الذي  يعتقد الناس فيهم وجوب الطاعة من دون الله كلهم كفار مرتدون عن الإسلام، كيف لا وهم يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، ويسعون في الأرض فساداً بقولهم وفعلهم وتأييدهم. ومن جادل عنهم، أو أنكر على من كفرهم، أو زعم أن فعلهم هذا لو كان باطلاً لا ينقلهم إلى الكفر، فأقل أحوال هذا المجادل أنه فاسق، لأنه لا يصح دين الإسلام إلا بالبراءة من هؤلاء وتكفيرهم)[3]
لقد اعتبر الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجرد عدم التكفير جريمة كبرى، فكيف بمن يتخصص في تزكيتهم وتلميعهم ويشيد بفعالهم ويبرر طاماتهم ويعادي من أنكر عليهم!

واقع الحكام اليوم

ولنأتي لواقع حكامنا اليوم، إننا نشاهد أمام أعيننا كفرا بواحا لنا فيه برهان، فأغلب حكامنا يحكمون بما لم ينزل به الله سلطانا، وقد عمدوا لالتزام أحكام الدساتير البشرية الوضعية ومنهم من غرق في وحل الديمقراطية التي تحكم برأي أغلبية الشعب لا حكم الشرع، ومنهم من يجعل الحكم صوريا إسلاميا في حين يخضع لولاية الكفار من اليهود والنصارى علنا ووصلت هذه الموالاة إلى المشاركة مع الكفار في قتال المسلمين لأجل مصلحة الغرب الكافر. ويكفي مثالا الغزو الأوربيوأمريكي لبلاد المسلمين في العراق وأفغانستان الذي حظي بمشاركة هؤلاء الحكام وكل ألوان الدعم البشري والمادي.
هذا دون أن نحسب ما تلبسوا به من أشكال مكفرات الأقوال والأفعال وما أتوا به من أسباب الخروج من ملة المسلمين. ودون أن نحصي سجل المظالم الثقيل الذي تئن لوطأته الشعوب المنهوبة المسلوبة الثروات والحقوق.
وبالنظر للحكم الشرعي في حالة حكامنا الخونة اليوم فإننا سنتفق جميعا ألا ولاية لهم شرعية على الشعوب المسلمة، وهذا يترتب عليه أحكام، منها سقوط ولاية الحاكم وبطلان إمامته، ووجوب الخروج عليه بالقوة وخلعه، بل ووجوب قتله لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :(من بدل دينه فاقتلوه)[4]. كما يجب عدم مساعدته ولا العمل لديه ولا مشاركته جريمة الحكم بغير ما أنزل الله  بأي منصب أو أي شكل. كما لا يعتبر بعهوده ولا مواثيقه، ولا معاهداته ولا أمانه… لأنه لا يمثل المسلمين. ولدرء مفاسد عزله وجب المسارعة في نصب إمام مسلم بدلا عنه.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري: (إنه-أي الإمام- ينعزل بالكفر إجماعا فيجب على كل مسلم القيام في ذلك فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض).[5]
إننا نشاهد في كل يوم مشهدا تدمي له القلوب، لحكام المسلمين وقد أسرفوا في مولاة الكافرين من يهود ونصارى، فأضحت اجتماعاتهم ولقاءاتهم تعكس تلك المودة والقربى مع أعداء الإسلام رغم تلطخ أيديهم بدماء المسلمين، توقع معهم المواثيق والمعاهدات والتحالفات وتسخر تحت أيديهم الجنود والمعدات والخدمات والولاءات! وأضحت ثروات هؤلاء المسلمين منهوبة وحقوقهم مسلوبة بل وأصبحنا ندفع الجزية وهم الصاغرون. وهذه الحقيقة وحدها-والتي لا يمكن أن يطمسها عالم سلطان-تكفي لأن يتفكر المرء في أي فسطاط يريد أن يكون، هل سيقبل بفسطاط فيه القائد كافرا فقط لأن حاكمه ارتضاه وليا  أم أن ينأى بنفسه عن جريمة الكفران! لا يفعلها مسلم عاقل!!
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ).

المصادر

[1] (صحيح مسلم بشرح النووي ج12-ص229.)
[2] رواه البخاري
[3] (الرسائل الشخصية ، 188).
[4]  رواه أحمد.
[5] ج 13 ص 154.