الأربعاء، 26 يوليو 2023

حوار مع أخي - هل التصوير حرام؟!

 ما زلت أذكر تلك الخصومات التي كانت تدور في مسجد الحي وتمتد بين المصلين على أبواب المسجد، وفي جلسات الزيارة بين رواد المساجد في حكم التصوير الشمسي (الفوتوغرافي)، وبالرغم من صعوبة الحسم في مجالس المجتهدين والمنظرين في مجال السنة النبوية من أصحاب الصنائع والمهن المختلفة مرورا بخريجي الجامعات في التخصصات غير الشرعية إلا أن الحسم بالتحريم كان يأتي على شكل مطوية يكثر فيها حشد النصوص دون تحليلها وفق منهج أصول الفقه في علم الدلالة، للحديث الصحيح الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري، «إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون، فيقال لهم أحيوا ما خلقتم» وقوله عليه الصلاة والسلام: «إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة»، والحديث الآخر في صحيح البخاري أيضا: عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون»، ومع أن تلك الفتاوى تتبنى التحريم لكنها كانت تستثني من التحريم الصورة الشخصية لجواز السفر، وكان الأولى أن يثبت التحريم ثم يبحث بعد ذلك عن الضرورة الشرعية، وجرت عادتي أنني أنقل هذه المناقشات للطلاب في قاعات المحاضرة لتحفيز عقولهم على التفكير العلمي والمناقشة في المسائل محل البحث، وذات يوم جرى هذا النقاش بيني وبين الطالب أحمد في قاعة المحاضرة.

وليد: ما حكم التصوير ؟

أحمد: حرام.

وليد: أين الدليل؟

أحمد: قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون» وهذا حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري.

وليد: نعم، الحديث صحيح، ولكن ما معنى صوَّر؟

أحمد: إعطاء الشكل، أو النقش على الأعيان، مثل التماثيل والأصنام وغيرها.

وليد: إذن الدلالة اللغوية لكلمة التصوير تعني إعطاء الشكل للشيء، وهي صنعة المصور لذلك جاء في الحديث الشريف تَحَدٍّ للمصورين بأن يقول الله تعالى لهم يوم القيامة: أحيوا ما خلقتم، لأنهم صوروا الأشكال وأعطوها للأشياء، كالتماثيل لذوات الروح من الحيوان والإنسان؟

أحمد: نعم هذا صحيح.

وليد: هل ينطبق ذلك على تصوير المصوِّر صورة شخصية لك للذكرى مع صديقك؟

أحمد: حرام هذا من التصوير المحرم، وينطبق عليه الحديث: «إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون».

وليد: حسنا يا أحمد، هل الذي التقط الصورة بالكاميرا هو الذي أعطى الشكل لك ولصديقك الذي يظهر في الصورة، أم ما يظهر في الصورة هي الخِلقة الإلهية التي خلقك الله تعالى عليها؟

أحمد: يظهر في الصورة الخِلقة التي خلقني الله عليها، ولكن النص واضح في تحريم التصوير ولا يجوز الاجتهاد بالرأي مع وضوح النص والحديث واضح، وكلمة “المصورون” في الحديث صريحة في تحريم كل تصوير، ولا بد من العمل بالحديث!

وليد: نحن متفقون على العمل بالحديث فهذا ديننا، ولكني أراك متمسكا باللفظ، دون المعنى اللغوي، وجعلت الأمر مرتبطا بكلمة التصوير حتى ولو خالف التصوير الشمسي في المعنى الاستعمالي المعاصر في وقتنا لمعنى التصوير في عهد النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان صناعة التماثيل والأصنام ونقش صورتها من المصورين، وجعلتَ تحريم التصوير متعلقا بكلمة “المصورون” في الحديث، دون التمييز بين المعنى اللغوي الذي جاء في النص النبوي، والمعنى الاستعمالي العرفي المختلف لكلمة تصوير!!!

أحمد: الحديث صريح.

وليد: إذا علقت حكم تحريم التصوير بلفظ التصوير، فما حكم تصوير المرضى بالأشعة والتصوير الطبقي وتصوير الكتب والورق، بناء على أن التحريم متعلق بكلمة التصوير مطلقا كما ذهبت إليه وتمسكت به، وهو أن العبرة باللفظ “المصورون” وليس بالمعنى اللغوي لكلمة التصوير التي استعملها النبي عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ وماذا ستقول لمصوري الأشعة في المستشفيات؟ لاحظ أن التحريم متعلق باللفظ كما زعمت!

أحمد: هذا جائز لضرورة العلاج!!! وتصوير الكتب لضرورة التعلم!!!!

وليد: مُمازحا ما حكم أخذ صورة أشعة جماعية لمجموعة من الأصدقاء من أجل الذكرى؟ هل الهياكل العظمية وإظهارها هو من التصوير بمعناه اللغوي عند العرب وفي استعمال النبي صلى الله عليه وسلم، الذي يعني النقش في العين وإعطائها شكلا بالنقش؟ أم هي خلقة الإنسان التي خلق الله الإنسان عليها؟ وهل المعنى اللغوي لكلمة تصوير يشتمل على التصوير الشمسي وتصوير الكتب والأشعة؟ وهل العلماء الأفاضل الذين قالوا بمنع التصوير الشمسي قالوا بأن تصوير الأشعة والكتب جائز للضرورة؟ أم أنك قَدَحتها من عندك الآن؟

أحمد: لكن والله الحديث واضح في تحريم التصوير، وكيف تناقش مفردة “المصورون” في الحديث.

وليد: هل هناك فرق بين المشتري الذي يدفع الثمن في البيع والمشترى الكوكب المعروف في المجموعة الشمسية؟ ولاحظ أن اللفظ واحد؟

أحمد: نعم، هناك فرق في المعنى.

وليد: ماذا نسمي الكلمة الواحدة إذا كان لها أكثر من من معنى؟

أحمد: المشترك اللفظي.

وليد: هل المصور للصورة الشمسية هو الذي ينقش الصورة ويشكلها، أم أن الصورة المنطبعة هي ذات الصورة التي خلقها الله تعالى، وأن الرجل المصور ربما لا يستطيع أن يرسم إصبعه فضلا عن أن يرسم خلقة الله التي خلق عليها الإنسان تماما، فالمصور حبس الصورة الموجودة أمامه على الفلم بوسيلة تقنية، ثم طبعها على الورق، ألا يختلف ذلك عن تصوير الله تعالى الناس في أرحام أمهاتهم: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) سورة آل عمران الآية: (6)، فالله تعالى يهب الصورة ويصورها، وأن النحات الذي ينحت التماثيل هو الذي يشكل الصورة ويعطيها، فهو هنا يشابه بخلق الله تعالى، لذلك يقال للمصورين يوم القيامة: أحيوا ما خلقتم، ذلك لأنهم ينازعون الله تعالى صفة من صفاته، وهي أنه هو سبحانه المصور أي الذي يصورها للإنسان، أما في التصوير الشمسي فالمصور لا يمنح الصورة أبدا، فما يفعله هو تثبيت الخلقة الإلهية التي خلق الله الناس عليها على الفلم، ومن ثَم لا يتحقق المعنى اللغوي والعرف الشرعي لكلمة المصورون في الحديث الشريف على التصوير الشمسي، وتصبح كلمة التصوير الشمسي هنا مشتركا لفظيا مثل المشترى الذي يدفع المال في البيع، والمشتري كوكبا في المجموعة الشمسية، والأحكام الشرعية تتعلق بالمعاني لا بالألفاظ والمباني، وبالمسمَّيات لا بالأسماء.

أحمد: هل العلماء الذي أفتوا بالتحريم لا يعلمون؟.

وليد: بالتأكيد يعلمون ولهم احترامهم وتقديرهم، ولكن أرجو أن تأخذ حديثنا اليوم على أنه تدريب على الحوار العلمي، ومنهجية البحث، مع العلم أن كثيرا من العلماء الأفاضل الذين يحرمون التصوير يظهرون على شاشات المِشواف (التلفاز)، وهل المشواف (التلفاز)، إلا تصوير صور كثيرة بحيث لا تلحظ العين انفصالها، فهل يعقل أن الصورة الواحدة حرام، أما إذا كثرت بحيث لا تلحظ العين انفصالها تصبح حلالا؟!!.

أحمد: الأمر واضح، ولكن نحتاج إلى أن نناقش فيه أكثر حتى نتعلم ونستفيد.

وليد: أتمنى لك التوفيق، وهنا يتضح لنا أهمية المعالجة الأصولية في ضوء علم الدلالات للكشف عن مراد الله تعالى في كتابه.

ملاحظة: لا تعد هذه المحاورة كافية لإبداء الحكم الشرعي في التصوير، بل ركزت على معالجة إشكالية في الاستدلال وهي حمل ألفاظ الشرع على معاني مختلفة عن المعنى الشرعي واللغوي الذي ارتبط به الحكم الشرعي، بسبب الاشتراك اللفظي بين المفردة في النص الشرعي والاستعمال العرفي المتأخر عن عهد الرسالة.

د. وليد شاويش

حوار مع أخي - هل تارك الصلاة تكاسلا كافر، أم مسلم من أصحاب الكبائر

  اتفق علماء المسلمين على أن من ترك الصلاة جاحدا لوجوبها أنه كافر خارج من ملة الإسلام، بشرط أن تتحقق شروط الحكم وانتفاء الموانع، وأن الأمر لذوي الاختصاص في ذلك، أمّا إن تركها متكاسلا مسلم من أصحاب الكبائر ، وتوضيحا لهذا الأمر، جرى الحوار الآتي، بين وليد وخالد:

ولــيـــد: اتفق العلماء على أن تارك الصلاة جحودا لفرضيتها، أنه خارج من ملة الإسلام، وأن هذا الحكم بالكفر على المعين يكون لذوي الاختصاص إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع، فما حكم تارك الصلاة متكاسلا عنها مع الإقرار بوجوبها؟

خـالـد: بل كافر بنص حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة من تركها فقد كفر)، وحديثُ جابرٍ رضي الله عنه: أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنّ بينَ الرجلِ وبينَ الشركِ والكفرِ تركَ الصلاة) أخرجه مسلم، والله تعالى يقول: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) سورة الحجرات، الآية (1)، ويجب الرجوع إلى الكتاب والسنة، فهذه أحاديث صحيحة وإن صح الحديث فهو مذهبي كما قال الإمام الشافعي.

وليد:  هذا نقل صحيح، وأظن أن الرجوع للكتاب والسنة أمر مسلّم عند المسلمين، وليس فيه خصوصية لأحد منهم، ولكن العبرة هي بفهم السُّنة على وفق قواعد الاجتهاد، أليس كذلك؟

خـالـد: نعم، ولكن كلمة “كفر” الحديث واضحة كالشمس، وهل هناك أوضح من كلمة “كفر”كما وردت في الحديث؟

ولــيـــد: أنت تعتقد يا أخ خالد أن كلمة كافر قطعية وواضحة في أنه كافر خارج من ملة الإسلام؟ ولكن هل يمكن ولو من باب الاحتمال أن تستعمل كلمة كافر بمعنى كُفر النعمة لا كُفر الملّة، وأن تارك الصلاة تكاسلا مسلم جاحد لنعمة الله عليه بترك الصلاة، وهو بذلك كافر كفران نعمة لا خارج من الإسلام، كغيره من أصحاب المعاصي؟

خـالـد: الأصل أن تحمل ألفاظ الشرع على ظاهرها، وحيث وردت كلمة الكفر، فهي كفر الاعتقاد، يعني غير مسلم أصلا، أما حَـمْلها على كفر النعمة، فهو معنى محتمل ولكنه مرجوح، لأن ألفاظ الشرع تحمل على الظاهر، والظاهر هو كفر الملة، يعني الخروج من الإسلام.

ولــيـــد: ما رأيك أن ننطلق في حوارنا من أن كلمة “كفر” في الحديث هي كفر ملة على الأرجح، وأنها بمعنى كفر النعمة معنى مرجوحا محتملا احتمالا ضعيفا، وسنعتبر أن الأصل هو الظاهر حتى يأتي دليل يصرف الظاهر إلى المعنى المرجوح بدليل، وهو ما يعرف بالتأويل: أي صرف اللفظ عن ظاهره بدليل.

خـالـد: هذا صحيح، وأتفق معك.

ولــيـــد: ماذا تقول في الحديث الصحيح عن عبادةَ بنِ الصامتِ -رضي الله عنه: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-يقول: (خمسُ صلواتٍ كتبَهنّ الله عزَّ وجلَّ على العباد، فمَن جاءَ بهنّ لـم يُضَيِّـعْ منهنّ شيئاً استخفافاً بحَقِهنّ؛ كان له عندَ الله عهدٌ أن يُدخلَه الجنة. ومَن لم يأتِ بهنّ، فليسَ له عندَ الله عهدٌ؛ إن شاءَ عذَّبَه، وإن شاء أدخلَه الجنة)، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم: “ومن لم يأت بهن”، أي لم يصل بتاتا، فإنه يكون تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء عذبه الله تعالى، فهذا بعدله، كما يعذب عصاة المسلمين، وإن شاء غفر الله له تعالى وأدخله الجنة، وهل الكافر كُفرَ مِلّة، الخارج من مِلّة الإسلام يدخل الجنة؟!

خـالـد:لا يدخل الكافر الجنة، ولكن هناك من العلماء الأجِلاء من قال بكفر تارك الصلاة ولو تكاسلا!

ولــيـــد: ماذا لو أنني أنا وأنت عُرضنا على الله تعالى يوم القيامة، فسئلت أنت لماذا تقول بكفر تارك الصلاة كفر ملة، فقلت قال فلان، وقيل لك ما تقول في حديث عبادة السابق، أيهما ينجيك عند الله قول العالم المصادم لكلام النبي -صلى الله عليه وسلم أم السُّنة؟ أيهما أقوى؟ حجتي أنا بحديث عبادة السابق، أم حجتك بأقوال بعض العلماء، لاسيما أن علماء أهل السنة في المذاهب الأربعة يقولون  بأن مجرد ترك الصلاة تكاسلا لا يكون مكفرا؟ يعني مذاهب أهل السنة الأربعة تقول مسلم.

خـالـد: بل حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- أنـــْجَى من أقوال العلماء إذا خالف قولهم-على فرض وقوعه- كلام النبي -صلى الله عليه وسلم، ولكن: ألا يمكن تأويل حديث عبادة السابق، بأن الرجل صلّى الصلوات، ولكنه لم يأت بهن على وجه الكمال، بل كان مقصرا في الأداء.

ولــيـــد: اتفقنا على أنه لا يجوز صرف النص عن ظاهره إلا بدليل، وأنت هنا تصرف النص عن ظاهره بغير دليل، فأردتَ أن تصرف النص عن تارك الصلاة كليا إلى ترك كمالها، وتقدر  محذوفا وهو على وجه الكمال، والأصل حَمْل اللفظ على الحقيقة، ولا يصرف للمجاز (كمال الصلاة) إلا إذا تعذرت الحقيقة (ترك الصلاة كليا)، والحقيقة ممكنة، وهي أنه لا يصلي بتاتا، أمَّا أنه يصلي ولا يحسن الصلاة فهذا تحكُّم في النص الشرعي بغير دليل، ولو كان ذلك صحيحا فأولى لك أن تعتبر “كَفر” في حديث (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة من تركها فقد كفر) على أنه كفر نعمة فأنت مرة تأخذ بالظاهر، ومرة تصرف عن الظاهر بغير دليل!

خـالـد: ولكن في القلب شيء، وهذا ما أعرفه أن تارك الصلاة كافر، والحديث يعرفه كل الناس وهو أمر شائع، والناس لا يعرفون حديث عبادة، فهل من أدلة أخرى يمكن أن تؤيد بها دعوى أن تارك الصلاة تكاسلا مسلم لا كافر.

ولــيـــد: أيضا مما يدل على أن تارك الصلاة تكاسلا مسلم من أهل الكبائر لا كافر كفر ملة، حديثُ الشّفاعةِ في صحيح مسلم عن أبي سَعيـدٍ الخُـدْريِّ -رضي الله عنه- عن النبيِّ  -صلى الله عليه وسلم- قال: (فوالذي نفسي بيدِه، ما منكم من أحدٍ بأشدَّ مناشدةً لله في استقصاءِ الحقِّ منَ المؤمنين لله يومَ القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربَّنا كانوا يصومون معنا ويُصَلُّون ويَـحُجُّون، فيُقال لهم: أخرجوا مَن عَرَفتُم، فتُحَرَّم صورُهم على النار، فيُخرِجون خَلقاً كثيراً قد أخذَتِ النارُ إلى نصفِ ساقَيه وإلى ركبتَيه.

…  ثمّ يقولون: ربَّنا لم نَذَرْ فيها خَيْراً … فيقول الله عزَّ وجلّ: شَفَعتِ الملائكةُ، وشَفَعَ النبيُّون، وشَفَعَ المؤمنون، ولم يَبْقَ إلّا أرحمُ الراحمين، فيَـقْبضُ قَبضةً منَ النار، فيُخرجُ منها قوماً لم يعملوا خيراً قَطُّ قد عادوا حُمَماً (فَحما) ، فيُلقِيهم في نَـهَر في أفواه الجنةِ يُقال له: نَـهَرُ الحياة، فيَخْرُجون كما تَخْرجُ الحِبّـةُ (البذرة) في حَميل السَّيل(ما يحمله السيل من الطين وغيره)… قال: فيَخرُجون كاللُّؤْلؤ في رقابهم الخواتم، يَعْرفُهم أهلُ الجنة، هؤلاء عُتَقاءُ الله الذين أدخلَهم الله الجنةَ بغير عَمَلٍ عَمِلوه، ولا خَيرٍ قَدَّموه) فالحديث أثبت أن قوما لم يعملوا عملا صالحا بجوراحهم من صلاة وزكاة وصيام، والحديث يثبت لِمن لم يصلِّ قط أنه يدخل الجنة، والجنة لا تكون إلا للمسلمين بإجماع، وأن الذين ماتوا على الكفر لا يدخلونها، وقولك يا أخ خالد أنهم أدَّوْها غير كاملة، يرد حديث عبادة وأبي سعيد الخدري –رضي الله عنهما- السابق ذكرهما، وهذا والاجتهاد ولو كان من المجتهد لا يجوز اعتقاده والعمل به لأنه مصادم لصريح السنة.

خـالـد: واضح من الحديث أنه يثبت إسلام تارك الصلاة، ومن ترك الأعمال الصالحة فإن أصل الإيمان صحيح ولو لم يعمل بالجوارح.

ولــيـــد: لكن لاحظ أن تارك الصلاة مستحق للعقاب، وأننا لا نناقش في عقوبته العظيمة عند الله تعالى، ولكننا نناقش في إسلامه وعدمه، وأزيدك حديثا آخر أخرجه الترمذي وحسنة وهو: عن عَمْرِو بْنِ العَاصِ-رضي الله عنه،: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لاَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟  َيَقُولُ: لاَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لاَ ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلاَّتِ، فَقَالَ: إِنَّكَ لاَ تُظْلَمُ، قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلاَّتُ فِي كَفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلاَّتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ، فَلاَ يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللهِ شَيْءٌ.)

وهذا الحديث أخي خالد تظهر فيه قيمة الإيمان بالله تعالى، ولا يقلل ذلك من قيمة الصلاة، فعلينا أن ندرك قيمة هذا الإيمان الذي هو سبب السعادة في الدنيا، والنجاة في الآخرة، وهذه أدلة أهل السنة والجماعة في الوعد والرجاء في إسلام العصاة وأصحاب الكبائر، وأنهم تحت المشيئة، وليس كما غالى الخوارج في تكفير أهل الملة بالذنوب والكبائر، وضيعوا أحاديث الوعد بالمغفرة والشفاعة، وأيضا أثبت أهل السنة الوعيد بالعذاب لأصحاب الكبائر مع إسلامهم، خلافا للمرجئة الذي أخرجوا الأعمال من الإيمان مطلقا، وضيعوا العمل، وأحاديث الوعيد بالعذاب، أما أهل السنة والجماعة فقد أثبتوا الوعد والوعيد معا.

خـالـد: إذا كانت هذه الأحاديث بهذا الوضوح، فلم هذا التفشي والانتشار للقول بكفر تارك الصلاة تكاسلا؟

ولــيـــد: وذلك بسبب غيبة مذاهب أهل السنة المتبوعة وهي المذهب الأربعة، والضعف في المنهجية الأصولية في الجمع بين الأدلة، وإباحة النصوص الشرعية لغير المؤهلين شرعا للنظر، فتراهم يأخذون بحديث التكفير ولا يستطيعون الجمع بين الأدلة، وهذا هو سبب كثير من الخلاف وظهورِ الفِرق، فتجد أن كل فئة تأخذ دليلا وتترك آخر، فالخوارج أخذوا بظواهر الأحديث التي ظاهر الكفر بالذنب وهجروا أحاديث الوعد بالمغفرة، والمرجئة أخذوا بظواهر أحاديث العفو والمغفرة، وضيعوا العمل الصالح ولم يجعلوه من الإيمان، فالسبب ليس من اختلاف الأدلة، بل السبب هو منح وكالة عامة للعوام للنظر في الأدلة، وقيل لهم خذوا من الكتاب والسنة مباشرة، وهذه هي النتيجة الكارثية التي وقعنا فيها.

خـالـد: إذا كانت مذاهب أهل السنة المتبوعة قالت بعدم كفر تارك الصلاة تكاسلا، وأنت تقول إن هذا هو مذهب المجتهدين، أليس مذهب الإمام أحمد هو كفر تارك الصلاة تكاسلا، وهو من أئمة الاجتهاد؟

ولــيـــد: سؤالك هذا وجيه جدا، ولو لم تسأله لطرحتُه على بساط الحوار، ذلك لأن الإمام أحمد عنه رواية أن تارك الصلاة لا يكفر مطلقا، ورجحها بعض السادة الحنابلة، والرواية الأخرى أنه تارك الصلاة يحكم بكفره، إذا عرف بأنه لا يصلي، ثم استدعاه الحاكم وحبسه وأمره بالصلاة وهدده بالسيف، فإن أبى فهو كافر ويطبق عليه حد الكفر، وبناء عليه لا بد أن تُبيـَّن القيود التي قيد بها الإمام أحمد كفر تارك الصلاة.

 ومن الجهل نقل مذهب أحمد في كفر تارك الصلاة مطلقا، بل لا بد من نقله مقيدا بالقيود المذكورة في المذهب، وهو أن يعرف بعدم الصلاة، وأن يحبسه الإمام فإن عرضه على السيف فأبى الصلاة فهو كافر، وملحظ الإمام أحمد جدير بالتقدير والاهتمام، فما ظنك بمن يفضل السيف والموت على الصلاة، وهل ينطبق قول الإمام أحمد على الغافلين من أهل الكبائر اليوم، في وقت أصبحت الصلاة تهمة في بعض بلاد المسلمين، أليس هذا تنزيل لكلام الإمام أحمد في غير محله؟ إن من الأمانة العلمية مع سلفنا الصالح أن يبين كلام الإمام أحمد للناس بقيوده.

خـالـد: هل هناك أحاديث أخرى يمكن أن تؤيد مذهب جماهير العلماء في عدم كفر تارك الصلاة تكاسلا؟

ولــيـــد: وماذا تقول يا أخ خالد في الحديث الذي يرويه البخاري في صحيحه عن أنس -رضي الله عنه- في حديث الشفاعة: …. فيقول [الله تعالى]: يا محمد ارفعْ رأسك، وقُلْ يُسمع لك، وسَلْ تُعْطَ، واشفَعْ تُشَفَّع، فأقول: يا ربِّ أمتي أمتي، فيقول: انْطَلِق فأَخْرِجْ مَن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقالِ حَبةِ خَرْدل من إيمان، فأَخْرِجْه منَ النار، فأَنْطلِقُ فأَفْعَل. ثمّ أعودُ الرابعةَ فأحمَدُه بتلك المحامد، ثمّ أخرُّ له ساجداً، فيُقال: يا محمد ارفَعْ رأسَك، وقُلْ يُسمع، وسَلْ تُعْطَه، واشفَعْ تُشفع، فأقول: يا ربِّ ائذن لي فيمَن قال: لا إله إلا الله، فيقول: وعِزّتي وجلالي، وكبريائي وعَظَمتي لأُخْرِجَنّ منها مَن قال لا إله إلا الله).

خـالـد: أعيد وأكرر: كلمة الكفر في الحديث جعلتني أحمِل الأمر على الظاهر، وقد رسخت في ذهني.

ولــيـــد:  قد وردت كلمة الكفر في العديد من الأفعال، غير تَـرْك الصلاة فلِم اعتبرتها كُفرَ ملة وخروج من الإسلام، كما فعلت بالصلاة، فهذا يعني أنك تتحكم في الأدلة وليست الأدلة والمنهج العلمي هما اللذان يتحكمان بك؟

خـالـد:  أي نصوص في الكفر وأنا لم أطبق عليها المنهج نفسه؟!

ولــيـــد: هناك العديد من الأحاديث النبوية لم تطبق عليها ما طبقته على الحديث في كفر تارك الصلاة، مثل: قوله -صلى الله عليه وسلم-   (لا تَـرْغبوا عن آبائكم، فمَن رَغِبَ عن أبيه فهو كُفْر) وقوله -صلى الله عليه وسلم- في صحيح البخاري أيضا: (سِباب المسلم فُسوق، وقتالُه كُفر)، وفي صحيح مسلم: (اثنتان في الناس هما بهم كُفْرٌ: الطَّعن في النَّسب، والنياحة على الميّت)،

 فلماذا تحمِل كلمة الكفر في الحديث: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة من تركها فقد كفر)، على كفر الملّة، وتحمل كلمة الكفر في الأحاديث السابقة على كفر النعمة، لا على كفر الملة، ألا تشعر أن هذا تحكُّم منك في الأدلة بغير منهج؟!! فإن كانت المسألة هي شعورك بالخوف من كلمة الكفر وأنها هي كفر الملة في حديث ترك الصلاة، لماذا لا تشعر بالشعور نفسه هنا، فلماذا لم تكفر من قاتل المسلم  في الحديث: (سِباب المسلم فُسوق، وقتالُه كُفر)؟

خـالـد: لأن هناك دليلا آخر يثبت أنه يمكن أن يتقاتل المسلِمان، وهو قوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) الحجرات: 9.

ولــيـــد: إذن الحديث أثبت كفرا والآية أثبتت الإيمان، والصحيح حَمْل كلمة “الكفر” في الحديث على كفر النعمة ليتفق مع الآية، ولأن مراد الله تعالى يظهر بمجموع الأدلة لا دليل واحد، وإلا نكون ضربنا كتاب الله بعضه ببعض والسنة بعضها ببعض، فما فعلته يا أخ خالد في حديث: «سِباب المسلم فُسوق، وقتالُه كُفر» وأولت الكفر بكفر النعمة ليتفق مع الآية، فأول كلمة “كفر” حديث(العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة من تركها فقد كفر)، على أنه كفر النعمة ليتفق مع حديث عبادة وأبي سعيد وبقية الأحاديث الأخرى التي أثبتت الإسلام وأصل الإيمان للمسلم الذي لم يعمل صالحا من صلاة وزكاة وغيرها، مع العلم أن الأعمال الظاهر كالصلاة والزكاة … من الإيمان، ولكن ليس من أصله بحيث لو زال العمل زال الإيمان، فالعمل مصدق للإيمان.

خـالـد: يتضح لي الآن أن منهج المجتهدين هو الجمع بين الأدلة، وليس القولَ بدليل وهَجرَ دليل آخر، ولا بد من استقصاء الأدلة في الموضوع، فيمكن أن يحشد الإنسان الأدلة ويحفظها عن ظهر قلب، لكنه لا يعرف كيف يجمع بينها ويفهمها على الوجه الصحيح، فيظن أن الأدلة متضاربة، ولكن التضارب في الحقيقة في رأس الإنسان غير المؤهل للتعامل مع الأدلة، ولا يفقه الجمْع بين الأدلة، ولكنه يقتحم ساحتها بدعوى التقوى، وأنه يريد أن يأخذ العلم من مصادره، فإذا به يهوي إلى دَرَك الجهل، وتختلط عليه الأمور، ولكن بقيت هناك أدلة على كفر تارك الصلاة، تحتاج نظرا وتوضيحا.

ولــيـــد: هاتـِها.

خـالـد: قال تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ)مريم: 59، وقال تعالى: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) سورة الروم: 31، فضياع الصلاة مقرون بالشرك، والشرك كفر.

ولــيـــد: إن الآية في إضاعة الصلاة لم تُثبِت كفرا ولا إيمانا، وهي في غير محل البحث وهو الكفر والإيمان.

خـالـد (مقاطعا): وماذا تقول في قوله تعالى: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) سورة الروم: 31، هذه واضحة في أن تارك الصلاة من المشركين بناء على المفهوم منها.

ولــيـــد: ما قلناه في كلمة “كفر” في الحديث (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة من تركها فقد كفر)، سنقوله في قوله تعالى (وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، لأننا نتعامل مع منهج أصولي في الاجتهاد، وهو منهج علمي نحن نَسِير عليه ولا نُسَـيِّره، وهذا الذي جعل الفقه الإسلامي علما من العلوم المنضبطة، بسبب المنهج الأصولي البعيد عن ذات الباحث وشخصه.

خـالـد: واضح ولكن علامَ ستحمل كلمة “المشركين”؟

ولــيـــد: ألم يقل النبي -صلى الله عليه وسلم: «مَن حَلَفَ بغَيـر الله فقدْ أشرَك» وحسنه الترمذي، فهل مَن حلف بغير الله يصبح كافرا خارجا من ملة الإسلام؟!

خـالـد: لا، وهو مسلم.

ولــيـــد: لماذا قلت هنا مسلم، وفي قوله تعالى: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، قلت: بناء على الآية فهو مشرك بمعنى خارج من الملة، أليس هذا تحكُّم منك بلا دليل، وأنك وقعت في ذات الخطأ الذي وقعت فيه في معنى الكفر في الحديث (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة من تركها فقد كفر)، وها أنت لُدِغت من جُحْر مرتين!

خـالـد: ولكن ماذا أفادت كلمة مشركين في الآية؟ وهل في كتاب الله تعالى حشو بلا معنى؟!

ولــيـــد: قطعا أفادت كلمة “المشركين” معنى، ولا حشو في كتاب الله تعالى قطْعا، ولكن معنى الشرك هنا، أن تارك الصلاة بتركه الصلاة، يشبه أفعال المشركين الذين لا يصلُّون، وكذلك كلمة كفر حيث وردت في الأحاديث السابقة، فقتال المسلم لأخيه، والنياحة، وادعاء نسب غير نسبه فهذه أفعال تشبه أفعال الكافرين، وذلك جمعا مع الأدلة التي أثبتت الإسلام لمن ترك العمل كالصلاة والزكاة وغيرها.

خـالـد: هذا جمع رائع للأدلة وتظهر معا وكأنها لوحة جميلة، بعد أن كانت صورا مبعثر، فالمنهج الأصولي يجمع هذه الصورة المختلفة في صورة واحد إطارها جميل، هو إطار أهل السنة.

ولــيـــد: لا تنسَ أن العلماء أجمعوا على أن ترك الزكاة وسائر الأعمال الصالحة ليس كفرا مخرجا من الملة،  ويمكن أن تقاس الصلاة على الزكاة والصيام والحج، فكما أن تارك الزكاة والصيام والحج لا يكفر بإجماع، فمقتضى القياس أن تارك الصلاة تكاسلا لا يكفر استنادا إلى الإجماع.

خـالـد: فإن كانت الأدلة من الكتاب والسنة والقياس المستند للإجماع، فمن أين جاء تكفير تارك الصلاة تكاسلا؟!

ولــيـــد: سأزيدك دليلا آخر.

خـالـد: ما هو؟

ولــيـــد: هل الذي حكمت بكفره بترك الصلاة تكاسلا ثبت إسلامه يقينا بالشهادتين؟

خـالـد: نعم.

ولــيـــد: بعد هذا النقاش والحوار في الأدلة من الكتاب والسنة، هل كفره محل شك أم يقين؟

خـالـد: بل محل شك بعد هذه الأدلة من الكتاب والسنة والمنهجية الأصولية في توضيح علاقة الأدلة بعضها ببعض.

ولــيـــد: هل اليقين يزول بالشك؟

خـالـد: بالاتفاق بين العلماء أن اليقين لا يزول بالشك، وإسلام تارك الصلاة تكاسلا يقين لا يزول بالشك، لاختلاف بعض العلماء في كفره.

ولــيـــد: أظن أخي خالد أن الأمور واضحة لديك.

خـالـد: أنا الآن سأحاورك على المنهج الأصولي، قال تعالى (قل إنما أَنا بَشَرٌ مثلُكم يُوحَى إليَّ أنّما إلهكم إلهٌ واحدٌ فاسْتَقيمُوا إليه واسْتَغفروهُ ووَيلٌ لِلمشرِكين ، الذين لا يُؤْتُون الزَّكاةَ وهم بالآخرةِ هم كافرون) سورة فصلت الآيتان:6، 7 ، أقول إن ترك الزكاة من غير جحود لا يعد كفرا وشركا أكبر بالله تعالى، وليس خروجا من ملة الإسلام، وإن الذين لا يزكون هم مسلمون عصاة من أهل الكبائر، وأفعالهم تشبه أفعال المشركين، لذا سمتهم الآية مشركين، أما إذا كانوا جاحدين منكرين لوجوبها فهم ليسوا من ملة الإسلام في شيء، لإنكارهم فريضة من فرائض الإسلام معلومة من الدين بالضرورة.

ولــيـــد: هذا صحيح،  ومثل هذه الآيات أيضا قوله تعالى: (أرأيتَ الذي يُكذِّبُ بالدِّين، فذلكَ الذي يَدُعُّ اليتيم، ولا يحُضُّ على طعام المسكين) سورة الماعون،  فيمكن أن يفهم بعض الناس أن الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين أنه مكذب بيوم الدين، وهذا فهم ليس في محله، ولذلك ينبه السادة العلماء الناس أن لا يفسروا القرآن الكريم باديَ الرأي منهم، حتى لا نقع في الفوضى الفكرية.

خـالـد: هناك وهم من بعض الشباب، أنهم مؤهلون للنظر في الكتاب والسنة مباشرة، ويزعمون أنهم مع الدليل، ويقعون في هذا بسبب عدم اطلاعهم على أقوال السلف ومناهجهم في الاستدلال، ومن أخذ باجتهادات علماء السلف التي احتضنتها المدارس الفقهية الأربع، فقد وصل إلى الدليل، ومن أخذ بالدليل بمنهج صحيح، أداه ذلك إلى المدراس الفقهية الأربع، التي هي مناجم علم السلف.

ولــيـــد: أحسنت يا خالد وهذا هو منهج أهل السنة في العمل بجميع الأدلة وتنزيل كل دليل في محله، على خلاف أصحاب الأهواء من الفرق الضالة عن سبيل السنة فيأخذون من الدين ما يشتهون فالخوارج أخذوا الوعيد وهجروا الوعد فكفروا المسلمين، والمرجئة أخذوا الوعد وهجروا الوعيد، واستهتروا بالأعمال، وأخرجوها أن تكون من الإيمان.

 ووفق الله أهل السنة للأخذ بالوعد والوعيد معا، وقالوا إن الإيمان قول وعمل، ونزلوا كل دليل على محله فلله الحمد والمنة على التوفيق وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ونحن في مثل هذا الحوار لا نتحدث باصطلاحات علماء الأصول حتى لا نثقل على إخواننا من عامة المسلمين الذين يهمهم الأمر، فعامة المسلمين هم حماة الإسلام بعاطفتهم الصادقة، فعليهم مداره وقراره.

خـالـد: ولكن ما تقول أخ وليد في رواية الإمام الترمذي عبدِ الله بن شَقيقٍ العُقَيليّ: (كان أصحابُ محمّد صلى الله عليه وسلم لا يَـرَون شيئا منَ الأعمال تركُه كفرٌ غيرَ الصلاة) فهل يجوز تقديم قول أحد على رأي الصحابة، وهذا إجماع من الصحابة على كفر تارك الصلاة بصرف النظر عن التفصيل تكاسلا أم جحودا.

ولــيـــد: جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: (مَن سره أن يلقى الله غدا مسلما، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن … ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق…) فثابت عن هذا الصحابي الجليل، أن مَنْ تخلف عن صلاة الجماعة فهو منافق، والنفاق في عرف الصحابة هو نفاق الاعتقاد كنفاق ابن سلول ومن تابعه، فأرجو منك أن تتبع منهجية واحدة في حديث عبد الله بن شقيق، وحديث عبد الله بن مسعود، فلم حكمت بكفر تارك الصلاة اليوم بناء على حديث عبد الله بن شقيق، ولم تحكم بأن من ترك الجماعة أنه منافق كابن سلول.

خالد: إذا اتبعنا منهجية واحدة فإما أن يكفَّر الاثنان، أو أن يكونا مسلمين، والمخالفة بين تارك الصلاة وتارك الجماعة، هو تحكُّم من القاريء، ولكن كيف نفسر الحديثين تفسيرا صحيحا.

ولــيـــد: واضح أن ابن شقيق وصف واقعا هو أنه لا يعرف في عصر الصحابة رضي الله عنهم رجل لا يصلي، فالوصف لواقع موجود، وكذلك حديث ابن مسعود، هو وصف لواقع معين، وسَحْب هذا الوصف على واقع مختلف هو تجاوز لقول ابن شقيق وابن مسعود رضي الله عنه، وتنزيل قولهما على واقع مختلف لا يصح.

خالد: لماذا لا يصح، وهل الكفر والإيمان يتغيران حسب الأعراف؟

وليد: الحكم بالكفر من حيث هو حكم بناء على الأدلة هو كما ورد بيانه في الأدلة الثابتة في السنة، ونحن في حديثنا عن كلام عبد الله بن شقيق لم نكن نناقش في الحكم الشرعي الأصلي، ولكن نناقش في تنزيله على الواقع، وهو  ما يعرف بتحقيق المناط، وعبد الله بن شقيق وابن مسعود لم يناقشا الحكم الأصلي في قولهما، بل بينا أن الصلاة كانت هي العلامة المميزة للمسلم، لأنه لم يكن في وقتهم مسلم لا يصلي، بل إنه كما ورد في كلام ابن مسعود أن المنافقين كانوا يصلون ولكنهم يتخلفون عن صلاة الجماعة.

 أما ما تم بحثه في ضوء الأحاديث السابقة فهو البحث في الحكم الأصلي بناء على الأدلة وأصول تناولها في منهج الاستدلال، وشتان بين موضوع البحث في الحكم على وفق الأدلة كما مضى، وبين ثبوت الحكم أصلا ثم تنزيله على الواقع، وما جرى من ابن شقيق وابن مسعود هو توصيف لواقعهم، ولا يجوز بناء على ذلك شطب السنة المثبتة لإسلام تارك الصلاة ما لم يكن جاحدا، وهذا يعني رمي الصحابة بالجهل بالسنة وشطب الأدلة، بسبب الخلط بين طريقة ثبوت الحكم الأصلي بأدلته، وبين تنزيل الحكم الأصلي على محلِّه، وتوصيف الواقع كما في حديث ابن شقيق وابن مسعود.

خـالـد: لي سؤال أخير، وهو لماذا كل هذا الاستدلال والتأويل، لماذا لا توجد هناك أدلة شرعية قاطعة: تقول تارك الصلاة تكاسلا كافر كفر ملة أو كافر كفر نعمة، ويكون النص واضحا ويقطع الخلاف ولا ندخل في كل هذا الحوار وانتهى الأمر؟

ولــيـــد: هذا موضوع قائم برأسه، وسؤالك هذا في محله، لكنه يحتاج جلسة مستقلة، فالأمر فيه يطول، ونرجيء الحديث فيه إلى جلسة قادمة، ولكن عندي رجاء لك يا خالد.

خـالـد: وما هو؟

ولــيـــد: لا تطلق عليَّ لقب فرقة المرجئة؛ لأنني أرجأت الحوار في الموضوع الجديد إلى جلسة قادمة.

خـالـد (مبتسما): لا، لن أفعل بالتأكيد.

ملاحظة: بعض نقول الحنابلة المهمة في الموضوع:

  1. قال في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (1/ 402): (الداعي له: هو الإمام أو نائبه. فلو ترك صلوات كثيرة قبل الدعاء لم يجب قتله. ولا يكفر على الصحيح من المذهب. وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم)
  2. وجاء في المغني لابن قدامة (2/ 332): ( عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «صلوا على من قال لا إله إلا الله» .ولأن ذلك إجماع المسلمين، فإنا لا نعلم في عصر من الأعصار أحدا من تاركي الصلاة ترك تغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ولا منع ورثته ميراثه، ولا منع هو ميراث مورثه، ولا فُرِّق بين زوجين لترك الصلاة من أحدهما؛ مع كثرة تاركي الصلاة، ولو كان كافرا لثبتت هذه الأحكام كلها، ولا نعلم بين المسلمين خلافا في أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها، ولو كان مرتدا لم يجب عليه قضاء صلاة ولا صيام. وأما الأحاديث المتقدمة فهي على سبيل التغليظ، والتشبيه له بالكفار، لا على الحقيقة، كقوله – عليه السلام -: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)، ولن أعلق على كلام ابن قدامة لأن من المعضلات توضيح الواضحات.
  3. فهذه النقول من كتب الفتوى المعتمدة في مذهب الإمام أحمد، توضح مذهب إمام السنة، الإمام أحمد في تارك الصلاة تكاسلا، وأنه لا يحكم بكفره إلا بعد استتابته وعرضه على السيف، فإن أبى فيقتل كافرا، ويتبين من ذلك أن إطلاق الكفر على من عرف بترك الصلاة قبل اسستتابة الإمام، ولم يصرح بجحودها،  ليس هو مذهب الإمام أحمد، وعليه تكون مدارس فقه السلف الأربع متفقة على أن من ترك الصلاة تكاسلا ولم يستتبه الحاكم هو مسلم له حق المسلم على المسلم.
  4. هذه السطور القليلة ليست دعاية لترك الصلاة الذي لحق صاحبه الوعيد الشديد من الله ورسوله، ولكنها ضرورية لبيان المفاصل بين الكفر والإيمان، ولا يجوز أن يستخدم الحكم بالخروج من الملة من غير موجب شرعي لتخويف الناس، بل إن في نصوص الشريعة من التهديد والوعيد لتارك الصلاة ما فيه الغنى والكفاية، والقدر المتفق عليه بين مدارس فقه السلف الأربع في عدم كفر تارك الصلاة تكاسلا قبل استتابة الإمام، فيه تعظيم لقدر الشهادتين عند الله تعالى، وليس كما يتوهم بعضهم أنه خدمة لتاركي الصلاة تكاسلا.
  5. مراد الله تعالى لا يظهر في نص واحد بل بمجموع الأدلة وفق أصول الاستدلال، ولا تجوز المخالفة بين الأدلة الشرعية بأخذ دليل وترك آخر، وما توافقت عليه مدارس فقه السلف الأربع في محل البحث، هو النموذج الرفيع لاجتهاد السلف في الجمع بين الأدلة، وأن الفتاوى الفردية بالتكفير لتارك الصلاة مطلقا لا ترقى إلى القيمة العلمية للاجتهادات الجماعية للأمة ممثلة في مدراس فقه السلف الأربع.

حوار مع أخي - الغلُو في إقحام البدعة على العادات التبديع بالسلام والمصافحة بعد الصلاة

 

 سبق وبينت الفرق بين ترك النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو فعل من أفعاله، وأكدت الن الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى وليس العدم، وقد ميزت بين العدم والفعل، وحذرت من خطورة التفسير التاريخي للسنة وذلك برد العمومات في نصوص الشريعة  بعدم التاريخ، وسردت في ذلك أمثلة كثيرة، مما يؤكد خطورة التفسير التاريخي لنصوص الشريعة وأصولها العامة من مصالح وعادات وأقيسة، مما يعني تعطيل النص الشرعي وحصاره في التاريخ، بسبب تحويل العدم إلى دين والدين إلى عدم.

 وفيما يأتي أضرب مثالا على محاصرة نصوص الشريعة في التاريخ، وإلغاء السنن وعدها من البدع، بحيث أصبح المنكر معروفا والمعروف منكرا، وأدى ذلك إلى الغلو في البدعة وإقحامها على مساجد المسلمين، وفرقت كلمتهم، ومزقت صفوفهم، ومن علامات البدعة الفرقة، ومن علامات السنة الجماعة.

وهذه المقالة مثال واضح على غيض من فيض يمثل خطورة التفسير التاريخي المعاصر للشريعة، الذي أدى إلى قلب السنن إلى بدع، ومحاصرة نصوص الشريعة في ثقوب التاريخ.  

يرى أخي أن المصافحة بعد الصلاة تعد من البدع لاسيما إذا كان عادة لمن يصافح بعد السلام، ويسلم على يمينه ويساره، وقد جرى الحوار الآتي بيني وبين أخي:

أحمد: هناك العديد من التجاوزات في مساجدنا اليوم، فمِن الناس من يسلم على المصلي جوارَه بعد سلام الإمام، وهذا بدعة مذمومة لم يفعلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه رضي الله عنهم، ولو كان خيرا لسبقونا إليه.

وليد: هل السلام والمصافحة من العادات أم من العبادات التي نص الشرع على كيفيتها بالتفصيل.

أحمد: من العادات.

وليد: كيف تميز العادة من العبادة؟

أحمد: العادة تقع صحيحة دون نية ولم يفصلها الشارع، بخلاف العبادة فلا تقع صحيحة إلا بنية، وبينها الشارع بالتفصيل، لأنها لا تؤخذ إلا من الشرع.

وليد: هل  تدخل البدعة في العادات؟

أحمد: لا تدخل في العادات، ولكن الأمر متعلق بهذه العادة وهو بعد الصلاة، ولا يبعد أن يعتقد المصلي أن هذه المصافحة هي من العبادة، خصوصا إذا داوم عليها فيخشى عليه أن يعتقد أنها سنة من سنن الصلاة.

وليد: لا بد أولا من مناقشة الفعل بنفسه بعد الصلاة، ثم بعد ذلك نناقش مسالة يعتقد المصلي أم لا يعتقد ذلك بعد أن يثبت حكم أصل السلام والمصافحة، ولكننا نحتاج فعلا إلى تعريف البدعة حتى ننزل الحكم الشرعي المناسب للمسألة.

أحمد: خير تعريف للبدعة هو تعريف الإمام الشاطبي لها وهو: “طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه”[1].

وليد: ما حكم المصافحة والسلام في أصل الشرع؟

أحمد: مندوب ومستحب، والرد واجب.

وليد: هل وقَّت الشارع للسلام وقتا محددا أم أطلق في الوقت؟

أحمد: هو على الإطلاق في الزمان والمكان، ولم يقيد الشارع للسلام وقتا أو مكانا محددا؟

وليد: هناك عبادات مطلقة كالأذكار العامة من التسبيح والتهليل والاستغفار وقد أطلقها الشرع، وهناك أذكار مقيدة قيدها الشرع بوقت كذكر دخول الدار وركوب السيارة، فما حكم تقييد ما أطلقه الشارع ولم يحدد له وقتا؟ أو تقييد ما أطلقه الشارع مثل تقييد الأذكار المطلقة كالتسبيح والاستغفار ومنعها في وقت لم يمنعه الشارع.

أحمد: لا يجوز إطلاق ما قيده الشارع، ولا تقييد ما أطلقه، ومن قيَّد ما أطلقه الشارع، أو أطلق ما قيده الشارع، فقد زاد على الشرع، وهذا بدعة.

وليد: هل السلام والمصافحة مما أطلقه الشارع في الزمان والمكان أم حدده بوقت أو مكان معينين؟

أحمد: السلام والمصافحة مما أطلقه الشرع، فهو مأمور به بين المسلمين دون تحديد حال معينة أو وقت أو زمان.

وليد: إذا كان السلام والمصافحة لم يمنعهما الشارع في وقت من الأوقات، فما حكم من قيد بالمنع بعد الصلاة، أليس من يمنع السلام بعد الصلاة، مقيد للمطلق بلا قيد شرعي، ومنْعُ المسلم من السلام على أخيه في مطلق الأوقات ومنها بعد الصلاة هو تعطيل للنص الشرعي من النزول على محلِّه، وحُكْم على الدليل بغير دليل، والحكم على الأدلة الشرعية أمر ليس بالهين عند الله تعالى إلا  حيث قيد الشرع نفسه.

أحمد: كيف يمكن أن تُـجيز فعلا لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا فعله أصحابه -رضي الله عنهم؟

وليد: أولا دعوى لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا أصحابه، دعوى تحتاج إلى بحث من حيث صحتها، وكان الأدق أن تقول لم ينقل إلينا، مع احتمال أنهم فعلوه أو تركوه، ولا يعني أننا لا نعلم نقلا في هذا، أن الصحابة رضي الله عنهم لم يُسلِّموا ولم يصافحوا بعد السلام، فقد جعلتَ يا أخ أحمد عدم العلم بالشيء يعني العِلْم بعدَمه، فربما  لا تعلمه أنت وأنا، ولكنه يكون موجودا، وعدم العلم بالشيء لا يلزم منه العلمُ بالعَدَم، فربما لا نعلمه ولكنه يكون موجودا بالفعل، والعدم ليس حجة شرعية، فكيف يمكن أن يكون حجة، وقد ثبت خلافه وهو الأمر الشرعي بالسلام مطلقا عن المكان والزمان.

أحمد: افترض أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم لم يفعله ولا أصحابه، فكيف يكون الجواب؟

وليد: حسنا، يقول الله تعالى: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) الحشر، 7، والرسول -صلى الله عليه وسلم أتانا بالمصافحة والسلام، بالأحاديث الثابتة دون تحديد وقت معين، هذا فضلا على أن الاقتداء بالترك ليس موجودا في الآية، فكيف تركت ما أمر الله تعالى به في الآية : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، ومما آتانا الرسول صلى الله عليه وسلم  السلام دون تحديد وقت، ثم جئت بالاستدلال وجوب ترك ما أمر به بمقولتك: (لم يفعله رسول الله) مع أنه أمر به، فاستدللت  بـ (لم يفعله رسول الله) على وجوب ترك ما أمر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وهذا يعني تجريفا لأصول الشريعة وهدمها بحجة لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ذلك لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- ندب إلى السلام  بإطلاق دون منع سواء بعد الصلاة أو قبلها.

أحمد:جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-  في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد»، ولم يرِد أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا أحدٌ من أصحابه أنه كان يصافح ويسلم بعد الصلاة.

وليد: على فرض أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لما يصافحوا بعد السلام من الصلاة، فلا يعني ذلك أنه ليس من الشرع، بل هو من أمر رسول الله صلى الله عليه، وسنته القولية، وهو من الواضح الدلالة، فهل من الشرع أن السنة القولية لا يجوز العمل بها حتى يفعلها النبي -صلى الله عليه وسلم، أم أن الأمر الشرعي الواضح يجب تطبيقه عن الفور دون اشتراط وقوع فعل منه -صلى الله عليه وسلم- لذلك الأمر.

أحمد: لا يشترط لوجوب العمل بالنص الواضح  أن ننتظر حتى يفعله النبي -صلى الله عليه وسلم، بل يُشرع العمل به على الفور.

وليد: طبِّق ذلك على المصافحة والسلام بعد السلام من الصلاة، ستجد أنه على الأصل، وباقٍ على أصل السنة.

أحمد: ولكن يمكن أن يعتقد المصلون أن السلام والمصافحة من الصلاة، وهنا تصبح المصافحة بدعة، وقد أضيفت إلى الصلاة، واعتقد بعض المصلين أن المصافحة والسلام بعد السلام من الصلاة هو من تتمة الصلاة كالاستغفار والتسبيح.

وليد: إذن، فلْنقل من اعتقد أن السلام والمصافحة من تتمة الصلاة وهو من سننها، فقد أضاف إلى الصلاة ما ليس منها، وهذا ابتداع في الدين، لأن من شروط البدعة أن يضيفها صاحبها للدين ويجعلها منه، وينطبق عليه عند إذ الحديث الشريف: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد».

أحمد: لماذا لا نمنع المصافحة بعد السلام من الصلاة سدا للذريعة، حتى لا يقع الناس في البدعة مستقبلا؟

وليد: سَدُّ الذريعة يكون فيما هو مباح أصلا، ولكن فِعْله يؤدي إلى مفسدة غالبا، وليس لكل احتمال يمكن أن تسد الذريعة، فمن المعروف أن الخمر يصنع من العنب، ولم يمنع العلماء زراعة العنب بذريعة أنه قد يؤدي إلى صناعة الخمر؛ لأن هذا إسراف في سد الذريعة، وهذا في المباح، فكيف تزعم منع السنة بحجة أنها قد تؤدي إلى بدعة بمجرد هذه الاحتمالات، والتي لا تتجاوز أن تكون هواجس ومخاوف لا ينطبق عليها أصل سد الذريعة، وكيف يعقل يوما أن السنة قد تؤدي إلى بدعة؟!.

أحمد: ولكن لا بد من تحذيرالناس خشية الوقوع في  البدعة.

وليد: كيف تريد أن تحذر؟.

أحمد: أسأل المصلي هل تصافح وتسلم بناء على أنه أصل السلام سنة؟ أم تعتقد أن السلام والمصافحة بعد الصلاة هي من سنن الصلاة ومكمِّلاتها؟ فإن قال على أصل السلام وأنه مسنون فهو متبع، وإن قال على أنه من من سنن الصلاة أقول له هذه بدعة واتركها.

وليد: هذا يعني أنك ستقوم بعملية تفتيش على قلوب الناس ونياتهم، وأنك ستنصِّب نفسك حاكما عليهم ووصيا على قلوبهم، وهذا ما يمكن أن يثير البلبلة في المساجد، وتشيع الفرقة في المساجد، ولكن هناك فكرة.

أحمد: ما هي؟

وليد: إقامة محاضرة في المسجد، والبيان للناس بصفة جماعية أن السلام جائز بعد الصلاة، بناء على الأصل الشرعي هو ندب السلام في كل وقت، وأن السلام يكون بدعة إذا  اعتقد المصلي أنه من مكملات الصلاة وسننها، فيكون عندئذ أضاف للصلاة ما ليس من الدين، والتصحيح  لا يكون بالتغيير على الحكم الشرعي، وتحويل السنة إلى بدعة خشية الوقوع في البدعة، بل بالبيان والتفصيل للأحكام، حتى لا تحدث الفتنة في المساجد كما نرى اليوم مع الأسف.

أحمد: ويمكن أيضا توضيح ذلك بمطويات ونشرات تعريفية، ولكن أليست المداومة على السلام والمصافحة بعد الصلاة، تدل على أن فاعل ذلك يعتقد تقييدها بالصلاة وأنها سنة من سنن الصلاة؟

وليد: هل يحتمل أن من يلتزم ذلك يعتقد أنها على أصل السنية الآمرة بالسلام فداوم عليها، لأنها من سنن الإسلام العامة، وليست من سنن الصلاة؟

أحمد: نعم هذا ممكن.

وليد: إذن انتفى لازم أن  يعتقد أن السلام بعد الصلاة من مداومته على السلام، لاحتمال مداومته على السلام لأنه من أصول الشريعة وسننها المطلقة، أضف إلى ذلك أن الفعل مجمل ولا يتضح الأمر منه إلا بالقول، إذا تكلم المصلي بأنه -على فرض- يعتقد أنه من سنن الصلاة.

أحمد: واضح انتفاء لازم اعتقاد أنها من سنن الصلاة من المداومة علي المصافحة والسلام.

وليد: ولكن أريد أن أضع بين يديك حديثا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أريد أن تتأمله وفيه فائدة في موضوع السلام بعد الصلاة،  فتأمله، جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام، فقال: «ارجع فصل فإنك لم تصل»، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ارجع فصل، فإنك لم تصل» ثلاثا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: «إذا قمت إلى الصلاة، فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها»

 أحمد: حسنا.

وليد: ولكن هناك أمر مهم جدا؟

أحمد: ماهو؟!

وليد: ضرروة الحذر من الفتاوى المطلقة التي  تطلق القول ببدعية السلام والمصافحة بعد الصلاة، فهذه شوشت أفكار المصلين، وأفسدت ذات بينهم، وكذلك ينبغي الحذر من إثارة حفيظة المصلين بالتفتيش على قلوبهم، واتهامهم، والأصل في المسلم السلامة وليس الاتهام، وفيما أعلم لم أجد حتى الآن ممن كانوا يتكلمون في هذا الموضوع من عامة المسلمين أنه يصافح معتقدا أن ذلك من سنن الصلاة ومكملاتها، مما يعني أن هناك استنزافا للتفكير الإسلامي من غير طائل بإطلاق القول بالبدعة دون تفصيل، وكان الأجدى تعليم الناس ما يحتاجون إليه في معاشهم ومعادهم، لا استنزاف المجتمع في مسائل لا وجود لها في الواقع، وأرجو أن تعلم أن من علامات البدعة أنها تميت سنة، فأين السنة التي أماتها السلام والمصافحة بعد الصلاة، أليس القول ببدعية السلام بعد الصلاة هو الذي يميت السنة التي هي السلام والمصافحة، وعليه يكون القول ببدعية المصافحة بعد الصلاة مطلقا، يميت سنة السلام والمصافحة.

أحمد: أسأل الله تعالى أن يعلمنا ويفهمنا.

ملاحظة: هذا الحوار مركز في الحكم الشرعي، ولعل بعض الناس لا يحب من يقطع أذكاره واستغفاره بعد الصلاة، فنراعي شعورهم  إذا علمنا ذلك منهم، ونحن وهم في سعة ورحمة، ولكن المشكلة هي في زعم البدعة دون تفصيل، فلا بد من المحافظة على الحكم الشرعي الأصلي للسلام والمصافحة وأنه مطلق في المكان والزمان.

الطريق إلى السنة إجباري

د. وليد مصطفى شاويش

قصة وحوار للعبرة فقط

 على هامش أحد المؤتمرات المهمة في الغابة، يدنو الأسد ملك الغابة إلى حلِيفه النّمر، ويشكو إليه أمرا أرَّقه، وهو أن فأرا في عرينه، يهدّد رزقه ورزق عائلته، ويؤرق نومه في الليل، خصوصا وأنه في الآونة الأخيرة، وصلت للأسد تقارير جِدِّية تفيد بأن الفأر قد غـيـّر أفكاره، وهو يحاول الآن  أن يتحول من أكْل الحبوب إلى أكْل اللحم، وأن هذه المعلومة مؤكدة من مصادر مختلفة، فقد التقطت الغِربان والبُوْم في الفضاء صور آثار أقدام الفأر على قطع اللحم الكبيرة في عرين الأسد، مما يؤكد نية الفأر التشبه فعلا بالكبار وأكَلة اللحم، وللحياد والموضوعية، فقد تم استبعاد الصور التي التقطها الصقر لأنها غير محايدة، ومتأثرة بأفكار الصقر الظلامية.

ويزداد غضبي أيها النمِر العادل، أن العديد من مصادرنا الحقوقية سجَّلت الكثير من انتهاكات حقوق الفأرة، وأنها تعاني من التمييز والعنف، ولا تحصل على حقوقها حسب القانون، هذا إضافة إلى عمليات رصْد متواصلة، تفيد أن الفأر يقسو على أطفاله المساكين قسوة تقشعر لها الأبدان، وهذا ما لا تجيزه القوانين المدنية المتحضرة في عالمنا الحرّ، تلك القوانين التي تقوم على احترام الآخر، والتعايش السِّلْمي، وفسيفساء التنوع الذي اتفقنا عليه في غابتنا السعيدة.

فما كان من النمر الذي يُعدُّ أحد الضيوف الدائمين  في مجلس الأسد، إلا أن قال: الأمر هيـِّن يا مولاي، يمكن أن أستعين بابن عمي القط، فهو متخصص في صيد الفئران بطريقة عِلْمية غير مؤذية!!! وما هي إلا دقائق معدودة حتى يمْـثُـل الفأر اللعين بين يدي عدالتكم مُقَـرَّنا في الأصْفاد.

الأسد: المهم، في حال القبض على الفأر الظلامي، يجب أن يحظى بمحاكمة عادلة، يتمتع فيها بجميع حقوق الحيوان المنصوص عليها في ميثاق الغابة.

النمر: ولكن يا مولاي ،لا نريد أن تَفهم فئة الفئران أننا نستهدِف هذا الطَّيف الرائع في غابتنا، بسبب ذلك الفأر الظلامي الذي انتهك كل الأعراف والقوانين، فلا بد من استشارة زعيم حارة الفئران التي نقدِّرها جميعا،  ونحترم إضافتها القيمة لمجتمعنا الفسيفسائي الجميل.

الأسد: إذن فليحضُر زعيم الفئران ليبدي رأيه.

الفأر الشايب: مولاي الأسد، سَمْعًا وطاعة.

الأسد: ما حكم فأر  من قومك، أثبتت الفحوص الـمِخْبرية القاطعة لدمِه أنه ينوي التحول من أكَلة الحبوب إلى أكَلة اللحوم!

الفأر الشايب: حرام يا مولاي، هذا تغيير لخلْق الله، نحن خُلقنا لنأكل الحبوب فقط، ثم نسعَد بأن يكون مثوانا الأخير في معِدة أكَلة اللحوم، وهذه هي حسن الخاتمة التي نسعد بها وننتظرها يا مولاي، ومحاولة هذا الفأر الخارج عن الطبيعة محاولة تقضي على التنوع وألوان الطيف الذي نفخُر به في غابتنا العادلة، ولو  أصبحت كل الحيوانات آكلة لِلَّحْم، فلن تجد آكلات اللحم ما تأكله، وسنكون جميعا لونا واحدا يفقد النَّضارة والجمال.

الأسد: أيها النمر، وبعد التأكد أن حربَنا على ذلك الفأر الفاجر هي حرب عادلة، ولا تستهدف فئة الفئران بوصفها إحدى المكوِّنات الفاضلة في مجتمعنا، وأن ذلك الفأر هو حالة فردية معزولة، قررنا أن تباشر مهمتك بإحضار ذلك الفأر، الذي شوه صورة غابتنا العادلة، وغيـَّر طبيعة الخلق الجميلة التي خُلقنا عليها.

النمر: سمعا وطاعة، أيها الأب الرحيم، وما هي إلا لحظات حتى أحضر النمر قطا تبدو عليه علامات الشراسة والنصب والاحتيال في الوقت نفسه، وقدمه إلى ملك الغابة.

الأسد: كم تحتاج يا ابن العم لتقضي على ذلك الفأر الشرير.

القط الأب: سُويعات يا مولاي.

الأسد: امضِ لما أُمِرت، ولكن هل اطَّلعت على ميثاق الحيوان، وكيف ستتعامل مع المجرم وفق القانون في حال الإمساك به؟

القط: نعم مولاي !!! نحن تلاميذك يا كَبير، ودخل القط إلى عرين الأسد في مهمة صعبة، ولكن طال الأمر ولم يتم القبض على المجرم.

الأسد: أيها النمر والقط، وعدتماني بإحضار المجرم في ساعة، وقد مضى شهر على هذا الحال دون نتيجة.

النمر للقط: ما تقول يا ابن عمي؟ ما الأمر؟ أعلم أنك ماهر ومتخصص في مهمتك.

القط الأب: في الحقيقة عندي مشكلة في التفكير، ولا أستطيع التركيز بسبب غياب زوجتي القطة، وأنا لا أقدر على التركيز حتى تسمحوا لي بإحضار قطتي، لأُركِّز في القبض على المجرم، وتطبيق القانون.

الأسد: لك ما طلبت، أيها الحراس! امنحوا زوجة القط إذنا بالدخول والإقامة في عريني حتى انتهاء المهمة!

وهنا طالت قصة القط مع اللحم بأنواعه في عرين الأسد، وهو يعيش مع قطته في أحسن عيش، حتى رُزِق القط بصغير نصَّاب مثل أبيه، ومن يُشبه أبَه فما ظلم.

القط الصغير لأبيه النصَّاب: يا أبت، لم نحن في عرين الأسد؟

القط الأب: للقبض على فأر مجرم فارٍّ من العدالة، وشغل فكر مولانا الأسد ، وأثر  في كفاءة أدائه وإدارة غابتنا السعيدة.

وبينما هُما كذلك، وإذا بفأر منهَك عليه أَثـَـرُ مِـخْلب الأسد، ويظهر في عرين الأسد، وهنا تأكد للجميع صدق الأسد ونزاهة دعواه ضد الفأر، وهل هناك دليل أكثر من مشاهدة الفأر المجرم بالجرم المشهود في عرين الأسد! وتأكد للجميع حكمة الأسد  في محاربة الخارجين على قوانين الغابة السعيدة، وأن دعوى الأسد لم تكن كذبا ولا اختلاقا، وتناقلت الغابة على لسان الببَّغاء  خبرا يؤكد مشاهدة الفأر المتهم متلبسا بالجرم المشهود.

وهمَّ القط الابن  بإنجاز المهمة في لحظة ولكن …

القط الأب:  يلاحق القط الصغير قبل أن يمسك بالفأر، والغريب أنه أمسك بالقط الابن لا بالفأر الهرِم! ويصفعُ القطّ الابن قائلا:  لا تمسك بالقط، يا حيوان يا ابنَ الحيوان.

القط الابن : أليست هذه مهمتَنا يا أبت؟

 القط الأب: نعم، يا حيوان،  ولكنك غبي، لو قبضت على المجرم هذا ستنتهي المهمة، وستُطرَد أنت ومَن خلفوك من النعيم الذي نعيش فيه في ظل مولانا الأسد، وستقطع رزقك ورزق أمك وأبيك  بيدك أيها الولد العاق.

القط الصغير: وأمانة الواجب يا أبي!!

القط الكبير: يا بني الفأر لا يأكل اللحم، وهذا الفأر ما لَه ولِلأسد، فقد هرب هذا الفأر مني يوما خارج الغابة، ولجأ إلى عرين الأسد لينجو بالحياة، وليدخل في حماية مولانا الأسد، وقد سبَّب ذلك إزعاجا لمولانا ملك الغابة، ويا بني: الأسد عايش وأنت عايش  وأنا وأمك على قصة هذا الفأر الهرِم، وكذلك النمر وجمهور الغائبة، والغابة تعيش على هذه القصة، والفأرة التي يطالب الأسد بحقوقها، قد هدم الأسد بقدمه بيتها عليها وعلى أطفالها أثناء ملاحقته للفأر الأب الهرِم، والأسد يعلم ذلك، لكن يا بني هذه غابتنا السعيدة تعيش على هذا القانون، وأنا والضيوف الدائمين في مجلس الأسد نطبق القانون، فنحن يا بني غابة العدل والقانون.

وما زال العرْض مستمرا ، أمَا آن للصقر أن يعود؟!

د. وليد مصطفى شاويش