الجمعة، 7 يناير 2022

حكم تغيير الشيب بالسواد .. ؟

 (( حكم تغيير الشيب بالسواد )) ..

اختلف الفقهاء في حكم تغيير الشيب بالسواد على أربعة أقوال :
الأول: ذهب الشافعية في المذهب ، وهو اختيار جماعة منهم ورجحه النووي ، إلى حرمة صبغ شعر اللحية والرأس بالسواد ، قال النووي ( رحمه الله ) :(( اتفقوا على ذم خضاب الرأس أو اللحية بالسواد ، ثم قال الغزالي في الإحياء والبغوي في التهذيب وآخرون من الأصحاب ، هو مكروه ، وظاهر عباراتهم أنه كراهة تنزيه ، والصحيح، بل الصواب ، أنه حرام، وممن صرح بتحريمه صاحب الحاوي )) ..
القول الثاني: وذهب الحنفية وهو المذهب، والمالكية ، وقول في مذهب الشافعية ، والمشهور من مذهب الحنابلة ، إلى كراهة الخضاب بالسواد في غير الحرب ، جاء في حاشية ابن عابدين: (( وفصل في المحيط بين الخضاب بالسواد، قال عامة المشايخ أنه مكروه ، وبعضهم جوزه، مروي عن أبي يوسف، أما بالحمرة فهو سنة الرجال وسيما المسلمين )) ..
أما المالكية، فقد قال ابن عبد البر في الاستذكار: (( وأما قول مالك في الصبغ بالسواد أن غيره من الصبغ أحبُّ إليه ، فهو كذلك؛ لأنه قد كره الصبغ بالسواد أهل العلم.. ))
أما الشافعية ، فقد سبق أن الغزالي والبغوي وآخرين من الأصحاب - كما قال النووي - يرون الكراهة )) ..
أم الحنابلة، فقد قال ابن قدامة : (( ويكره الخضاب بالسواد. قيل لأبي عبد الله: تكره الخضاب بالسواد؟ قال: أي والله )) ..
وقال ابن القيم: (( وأما الخضاب بالسواد فكرهه جماعة من أهل العلم، وهو الصواب بلا ريب )) ..
القول الثالث: وذهب الحنفية في قول ، وهو اختيار أبي يوسف ومحمد بن الحسن واختيار جماعة من التابعين ، إلى أن صبغ اللحية والرأس بالسواد جائز بلا كراهة.
جاء في الفتاوى الهندية ما نصه : (( اتفق المشايخ - رحمهم الله - أن الخضاب في حق الرجال بالحمرة سنة وأنه من سيماء المسلمين وعلاماتهم ، وأما الخاضب بالسواد فمن فعل ذلك من الغزاة ليكون أهيب في عين العدو فهو محمود منه.. اتفق عليه المشايخ ، ومن فعل ذلك ليزين نفسه للنساء وليحبب نفسه إليهن ، فذلك مكروه وعليه عامة المشايخ، وبعضهم جوز ذلك من غير كراهة، وروي عن أبي يوسف أنه قال: كما يعجبني أن تتزين لي يعجبها أن أتزين لها... )) ..
القول الرابع: وذهب الشافعية في قول بعضهم إلى أن الخضاب بالسواد يحرم على غير المتزوجة ، وأما المتزوجة فيحرم عليها إذا لم يأذن به الزوج ، وإن أذن فوجهان: الأول الجواز ، والثاني التحريم. وبهذا يتبين أنه يجوز للمرأة المتزوجة خضب شعرها بالسواد إذا أذن لها زوجها به في وجه، وهو قول إسحاق بن راهويه ، حيث رخص للمرأة المتزوجة أن تتزين به لزوجها ..
رحمهم الله جميعا ..
بعد عرض أقوال الفقهاء ونصوصهم ، يتبين لنا أن اﻷقوال متعارضة ﻷن الأدلة متعارضة ، والقول فيها واسع ..
(( اﻷدلة في التعليقات )) ..
من يريد المزيد فليراجع هذه المصادر
1 - الحاوي الكبير للماوردي، 2/257 ..
2 - المجموع : 1/294.
3 - حاشية ابن عابدين : 5/481-482 ..
4 - مدونة الفقه المالكي وأدلته، د. الصادق الغرياني، 1/94.
5 - المغني لابن قدامة : 1/125، تحقيق د. عبد المحسن التركي ود. عبد الفتاح الحلو ..
6 - الاستذكار، 27/85.
7 - الإنصاف للمرداوي، 1/123 ..
8 - الفتاوى الهندية : 5/359.
9 -تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، 5/442 .. ---
ادلة القول اﻻول
الدليل الأول: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة، ورأسه ولحيته كالثغامة بياضاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد»
الحديث صحيح؛ لكن اختلف في قوله «وجنبوه السواد»؛ فقيل: إنها ليست من الحديث؛ لأن أبا الزبير أنكرها من رواية زهير بن معاوية عنه، ولم يذكرها عزرة بن ثابت عن أبي الزبير، وإذا اختلف في ثبوتها عن أبي الزبير فإن المرجع هو أبو الزبير، وقد صرح أنها ليست من الحديث.
ثم إن ابن جريج كان يصبغ بالسواد وهو ممن رووا الحديث عن أبي الزبير. ورد أنه قد رواه جملة من الرواة غير زهير بن معاوية بإثبات «وجنبوه السواد»؛ لكن قيل: إن أبا الزبير تارة يثبت «وجنبوه السواد» وتارة ينفيها، فهذا دليل على أنه لم يكن نسياناً..
لكن قيل: إن الإمام مسلماً أخرجها في صحيحه، وهو أصح كتاب بعد البخاري؛ قيل: لا يلزم من إيراد مسلم له في صحيحه أن يكون قد صحح هذه الزيادة.
أيضاً ورد في صحيح البخاري حديث أبي هريرة: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم»؛ فأمر بالصبغ وأطلق ولم يقيده بشيء.
ثم إن الحسن والحسين وسعد بن أبي وقاص قد صبغوا بالسواد؛ فلو كان حراماً لما فعلوه، وكذلك كانوا في زمان الصحابة - رضي الله عليهم -، فلو كان حراماً لأنكروا عليهم.
2- الدليل الثاني: ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بهذا السواد. قال حسين: كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة»لكن أجيب عن هذا بما يلي:
أولاً: ضعف الحديث؛ لأن في إسناده اختلافاً.
ثانياً: أن الوعيد الشديد ليس على الصبغ بالسواد؛ وإنما هو على معصية أخرى لم تذكر؛ ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد»، وقد عَرفتَ وجود طائفة قد خضبوا بالسواد في أول الزمان وبعده من الصحابة والتابعين وغيرهم، فظهر أن الوعيد المذكور ليس على الخضاب بالسواد؛ إذ لو كان الوعيد على الخضاب بالسواد لم يكن لذكر قوله «في آخر الزمان» فائدة؛ فالاستدلال بهذا الحديث على كراهة الخضاب بالسواد ليس بصحيح. قيل: قد يكون فائدة ذكر «آخر الزمان» أنه يكثر فيه وينتشر بخلاف ما وجد في العصر الأول؛ كان الصبغ من آحادهم؛ وهذا تأويل للنص وعلى المسلم أن يبعد عن التأويل.
ثالثاً: أن المراد بالخضب بالسواد في هذا الحديث به لغرض التلبيس والخداع، لا مطلقاً جمعاً بين الأحاديث المختلفة، وهو حرام بالاتفاق.
رابعاً: لقد صبغ جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالسواد.. أيكون الصبغ متوعَّداً عليه بأنه لا يريح برائحة الجنة، ثم هؤلاء يصبغون، ولا ينكر عليهم من قبل الصحابة وهم أكمل الأمة في النصح والعلم والقيام بالواجب ولا يخافون في الله لومة لائم.
ورُدَّ بأن العبرة بالنص لا بفعل الصحابة.
3- الدليل الثالث: ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبغض الشيخ الغربيب»[قال أحمد: الذي يخضب بالسواد. لكن الحديث إسناده ضعيف وضعَّفه أحمد بن حنبل ..

===
أدلة القول الثاني ..
1 - جمعوا بين النهي عن الخضاب بالسواد وبين فعل الصحابة على أن النهي ليس للتحريم، ولو كان للتحريم لما خضب جمع من السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
2- ذكر ابن القيم ثمانية من الصحابة يصبغون: الحسن، والحسين، وسعد بن أبي وقاص، وعقبة بن عامر، والمغيرة بن شعبة، وجرير بن عبد الله، وعثمان بن عفان، وعمرو بن العاص.
3- قال ابن القيم: وأما الخضاب بالسواد فكرهه جماعة من أهل العلم، وهو الصواب بلا ريب ..
4- قال أبو عشانة المعافري: «رأيت عقبة بن عامر يخضب بالسواد، ويقول: نسود أعلاها وتأبى أصولها...». المصنف وسنده صحيح

=


ادلة القول الثالث ..
1 - لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي في التحريم، والأصل في الأشياء الإباحة. قال يحيى: سمعت مالكاً يقول في صبغ الشعر بالسواد: لم أسمع في ذلك شيئاً معلوماً، وغير ذلك من الصبغ أحبُّ إليَّ، قال: وترك الصبغ كله واسع - إن شاء الله - ليس على الناس فيه ضيق. وإمام بمثل مالك، وهو في المدينة، قد رأى فقهاء التابعين وأخذ منهم؛ يرى أنه لم يسمع في الصبغ بالسواد شيئاً؛ دليل على أن أحاديث النهي في الباب لا تصح؛ أو هو يرى أن رواية «وجنبوه السواد» لم تصح.
2- ما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» ..
فالحديث يقتضي الأمر بالصبغ ولم يقيد صبغاً دون صبغ؛ فبأيِّ شيء صبغ الرجل فقد امتثل الأمر.
3- ما رواه جابر قال: «أتي بأبي قحافة - أو جاء عام الفتح أو يوم الفتح ورأسه ولحيته مثل الثغام أو الثغامة فأمر أو فأمر به إلى نسائه، قال: غيروا هذا بشيء ... فيصبغ بأي شيء. لكن ردَّ عليه بأنه مطلق بتغيير الشيب مقيد بالأحاديث التي تنهى عن السواد.
4- أن أبا بكر صبغ بالحناء والكتم، والحناء والكتم يعطي لوناً من اللون الأسود؛ وذلك لأن الأسود درجات منه الأسود الداكن، ومنه الأسود الفاتح، وبينهما درجات يسميها بعضهم باللغة المعاصرة البني الغامق، وهو لون من درجات اللون الأسود؛ فلما أذن في الحناء والكتم دل على إذنه بالأسود؛ لكن قد يكون الحناء له نفع للبشرة والشعر فخص بالنص، وهو دليل على جوازه بغير الحناء والكتم مما يعطي لونهما ..

===
دلة القول الرابع ..
واستدلوا لذلك بأدلة المجيزين للخضاب بالسواد؛ إلا أنهم خصوها بالمرأة المتزوجة لتتمكن من التزين لزوجها ..

السبت، 1 يناير 2022

هل يجوز قراءة القرآن للميت ووهب ثواب القراءة له..؟!

الجواب:

أولا: أجمع العلماء أن الصدقة والدعاء يصل نفعهما إلى الميت.
---------------
ثانيا: اختلف العلماء فيما عدا ذلك من أعمال البر والخير مثل صلاة التطوع والصيام وقراءة القرآن..
والراجح مذهب (الحنفية والحنبلية) أن هذه الأعمال يصل ثوابها إلى الميت..
لأن من عمل عملا صحيحا فقد ملك ثوابه وله أن يهبه لمن يشاء ، سواء قال اللهم أوصل ثواب ما فعلته إلى فلان أو لم يقل.
فعلى هذا الاعتبار كل أعمال البر يصل ثوابها إلى الميت
-----------
الخلاصة: كل أعمال البر ومنها قراءة القرآن يصل ثوابها إلى الميت على الراجح من أقوال أهل العلم.

الخميس، 30 ديسمبر 2021

تأصيل شرعي لحكم الاحتفال بالأعياد الدنيوية

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد :

أحاول اليوم دراسة مسألة حكم الاحتفال الدنيوي بيوم أو عيدٍ معين بشكل مختصر ، وهي الصورة التي يندرج تحتها الاحتفالات العامة عند كل الناس :
مثل تخصيص يوم للاحتفال بالوطن ، أو نحوه ..
كما يندرج تحتها من باب الأولى :
الاحتفالات والأعياد الدنيوية الخاصة بفرد معين أو أشخاص محددين ، وهي ليست عامة في المجتمع ..



مثل : أعياد الميلاد الشخصية ، وأعياد الزواج ، ونحوها ..

وأستطيع بدايةً أن ألخص أقوال المعترضين على جواز الاحتفال بمثل هذه الاحتفالات عموماً ، وباليوم الوطني خصوصاً أنها تدور حول (( 5 )) أوجه :

1 / التشبه المحرم بالكفار ..
2 / الابتداع في الدين ..
3 / زيادة عيد للمسلمين ..
4 / مزاحمة الأعياد الشرعية والشرائع الدينية بالأعياد الدنيوية ..
55 / الأخطاء التي تحصل فيه وبسببه ..

وسأناقش كل واحدة من هذه المآخذ باختصار ، مستعيناً بالله :

1 / التشبه المحرم بالكفار /
وقال أصحاب هذا المأخذ بأن هذا الاحتفالات والأعياد الدنيوية لم تكن موجودةً عند المسلمين السابقين ، وأنها مما انتقل إلينا من عادات الكفار ، ولهذا فهم يحرمونها لأنها من التشبه المحرم بهم .

وفي الحقيقة أن هذا المأخذ في نظري ضعيف ..
ذلك أنه من المتقرر في الشريعة أنه ليس (( كل )) تشبه دنيوي بالكفار محرم ، بل منه ما هو جائز ..
فالتشبه الدنيوي المحرم بالكفار هو ما يكون مشابهة لشيء من خصائص هؤلاء الكفار ، بحيث يكون علامةً عليهم ..
أما مجرد التشابه الدنيوي بحد ذاته فليس مقتضياً للتحريم ..

ومن المعلوم ان الاحتفالات الدنيوية مثل اليوم الوطني او عيد الوطن الذي يقام في دول العالم المختلفة بذكرى الاستقلال او توحيد البلاد او نحوها أنها ليس من خصائص الكفار ، فكل دول العالم – الإسلامية وغير الإسلامية – تقيمه تقريباً ، ولم يعد مرتبطاً بالدين عند أحد ، وبذلك تسقط علة التشبه المحرم ..

ولو اعترض معترض على ذلك بأنه حتى وإن كان قد أصبح الاحتفال بهذا اليوم معموﻻً به في دول العالم كلها ، لكنه قد (( بدأ )) عند الكفار ، فيبقى الحكم على أصله وهو التحريم ..

فالجواب على هذا أنه قد نص العلماء في المسائل الدنيوية التي تحرم لعلة (( مشابهة الكفار )) أنه اذا تغير فيها الحال ، ولم تعد من خصائصهم فإنها ترجع إلى حكم الجواز ، ولذلك أمثلة كثيرة …
فمن الأمثلة الواضحة له ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح من النهي عن ركوب المَياثِر الحمر ، وهي قماش لين يوضع على الرحل للرجال ، ليكون جلوسهم ألين على الراحلة ، وكان كثيراً ما يصنع من الحرير ، وهو من مراكب العجم ..
قال أبو عبيد : (( الميثرة كَانَت من مراكب الْعَجم، أحسبها من حَرِير أَو ديباج، فجَاء النَّهْي عَنْهَا لذَلِك ))
ففيها سببان للنهي : الحرير ، والتشبه ..
فإذا لم تكن من حرير ، هل يجوز ركوبها وفيها تشبه بالكفار ؟؟
قال الحافظ العراقي في شرحه للحديث بعد أن ذكر عدة أقوال في سبب النهي : (( وقد يكون – يعني النهي – لمصلحة دينية، وهي ترك التشبه بعظماء الفرس ، لأنه كان شعارهم ذلك الوقت ، فلما لم يصر شعارا لهم ، وزال ذلك المعنى : زالت الكراهة ))
وتشبهها من المسائل القديمة مسألة حكم لبس
(( البُرْنُس )) وهو كل ثوب رأسه منه ، ملتصقٌ به ..
وكان هذا من لباس الرهبان – ولا يزال إلى اليوم يلبسه بعضهم –
قال ابن حجر : (( وقد كره بعض السلف لبس البرنس ، لأنه كان من لباس الرهبان ، وقد سئل مالك عنه فقال : لا بأس به .
قيل : فإنه من لبوس النصارى !
قال : كان يُلبس هاهنا ))
واستشكال هذا السائل يوضح لنا أصل المسألة بشكل واضح ، فالسائل لما أجابه الإمام مالك بأنه لا بأس به ، كأنه استحضر مسألة التشبه ، وأن هذا اللباس من لباس النصارى ، فكيف نشابههم والتشبه بالكفار محرم ؟؟
فأجابه الإمام :
إن مثل هذه المشابهة ليست محرمة ، لأن هذا اللباس – وإن كان يلبسه النصارى – فقد كان يلبسه العرب أيضاً ..
وبالتالي فهو ليس خاصاً بهم ، ولا إشكال في مشابهتهم فيه ..
ومما يؤكد قول مالك أن العرب والمسلمين قد لبسوه ، أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عد البرانس من منهيات الإحرام للمحرم .

هذان المثالان يوضحان أن فقه باب التشبه بالكفار يرجع إلى كونه علامةً عليهم ، فإذا زال ذلك ولم يكن علامةً وشعاراً لهم رجع حكمه إلى الجواز ..
ولهذا فهذا المأخذ غير صحيح في هذه المسألة ، ولا سبيل إلى القول بتحريم الاحتفالات والأعياد الدنيوية كاليوم الوطني لعلة مشابهة الكفار ..

2 / الابتداع في الدين /
وقال أصحاب هذا المأخذ أن النبي صلى الله عليه وسلم ، وصحابته من بعده لم يحتفلوا بفتوحاتهم وانتصاراتهم وما حققته دولتهم ، ولا احتفلوا بأمور دنياهم – على الرغم من كونها أعظم مما يحتفل به الناس اليوم – وهذا يدل على أن هذا الاحتفال خطأ وبدعة ، فطالما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته فليس في فعله خير ، وهو بدعة منكرة يجب اجتنابها ، فهو مما لم يكن عليه أمر القرون المفضلة ..

وفي نظري أن هذا أضعف المآخذ في هذه المسألة ..
ذلك أن الاحتفال الدنيوي – أياً كانت فكرته وسببه – ليس مما يدخل في البدعة أساساً ، إذ البدعة مختصةٌ بالعبادات ، ولا تدخل في أمور الدنيا – بكل تفاصيلها – طالما لم نقصد بها التقرب إلى الله ..
ويتفق الجميعُ – مؤيداً ومعارضاً – على أن هذا الاحتفال ليس عبادةً يُتقرب بها إلى الله ، وإنما هي من أبواب العادات الدنيوية لا أكثر ..
ومن يقول ببدعية مثل هذا الأمر الدنيوي سيضطر إلى تبديع وتحريم كل أمور الدنيا التي اعتادها الناس مما لم ترد به السنة ، وهذا خطأ كبير ..
وبالتالي فلا مجال هنا لتحريم هذا الاحتفال من خلال هذا المأخذ ..

3 / زيادة عيد للمسلمين :
وقال أصحاب هذا المأخذ أن العيد ((اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد )) ، وهو يشمل الأعياد الدينية والدنيوية ..
قالوا : وكلاهما – العيد الديني والدنيوي – محرم غير العيدين التي شرعها الإسلام ، ولا يجوز أن يتخذ المسلمون عيداً ، فهو مناقض لحديث : (( أبدلكم الله )) الذي قالوا إنه ينص على ترك المبدل به ..
وحديث الرجل الذي نذر في الجاهلية نذراً ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم هل يوفي بنذره ، فأمره أن يوفي به إن لم يكن فيه وثن من أوثان الجاهلية أو عيد من أعيادهم ..
قالوا : وأعياد الجاهلية تلك كانت أعياداً دنيوية ، ورغم ذلك نهى الشارع عنها ..
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ((مع أن ذلك العيد إنما كان يكون – والله أعلم – سوقا يتبايعون فيها ويلعبون، كما قالت له الأنصار: ” يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية ” لم تكن أعياد الجاهلية عبادة لهم ))
فاستدلوا بذلك على أن كل الأعياد – حتى الدنيوية منها – ما عدا عيدي المسلمين لا تجوز ..

وهذا المأخذ ينبغي تفكيكه إلى نقاط رئيسية ، حتى تتم مناقشته بشكل جيد :
( أ ) ما هو العيد الذي كان عند الأنصار في الجاهلية ؟؟
وما العيد الذي خشي النبي صلى الله عليه وسلم أن يُذبح النذر عنده ؟؟
( ب ) هل في هذه الأحاديث نص قاطع يمنع الاحتفال بالأعياد الدنيوية ؟؟؟
( ج ) هل منع الإسلام حقاً كل عيد دنيوي جاهلي ؟؟

( أ ) فأما حديث (( قد ابدلكم الله خيرا منهما )) فالظاهر منه أنه كان يتكلم عن أعياد دينية ، ﻻ عن مجرد أيام دنيوية يحتفلون فيها ..
ولذلك ذكر عدد كبير من شراح الحديث كابن حجر وغيره ان هذين العيدين هما النيروز والمهرجان (( وهما من أعياد المجوس )) ..
ولما شرح العلماء حديث (( إن لكل قوم عيدا )) نصوا على أن المقصود به لكل أصحاب (( دين وطائفة دينية )) ، وبالتالي فأحاديث العيدين أحاديثٌ تتكلم عن أعياد دينية عبادية تميّز المسلمين عن غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى ، ولهذا أبدلهم الله بها أعياداً خيراً من أعياد الجاهلية التي كانوا يلعبون فيها ..

واذا عدنا بعد ذلك لحديث الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن نذره في الجاهلية أن يذبح إبلاً في بوانة ، فسأله صلى الله عليه وسلم (( هل كان فيها وثن من اوثان الجاهلية أو عيد من أعيادهم ؟؟ )) فلما قال له : ﻻ ، امره ان يوفي بنذره ..
لو عدنا إلى هذا الحديث لوجدناه صريحاً بمنع النذر عند هذا المكان في حال ما لو كان فيه ما يشتبه أن يقدح في الدين والإيمان ..
كأن يكون فيه وثن سابق يُعبد ، أو مكان يعظمه المشركون ، ويخصصونه لاحتفالاتهم في الجاهلية وأعيادهم الدينية ..
وإلا فلن يكون هناك معنى لخشيته عليه الصلاة والسلام من أن يكون في بوانة عيدٌ دنيوي للمشركين لا شبهة لما يقدح في الدين والإيمان ، ولم يرد في نص من النصوص أن مجرد لعب المشركين في مكان ما سبب كافٍ لمنع الذبح فيه لله تعالى .. !
ولهذا فقد حمل العلماء حديث النذر على هذا المعنى ، فقال ابن قدامة رحمه الله في تعليقه على الحديث : (( فإن كان بها شيء مما ذكرنا ، لم يجز النذر ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : { هل كان بها وثن ، أو عيد من أعياد الجاهلية ؟ } .
وهذا يدل على أنه لو كان بها ذلك ، لمنعه من الوفاء بنذره
ولأن في هذا تعظيما لغير ما عظم الله ، يشبه تعظيم الكفار للأصنام ، فحرم ، كتعظيم الأصنام ))
وأشار ملا علي قاري إلى أن المعنى قد يرجع إلى منع التشبه المحرم بالكفار في مكان عيدهم الذي اختصوا به ..
وعلى المعنيين – التعظيم أو التشبه المحرم – لم يقل أحدٌ أن مجرد لعب أهل الجاهلية مانعٌ لأن يلعب المسلمون فيه ، لأن مجرد المشابهة في أمور الدنيا – دون محظور – جائزة ..
ولهذا المعنى صح أن امرأة أتت النبى -صلى الله عليه وسلم- فقالت : يا رسول الله إنى نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا (( مكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية )) . قال : « لصنم ؟؟ ». قالت : لا. قال : « لوثن ؟؟ ». قالت : لا. قال : « أوفي بنذرك ».
فالمرأة هنا أخبرت أن هذا المكان الذي نذرت أن تذبح فيه هو مكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية ، ورغم ذلك لما خلا المكان من المحذور أجاز لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تذبح فيه ..
ولو كانت مجرد المشابهة الدنيوية للمشركين في المكان أو الزمان سبباً للتحريم – كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله – لما جاز لها ذلك ، ولمنعها النبي صلى الله عليه وسلم من الذبح فيه ..

( ب ) وإذا افترضنا أن أعياد الجاهلية في تلك الأحاديث كانت كما ذكر شيخ الإسلام مجرد لعب (( فقط )) لا عبادة فيها – وهو ما لا دليل عليه – فهل أدلة الباب تنص على تحريمها ؟؟
في الواقع : لا نص صريحاً بهذا ..
فإنه لا يصح الاستدلال بمجرد استبدال العيدين على تحريم كل ما كان لعباً مثلها ، إذ ليس كل استبدال يتضمن ترك المبدل منه (( منعاً وتحريماً ))
فقد يتم الاستبدال بترك المستبدل به ، لكن تركه من باب التفضيل لا التحريم ..
ومن ذلك قوله تعالى (( .. أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير .. )) ، فإن بني إسرائيل استبدلوا البقول بالمن والسلوى ، وإنما قصدوا بذلك الاستبدال تفضيلها عليها ، لا أنهم يمنعون الرجوع إليها .. !
وكذلك حديث العيدين ، غاية ما في (( لفظه )) أن الله أبدلهم عيدين أفضل من عيديهم السابقين ،
وليس في لفظه ولا معناه منعُ المسلمين من هذين العيدين الجاهليين ولا النهي عنهما ..
وحديث النذر غاية ما فيه أنه نهى أن يذبح في مكان عيدٍ اعتادوا الذبح فيه لصنم ، أو اعتاد أهل الجاهلية تعظيمه ..
وكل هذه المعاني – كما هو ظاهر – ليست دليلاً كافياً لمنع كل احتفال دنيوي معتاد ..

( ج ) وإذا كان تقعيد شيخ الإسلام رحمه الله صحيحاً في أن هذه الأعياد الجاهلية المتروكة كانت مجرد (( سوق يتبايعون فيها ويلعبون )) ..
فهل لم يكن هناك فعلاً أعياد جاهلية (( بهذا المعنى )) أبقاها الإسلام وأقر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين عليها ؟؟

الجواب : لا .. بل كانت هناك أعيادٌ جاهلية بهذا المعنى ، وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده ..
فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم العرب على أسواق الجاهلية العظمى التي كانوا يقيمونها كل عام ..
فأسواق عكاظ ، ومجنة ، وذي المجاز أمرها منتشر عند العرب في الجاهلية ، ومشاركتهم فيها ، وحرصهم عليها متيقنة فيهم ..
وعلى الرغم من كونها عيدا يعتاده الناس – مكاناً وزماناً – كل عام
(( شبهة العيد ))
وكونها من أعياد وأيام الكفار
(( شبهة التشبه ))
وعلى الرغم من وجود الشرك والعبادات المحرمة فيها في الجاهلية
(( شبهة ما فيها من منكرات ))

رغم كل ذلك فقد أقر الإسلام العرب على هذه الأسواق واﻻحتفاﻻت ، مع تطهيرها من الشرك وبقايا الجاهلية …
وبقيت هذه الأسواق لأكثر من مائة عام بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، قبل ان يهجرها الناس في القرن الثاني الهجري ..
وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما ان عكاظ ومجنة وذا المجاز كانت أسواقا في الجاهلية فلما كان الإسلام كرهوا التجارة مع النسك فيها فأنزل الله (( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم .. ))
قرأ ابن عباس (( في مواسم الحج )) ، وكذا كانت في مصحفه ، وهي قراءة شاذة تفسيرية ..
وبوّب البخاري رحمه الله على هذا الأثر فقال :
(( باب الأسواق التي كانت في الجاهلية فتبايع الناس بها في الإسلام ))

وعلق عليه ابن بطال رحمه الله فقال :
(( وفيه أن مواضع المعاصي وأفعال الجاهلية ﻻ يمنع من فعل الطاعة فيها ))
وثبت أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم ليعلم الناس حجهم في عام 9 للهجرة ، قصد الى سوق ذي المجاز – وهو سوق قريب من المشاعر يقصده الحجاج منذ الجاهلية – ليخبر الناس بمناسكهم ويبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
كما اشترى عمر الفاروق موﻻه ( أسلم ) من سوق ذي المجاز عام 111 للهجرة لما حج بالناس في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وصح أن سائلاً سأل ابن عمر رضي الله عنهما في آخر عمره عن سوق ذي المجاز :
هل يقصرون الصلاة فيه أم ﻻ ؟؟
وهم يمكثون فيه 15 او 200 ليلة ..الخ ..

واستمر الناس في الإسلام يقصدون هذه الأسواق للبيع والشراء وإنشاد الأشعار ، والآثار في بقاء هذه الأسواق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين وهم خير القرون كثيرة ..
وإذا كان الإسلام لم يمنع الصحابة من إقامة هذه المناسبات والأعياد السنوية – رغم كل ما كان فيها في الجاهلية –
فغيرها يجوز من باب أولى ..

ولو كانت أعياد أهل المدينة في الجاهلية (( سوقاً ولعباً )) مثل هذه وتركها المسلمون ..
فلماذا أبقى النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذه الأعياد والأسواق الجاهلية ،
وهي أعظم وأشد انتشارا وتأثيرا ؟؟!!!

وإذا لم يثبت النهي عن الأعياد الدنيوية ، ولم يصح أن أعياد الصحابة المتروكة كانت دنيوية صرفة ، وثبت عندنا بقاء ما يشبه هذه الأعياد الدنيوية في زمن النبوة وإقرارها ..
فلا شك حينئذٍ أن الحكم بتخطئتها بناء على هذه القواعد التي لم تثبت في الأعياد خطأ يحتاج إلى إعادة النظر ..

4 / مزاحمة الأعياد الشرعية والشرائع الدينية بالأعياد الدنيوية /
قال أصحاب هذا المأخذ (( إن مزاحمة أعياد الإسلام – يعني بأعياد دنيوية أخرى – ينتج عنها من التهاون بالعيد المشروع ، واللامبالاة به ، ما يعني تضييع وخفوت شعائر الدين ))

وهذا المأخذ قائم على فكرة مزاحمة هذه الأعياد لشعائر الإسلام الثابتة فيه كالعيدين وغيرهما ، والتضييق على فكرة الأخوة الإسلامية والرابطة الإيمانية بمعاني الوطنية ونحوها ..
قالوا : وهذا ينتج عنه تهاون بهذه الشعائر المشروعة ، وتضييع لها ..

ويكفي في رد هذا المأخذ أن ننظر إلى الدول الإسلامية التي تحتفل بأعياد دنيوية مختلفة منذ سنين طويلة – وهي دول كثيرة – وما زال أهلها يعظمون الإسلام وشرائعه وأعياده ، وهي أعظم أعيادهم وأكثرها فرحاً وتفاعلاً عند عامة الناس فضلاً عن خاصتهم ..
والوطنية وما يشبهها شعور بالانتماء لبلد أو وطن معين ، وليس بالضرورة أن كل من كان عنده هذا الشعور ، أنه سيلغي عند الإنسان روابطه الإيمانية .. !
بل من الممكن أن يحتفظ بها جميعهاً سويةً ، إذ كل واحدة منها ترجع إلى جانب مختلف ..

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للصحابة : (( خياركم في الجاهلية ، خياركم في الإسلام إذا فقهوا ))
فهو هنا حافظ على سيادة الجاهلية وخيريتها التي كانت عند العرب ، لكنه استثمرها في مجال الخير (( إذا فقهوا )) ..
ولم تكن تنميته لهذا الجانب (( خيرية الجاهلية )) على حساب خيرية الإيمان والعمل الصالح في الإسلام ، إذ هي في الحقيقة تنمّي بعضها وتقوي بعضها ..
وكذلك كل المشاعر الدنيوية المختلفة كالوطنية وغيرها ، هي – من حيث الأصل – لا تنافي المعاني الإيمانية والدينية ..
ولهذا فالحفاظ عليها وتنميتها في الخير ليس خطأً ..
وهي مما يدعم الروابط الإيمانية والدينية بشكل كبير ، إذا ما تم استثمارها بطريقة صحيحة ..

وبالتالي فليس صحيحاً أن (( كل )) احتفال دنيوي سيزاحم ويضايق الشرائع الدينية والشعائر الإسلامية ، بل إن هناك من لا تحصل عنده هذه الأضرار ..
فتعليق الحكم بحصول هذه الأضرار أولى من تعليقه بالفعل نفسه ،
كما سأوضحه في النقطة التالية ..

5 / الأخطاء التي تحصل فيه وبسببه /
قال أًصحاب هذا المأخذ : إن هذه الاحتفالات والأعياد الدنيوية كثيراً ما تؤدي إلى اعتداءات على الناس والممتلكات ، مع تصرفات غير مسؤولة ، وأخطاء وذنوب كبيرة ..
وقد يصاحبها أحياناً نفاق اجتماعي أو سياسي ..
وكل هذ الأمور السيئة توجب منع هذه الاحتفالات ..

وهذا الاعتراض ببعض ما فيها من أخطاء أو منكرات أو تعظيم يلزم من يقول به أن يبيح هذه الاحتفالات في حال عدم وجودها ، لأنها ليست ﻻزمة فيها ، ويمكن ان تحصل من دونها كما هو واقع في كثير من الدول الإسلامية وغير الإسلامية …
وإذا كان كذلك :
فالواجب على المعترض أن يدعو إلى الفعل الصحيح دون الخطأ الذي يراه ..
ﻻ أن يحرم الفعل كله .. !!

ومعظم دول العالم التي تحتفل بهذه الأعياد الدنيوية اليوم ليس لديها التعظيم المبالغ فيه الذي نشاهده عند العرب ، وليس لديها الهمجية في الاحتفال ، ولا الأخطاء التي نشاهدها أيضاً ..

لذا :
فمن الخطأ أن يحكم الإنسان حكماً شرعياً قاطعاً من خلال صورة واحدة ، وتصور واحد فقط .. !

ومن خلال هذه المناقشة لمآخذ منع الاحتفال بالأعياد الدنيوية يتضح :
أن الأصل في حكم مثل هذه الاحتفالات والأعياد الدنيوية بكل صورها
– ومن ضمنها اليوم الوطني – الجواز ، وأنه لم يقم دليل صريح صحيح على منعها مطلقاً ..
فتبقى على أصل إباحتها ..

والله تعالى أعلم
وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه

حكم تهنئة المسيحيين بأعيادهم!!

 تهنئة المسيحيين بأعيادهم!!

بقلم: عصام تليمة

كل عام يطرح نفس الموضوع، ويظل كل صاحب رأي على رأيه، لكن تزداد حدة الموضوع عندما يكون هناك انقسام طائفي في أي بلد، ويتناسى من كانوا بالأمس يهنئون المسيحيين سواء من بعض فصائل التيار الإسلامي الذي كان يفعلها، أو من تيارات أخرى لكنها اقتربت بحكم السياسة، وكانت تحرم ثم اقتربت من ذلك بعد ثورة يناير، ومنهم من بقي على رأيه بالمنع. وكنت قد نشرت تغريدة على تويتر، بينت أن هناك نقلا عن شيخ الإسلام ابن تيمية يجيز ذلك، وسوف أتناول أولا الموقف الشرعي الذي أومن به، وتعلمته من أساتذتي، في قضية تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، ثم أعرج بموقف ابن تيمية من القضية.

بداية نوضح أننا نتكلم هنا عن غير مسلم ليس محاربا لنا، ودولته بيننا وبينها عهد وميثاق، حتى لو كانت كنيسته ورؤسائها ضدنا، فهو كمسيحي موقفه مختلف، هذا ما نتكلم عنه، عن مواطن يعيش بيننا، أو عن مواطنين في بلادهم غير مسلمين نحن نقيم في بلدانهم، أو حملنا جنسية بلادهم، ما حكم تهنئتهم بأعيادهم؟

موقفنا من تهنئة غير المسلمين بأعيادهم:

هذه قضية اختلف فيها قديما، واختلف فيها حديثا، بين من يحرم ومن يجيز، وإن كنا مع الفريق الذي يجيز ذلك، وهذا لاعتبارات عدة:

1ـ أن الإسلام فرق بين فريقين من غير المسلمين، بين المحارب، وبين المسالم، فقال عن المسالم: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) الممتحنة: 8، والبر: جماع لكل الخير، والقسط: أعلى درجات العدل. ومن البر: تهنئته بعيده، وفرحه، وتعزيته في أحزانه.

2ـ أجاز الإسلام للمسلم أن يتزوج بغير المسلم الكتابية، وهذه علاقة تقتضي علاقات أخرى في دائرة الأسرة، وقد قال القرآن الكريم عن هذه العلاقة: (لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) الروم: 21، فمطلوب مني: أن أود امرأتي غير المسلمة وأحبها، حتى لو عاشت معي إلى أن تموت غير مسلمة. وبناء على ذلك: فماذا سيفعل الزوج المسلم بزوجته يوم عيدها، وقد عادت من الكنيسة وصلت العيد، وعادت؟ هل مطلوب منها أن يقابلها بوجه عابس، مقطب الجبين، يلعن لها دينها الذي يقول: إن الله ثالث ثلاثة؟! هل من مقتضيات الرحمة والمودة في يوم عيدها أن يحرمها من فستان العيد؟ أو من (العيدية) المال الذي تنتظره كل زوجة في يوم العيد مثل الأطفال؟! أليس واجبا عليه النفقة في هذا اليوم وقبله وبعده؟ هل يأثم الزوج المسلم على مذهب من يحرم ذلك إذا قام بواجبه كزوج بشراء متطلبات العيد للزوجة في عيدها؟ أم أنه سيعتبر عيده كمسلم هو عيدها فقط؟! لو كان هذا الأمر مقصودا في الإسلام فهو إكراه على الدين، وقال تعالى: (لا إكراه في الدين) البقرة: 256.

3ـ وللزوجة أسرة من أبوين وإخوة، وهم أجداد أبنائك وأخوالهم وخالاتهم، من الزوجة غير المسلمة، فما المطلوب من أبنائك المسلمين، عندما يلقون أهل أمهم المسيحية يوم عيدهم؟ هل يقابلونهم باللعنات، أم بالتجاهل؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم للسيدة أسماء بنت أبي بكر الصديق، وكانت أمها مشركة، فقالت: يا رسول الله إن أمي تأتيني وهي راغبة (وهي على الشرك) أفأصلها؟ قال صلى الله عليه وسلم: صليها. وقال شراح الحديث: راغبة، أي راغبة عن الإسلام، وليست راغبة في الإسلام، وإلا فلن تسأله عن صلة أمها لو كانت ترغب في الإسلام، أم أن المسلم مطالب بمقاطعتهم في هذا اليوم؟!.

لماذا كانت حكمة الإسلام إذن من حله الزواج بالمسيحية واليهودية، ويكون لأبنائك أخوال غير مسلمين، إذا كانت العلاقة ستكون علاقة قطيعة؟!

4ـ مجموع الأدلة والنصوص التى أمرت بالاحسان إلى غير المسلمين المسالمين في القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، تشكل مبدأ كليا عاما لا يصح تخصيصه، أو تقييده بنص جزئي خاص، فضلا عن أن يخصص بقول لأحد العلماء قديما أو حديثا.

5ـ لا بد من إخراج المسألة من دائرة العقيدة التي يحكم فيها بالكفر والإيمان، فالصواب أنها من مسائل الفروع التى يحكم فيها بالحل أو الحرمة، وهي مسائل يجرى فيها الخلاف وأنه معتبر، ولا يجوز فيها الإنكار على من تبنى رأيا منها.

6ـ لو كانت تهنئتنا لهم بأعيادهم يعتبر نوعا من الرضا بعقيدتهم لكانت تهنئتهم لنا فى أعيادنا رضا منهم بعقيدتنا، ومعنى ذلك: أنهم صاروا مسلمين؟!!

7ـ قوة وحجية الاجتهاد الجماعى اليوم أهم وأولى من أقوال الفقهاء بصفتهم الفردية، وقد أصدرت هيئات علمية فتاوى تجيز التهنئة بأعياد غير المسلمين في الغرب وغيره، مثل: المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، وغيره.

موقف ابن تيمية:

أما ما ذكره ابن تيمية فقد أشار إليه الشيخ عبد الله بن بيه، ونقله عنه الدكتور خالد حنفي إشارة، وبحثت عنه فوجدته كالتالي: 

قال المرداوي الحنبلي: (وفى تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم روايتان. وأطلقهما فى (الهداية)، و(المذهب)، و(مسبوك الذهب)، و (المستوعب)، و(الخلاصة)، و(الكافى)، و(المغنى)، و(الشرح)، و(المحرر)، و(النظم)، و(شرح ابن منجى)؛ إحداهما، يحرم. وهو المذهب. صححه فى (التصحيح). وجزم به فى (الوجيز). وقدمه فى (الفروع). والرواية الثانية، لا يحرم، فيكره. وقدمه فى (الرعايتين)، و (الحاويين)، فى باب الجنائز، ولم يذكر رواية التحريم. وذكر فى (الرعايتين)، و(الحاويين) رواية بعدم الكراهة، فيباح. وجزم به ابن عبدوس فى (تذكرته). وعنه، يجوز لمصلحة راجحة، كرجاء إسلام. اختاره الشيخ تقى الدين) انظر: الإنصاف للمرداوي (4/234). ونقله غيره من الحنابلة عن ابن تيمية كذلك. وفي عبارة: (وعيادتهم) قال العلامة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود: والعيادة نظير المعايدة. انظر: الفتاوى لابن محمود ص: 551.

وقال ابن تيمية: (لا يجوز شهود أعياد النصارى واليهود، نص عليه أحمد في رواية مهنا. واحتج بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) الفرقان: 72، قال: الشعانين وأعيادهم، فأما ما يبيعون في الأسواق في أعيادهم فلا بأس بحضوره، نص عليه أحمد في رواية مهنا، وقال: إنما يمنعون أن يدخلوا عليهم بيعهم وكنائسهم، فأما ما يباع في الأسواق من المأكل فلا، وإن قصد إلى توفير ذلك وتحسينه لأجلهم). انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ص: 201. فنرى كلام ابن تيمية هنا عن شهود الأعياد، ودخول الكنائس، فليركز من يقرأ جيدا.

تأملات وتحليلات في موقف ابن تيمية والفقهاء:

وقد تبين من الأمر عدة أمور مهمة يجب التفكير فيها بإنصاف وحيدة، من خلال كلام ابن تيمية، والردود على كلامي عنه، ومن النقول التي ينقلها البعض في موضوع تهنئة غير المسلمين، ما يلي:

أولا: لم يرد نص صحيح صريح في جواز أو تحريم التهنئة للمسيحي بعيده. فكلا الطرفين يتسشهد بنصوص عامة، تقترب أو تبتعد عن الموضوع، كل بقدر قوة تنظيره وتدليله للموضوع، ومدى استيعابه للنصوص، وإسقاطها على الوقائع.

ثانيا: أن كثيرا منهم ليس ملما بفقه ابن تيمية، بل راحوا يعتمدون على جوجل، وربما على الموسوعة الشاملة، دون اطلاع كامل على تراث الرجل، وفهم خلفيات الفقه، والتباساته، فراح بعضهم يناظر وكأن من ينقل عن ابن تيمية وابن القيم جهلاء، وهم فقط العلماء به.

ثالثا: بعضهم راحوا يكذبون النقول، ويدافعون عن ابن تيمية، مما يعني أهمية الأمر بالنسبة لهم: أهمية ابن تيمية أكثر من النص، ولو ثبت لهم أن ابن تيمية قال ما نقل عنه بيقين، ستراهم يقولون لك بعد ذلك: ابن تيمية ليس حجة! وهو كلام صحيح، لكن متى يستدعى ابن تيمية بنصوصه، ومتى يترك كلامه؟ وما موقع ابن تيمية بنصوصه من نصوص الشرع؟ وما موقعه من غيره من الفقهاء الكبار، وما موقعه من مذهبه أصلا مذهب الإمام أحمد؟!!

رابعا: تظل النقول عن العلماء وجهة نظر وفقه مبنية على أمور مهمة مقدرة في وقتها، فقد بناها من بناها على أنها تعني الرضا باعتقاده، أو المشاركة، ومعلوم أن الحكم يدور مع علته وجودا وانتفاء، فعلة الحكم: الرضا بعقيدة المسيحي، وقد انتفت العلة، فهل يظل الحكم بالمنع مع انتفاء العلة؟!! هذا هو الواجب نقاشه.

خامسا: أراد البعض أن يصرف كلام ابن تيمية وغيره ممن يجيز، أنه قصد بذلك المناسبات الاجتماعية عند غير المسلم، مثل: الزواج، والولادة، والعودة من السفر، وعيادة المريض فقط، وسأنزل معهم للنقاش عند هذا الأمر، وهل هذه أمور اجتماعية لا علاقة لها بدين المسيحي؟! إن الزواج الذي أجاز الفقهاء أن تهنئه به، بالنسبة لك كمسلم زواج غير شرعي، والزواج عند المسيحيين سر كنسي، وأمر لاهوتي، ولا يتم إلا في الكنائس، وبصيغة دينية بحتة.

والولادة، التي أجاز الفقهاء تهنئتهم به، المولود بعد ولادته، يعمد في الكنيسة، ويدق له الصليب على يده، بتفاصيل معلومة للجميع. والسفر الذي يهنأ المسيحي بالعودة منه، قد يكون منه سفر ديني، كأن يقدس، بأن يسافر للقدس، ويحج حج المسيحيين، فكيف ستهنئه بعودته من سفر هو جزء من دينه، أو كان في زيارة لدير لمريم العذراء، وهو أمر يخالف دينك، والتعزية بالموت، جائزة عند عدد من الفقهاء، والموت كذلك له مراسم دينية، فليس مطلوبا منك الحضور، مطلوب منك التعزية، فمراسم التعميد للطفل، ومراسم الحج الديني للمسافر، ومراسم الموت ليس لنا حضورها، وكذلك العيد كقداس، لكن ما يتبع ذلك من أمور اجتماعية منفصلة تماما عن الاعتقاد، فهي مجال النقاش، وهو ما أجازه عدد من الفقهاء، لانفصالها في مخيالهم الفقهي. فكل عيد في كل الديانات فيه شق ديني، وفيه شق اجتماعي، حتى أعياد المسلمين، الشق الديني فقط فيه هو صلاة العيد، والشق الآخر من حيث التهنئة وإدخال السرور على الناس، هو شق اجتماعي، وهو ما علينا أن نفهمه ونفرق فيه بين ما يعتقده غير المسلم، وبين ما نشترك معه فيه من أمور إنسانية واجتماعية تنفصل تماما عن اعتقاده، وموقفنا من هذا الاعتقاد.

سادسا: هناك من يجمدون على كلام الفقهاء دون التأمل في خلفياته، وخلفية القول عندهم أنهم تكلموا عن شهود الأعياد، وهو حضور القداس في الكنيسة، وهو أمر ديني كما أشرت، لكن مشاركة المسيحي بالتهنئة هو أمر اجتماعي من العادات، وليس أمرا دينيا يخص دينه، فهو عندما تقول له: كل سنة وأنت طيب، أو أي صيغة تهنئة من باب عادات الناس، فهي لا تدخل في باب الرضا الديني، أو القناعة الدينية بدينه. وبعض خلفيات من فرقوا أو منعوا، بعضهم فقهاء نشأت نظرتهم نتيجة ممارسات لغير مسلمين في زمانهم، جعلت العلاقة متوترة، وهذه تحتاج لدراسة منفصلة عن نظرة الفقهاء لغير المسلمين، وفقه المواطنة، ولماذا كانت بهذا الشكل، وهل هي الأصل في العلاقة، أم أنها أمر طارئ لظرف طارئ؟!

الأربعاء، 29 ديسمبر 2021

💥حكم الجمعية او السلفة؟!

 

💥حكم الجمعية او السلفة
السؤال: شيخنا؛ مجموعة من الموظفين يقومون بعمل جمعية لزمن محدد يشترك كل واحد منهم بمبلغ محدد في رأس كل شهر، ثم يُدفع هذا المبلغ في كل شهر لواحد منهم وهكذا حتى يستلم كل واحد منهم مثل ما تسلّمه مَنْ قبله سواء بسواء ، فما حكم عمل هذه الجمعية ؟ وهل تدخل في قرض جر نفعا؟ بارك الله فيكم
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فقد اختلف العلماء في هذه المعاملة المالية على قولين :
👈القول الاول: انها جائزة ، بل ذهب بعض أهل العلم إلى القول بأنه مندوب إليها، لأنها من باب الارفاق والتعاون.
وقد أفتى بهذا القول من المتقدمين الإمام الحافظ الفقيه ولي الدين أبو زرعة العراقي الشافعي (ت 826ه )، ففي حاشيتي قليوبي وعميرة [2/321 ]: (فَرْعٌ: الْجُمُعَةُ الْمَشْهُورَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ بِأَنْ تَأْخُذَ امْرَأَةٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُنَّ قَدْرًا مُعَيَّنًا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ أَوْ شَهْرٍ وَتَدْفَعُهُ لِوَاحِدَةٍ بَعْدَ وَاحِدَةٍ، إلَى آخِرِهِنَّ جَائِزَةٌ كَمَا قَالَهُ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ).
وكذلك أفتى بهذا القول اغلب المجامع الفقهية والمجالس الإفتائية المعاصرة ، وأكثر العلماء المعاصرين ، منهم الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز والشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين وغيرهم من العلماء المعاصرين.
قال الشيخ العلاّمة ابن عثيمين – رحمه الله تعالى- في مجموع فتاويه : (أرى أن هذه الطريقة طريقة سليمة، أعني: أن يجتمعوا على أن يجعلوا لكل واحد خمسة آلاف ريال، أو ألف ريال، أو أقل، أو أكثر، يدور عليهم؛ لأن في ذلك تعاوناً وتكاتفاً، ربما يحتاج أحد المدرسين أو أحد الموظفين في هذا الشهر إلى عشرين ألف ريال مثلاً ولا يستطيعها، فيكون عليه الدور فيأخذها بالقرض، وليس هذا من باب القرض الذي جر نفعاً كما توهمه بعض الناس؛ لأن كل واحد من المقرضين لم يأته أكثر مما أقرض، أقرض ألفاً فرد إليه ألف.
وأما كون كل واحد قد علم أنه سوف يستقرض إذا أقرض فهذا لا بأس به، وهذا من العدل أن يكون كل واحد منا إذا أقرض اليوم استقرض هو غداً..).
👈القول الثاني :أنها محرمة، لا يجوز التعامل بها، وهي من باب كل قرض جر نفعا فهو ربا ، او من باب(اقرضني اقرضك ) ، فهي بهذا تدخل في باب المعاوضات المالية التي يقصد بها الربح والعوض والكسب .
وقد ذهب إلى هذا القول بعض من العلماء المعاصرين منهم الشيخ العلامة الدكتور صالح بن فوزان الفوزان، والشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ ، والشيخ محمد الحسن الددو وغيرهم من المعاصرين.
👈واُجيبَ عنهم: بان هذه المعاملة ليست من باب المعاوضات والتي يقصد بها الربح والزيادة ، وانما من باب التبرعات والمعاملات التي يقصد بها الاحسان والارفاق والمواساة والتعاون المشروع قال تعالى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } المائدة: من الآية 2.
والحديثُ المذكور رواه البيهقي في السنن الكبرى : ((كل قرض جر نفعا، فهو ربا )) ، فهو لا يصح رفعه للنبي –صلى الله عليه وسلم- بل هو موقوف على الصحابي اصح كما قرر ذلك اهل التحقيق من العلماء.
الحديث وإن كان سنده ضعيفا لا يصح مرفوعا إلا أنه صحيح المعنى، والمقصود به هنا هو النفع المشروط، او ما كان عادة الناس في سداد القرض ، وقد وردت شواهد بمعناه من أقوال الصحابة وافعالهم ، وذلك لأن القرض إنما يقصد به الإرفاق ودفع حاجة المقترض، فهو من عقود الارفاق والتبرعات وليس من عقود المعاوضات، وسبق وان فصّلت في معنى هذا الحديث في فتوى سابقة على الموقع فالتراجع .
وكذلك هذه المعاملة ليست من باب (أقرضني أقرضك) فهذه لا تجوز بالاتفاق ، لأنها قائمة على مسألة أسلفني وأسلفك، فالعميل مثلا يضع في حسابه مبلغاً من المال في البنك أي يقرض البنك على أن يقوم البنك بعد ذلك بإقراضه مبلغاً أكبر وهذا غير جائز.
👍المفتى به:
هو ما ذهب اليه أكثر أهل العلم من اصحاب القول الاول القائل بجواز هذه الجمعيات التعاونية ، وهي منشرة بشكل واسع في بلاد المسلمين، وهي من باب المواساة والمساعدة والارفاق بين المسلمين ، ولأن المنفعة التي تحصل للمقرِض فيها لا تنقص المقترض شيئاً من ماله ، وإنما يحصل المقترض على منفعةٍ مساويةٍ لها ، ولأن فيه مصلحة لهم جميعاً من غير ضرر على واحدٍ منهم أو زيادة نفع لآخر ، والشرع الحكيم لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها على أحدٍ بل ورد بمشروعيتها.
يقول الامام العز بن عبد السلام –رحمه الله تعالى- : (إن الشريعة كلها مصالح: إما درء مفاسد وإما جلب مصالح).[قواعد الأحكام:1/9].
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- : (إن الشريعة الإسلامية جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها). [منهاج السنة: 1/147].
وقال تلميذه الامام ابن القيم- رحمه الله تعالى- : (الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ومصالح كلها وحِكَم كلها).[إعلام الموقعين:3/1].
👈وأما ترتيب استلام السلفة فيرجع إلى ما يراه المشتركون في هذه الجمعية، قد يرون أن من الأفضل أن تكون قرعة بينهم او البدء بالأحوج فالأحوج ،او تُرتب على الحروف الهجائية في اللغة العربية وهكذا.. ولصاحب الدَوَر التنازل عن دوره في الاستلام لغيره مجانا بلا مقابل ، فلا يجوز بيع حقه في الاستلام، لعدم تملّكه للمبيع، فحق الدور ليس ملكا لصاحبه، وهو كذلك ليس عيناً أو منفعة، حتى يقع عليه بيع، بل هو حق مجرد؛ فإما أن يتم استخدامه من قبل صاحبه، أو يتنازل عنه لغيره دون مقابل. والله تعالى اعلم
✍د. ضياء الدين عبدالله الصالح

ما هي أوقات النهي عن الصلاة (بالتوقيت المعاصر)..؟!

 ما هي أوقات النهي عن الصلاة (بالتوقيت المعاصر)..؟!

الجواب:
أولا: أوقات النهي عن صلاة التطوع ثلاثة (بناء على الأحاديث الصحيحة):
١- من بعد صلاة الفجر إلى بعد شروق الشمس بربع ساعة
(بداية النهي من أداء صلاة الفجر وليس من بداية وقت الفجر)
و الحكمة: حتى لا نتشبه بالكفار الذين يسجدون للشمس عند شروقها.
٢- قبل وقت الظهر ب١٠ دقائق
(بداية النهي ١٠ دقائق قبل وقت الظهر وليس ١٠ دقائق قبل أداء صلاة الظهر)
والحكمة: لأن هذا وقت تسجير جهنم (والعياذ بالله)
٣- من بعد صلاة العصر حتى غروب الشمس
(بداية النهي من أداء صلاة العصر وليس من بداية وقت العصر)
والحكمة: حتى لا نتشبه بالكفار الذين يسجدون للشمس عند غروبها.
-------------
ثانيا: هذه الاوقات ينهى فيها عن صلاة التطوع، أما صلاة الفريضة أو قضاء الفريضة فتصلى حتى في أوقات النهي.
--------------
ثالثا: الراجح أن صلاة التطوع التي لها سبب يجوز صلاتها حتى في اوقات النهي، والممنوع فقط صلاة التطوع المطلق التي ليس لها سبب..
وهو مذهب (الشافعية) واختاره (ابن عثيمين).
--------------
رابعا: من أمثلة الصلوات التي لها سبب وتصلى في أوقات النهي:
ركعتا الطواف، وسنة الوضوء، وتحية المسجد، وركعتا التوبة، وصلاة الكسوف..
وكذلك سنة الظهر لو فاتت وأراد الشخص قضاؤها، وصلاة الاستخارة (لو الوقت لا يتسع لتأخيرها)..
وكذلك السنة التي اعتاد عليها الإنسان وانشغل عنها يجوز قضاؤها في وقت النهي على الراجح
وكذلك من صلى الفريضة وذهب إلى المسجد ووجدهم يصلون فيصلي معهم ولو كان وقت نهي..
-------------
الخلاصة: صلاة التطوع المطلق التي ليس لها سبب تصلى في كل وقت ما عدا أوقات النهي الثلاثة..
أما صلاة الفريضة وقضاء الفريضة وصلاة التطوع التي لها سبب تصلى في كل وقت حتى في أوقات النهي الثلاثة.

هل المرأة التي تخون زوجها شخصيتها ضعيفة؟ وما هي دوافعها عندما ترتكب الخيانة؟

 سيكولوجية المرأة الخائنة

د. جاسم المطوع
هل المرأة التي تخون زوجها شخصيتها ضعيفة؟ وما هي دوافعها عندما ترتكب الخيانة؟ وهل للقناعات الفكرية أو الصحبة السيئة أو ضعف التربية من أسباب الخيانة؟ أو يكون سبب خيانتها اهمال زوجها أو عندما تريد أن تنتقم منه؟ وهل المرأة هي التي تبادر بالخيانة أم خيانتها عبارة عن ردة فعل لخيانة زوجها؟ نحاول أن نجيب على هذه الأسئلة باختصار شديد بهذا المقال
إن دوافع الخيانة عند المرأة غير الرجل، فالمرأة ترتكب الزنا (الخيانة) بدافع العاطفة في الغالب بينما الرجل يرتكب الزنا (الخيانة) بدافع جنسي جسدي، والمرأة التي تخون زوجها شخصيتها قوية وليست ضعيفة لأن جريمة الزنا جريمة كبيرة وليس أي أحد يقدم عليها إلا أن يكون قوي الشخصية، مثل امرأة العزيز عندما خانت زوجها ملك مصر ودعت يوسف عليه السلام للزنا، لو لم تكن شخصيتها قوية لما أقدمت على هذا الفعل في بيتها، بالإضافة إلى أنها دعت النساء لمشاهدة جمال يوسف عليه السلام وقالت لهم هل تلوموني فيه؟ فمن قوة شخصيتها بررت فعلها السيء علانية وواجهت زوجها بالخيانة
ومن دوافع الزنا عند المرأة وجود قناعة عندها بأن لها الحرية الشخصية في بناء علاقات غير شرعية، أو أحيانا يكون الدافع عدم ضبط مشاعرها والتحكم بتفكيرها عندما يخطئ زوجها في حقها فتريد أن تعاقبه بخيانته، ولا تفكر أنها بهذه الحالة هي تعاقب نفسها وليس زوجها وتكون سببا في غضب الله عليها، أو يكون الدافع الصحبة السيئة المشجعة على فعل الحرام والزنا لخيانة الزوج، أو الدافع يكون التربية السيئة التي تلقتها أثناء طفولتها، بأن تكون قد نشأت في بيت كثر فيه الخيانات الزوجية أو مشاهدة أفلام ومسلسلات عن الخيانة الزوجية حتى صار الأمر عادي عندها،
تأمل حسن تربية مريم عليها السلام في التعامل مع الرجل الغريب عندما جاءها جبريل عليه السلام بصورة رجل قالت (إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا) فهذه هي التربية الإيمانية الصحيحة في مواجهة الرجل الذي يقترب من المرأة، وقد مرت علي حالات كثيرة قامت المرأة بخيانة زوجها انتقاما منه لأنها اكتشفت خيانته، فالمرأة تحب أن تشعر بحماية الرجل لها والدفاع عنها وتحب أن ترى غيرته عليها وتحب أن يحاورها ويسمعها، فإذا فقدت هذا كله بالإضافة لإهمالها جسديا وعاطفيا ورأت خيانته لها ففي بعض النساء يفقدون عقلهم بهذه الحالة ويرتكبون الزنا ولو كان مع عامل أو سائق، ولأهمية شعور المرأة بالغيرة والحماية نلاحظ بنت شعيب عليه السلام طلبت من أبوها أن يزوجها موسى عليه السلام لأنه وقف موقفا رجوليا بمساعدتها في سقيا الماء فقالت (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين)
فالزوجة إذا شعرت بالإهمال والملل من زوجها ولا تخاف الله فإنها تفكر بخيانته، ولهذا أمرنا الله تعالى بأن لا نعلق الزوجة فقال (فتذروها كالمعلقة) وأمرنا رسولنا الكريم بالإهتمام بالمرأة فقال (استوصوا بالنساء خيرا)، فالمرأة تعشق الرجل القوي ولهذا تلاحظ ربنا قال (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا) ثم لاحظ النتيجة (فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله)، فإن قام الرجل بدوره بالقوامة ومنها الحماية الأهتمام والرعاية صارت المرأة صالحة قانتة حافظة للغيب، والعكس صحيح لو أهملها عاطفيا وجسديا ونفسيا وكانت لا تخاف الله أو تعرفت على صحبة سيئة أو لم تتربى تربية جيدة فهنا يحصل الإنحراف السلوكي بجريمة الزنا أو أنها تتحرش بالشباب فتتعرف عليهم لتشبع حاجتها النفسية والعاطفية وحتى الجسدية