السبت، 9 سبتمبر 2023

حكم الدعاء للكافر بالمغفرة والرحمة ؟!

 مسألة الدعاء للكافر بالمغفرة والرحمة يحتاج  إلى مناقشة جدية ونقدية، نستعيد فيها النقاشات الفقهية الأصيلة التي سبقت نزعات التسلف والخطابات الدعوية التي تنزع إلى المفاصلة مع فقر في الزاد الفقهي، وهو ما سأحاوله في هذا المقال.

يتصل الدعاء للكافر بمسألة أخرى شديدة الأهمية، وهي الموقف من الأعمال الصالحة التي قام بها الكافر في حياته، وهل تعتبر أم تكون هباءً؛ لأجل كفره؟ وهل يثاب عليها في الآخرة أم أنها فقط تخفف عنه العذاب؟ وهي مسائل كلامية تستحق المناقشة لفهم تصورات متكلمي المسلمين، بعيدا عن التصورات الشعبية المهيمنة اليوم والتي تُشيع مزاجا عامّا غير متسامح، بل لا يراعي أحيانا أدنى درجات اللباقة في التعامل مع موتى غير المسلمين.

وترجع دعوى الإجماع المشار إليها في كلام الألباني إلى القاضي المالكي عياض اليحصبي (544 هـ) الذي نقل عنه النووي قوله: "وقد انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب، لكن بعضهم أشدُّ عذابا من بعض؛ بحسب جرائمهم"، أي إن الدعاء للكفار ليس يحرم فقط، بل لا يُجدي نفعا مع موتهم على الكفر.

وقد ناقش النووي الشافعي هذه المسألة في كتابين من كتبه، ففي كتابه الفقهي قال: "وأما الصلاة على الكافر والدعاء له بالمغفرة فحرام بنص القرآن والإجماع"، وقال في كتاب الأذكار: "ويحرمُ أن يُدعى بالمغفرة ونحوها لمن مات كافرا… وقد جاء الحديث بمعناه، والمسلمون مجمعون عليه". وقال أيضا: "اعلم أنه لا يجوز أن يُدعى له بالمغفرة وما أشبهها مما لا يُقال للكفار، لكن يجوزُ أن يُدعى بالهداية وصحةِ البدن والعافية وشبهِ ذلك".

والسؤال الذي على المدقِّق أن يبحثه هنا هو: من أين جاء هذا الإجماع؟ وهل المسألة إجماعية بالفعل كما ادعى القاضي عياض وتبعه النووي الذي ينقل عنه كثيرا في شرحه لصحيح مسلم؟ الواقع أن النووي نفسه ينقض هذا الإجماع بشكل غير صريح حين ينقل بعد كلام القاضي عياض مباشرة عن الإمام البيهقي الشافعي (458 هـ) أن القول بأن أعمال الكافر الصالحة لا تنفعه في الآخرة إنما هو قول "بعض أهل العلم والنظر"، أي إنه لا يعدو مجرد قول وليس إجماعا، بل إن النووي ينقل عن البيهقي أيضا أن الآيات والأحاديث الواردة في بطلان عمل الكافر الخيِّر إذا مات على الكفر، يمكن أن تُحمل على معنى إخراجه من النار وإدخاله الجنة، ومعنى ذلك أن هذه الأعمال الصالحة من الكافر يمكن أن تساعده في أن يُخفف عنه العذاب الذي استوجبه على جنايات ارتكبها غير الكفر.

وهذا الرأي ليس رأي البيهقي وحده، بل هو رأي كثيرٍ من العلماء من مختلف المذاهب الفقهية، وهو رأي قويّ ووجدته شائعا في المصادر المتعددة بعد البحث والتتبع، حتى إن الفقيه المالكي الكبير ابن الفرس الأندلسي (597 هـ) وهو معاصر للقاضي عياض، اكتفى بحكاية وجود قولين في المسألة ولم يرجح بينهما. ونجد حكاية هذين القولين أو الخلاف في كتب شروح الحديث والفقه والتفسير، وفي أزمنة مختلفة؛ فهو خلاف قويّ وإن كان القول بأن العمل الصالح من الكافر ينفعه هو القول الأقوى، حتى إن الفقيه الحنفي أحمد الكوراني (893 هـ) اكتفى بإيراده وحده وجزم به، وقد رجح هذا عدد من العلماء نقضوا دعوى الإجماع التي أطلقها القاضي عياض وقالوا إنها غير صحيحة، وللقاضي عياض مثل هذه الإطلاقات التي تحتاج إلى تروٍّ، وكثيرا ما ينقل عنه النووي. وممن رجحوا أن الكافر ينتفع بعمله الصالح في الآخرة الفقيه الحنفي والمحدث محمد أنور شاه الكشميري (1353 هـ) والعلامة شهاب الدين الخفاجي (1069 هـ) والعلامة شهاب الدين الآلوسي (1270 هـ) وغيرهم.

والكلام في انتفاع الكافر بعمله الصالح في الآخرة يطول، ولعلي أخصص له مقالا مستقلا؛ لأن غرضي في هذا المقال أن أوضح جواز الدعاء للكافر بالمغفرة والرحمة أو بأمر أخرويّ لا دنيوي فقط، سواءٌ في حياته أم بعد مماته؛ ولكن بشرط ألا يتناول ذلك ذنب الكفر أو الشرك الأكبر، وهذا مذهبٌ معتبرٌ بل هو مذهب الشافعية على خلاف ما أوهم كلام الإمام النووي السابق، وعلى خلاف إجماع عياض الذي لا أعرف أحدا سبقه إليه.

وإذا كنا سنتحدث عن الشافعية لبيان محل كلام النووي الشافعي، فإننا نجد أن كلامه أشكل على أئمة الشافعية اللاحقين، ويمكنني أن أميز هنا بين موقفين اثنين:

الموقف الأول: فهم من كلام النووي الإطلاق، وأنه يُحرّم مطلق الدعاء بالمغفرة والرحمة للكافر، سواءٌ كان ذنب الشرك أو غيره، ومن ثم انشغل بعض شيوخ المذهب ببيان أن المذهب أنه يجوّز الدعاء للكافر بالمغفرة؛ خلافا لكلام النووي. وقد نحا هذا المنحى شيوخ عدة في المذهب كما سيتضح لاحقا.

الموقف الثاني: حمل كلام النووي على أنه يريد حرمة الدعاء للكافر بمغفرة شركه أو كفره، أي وإدخاله الجنة، ويمثل هذا الموقف العلامة ابن عِلّان الشافعي؛ فقد فسر كلام النووي بأن المراد به "الرحمة أو دخول الجنة أو رضوان الله تعالى"، أي الاستغفار المُخرِج من النار والمُدخِل إلى الجنة.

وبعيدا عن دعوى الإجماع لدى عياض، إذا عدنا إلى كلام النووي في كتابيه نجد أن ظاهره يدل على أنه إنما أراد الشرك الأكبر فقط لا ما هو دونه، ويدل على ذلك 3 قرائن:

القرينة الأولى: أن النووي قرن بين الصلاة على الكافر والدعاء له، ثم إنه بعد أن قرر تحريم الدعاء له بالمغفرة، قرر أيضا أن المذهب جواز اتباع المسلم جنازةَ قريبه الكافر، وأن زيارة قبر الكافر جائزةٌ.

القرينة الثانية: أن النووي نفسه نقض إجماع القاضي عياض حين نقل عن الإمام البيهقي الشافعي أن عمل الكافر الصالح ينفعه في الآخرة وإن لم يُدخله الجنة.

القرينة الثالثة: استدلال النووي في هذا السياق بآية "ما كانَ لِلنَّبيّ والَّذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لهم أنهم أصْحابُ الجَحِيمِ" [التوبة: 113]، وهي تشير إلى الشرك، وأنه لا يُخرج أصحابه من الجحيم، ومن هنا أوضح ابن علان الشافعي أن في الآية دليلا على جواز الاستغفار للمشركين الأحياء؛ لأنه "طلبُ توفيقهم إلى الإيمان".

وبالإضافة إلى القرائن السابقة، لا بد من القول: إن المغفرة إذا أُطلقت تنصرف إلى الشرك الأكبر؛ فالدعاء بالمغفرة ينصرف إلى ألا تمس النارُ المدعوَّ له، وهو حقيقة الدعاء للموحِّدين، وخصوصا حين يقترن الدعاء للميت بالصلاة عليه؛ لأن المراد من الصلاة عليه الدعاء له بالمغفرة المُدخلة للجنة. فالإشكال في كلام النووي نابع من عدم تحرير محل النزاع؛ فكلامه يحتمل معنيين:

الاحتمال الأول: أن يريد الدعاء بمغفرة الشرك الأكبر، وتحريم هذا الدعاء محلّ إجماع بين الفقهاء؛ لأنه خلاف النص القرآني الصريح، وهو ظاهر كلام النووي حين قال: "بنص القرآن والإجماع"، فالذي ثبت بالنص الصريح هو "إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"، وهو المعنى المُجْمَع عليه.

الاحتمال الثاني: أن النووي يريد تحريم مطلق الدعاء بالمغفرة؛ بما يشمل الشرك الأكبر وغيره من الذنوب، فإن أراد هذا المعنى فالراجح في مذهبه الشافعي هو خلاف هذا، وقد توارد على بيان هذا الراجح عدد من مشايخ المذهب.

وإذا عدنا إلى كتب المذهب، نجد بعض أئمة الشافعية ينصّون على أنه يجوز الدعاء للكافر بأمر أخرويّ وبالمغفرة والرحمة؛ خلافا لما أوهمه كلام النووي من إطلاق القول بالتحريم، كما نجد مثلا لدى الخطيب الشربيني (977 هـ)، وأحمد سلامة القليوبي (1069 هـ)، وإبراهيم البرماوي (1106 هـ)، وسليمان البجيرمي (1221 هـ).

وربما التبس هذا النص الصريح بنصوص أخرى في بعض كتب الشافعية يَرِد فيها إطلاق القول بحرمة الدعاء للكافر بالمغفرة، كما نجد عند الخطيب الشربيني وشهاب الدين الرملي مثلا؛ فقد عللا حرمة الصلاة على الكافر بأنه لا يجوز الدعاء له بالمغفرة، لقوله تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به" [النساء: 48]. ولكن إطلاق التحريم في هذه النصوص إنما يرد مقرونا بحرمة الصلاة على الكافر صلاة الجنازة؛ وفي بعض النصوص يرد التعبير بأن "قضية كلامهم في الجنائز حرمة الدعاء للكافر بالمغفرة"، إلى جانب النص على جواز الدعاء للكافر بالمغفرة، وهو يدل على أن مرادهم في تحريم الصلاة عليه مع الدعاء له هو مغفرة ذنب الشرك الأكبر الذي يُشعر به هذا الاقتران بين الصلاة عليه والدعاء له، خصوصا أن حواشي كتب المذهب الشافعي تحكي أن ثمة خلافا بين الفقهاء في "استحباب الدعاء للكافر"، وإن كان الراجح هو جواز الدعاء. نجد ذلك لدى نور الدين بن علي الشبراملسي (1087 هـ) وسليمان بن منصور الجمل (1204 هـ) وعبد الحميد الشرواني (1301 هـ) مثلا.

بل إن الشبراملسي تعقب الكلام المطلق السابق الوارد عن الشربيني والرملي بأن آية "إن الله لا يغفر أن يشرك به" هي أخص من دعوى تحريم مطلق الدعاء للكافر؛ لأن الآية إنما تدل على معنى محدد هو عدم مغفرة الشرك الأكبر، وربما تدل على مغفرة غير الشرك؛ لعموم قوله تعالى: "ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" [النساء: 48]. وهذا يدل على جواز الدعاء للكافر بمغفرةٍ غير الشرك؛ لأن ذنب الشرك لا يُغفر، فلا يجوز الدعاء له به، في حين يجوز الدعاء للكافر بمغفرة ما عدا الشرك وبالرحمة وبصحة البدن وكثرة المال والولد وبالهداية، بل "ويجوز التأمين على دعاء الكافر ويجوز طلب الدعاء منه أيضا" كما أوضح القليوبي وغيره.

وفي بعض كتب الشافعية يرد تقييد جواز الدعاء للكافر الحي بقيد "إن أسلم"، أو بنية أن يحصل للكافر سبب المغفرة وهو الإسلام، وهو ما دفعني سابقا في تعليق فيسبوكي إلى توهم التمييز في الدعاء للكافر بين حالتي الحياة والممات، ولكن اتضح لي بعد ذلك أن مدار الأمر كله إنما هو على التمييز بين الشرك الأكبر وغيره، وفي هذه الحالة فإن الدعاء محمول على طلب مغفرة الشرك في الدنيا إن أسلم؛ بناء على "إيمان الموافاة" الذي يقول به كثير من الأشاعرة، ومعناه أن العبرة في السعادة والشقاوة هي الحالة التي يموت عليها الشخص بغض النظر عن عمله السابق على هذه الحالة، فقد يرتد المسلم قبل موته وقد يؤمن الكافر عند موته، فالدعاء له بعموم المغفرة يترك مجالا لهذا الاعتبار بأن يوفقه الله للهداية قبل موته فيموت على الإسلام.

ولكن ماذا لو دعا المسلم للكافر بمغفرة ذنب الشرك في الآخرة، هل يكفر؟ انتقد بعض مشايخ الشافعية اعتبار ذلك كفرا، كما فعل الشبراملسي والجمل والشرواني، وأن صاحبه ارتكب محرما فقط.

 وخلاصة الكلام، أن الدعاء للكافر بالمغفرة يشتمل على معنيين:

الأول: أن يريد بدعائه له مغفرة الشرك الأكبر، وهذا يحرم بالإجماع؛ لأن الشرك الأكبر لا يُغفر بنص القرآن.

الثاني: أن يريد مغفرة ما دون الكفر، والأصل في الأعمال التي هي دون الشرك أنها متروكة للمشيئة الإلهية بنص القرآن (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، فدعاء المسلم للكافر إنما هو دعاء من أجل تحقيق المشيئة الإلهية بالمغفرة للكافر ما دون الشرك، ولم يستبعد الآلوسي هذا المعنى، في حين أن غيره أثبته صراحة كما نجد لدى عدد من العلماء. وقد أوضح شهاب الدين الخفاجي والآلوسي وغيرهما أن العذاب الذي لا يُخَفَّف هو عذاب الكفر بحسب مراتبه، أما العذاب الذي دلت الأحاديث النبوية على تخفيفه فهو ما عدا الكفر. ومعنى إحباط أعمال الكفار التي ورد النص القرآني بها هو أنها لا تنجيهم من العذاب المخلِّد في النار، وهو معنى كونها سرابا وهباء، وسأزيد هذا الأمر تفصيلا في مقالي الذي سأخصصه لمنفعة العمل الصالح من الكافر في الآخرة بإذن الله.

ويرجع أصل هذا النقاش إلى مقدمات رئيسية، هي:

  1. ثبوت تفاوت الكفار في الآخرة، وأنهم ليسوا سواءً، وأن النار دركات كما أن الجنة درجات، بل إن أنور شاه الكشميري قد نقل الإجماع على أن الكافر العادل أحسن حالا من الكافر الظالم في الآخرة.
  2. أن الشرك الأكبر لا يُغفر بصريح القرآن، وهو مسألة إجماعية.
  3. بقي النقاش في هل يجوز أن ندعو للكافر بمغفرة ما عدا الشرك الأكبر؟ وهو ما حررناه هنا وأنه يجوز، ولكن الكافر الذي ندعو له هنا إما أن يكون قد عمل عملا صالحا وإما عملا سيئا. فالدعاء لمن عمل صالحا يكون بأن يقبله الله تعالى منه لا بالمغفرة؛ لأن المغفرة إنما تكون للعمل السيئ، كما أن عدل الله تعالى يقتضي أن يكافئ الكافر على عمله الصالح إما في الدنيا بإكرامه، وإما في الآخرة بتخفيف العذاب عنه، ومعنى ذلك أن دعائي للكافر بخصوص عمله الصالح غير مؤثر في الواقع، والذي يؤثر هو دعائي للكافر بالتجاوز عن عمله السيئ فيما دون الشرك، وفي أحاديث تخفيف العذاب عن أبي طالب وأبي لهب وغيرهما شواهد على هذا، وإن كان أبو طالب وأبو لهب ليسا سواءً أيضا في الآخرة.
  4. الكفر لا يقتضي أن كل عمل صدر من الكافر غير معتبر؛ لأجل كفره، فيمكن أن نميز بين الأعمال كما سنفصل في مقال لاحق بمشيئة الله.

توضح هذه الآراء رحابة النقاشات الفقهية الكلاسيكية، وأنها تجمع بين مسائل تأويلية نصية وأخرى أخلاقية وإنسانية، فحتى الذين أطلقوا القول بحرمة الدعاء للكافر تحدثوا عن جواز المشي في جنازته بل زيارة قبره إن كان قريبا، وتكفينه إن كان من أهل الذمة رعاية لذمته، ولكن النقاشات الشعبية الحالية تغيب عنها رعاية البعد الإنساني ويغلب عليها اتخاذ مواقف متوترة؛ فضلا عن أنها لا تعكس الموروث الفقهي نفسه، والله المستعان.


أسئلة مسابقة المولد النبوي !

 مسابقة المولد النبوي

السؤال ۱ : اذكر دليلا خاصا على تحريم الاحتفال بالمولد النبوي اظهارا للفرح والسرور ؟
السؤال ۲ : اذكر دليلا خاصا على تحريم احداث اي وسيلة تعين على طاعة حب رسول الله ؟
السؤال 3 : اذكر دليلا خاصا على تحريم توزيع الحلويات والطعام في المولد النبوي؟
السؤال ٤ : اذكر دليلا خاصا على تحريم الانشاد في مدح الرسول في المولد النبوي ؟
السؤال ٥ : اذكر دليلا خاصا على تحريم اجتماع المسلمين لاظهار الفرح والسرور في مولد الرسول؟

نتحدى اهل التبديع والتضليل والتفسيق والتكفير ان تعرفوا الاجابة.....
.. اذا لم تستطع احضار دليل ... في التحريم فلا تكن ممن يوقعون فتوى باسم الشرع والدين عن رب العالمين. واذا لم تجد الا قول لم يأمر بها رسول الله مع الاول العلم ولم يسبقنا اليها الصحابة فاعلم انك لا تفقه في اصول الفقه الذي اجمع عليه علماء أهل السنة والجماعة !!
فالترك ليس دليلا ؛ مع احداث لكثير من المسائل في عهد الصحابة لم تكن في عهد رسول الله ولم يأمر بها عمله الا الله (!!!)
أيُعقل ان الصحابة وقعوا في البدعة وكل بدعة ضلالة في النار !!  


مقالات علمية في رد بدعة الحشوية في تحريم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.

 في رد بدعة الحشوية في تحريم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف


اقدم لكم ردود اهل السنة على شبهات الحشوية .....سلسلة منشورات الرد على شبهات حول المولد النبوي الشريف
[1]. رد على شبهة احداث في دين الله ما ليس منه
[2] الرد على شبهة هذا عبادة والعبادة تحتاج إلى توقيف من الشرع
[3]. الرد على شبهة انها عبادة :وهي من الوسائل التي تُعين على اصل شرعي
[4]. الرد على شبهة انه لم يفعلها الصحابة :اجتمع الصحابة لتكريم نبيهم ? وشكر الله عليه
[5]. الرد على لماذا لم يأمر بالاحتفال به رسول الله
[6] الرد على توزيع الحلويات
[7] الاحتفال وسيلة شرط كمال الايمان
[8] اول من احدثه من أهل السنة ملك اربل ابن بكتيكين
[9] جواز الذبائح عند مقامات الاولياء لله تعالى
[10] كتب ومؤلفات اهل السنة في المولد النبوي
[11] لماذا نحتفلون بمولده لا بيوم وفاته ؟
[12] لماذا لم يخصص الله عبادة في شهر ربيع الاول مثل رمضان او شهر ذي الحجة
[13] الرد على اختلاف تاريخ مولده
[14] . حقيقة المولد يفيد القدوم
[15] تكريمه من الاشجار والاحجار
[16] خطبة جمعة مقترحة بمناسبة يوم المولد النبوي الشريف
[17] الرد على قولهم لو كان خيرا لسبقونا اليه
[18] تخفيف العذاب لابي لهب لانه اعتق جاريته فرحا بمولد محمد
[19] الرد على انهم خالفوا الاجماع !!
[20] الرد على ان رسول الله بلغنا اياه وامرنا فيه
[21] الرد على ليس لنا عيد غير الفطر والاضحى
[22] لماذا لا نصوم فيه كما فعل الرسول
[***] اسئلة المسابقة للاحتفال بالمولد النبوي
كل التفاعلات:
١٢٩

بيان جهل من يزعم أن يوم الوفاة رسول الله ﷺ هو يوم المولده .

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد الفاتح أما بعد، مع إقتراب يوم مولد سيد الخلق سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم بدأ الوهابية الجفاة في حبه في نشر شبهاتهم المعتادة على أنه لا يجوز إظهار السرور بيوم مولده، ومن أشهر - وأسخف - الحجج التي يطرحونها أنه يوم مولد النبي ﷺ مختلف فيه بينما يوم وفاته مجمع عليه وعلى أنه عليه أفضل الصلاة والسلام قد توفي في ١٢ ربيع الأول ١١هـ فعلى هذا فالمحتفلين بمولد الرسول ﷺ إنما يحتفلون بوفاته لا مولده ! وهذا هو الكذب والتدليس بعينه !! ونقول ردًا على هذا الطرح وقد توكلنا على الله:



[أولاً: إثبات أنه الرسول ﷺ قد ولد في يوم ١٢ ربيع الأول]

بداية فلا شك على أنه الرسول ﷺ قد ولد يوم الإثنين، فعن أبي قتادة الحارث بن ربعي قال: "وَسُئِلَ عن صَوْمِ يَومِ الاثْنَيْنِ، قالَ: ذاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ" (صحيح مسلم ١١٦٢) فمتى وجدنا التاريخ لا يوافق يوم الإثنين جزمنا ببطلانه، ثانيًا فقولنا هذا هو قول جمهور أهل العلم، قال الإمام الجليل ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله: "قال غير واحد من أهل العلم، ومنه كثير مما حفظ عن مالك في هذا المعنى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول عام الفيل ونبيء يوم الاثنين." (الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ ص ١٢٦) ويقول الحافظ ابن كثير: "وَقِيلَ: لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عَفَّانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينَا عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالَا: وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفِيلِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ بُعِثُ، وَفِيهِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفِيهِ هَاجَرَ، وَفِيهِ مَاتَ. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ." (البداية والنهاية ت التركي ٣/ ٣٧٥) وأما باقي الأقوال فهي باطلة، ونحن نذكرها ونحكمها إلى القاعدة التي أصلناها في البداية:


1- أنه ولد في ٢ ربيع الأول وهذا باطل لأنه يوافق الجمعة لا الإثنين.

2- أنه ولد في ٨ ربيع الأول وهو كذلك باطل لأنه يوافق يوم الخميس لا الإثنين كذلك.

3- أنه ولد في ٩ ربيع الأول الموافق لـ ٢٠ إبريل ٥٧١م وهو قول ساقط من جميع الأوجه لأنه ٩ ربيع الأول يوافق بداية ٢ مايو ٥٧٠م والذي هو يعادل يوم الجمعة لا يوم الإثنين !

4- كذلك من قال بأنه الرسول قد ولد في ١٠ ربيع الأول قد أخطئ لأنه يوافق السبت لا الإثنين.

5- أما ما حكته الشيعة من أنه الرسول ﷺ قد ولد في يوم الجمعة الموافق ١٧ ربيع الأول فلا نعلق عليه سوى بأنه ١٧ ربيع الأول يوافق يوم السبت لا الجمعة !!!!!

6- وقد زعم الزبير بن بكار أنه الرسول قد ولد في يوم ١٢ رمضان !! وهو قول باطل لأنه ١٢ رمضان يعادل يوم الخميس، وقد روى الحافظ ابن عساكر في (تاريخ دمشق ٣/ ٩٩) هذا القول عن محمد بن عبد الله السهمي وأنه الرسول ﷺ قد حمل به في عاشوراء وولد في ١٢ رمضان بعد ٢٣ سنة من عام الفيل !!! وبداية ففي سند الرواية المسيب بن شريك وهو متروك الحديث، ثانيًا فبين شهر محرم ورمضان ثمانية شهور ولا يوجد حمل يدوم ثمانية شهور ! ثالثًا هذا مخالف لإجماع أهل العلم وقبلهم صحابة رسول الله على أنه النبي ﷺ قد توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة وأنه قد  ولد عليه السلام في عام الفيل، رابعًا فهذا التاريخ يعادل السبت لا الإثنين ! خامسًا فهذا مخالف لإجماع أهل العلم على أنه الرسول ﷺ قد ولد في شهر ربيع الأول كما سننقله عن الإمام النووي رحمه الله، سادسًا هذا القول مخالف لما ثبت في كتب السير من كون ولادته ﷺ كانت بعد دخول الفيل بخمسة وخمسين يوم، وقد كان دخولهم في منتصف شهر محرم فإذًا كان مولد الرسول ﷺ في الثلث الأول من شهر ربيع الأول.

وراجع هذا الموقع الإسلامي المخصص لمعرفة يوم الأسبوع عن طريق التاريخ الهجري والمخصص للتحويل بين التقويمين الميلادي والهجري للتحقق من ما نقوله:

http://www.muslimphilosophy.com/ip/hijri.htm

وقد تحققت من صحة تلك النتائج عن طريق عدة مواقع آخرى، فثبت أنه الرسول ﷺ قد ولد في ١٢ ربيع الأول سنة ٥٣ ق.هـ ولم يصح شيء خلاف ذلك.

[ثانيًا: بيان أنه الرسول ﷺ لم يتوفى كما زعموا في يوم ١٢ ربيع الأول]

1- أجمع أهل السنة على أنه الرسول ﷺ قد توفي في يوم الإثنين من شهر ربيع الأول، يقول الإمام الطبري رحمه الله: "أما اليوم الذي مات فيه رسول الله ص، فلا خلاف بين أهل العلم بالأخبار فيه أنه كان يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، غير أنه اختلف في اى الاثانين كان موته ص؟" (تاريخ الطبري ٣/ ١٩٩ - ٢٠٠) ويقول الإمام النووي رحمه الله: "وَاتَّفَقُوا أَنَّهُ وُلِدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فِي شَهْرِ ربيع الاول وتوفي يوم الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ" (شرح مسلم ١٥/ ١٠٠) ويقول بدر الدين العيني رحمه الله: "وَلَا خلاف أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم توفّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ" (عمدة القاري ١٨/ ٦٠) وقد سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "في أيِّ يَومٍ تُوُفِّيَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ؟" فقالت: "يَومَ الِاثْنَيْنِ" (صحيح البخاري ١٣٨٧) (صحيح مسلم ٩٤١) وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: "وَمَاتَ لَيْلَةَ الْإِثْنَيْنِ ، فَمَكَثَ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمَيْنِ ، وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ" (مسند أبي حنيفة رواية الحكصفي ١١٧) وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ، فَتُرِكَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ، وَمِنَ الْغَدِ ، وَدُفِنَ لَيْلا" (أنساب الأشراف للبلاذري ١/ ٢٦٧) وقال عكرمة رضي الله عنه: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ فَجَلَسَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ وَمِنَ الْغَدِ حَتَّى دُفِنَ مِنَ اللَّيْلِ" (الطبقات الكبرى ط العلمية ٢/ ٢٠٣) وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ، وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ" (تاريخ أبي زرعة ص ١٥٣) وقال مكحول: "وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ" (دلائل النبوة ٧/ ٢٥٥) وقال ابن شهاب الزهري رضي الله عنه: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ" (الطبقات الكبرى ٢/ ٢٣٢)  وقال الإمام الأوزاعي رضي الله عنه: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ ، قَبْلَ أَنْ يَنْتَصِفَ النَّهَارُ ، وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ" (دلائل النبوة ٧/ ٢٥٦) وقال الإمام محمد الباقر عليه السلام: "تُوُفِّيَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ، فَلَبِثَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَتِلْكَ اللَّيْلَةَ ، وَيَوْمَ الثُّلاثَاءِ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ" (المعرفة والتاريخ ٣/ ٢٦٤) وأعتقد أنه في هذا الكفاية للبرهنة على إجماع الأمة على أنه الرسول ﷺ قد توفي في يوم الإثنين من شهر ربيع الأول.

2- رغم إتفاق أهل العلم على وفاة الرسول ﷺ في يوم الإثنين إلا أنهم أختلفوا في يوم وفاة الرسول ﷺ فقال موسى بن عقبة والليث والخوارزمي أنه توفي ﷺ في الأول من ربيع الأول، وقال ابن الكلبي وأبو مخنف وسليمان التيمي أنه وفاته ﷺ كانت في اليوم الثاني من ربيع الأول، وقال جمهور أهل العلم أنه توفي في الثاني عشر من ربيع الأول وقد فسر القاضي بدر الدين بن جماعة قولهم بأن قال: "يُحْمَلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ أَيْ بِأَيَّامِهَا فَيَكُونُ مَوْتُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثَ عَشَرَ" (فتح الباري ٨/ ١٣٠) وهو القول الصحيح كما سنبين إن شاء الله، وأما ما رواه روى ابن سعد (الطبقات الكبرى ٢/ ٢٠٩) عن علي بن أبي طالب عليه السلام وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنه الرسول ﷺ توفي في ١٢ ربيع الأول فلم يصح، فراويها عنهما هو محمد بن عمر الواقدي وهو متروك متهم بالكذب، فما يزعمه الوهابي من إجماع وهمي على أنه الرسول ﷺ قد توفي في ١٢ ربيع الأول هو محض خرافة لا وجود لها، بل هي خرافة مضحكة باطلة بالأدلة والبراهين كما سنيين بعد قليل.

3- بعد أن نقلنا الإجماع على أنه الرسول ﷺ قد توفي يوم الإثنين في ربيع الأول وإختلاف في تحديد هذا اليوم فنحن نقول بإستحالة أن يكون الرسول ﷺ قد توفي في يوم ١٢ ربيع الأول لأنه هذا التاريخ لم يوافق يوم الإثنين، وإنما وافق يوم الأحد ! (راجع الموقع الذي سبق وأشرنا إليه) وأول من تفطن إلى تلك الإشكالية كان الإمام السهيلي رحمه الله فقال: "وَلَا يَصِحّ أَنْ يَكُونَ تُوُفّيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلّا فِي ((الثّانِي مِنْ الشّهْرِ أَوْ الثّالِثَ عَشَرَ أَوْ الرّابِعَ عَشَرَ أَوْ الْخَامِسَ عَشَرَ)) لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنّ وَقْفَةَ عَرَفَةَ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ كَانَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ التّاسِعُ مِنْ ذِي الْحَجّةِ فَدَخَلَ ذُو الْحَجّةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَكَانَ الْمُحَرّمُ إمّا الْجُمُعَةُ وَإِمّا السّبْتُ فَإِنْ كَانَ الْجُمُعَةُ فَقَدْ كَانَ صَفَرٌ إمّا السّبْتُ وَإِمّا الْأَحَدُ فَإِنْ كَانَ السّبْتُ فَقَدْ كَانَ رَبِيعٌ الْأَحَدَ أَوْ الِاثْنَيْنِ وَكَيْفَا دَارَتْ الْحَالُ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ فَلَمْ يَكُنْ الثّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ بِوَجْهِ وَلَا الْأَرْبِعَاءَ أَيْضًا كَمَا قَالَ الْقُتَبِيّ ... إلخ" (الروض الأنف ت تدمري ٧/ ٥٧٧ - ٥٧٨)، وإنما توفي الرسول ﷺ في يوم ١٣ ربيع الأول ١١هـ الموافق ٨ يونيو ٦٣٢م والدليل على ذلك موافقته يوم الإثنين ودخوله ضمن مجموعة الأيام التي حددها الإمام السهيلي رحمه الله، ويُفسر قول الجمهور بما ذكره القاضي بدر الدين بن جماعة رحمه الله.


فتبين من ما سبق سقوط مزاعم الوهابية وأننا نحتفل بيوم وفاة الرسول ﷺ !

[ثالثًا: بيان أنه على فرض صحة زعمهم فلا حجة فيه]

ثم لنفترض جدلاً أنه الرسول ﷺ قد توفي في ١٢ ربيع الأول - وهو قول باطل - فنحن لا نسلم بأنه إتفاق يوم الوفاة مع يوم المولد ينفي فضل هذا اليوم، وينفي إظهار الفرحة فيه، ونجيب عن تلك الشبهة في نقاط فنقول:-

1- نحن لا نسلم من الأساس بأنه الرسول ﷺ ميت الآن، بل نقول بأنه وفاته كانت مجرد إنتقال مؤقت لحديث: "الأنْبياءُ أحياءٌ في قُبورِهِمْ يُصَلُّونَ" (صححه ألبانيهم في صحيح الجامع ٢٧٩٠ وغيره) ولقوله ﷺ: "حياتي خيرٌ لكم، ووفاتي لكم خيرٌ، تُحْدِثون فيحدثُ لكم، فإذا أنا متُّ عُرِضَتْ عليَّ أعمالُكم، فإن رأيتُ خيرًا حمدتُ اللهَ، وإن رأيتُ شرًّا استغفرتُ اللهَ لكم." (مجمع الزوائد للهيثمي ٩‏/٢٧) (فضل الصلاة للألباني ٢٦) فأفنحزن على من هو حي في قبره وفي مقام خير مقامنا هذا؟!

2- قد قال رسول الله ﷺ: "إنَّ مِن أفضلِ أيّامِكم يومَ الجُمعةِ فيه خلَق اللهُ آدَمَ وفيه قُبِض" (سنن أبي داود ١٠٤٧) (صحيح ابن حبان ٩١٠) وقال الصحابي  سهل الساعدي رضي الله عنه: "إنّا كُنّا نَفْرَحُ بيَومِ الْجُمُعَةِ" (صحيح البخاري ٢٣٤٩) فلم تنفي مسئلة موت سيدنا آدم عليه السلام في يوم الجمعة خيرية هذا اليوم المبارك ولا يجوز أن يُقال لمن يفرح بقدومه أنه إنما يفرح بوفاة سيدنا آدم عليه السلام، أو كيف يفرح به الصحابة رضوان الله عليهم وهو قد وافق كذلك يوم وفاته !!

3- قال الله جل جلاله على لسان سيدنا عيسى عليه السلام: ﴿وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَیَّ یَوۡمَ وُلِدتُّ وَیَوۡمَ أَمُوتُ وَیَوۡمَ أُبۡعَثُ حَیࣰّا﴾ [مريم ٣٣] فسلم على نفسه في يوم ميلاده وفاته، وقال الله عزوجل عن سيدنا زكريا عليه السلام: ﴿وَسَلَـٰمٌ عَلَیۡهِ یَوۡمَ وُلِدَ وَیَوۡمَ یَمُوتُ وَیَوۡمَ یُبۡعَثُ حَیࣰّا﴾ [مريم ١٥] فجعل الله يوم مولده يوم سلام ومحبة كما جعل يوم وفاته يوم سلام ومحبة، فثبت أنه وفاة الإنبياء لا حزن فيها ولا شر.

4- نحن نصوم كل يوم إثنين لما سبق من كونه يوم مولد النبي ﷺ، وقد قال رسول الله ﷺ: "لِلصّائِمِ فَرْحَتانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقاءِ رَبِّهِ." (صحيح البخاري ٧٤٩٢) (صحيح مسلم ١١٥١) فصيامنا بهذا اليوم هو فرحة به، ومع ذلك لا يقول قائل أنتم إنما تفرحون بيوم وفاة نبيكم لأنه قد توفي في نفس اليوم !

5- قال رسول الله ﷺ: "إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ إذا أرادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِن عِبادِهِ، قَبَضَ نَبِيَّها قَبْلَها، فَجَعَلَهُ لها فَرَطًا وسَلَفًا بيْنَ يَدَيْها، وإذا أرادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ، عَذَّبَها ونَبِيُّها حَيٌّ، فأهْلَكَها وهو يَنْظُرُ، فأقَرَّ عَيْنَهُ بهَلَكَتِها حِينَ كَذَّبُوهُ وعَصَوْا أمْرَهُ." (صحيح مسلم ٢٢٨٨) فوفاة الرسول ﷺ هي رحمة لنا، وهي خير كذلك كما سبق في حديث حياتي خير لكم، فلماذا نحزن على ما هو خير من الله ورحمة؟

6- قد أبدع الإمام السيوطي رضي الله عنه في الجواب عن هذه الشبهة إذ قال: "إِنَّ وِلَادَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْظَمُ النِّعَمِ عَلَيْنَا، وَوَفَاتَهُ أَعْظَمُ الْمَصَائِبِ لَنَا، وَالشَّرِيعَةُ حَثَّتْ عَلَى إِظْهَارِ شُكْرِ النِّعَمِ وَالصَّبْرِ وَالسُّكُونِ وَالْكَتْمِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ، وَقَدْ أَمَرَ الشَّرْعُ بِالْعَقِيقَةِ عِنْدَ الْوِلَادَةِ، وَهِيَ إِظْهَارُ شُكْرٍ وَفَرَحٍ بِالْمَوْلُودِ، وَلَمْ يَأْمُرْ عِنْدَ الْمَوْتِ بِذَبْحٍ وَلَا بِغَيْرِهِ بَلْ نَهَى عَنِ النِّيَاحَةِ وَإِظْهَارِ الْجَزَعِ، فَدَلَّتْ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّهُ يَحْسُنُ فِي هَذَا الشَّهْرِ إِظْهَارُ الْفَرَحِ بِوِلَادَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ إِظْهَارِ الْحُزْنِ فِيهِ بِوَفَاتِهِ، وَقَدْ قَالَ ابن رجب فِي كِتَابِ اللَّطَائِفِ فِي ذَمِّ الرَّافِضَةِ حَيْثُ اتَّخَذُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ مَأْتَمًا لِأَجْلِ قَتْلِ الحسين: لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ بِاتِّخَاذِ أَيَّامِ مَصَائِبِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَوْتِهِمْ مَأْتَمًا، فَكَيْفَ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُمْ؟!" (الحاوي للفتاوي ١/ ٢٢٦) فالإسلام إنما يدعو إلى تجديد الأفراح لا الأحزان !!

7- قال الله جل جلاله: ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَ ٰ⁠لِكَ فَلۡیَفۡرَحُوا۟ هُوَ خَیۡرࣱ مِّمَّا یَجۡمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨] والرسول ﷺ من رحمة الله عزوجل لنا لقوله عز من قائل: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء ١٠٧] فأمر الله عزوجل صريح لنا بالفرح بالرسول ﷺ لا بالحزن به والتعزية فيه ! فالرسول ﷺ نعمة عظيمة ورحمة من الله للعالمين، فهو عتقنا من النار وشفيعنا يوم القيامة، وعليه فالمفترض أن نحمد الله ونشكره على تلك النعمة لا العكس !!

8- قد أمرت الشريعة الإسلامية بترك الحداد بعد ثلاثة أيام إلا للزوجة فلها أن تحد على زوجها أربعة أشهر وعشرًا، وقد كره جمهور الفقهاء التعزية بعد ثلاثة أيام، لذا فلا يجوز الحزن على وفاة الرسول ﷺ اليوم أو تخصيص يوم لهذا الغرض بحكم مرور السنين المتطاولة على وفاته عليه أفضل الصلاة والسلام.

ثم كذلك لنفترض صحة ما يزعمونه من عدم وجود أي أدلة على أنه الرسول ﷺ قد ولد في ١٢ ربيع الأول (وهذا باطل لأنه هذا القول بمولده ﷺ في ربيع الأول من عام الفيل محل إجماع، والقول بمولده ﷺ في يوم ١٢ هو قول الجمهور الذي لم يصح شيء خلافه) فما المشكلة؟ المهم هو نية المحتفلين وأسلوبهم البديع في تعبيرهم عن حب النبي ﷺ، وأني لأسئلك، هل إذا وهمت أنه اليوم يوم ميلاد صديقك فقدمت له هدية ما بمناسبة حلول يوم مولده، هل لن يفرح بها بحجة أنه هذا ليس بيوم مولده؟ أم سيفرح بها ويقبلها منك رغم ذلك وستكون تعبير عن مدى حبك له؟ أليس هناك من لا يدري تاريخ مولده ومع ذلك يخصص لنفسه تاريخ إعتباطي في السنة لهذا الغرض ويفرح إذا أحتفل معه أحد بهذا اليوم وكأنه يوم مولده الحقيقي؟ فمما سبق يتبين لك سقوط تلك الحجة على جميع المستويات، وكذب الوهابي على من الصوفية عندما زعم أنهم يحتفلون بوفاة النبي ﷺ !

وإلى ربك المنتهى.


السفير السعودي خالد بن بندر : الحكومة السعودية لاعلاقة لها بالإسلام !

السفير السعودي خالد بن بندر بن سلطان آل سعود يعترف بكفر الحكومة السعودية وأنه لاعلاقة لها بالإسلام !!
هل يستطيع سفير السعودية في لندن أن يقول مثل هذا الكلام دون توجيه من سيده محمد بن سلمان الذي يزعم كذباً بأن دستوره القرآن؟
كم أنت مستحمر أيها المواطن السعودي !!!

الخميس، 7 سبتمبر 2023

الرد على شُبهات القائلين بعدم جواز الإحتفال بالمولد النبوى الشريف.

 الرد على شُبهات القائلين بعدم جواز الإحتفال بالمولد النبوى الشريف.


------------------
/ قولهم : المالكيه لا يُجيزون الإحتفال بالمولد النبوى الشريف وينقلون رأى الفاكهانى وطرفاً من مقالة إبن حاج ليوهمو القارئ أن المُعتمد والمشهور بمذهب الساده المالكيه عدم جواز الإحتفال بالمولد النبوى الشريف .
يُجاب عليهم : هذا ليس بالحق وإليكم الدليل : قال الشيخ عبد الرحمن الجزيرى فى كتابه الفقه على المذاهب الأربعه كتاب الصيام والإعتكاف مبحث الصوم المكروه ناقلاً قول المالكيه الراجح في الصوم المكروه : (( .... ويُكره سرد الصوم وتتابعه لمن يُضعفه ذلك عن عمل أفضل من الصوم ، ويُكره أيضا صوم يوم المولد النبوى لأنه شبيه بالأعياد .... )) وبهذا تعلم أخى القارئ أن المشهور والمُعتمد عند الساده المالكيه تمييز يوم ميلاد النبى  وأنه عندهم كالأعياد ، وأن رأى الشاطبى والفاكهانى من عُلماء المالكيه يمثلون فيه أنفسهم لا مذهبهم فالمعتمد فى المذهب غير ما ذهبو هم إليه كما نقل لك الجزيرى رحمه الله وليس ما أرادوا أن يُوهموك به لينتصروا لرأيهم الضعيف فــأفـهـم .
رد الحافظ جلال الدين السيوطى على الفاكهانى وإبن حاج
ولتكتمل لديك الصوره إليك ردّ الحافظ السيوطى كاملاً من الحاوى للفتاوى / رسالة حسن المقصد فى عمل المولد على جزئين ( أ ، ب ) وفيه رد على من يمنع الإحتفال بالمولد بدعوى وجود إختلاط ، وبدعوى أن يوم مولد النبى الكريم هو يوم موته وإنتقاله الى الرفيق الأعلى  : قال السيد جلال الدين السيوطى رحمه الله تعالى :
( ( أ ) وقد إدعى الشيخ تاج الدين عمر بن علي اللخمي السكندري المشهور بالفاكهاني من متأخري المالكية أن عمل المولد بدعة مذمومة وألف في ذلك كتابا سماه المورد في الكلام على عمل المولد، وأنا أسوقه هنا برمته وأتكلم عليه حرفاً حرفاً ، قال رحمه الله: الحمد لله الذي هدانا لإ تباع سيد المرسلين وأيدنا بالهداية إلى دعائم الدين ويسر لنا اقتفاء أثر السلف الصالحين حتى امتلأت قلوبنا بأنوار علم الشرع وقواطع الحق المبين وطهر سرائرنا من حدث الحوادث والابتداع في الدين أحمده على ما من به من أنوار اليقين وأشكره على ما أسداه من التمسك بالحبل المتين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين صلاة دائمة إلى يوم الدين ، أما بعد فإنه تكررّ سؤال جماعة من المُباركين عن الإجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه المولد هل له أصل في الشرع أو هو بدعة وحدث في الدين وقصدوا الجواب عن ذلك مبينا والإيضاح عنه معينا فقلت وبالله التوفيق : ( 1 ) لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة و لا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين بل هو (2 ) بدعة أحدثها البطالون وشهوة نفس إعتني بها الأكالون بدليل أنا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا إما أن يكون واجبا أو مندوبا أو مباحا أو مكروها أو محرما وليس بواجب إجماعا ( 3 ) ولا مندوباً لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة ولا التابعون المتدينون فيما علمت وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلت ( 4 ) ولا جائز أن يكون مباحاً لأن الابتداع في الدين ليس مباحاً بإجماع المسلمين فلم يبق إلا أن يكون مكروهاً أو حراماً وحينئذ يكون الكلام فيه في فصلين والتفرقة بين حالين أحدهما أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله لا يجاوزون في ذلك الإجتماع على أكل الطعام ولا يقترفون شيئاً من الآثام وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام سرج الأزمنة وزين الأمكنة ، ( 5 ) والثاني أن تدخله الجناية وتقوى به العناية حتى يعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه وقلبه يؤلمه ويوجعه لما يجد من ألم الحيف وقد قال العلماء أخذ المال بالجاه كأخذه بالسيف لا سيما أن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء مع البطون الملأى بآلات الباطل من الدفوف والشبابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الفاتنات إما مختلطات بهن أو مشرفات والرقص بالتثني والانعطاف والإستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الإنشاد والخروج في التلاوة والذكر المشروع والأمر المعتاد غافلات عن قوله تعالى : ( إن ربك لبالمرصاد ) وهذا الذي لا يختلف في تحريمه إثنان ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان وإنما يحلو ذلك لنفوس موتى القلوب وغير المستقلين من الآثام والذنوب وأزيدك أنهم يرونه من العبادات لا من الأمور المُنكرات المُحرمات فإنا لله وإنا إليه راجعون بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدا ولله در شيخنا القشيري حيث يقول فما أجازناه:
قد عرف المنكر وأستنكر المعروف في أيامنا الصعبة
جازوا عن الحق فما للذي * ساروا به فيما مضى نسبة
فقلت للأبرار أهل التقي * والدين لما اشتدت الكربة
لا تنكروا أحوالكم قد أتت * نوبتكم في زمن الغربة
ولقد أحسن الإمام أبو عمرو بن العلاء حيث يقول لا يزال: الناس بخير ما تعجب من العجب، ( 6 ) هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وسام وهو ربيع الأول هو بعينه الشهر الذي توفي فيه فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه. وهذا ما علينا أن نقول ومن الله تعالى نرجو حسن القبول.هذا جميع ما أورده الفاكهاني في كتابه المذكور . إنتهى
وإليك مُلخص رد السيوطى عليه رحمه الله تعالى :
1 / أما قوله لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب و لا سنة ، فيقال عليه نفي العلم لا يلزم منه نفي الوجود، وقد إستخرج له إمام الحُفاظ أبو الفضل بن حجر أصلاً من السنة وأستخرجت له أنا أصلاً ثانياً وسيأتي ذكرها بعد هذا ....
2 / قوله بل هو بدعة أحدثها البطالون وشهوة نفس إعتني بها الأكالون ........
يقال عليه : قد تقدم أنه أحدثه ملك عادل عالم وقصد به التقرب إلى الله تعالى وحضر عنده فيه العُلماء والصُلحاء من غير نكير منهم وإرتضاه إبن دُحية وصنف له من أجله كتاباً فهؤلاء عُلماء مُتدينون رضوه وأقروه ولم ينكروه
3 / وقوله ولا مندوبا لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة ولا التابعون المتدينون .......
يـقــــال عليـــــه إن الطلب في المندوب تارة يكون بالنص وتارة يكون بالقياس وهذا وإن لم يرد فيه نص ففيه القياس على الأصلين الآتي ذكرهما
4 / وقوله ولا جائز أن يكون مباحاً لأن الإبتداع في الدين ليس مباحاً بإجماع المسلمين .
كـــلام غيـر مُسلم لأن البدعة لم تنحصر في الحرام والمكروه بل قد تكون أيضاً مُباحة ومندوبة وواجبة قال النووي في التهذيب الأسماء واللغات البدعة في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله  وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في القواعد البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة قال والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإذا دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة أو في قواعد التحريم فهي محرمة أو الندب فمندوبة أو المكروه فمكروهة أو المباح فمباحة، وذكر لكل قسم من هذه الخمسة أمثلة إلى أن قال وللبدع المندوبة أمثلة: منها إحداث الربط والمدارس وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول ومنها التراويح والكلام في دقائق التصوف وفي الجدل، ومنها جمع المحافل للاستدلال في المسائل إن قصد بذلك وجه الله تعالى، وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي عن الشافعي قال المحدثات من الأمور ضربان أحدهما ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه البدعة الضلالة والثاني ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان نعمت البدعة هذه
4/ قوله فلم يبق إلا أن يكون مكروهاً أو حراماً وحينئذ يكون الكلام فيه في فصلين والتفرقة بين حالين أحدهما أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام و لا يقترفون شيئا من الآثام وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة .....إلى آخره لأن هذا القسم مما أحُدث وليس فيه مخالفة لكتاب ولا سنة ولا أثر ولا إجماع فهي غير مذمومة كما في عبارة الشافعي وهو من الإحسان الذي لم يُعهد في العصر الأول فان إطعام الطعام الخالي عن إقتراف الآثام إحسان فهو من البدع المندوبة كما في عبارة إبن عبد السلام ........
5/ وقوله والثاني أن تدخله الجناية وتقوى به العناية حتى يُعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه وقلبه يؤلمه ويوجعه لما يجد من ألم الحيف وقد قال العُلماء أخذ المال بالجاه كأخذه بالسيف لا سيما أن إنضاف إلى ذلك شيء من الغناء مع البطون الملأى بآلات الباطل من الدفوف والشبابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الفاتنات إما مختلطات بهن أو مشرفات والرقص بالتثني والانعطاف والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الإنشاد والخروج في التلاوة والذكر المشروع والأمر المعتاد غافلات عن قوله تعالى : (إن ربك لبالمرصاد) وهذا الذي لا يختلف في تحريمه إثنان ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان وإنما يحلو ذلك لنفوس موتى القلوب وغير المستقلين من الآثام والذنوب وأزيدك أنهم يرونه من العبادات لا من الأمور المُنكرات المحرمات فإنا لله وإنا إليه راجعون ....إلى آخره
هو كلام صحيح في نفسه غير أن التحريم فيه إنما جاء من قبل هذه الأشياء المُحرمة التي ضُمت إليه لا من حيث الإجتماع لإظهار شعار المولد بل لو وقع مثل هذه الأمور في الاجتماع لصلاة الجمعة مثلاً لكانت قبيحة شنيعة و لا يلزم من ذلك ذم أصل الإجتماع لصلاة الجمعة كما هو واضح وقد رأينا بعض هذه الأمور يقع في ليالي من رمضان عند إجتماع الناس لصلاة التراويح فهل يُتصور ذم الإجتماع لأجل هذه الأمور التي قرنت بها كلا بل نقول أصل الاجتماع لصلاة التراويح سنة وقربة وما ضم إليها من هذه الأمور قبيح شنيع وكذلك نقول أصل الاجتماع لإظهار شعار المولد مندوب وقُربة وما ضُم إليه من هذه الأمور مذموم وممنوع .
6/ وقوله مع أن الشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم وهو ربيع الأول هو بعينه الشهر الذي توفي فيه فليس الفرح فيه بأولى من الحزن ..
جـــوابه أن يقال أولاً أن ولادته  أعظم النعم علينا ووفاته أعظم المصائب لنا والشريعة حثت على إظهار شكر النعم والصبر والسلوان والكتم عند المصائب وقد أمر الشرع بالعقيقة عند الولادة وهي إظهار شكر وفرح بالمولود و لم يأمر عند الموت بذبح ولا غيره بل نهى عن النياحة وإظهار الجزع فدلت قواعد الشريعة على أنه يحسن في هذا الشهر إظهار الفرح بولادته صلى الله عليه وسلم دون إظهار الحزن فيه بوفاته وقد قال إبن رجب في كتاب اللطائف في ذم الرافضة حيث إتخذوا يوم عاشوراء مأتماً لأجل قتل الحُسين لم يأمر الله ولا رسوله بإتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتماً فكيف ممن هو دونهم.))
( ب ) أما نقلهم قول إبن حاج فإنه مبتور ليخدم مُرادهم وإليك قوله كاملاً وتعليق الحافظ السيوطى رحمه الله كما جاء فى الحاوى للفتاوى : قال السيوطى رحمه الله فى نفس المرجع السابق : ( وقد تكلم الإمام أبو عبد الله ابن الحاج في كتابه المُدخل على عمل المولد فأتقن الكلام فيه جداً، وحاصله مدح ما كان فيه من إظهار شعار وشكر، وذم ما إحتوى عليه من مُحرمات ومُنكرات، وأنا أسوق كلامه فصلاً فصلاً قال: (فصل في المولد) ومن جملة ما أحدثوه من البدع مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات وإظهار الشعائر ما يفعلونه في شهر ربيع الأول من المولد وقد إحتوى ذلك على بدع ومُحرمات جُملة فمن ذلك إستعمال المغاني ومعهم آلات الطرب من الطار المصرصر والشبابة وغير ذلك مما جعلوه آلة للسماع ومضوا في ذلك على العوائد الذميمة في كونهم يشغلون أكثر الأزمنة التي فضلها الله تعالى وعظمها ببدع ومُحرمات ولا شك أن السماع في غير هذه الليلة فيه ما فيه فكيف به إذا إنضم إلى فضيلة هذا الشهر العظيم الذي فضله الله تعالى وفضلنا فيه بهذا النبي الكريم  فآلة الطرب والسماع أي نسبة بينها وبين هذا الشهر الكريم الذي من الله علينا فيه بسيد الأولين والآخرين وكان يجب أن يزاد فيه من العبادة والخير شكراً للمولى على ما أولانا به من هذه النعم العظيمة وإن كان النبي  لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئا من العبادات وما ذاك إلا لرحمته صلى الله عليه وسلم لأمته ورفقه بهم لأنه عليه الصلاة والسلام كان يترك العمل خشية أن يُفرض على أمته رحمة منه بهم لكن أشار عليه السلام إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين (ذاك يوم ولدت فيه) فتشريف هذا اليوم متضمن لتشريف هذا الشهر الذي ولد فيه فينبغي أن نحترمه حق الاحترام ونفضله بما فضل الله به الأشهر الفاضلة وهذا منها لقوله عليه السلام (أنا سيد ولد آدم ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي) وفضيلة الأزمنة والأمكنة بما خصها الله به من العبادات التي تفعل فيها لما قد علم أن الأمكنة والأزمنة لا تشرف لذاتها وإنما يحصل لها التشريف بما خصت به من المعاني فانظر إلى ما خص الله به هذا الشهر الشريف ويوم الاثنين ألا ترى أن صوم هذا اليوم فيه فضل عظيم لأنه  ولد فيه فعلى هذا ينبغي إذا دخل هذا الشهر الكريم أن يكرم ويعظم ويحترم الاحترام اللائق به إتباعا له صلى الله عليه وسلم في كونه كان يخص الأوقات الفاضلة بزيادة فعل البر فيها وكثرة الخيرات ألا ترى إلى قول إبن عباس كان رسول الله  أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان فنمتثل تعظيم الأوقات الفاضلة بما إمتثله على قدر إستطاعتنا فان قال قائل قد إلتزم عليه الصلاة والسلام في الأوقات الفاضلة ما ألتزمه مما قد علم ولم يلتزم في هذا الشهر ما ألتزمه في غيره فالجواب أن ذلك لما علم من عادته الكريمة أنه يُريد التخفيف عن أمته سيما فيما كان يخصه ألا ترى إلى أنه عليه السلام حرم المدينة مثل ما حرم إبراهيم مكة ومع ذلك لم يشرع في قتل صيده ولا شجره الجزاء تخفيفاً على أمته ورحمة بهم فكان ينظر إلى ما هو من جهته وإن كان فاضلاً في نفسه فيتركه للتخفيف عنهم فعلى هذا تعظيم هذا الشهر الشريف إنما يكون بزيادة الأعمال الزاكيات فيه والصدقات إلى غير ذلك من القربات فمن عجز عن ذلك فأقل أحواله أن يجتنب ما يحرم عليه ويسكن له تعظيما لهذا الشهر الشريف وإن كان ذلك مطلوبا في غيره إلا أنه في هذا الشهر أكثر إحتراماً كما يتأكد في شهر رمضان وفي الأشهر الحرم فيترك الحدث في الدين ويجتنب مواضع البدع وما لا ينبغي وقد إرتكب بعضهم في هذا الزمن ضد هذا المعنى وهو أنه إذا دخل هذا الشهر العظيم تسارعوا فيه إلى اللهو وللعب بالدف والشبابة وغيرهما ويا ليتهم عملوا المغاني ليس إلا بل يزعم بعضهم انه يتأدب فيبدأ المولد بقراءة الكتاب العزيز وينظرون إلى من هو أكثر معرفة بالتهوك والطرق المبهجة لطرب النفوس وهذا فيه وجوه من المفاسد ثم أنهم لم يقتصروا على ما ذكر بل ضم بعضهم إلى ذلك الأمر الخطر وهو أن يكون المغني شاباً لطيف الصورة حسن الصوت والكسوة والهيئة فينشد التغزل ويتكسر في صوته وحركاته فيفتن بعض من معه من الرجال والنساء فتقع الفتنة في الفريقين ويثور من المفاسد ما لا يحصى وقد يؤول ذلك في الغالب إلى فساد حال الزوج وحال الزوجة ويحصل الفراق والنكد العاجل وتشتت أمرهم بعد جمعهم وهذه المفاسد مُركبة على فعل المولد إذا عمل بالسماع فإن خلا منه وعمل طعاماً فقط ونوي به المولد ودعا إليه الإخوان وسلم من كل ما تقدم ذكره فهو بدعة بنفس نيته فقط لأن ذلك زيادة في الدين وليس من عمل السلف الماضين وإتباع السلف أولى ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد ونحن تبع فيسعنا ما وسعهم انتهى.
قال السيوطى رحمه الله : وحاصل ما ذكره أنه لم يذم المولد بل ذم ما يحتوي عليه من المُحرمات والمُنكرات وأول كلامه صريح في أنه ينبغي أن يُخص هذا الشهر بزيادة فعل البر وكثرة الخيرات والصدقات وغير ذلك من وجوه القربات وهذا هو عمل المولد الذي إستحسناه فإنه ليس فيه شيء سوى قراءة القرآن وإطعام الطعام وذلك خير وبر وقربة، وأما قوله آخراً إنه بدعة فإما أن يكون مناقضاً لما تقدم أو يحمل على انه بدعة حسنة كما تقدم تقريره في صدر الكتاب أو يحمل على أن فعل ذلك خير والبدعة منه نية المولد كما أشار إليه بقوله فهو بدعة بنفس نيته فقط وبقوله ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد فظاهر هذا الكلام أنه كره أن ينوي به المولد فقط ولم يكره عمل الطعام ودعاء الأخوان إليه وهذا إذا حقق النظر لا يجتمع مع أول كلامه لأنه حث فيه على زيادة فعل البر وما ذكر معه على وجه الشكر لله تعالى إذا أوجد في هذا الشهر الشريف سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وهذا هو معنى نية المولد فكيف يذم هذا القدر مع الحث عليه أولا و أما مجرد فعل البر وما ذكر معه من غير نية أصلا فانه لا يكاد يتصور ولو تصور لم يكن عبادة ولا ثواب فيه إذ لا عمل إلا بنية ولا نية هنا إلا الشكر لله تعالى على ولادة هذا النبي الكريم في هذا الشهر الشريف وهذا معنى نية المولد فهي نية مستحسنة بلا شك فتأمل، ثم قال ابن الحاج ومنهم من يفعل المولد لا لمجرد التعظيم ولكن له فضة عند الناس متفرقة كان قد أعطاها في بعض الأفراح أو المواسم ويريد أن يستردها ويستحي أن يطلبها بذاته فيعمل المولد حتى يكون ذلك سببا لأخذ ما اجتمع له عند الناس هذا فيه وجوه من المفاسد منها أنه يتصف بصفة النفاق وهو أن يظهر خلاف ما يبطن إذ ظاهر حاله أنه عمل المولد يبتغي به الدار الآخرة وباطنه أنه يجمع به فضة، ومنهم من يعمل المولد لأجل جمع الدراهم أو طلب ثناء الناس عليه ومساعدتهم له وهذا أيضا فيه من المفاسد ما لا يخفى انتهى، وهذا أيضا من نمط ما تقدم ذكره وهو أن الذم فيه إنما حصل من عدم النية الصالحة لا من أصل عمل المولد. أنتهـى
والله نسأل أن يرحم ويرضى ويجزى عنا الإمام الهُمام والحافظ خاتمة الأعلام السيد الحافظ جلال الدين السيوطى أوسع رحمه وأتم رضى وأوفر جزاء على مادافع به عن حوذة الدين وإمام المُرسلين .

الاثنين، 4 سبتمبر 2023

"حوار مع أدعياء السلفية وبيان فساد إدعائهم بأن االاحتفال بالمولد من بدعة الضلالة "

 "حوار مع أدعياء السلفية وبيان فساد إدعائهم بأن االاحتفال بالمولد من بدعة الضلالة "


- ما هو المولد :
أصل عمل المولد هو اجتماع الناس لتلاوة ما تيسر من القرآن ، وقراءة ما ألف من أخبار في مبدأ أمره( صلى الله عليه وسلم )، وما وقع في مولده من الآيات وبعض خصائصه وشمائله وفضائله، وإنشاد شيء من المدائح فيه ( صلى الله عليه وسلم )، ومن الرقائق التي تحرك القلوب إلى بارئها، والاستماع إلى ما يلقيه المتحدثون من مواعظ فيها لفت النظر إلى بعض مناهج الخير ، والإشادة بفضله ( صلى الله عليه وسلم ) وجهاده، وما أتم الله على يديه من إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ودلالتهم إلى الطريق المستقيم ، ثم الدعاء للحاضرين والمسلمين عامة، ثم يمد لهم سماط يأكلون منه وينصرفون .
وليس في هذا شيء يمكن أن يعترض عليه إذ ليس في أفراده ما ينكره الشرع، كما أنها تهدف إلى تعظيم قدر النبي ( صلى الله عليه وسلم )، وإظها الفرح بمولده، وشكر الله على منته تعالى على الخلق برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .
فإحياء هذه الذكرى ذات هدف نبيل، وهي أسلوب غير مباشر للتذكير بما تم على يده ( صلى الله عليه وسلم ) من صنوف الخير، وسبب من أسباب استمالة القلوب واجتذاب النفوس إلى الخير .
ومن زعم أن المولد عبادة، ودندن حول ذلك فقد فاته أن هذه الذكرى أسلوب اجتماع على صفة مخصوصة يرجى منه خير ديني هو الغاية لهذه الذكرى .
فخلط بين الأسلوب وبين غايته التي لا ينكر مشروعيتها عاقل .
وما أحسن ما كتب المرحوم أنور أبو الجدايل بالعدد 5409 من جريدة "الندوة" الصادرة بتاريخ 12/3/1402 عن بعض أهداف المولد فقال عن مجالسه محبذاً لها أنها اجتماع على الخير، ولا تعدو أن تكون مجالس ذكر وتدارس لسيرته ( صلى الله عليه وسلم )، وأنها سبيل من السبل لتعريف المجتمعات به ( صلى الله عليه وسلم )، والتذكير بأهميته، وبالحق الذي جاء به وأي سبيل يسلك في سبيل ذلك هو سبيل خير .
وإن التذكير بما جاء به ( صلى الله عليه وسلم ) يبدو أكثر فائدة في هذا العصر ، لكبح جماح الدعاوي المنحرفة التي طغت على كثير من المجتمعات .
وإن الاحتفاء بذكره ( صلى الله عليه وسلم ) فيه دفع للصغار وغيرهم إلى استشعار خطر صاحب الرسالة والالتفاف حول دعوته.
وشدد الكاتب على ضمان خلو الاحتفالات من المخالفات الحقيقية، كما أن المنكرات عامة يمكن علاجها بالحكمة والموعظة الحسنة، ودعا إلى ما دعا إليه غيره من عقد مؤتمر من المعارضين والمؤيدين من علماء العالم الإسلامي المعترف بعلمهم عند شعوبهم ودولهم، وذلك سلامة لحسن الاختيار، وبعده عن الهوى، وعن شراء النفوس على أن يمكنوا من حرية المناقشة وإبداء الرأي ، وأن يكون حق الحضور مفتوحاً لمن يريد ليتبين الخطأ من الصواب" اهـ. بمضمونه.
ويرى السواد الأعظم من علماء المسلمين أن إقامة ذكرى المولد بما وصفناه ليس إحداثاً في الدين، ولا تشريعاً فيه، ولا زياد فيه، ولا مضاهاة لما وضعه الله للتعبد به، ولا يشتبه به، بل الاجتماع لذلك هو مزاولة أمر غير منهي عنه، ولا يخالف نصاً ولا أصلاً شرعياً، ويندرج تحت مصلحة مناسبة لما يحققه من أغراض دينية من الغبطة بشمائله وفضائله، والتذكير بمنة الله تعالى به ( صلى الله عليه وسلم ) على الخلائق، وبما وصل عن طريقه من الخير وغرس تعظيمه وكمال محبته، وكمال الإيمان به، وشكر الله على هذه المنة العظيمة، وإحياء القدوة الحسنة في القلوب، وكلها أغراض شرعية معتبرة .
والاجتماع لتلك الغايات، وإن لم يكن بأصله مما تعبدنا الله به، فإن نية تلك الغايات به يصير الاجتماع لذلك قربى إلى الله أسوة بسائر أعمال المسلم التي لم توضع للتعبد بها تتحول إلى قربى بالنية كما في الحديث: "أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر"ولا يشترط لحصول الأجر بها إلا أن يكون الفعل أو القول غير منهي عنه .
وللقلة الشاذة التي تحرم إقامة ذكرى المولد شبه وتشكيكات:
1- منها: قولهم أنه محرم لأنه لم يفعله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا الصحابة ولا التابعون ولا تابعوهم. ولو كان خيراً لسبقونا إليه .
2- ومنها: قولهم أن المولد من العبادات التي لا بد لجواز إقامتها من ورود الإذن بها .
3- ومنها: قولهم أن كل مالم يفعله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا القرون الثلاثة هو محدث الضلالة لحديث: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" وإن التعظيم والشكر لا يتم بالإحداث في الدين .
4- ومنها: قولهم أن إقامة هذه الذكرى تعني اتخاذ يوم الميلاد عيداً لم يعتبره الشارع من الأعياد .
5- ومنها: قولهم أن إقامة هذه الذكرى فيه تشبه بالنصارى في اتخاذ ميلاد المسيح عيداً .
6- ومنها: قولهم أن تخصيص يوم مولده لإقامة هذه الذكرى هو تخصيص لا يوجد ما يقتضيه بزعم أنه لم يرد في الشرع ما يميز يومه وليلته عن سائر الأيام والليالي الأخرى .
7- ومنها: قولهم أن التعبير عن الفرح والسرور والتعظيم والشكر بولادته ( صلى الله عليه وسلم ) وغير ذلك من القاصد، يجب أن يكون في كل الأحوال لا أن تخصص له ليلة حولية من كل سنة .
8- ومنها: القيام أثناء ذكر ولادته.
9- ومنها: قولهم أن المولد يصحبه وقوع منكرات وغلو في المدائح فيحرم لسد الذرائع .
10- ومنها: شبه أخرى من هذا القبيل .
وسنناقشهم في كل ما أوردوه من شبه وتشكيكات، شبهةً شبهةً، ليتبين بإذن الله أنها تهويشات لا محل لها في ميزان العلم والعلماء .
وأسأله تعالى السداد في القول والعمل .
الشبه والتشكيكات
أولاً
قولهم: المولد ما فعله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) – ما فعله الصحابة – ما فعله التابعون. ولو كان خيراً لسبقونا إليه:
قال ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" :
"إن ما تركه الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) مع قيام المقتضى له لا يجوز إحداثه لأن إحداثه من البدع .
قال: وأما ما رآه المسلمون من مصلحة إن كان لسبب أمر أحدث بعد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فهاهنا يجوز إحداث ما تدع الحاجة إليه" اهـ .
ونحن نقول وبالله التوفيق:
إن ذكرى المولد لم يكن سبب يقتضي إقامتها في عهده ( صلى الله عليه وسلم )، أو في عهد القرون الثلاثة، حتى ولا التفكير في إقامتها، وإنما حدث الموجب لإقامتها بعد ذلك حين انصرفت النفوس عن الخير .
وقد سبق القول بأن إحياء الذكرى ذات هدف نبيل، وأسلوب غير مباشر للتذكر بما تم على يده ( صلى الله عليه وسلم ) من صنوف الخير، وسبب من أسباب استمالة القلوب واجتذاب النفوس إلى الخير والصلاح .
وفي عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعهد أصحابه كانت المشخصات تغني عن الذكريات، فكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يعيش بين ظهراني أصحابه يتفقدهم بشخصه، ولا تلم بأحدهم شبهة إلا كشفها، ولا تنزل به غاشية إلا جلاها، ولا يحتك في صدر أي منهم نزعة أو يطرقه وسواس إلا كان عند الرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دواؤه وشفاؤه، وكان يدخل في أنفسهم، وفي مسرى مشاعرهم، ومشارب تفكيرهم، فتعمر قلوبهم بالإيمان، ونفوسهم بالسكينة، وكانوا وهم بهذا الشعور يقطعون المسافات الطويلة بقلب مطمئن ، ونفس ساكنة .
وإنه بعد لحاقه ( صلى الله عليه وسلم ) بالرفيق الأعلى ظلت أفواههم رطبة ندية بسيرته العطرة، يتنسمون منها أرواح الهدى، ويتزودون بخير الزاد .
قلوبهم عامرة مشخصة لذكره ( صلى الله عليه وسلم ) وما تم على يده مما شاهدوه بأعينهم، فكان ( صلى الله عليه وسلم ) مقياساً فصلاً في خواطرهم وآرائهم وأهوائهم ورغباتهم وخلجات نفسهم لا مكان في قلوبهم لهوى نفس .
وأنه لا سبيل بعد هذا كله أن يقال عن إقامة الذكرى: "ما فعلها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) – ما فعلها الصحابة – لو كانت خيراً لسبقونا إليه " ، اللهم إلا أن يقول ذلك من لا يعقل أن الذكريات التي تقام من أجل تحقيق تلك النتائج أو بعضها لا يفكر فيها إلا عندما تفقد المشخصات المبصرة بالعيون، أو عندما يضعف أثرها في القلوب حين يبعد العهد بها .
وكان يغني التابعين وتابعيهم عن التفكير في هذه الذكريات والحاجة إليها ما امتلأت به صدورهم من تلك السيرة العطرة ونتائجها مما شاهدوه من هدي الصحابة ومن بعدهم وما تلقوه منهم. فطبع جلهم على الصلاح لا يفارقون العلم وحلقاته، ويتنافسون في صقل نفوسهم وتزويدها بما ازدهر في عصرهم من علوم القرآن والحديث والسيرة والفقه والأخلاق .
فأنى لمثل هذه النفوس أن تفكر في إقامة الذكرى، بينما القلوب مشحونة بالاتباع، مشخصة فيها السيرة العطرة، وكأن أحداثها مبصرة بأعينهم .
وهذا بالإضافة إلى أن جو الصعيد الرسمي في العهد الأموي الذي كان يلعن فيه علي بن أبي طالب زوج فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ويطارد أولادها ويقتلون: لم يكن يوحى للاحتفاء بذكرى تذكر الناس بما لهؤلاء من شأن .
وكذلك الحال في أوائل عهد الدولة العباسية يوم بدأت مطاردة أهل البيت العلوي، والجدل حول من هو أحق بميراث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في الخلافة، هل هم بنو عمه أم بنو بنته فاطمة "وما كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ممن يورث ولكنه التبرير لشهوة السلطان بأي سبيل" .
ونتيجةً لتأثر المجتمع الإسلامي مما فيه من أصناف الجماعات، وما دخل عليهم من الفتن ، وإطلال الأطماع والشهوات، وتنافس الناس على شؤون الدنيا والانشغال بها: قل من تسعدهم الأوقات بدراسة القرآن الكريم، ومد أيديهم إلى الكتب للاستبصار بسيرة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) والاستئناس بسيرة السلف الصالح .
وكلما تباعد الزمان ساءت الأمور ودعت الحاجة إلى ابتكار أسلوب يذكر الأمة بما هو عليه ( صلى الله عليه وسلم ) من صفات وشمائل، وما أفاض الله به من أنواع الخير كسبب للوقاية من الدعايات والمغريات التي يحارب بها أعداء الإسلام أمة الإسلام .
ولما كان أسلوب التوجيه المباشر هو أسلوب لا يقترب من النفس البشرية. لذا فاللجوء إلى الأساليب غير المباشرة أسلوب ناجح في الوصول إلى صدور الناس واستمالتهم إلى الخير والصلاح .
وانبثق عن هذا فكرة الاحتفاء بذكرى مولد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) للوصول إلى تلك النتائج إذ لا أسهل من الاجتماع في مناسبة على مجلس فيه ذكر وفيه تذكير لإيصال ما يراد إيصاله إلى أهله. وعلى هذا فلا سبيل إلى اعتراض المعترضين على الاحتفاء بهذه الذكرى .
وتنبهت الأمم الإسلامية في المشرق والمغرب إلى ما لهذا الأسلوب من آثار في الوصول إلى صدور الناس وإثارة للعواطف الكريمة التي تثيرها تلك الذكرى وما تحمله من شكر المولى عز وجل على ما من به من إيجاده ( صلى الله عليه وسلم )، وما تنميه في قلوب الأمة من تعظيم لقدر هذا النبي ( صلى الله عليه وسلم )، وإظهار الفرح والسرور بمولده والعرفان لما فاض من طلعته الميمونة في إنارة الطريق وشحن القلوب بجلاله ومحبته وتعظيمه ( صلى الله عليه وسلم )، كلما تجددت تلك الذكرى، فكان فيها جلاء لصدأ القلوب، وجلوس لمجلس خير، يتحقق فيه مبرات وصلات وذكر وقراءة قرآن وإشاعة لسيرته ( صلى الله عليه وسلم )، وكثرة صلاة وتسليم عليه، ومدحه وغرس لحبه الذي لا يتحقق الإيمان إلا به .
وحسب هذا المجلس بركة ما يشاهد فيه من امتلاء القلوب بالخشية، وتذلل الوجه بالضراعة، ورفع الأيدي بالرجاء، واشتغال الألسن بالدعاء، وانكسار النفوس بالتذلل، وصدق الآمال في أرحم الراحمين، وليس في استدرار الرحمة مثل اجتماع الهمم وتعاون القلوب في وقت واحد وصعيد واحد، فلا بدع أن عم الجمع الرحمة ونال بعضهم بركة بعض، ووهب الله مسيئهم لمحسنهم، وطالحهم لصالحهم كما هو الحال في كل اجتماع شرعه الله كالوقوف بعرفات والجماعات والجمع والعيدين وغيرها، وكما هو الحال يوم المحشر الذي تزدحم فيه الخلائق فينال المؤمنين فيه بركات الرسل والأنبياء وعباد الله الصالحين .
فنهج ملوك الدول السلامية وشعوبها على المواظبة على الاحتفال بهذه الذكرى لهذه الغايات .
وكان أكثر الأمم احتفالاً بها بعد مصر : الشام الجزيرة والموصل واليمن وإفريقيا والمغرب والأندلس .
وحتى بعد قضاء صلاح الدين في سنة 567 على الدلة الفاطمية
وانصرافه إلى الاستعداد المستمر لرد غارات الصليبيين لم يحل ذلك دون مواصلة الشعب للاحتفاء بهذه الذكرى حتى إن الملك المظفر أبو سعيد ملك إربل المتوفي سنة 630 وهو أمير تابع لصلاح الدين، وصهره زوج أخته حافظ على الاحتفاء بهذه الذكرى وألف له الحافظ ابن دحية المتوفى سنة 633 حين مر على إربل سنة 604 كتاباً في المولد سماه: "التنوير في مولد البشير النذير" حسن فيه الاحتفال وأقام على ذلك وجوه الاستدلال .
واستمر عمل المولد في سائر أقطار الإسلام على مستوى الحكومات والشعوب منذ نشأت في سنة 362إلى اليوم وتطورت مظاهر الاحتفال بذكراه حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن مما سبق ذكره.
قال السخاوي: ولا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده ويعملون الولائم ويتصدقون في ليلته بأنواع من الصدقات .
وليس المهم من فعله من الحكام أو الشعوب، وإنما من طالع الوفيات وكتب الطبقات والتاريخ يعلم أن القرن الرابع والخامس والسادس والسابع كان زاهراً بالعلماء، ومع ذلك لم ينقل عن أحد منهم إنكاراً على إقامته حتى جاء ابن تيمية المتوفى أوائل القرن الثامن سنة 728 فأنكر فعله شاذاً عن الجمهور .
وإن المرء يستغرب عده المولد من المحدثات الممنوعة مع ما نقلناه عنه أن للمسلمين إحداث ما تقضي به المصلحة وتدعو إليه الحاجة من الأمور التي لم يكن المقتضي لها قائماً في عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا في عهد أصحابه .
فهل كان الصحابة في عهده ( صلى الله عليه وسلم ) وبعد عهده في حاجة إلى إقامة ذكريات تشحذ عزائمهم إلى الاتباع والتعظيم والمحبة وعندهم المشخصات التي شاهدوها بأعينهم، وبقيت حيةً في قلوبهم بعد وفاته ( صلى الله عليه وسلم )، تلقنها التابعون مشافهةً عملاً وعلماً .
ولم يقل بقول ابن تيمية في بدعة المولد إلا فئة تأثرت بأقواله من معاصريه وبعدهم ، كابن الحاج المتوفي سنة 733، والفاكهاني المتوفى سنة 734، والشاطبي المتوفى سنة 790 لما شبه لهم أنه عبادة وإحداث في الدين وزيادة فيه، وفاتهم أن المولد هو أسلوب اجتماعي لتحقيق أغراض دينية مشروعة، فخلطوا بين الأسلوب وبين ما قصد به من تحقيق غايات دينية مشروعة .
ولم يلتفت جماهير العلماء إلى إنكارهم بل المنقول عن جل العلماء وسوادهم الأعظم تحبيذه والتأليف فيه وحضور مجالسه .
قال أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحواد" مادحاً لهذا العمل: "وإنه يحسن ويندب إليه ويشكر فاعله ويثني عليه"اهـ .
والمهم بيانه: إن المقتضي لإقامة الاجتماع لذكرى المولد لم يكن قائماً في عهده ( صلى الله عليه وسلم ) ولا عهد أصحابه كما ذكرناه عن الصحابة ثم التابعين، من عمران القلوب بهديه ( صلى الله عليه وسلم )، حيث أغنت المشخصات عن إقامة الذكريات .
أما حين بَعُدَ العهد وانشغل الناس بالدنيا عن الدراسة والاستبصار بسيرة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وصدأت القلوب، فلا حرج على من اتخذ أسلوباً للوصول إلى صدور الناس في جلاء الصدأ، وليس أنسب من اختيار يوم ميلاده لتشخيص ذكراه في القلوب، واستعراض بعض ما جاء به ترقيقاً للقلوب بأسلوب غير مباشر ، يقرب من النفس البشرية .
فلا سبيل إلى الاعتراض على الاحتفاء بهذه الذكرى لما تحققه من غاية نبيلة سبق ذكرها ... والله الهادي إلى سواء السبيل .
الشبه والتشكيكات
ثانياً
ليس المولد من العبادات التوقيفية :
اعلم أن ما شرعه الله للتعبد به لا يكون إلا بتوقيف من الشارع ولا يكون إحداث ما يشتبه به أو من جنسه إلا بدعة ضلالة إن لم يقم الدليل على إخراجه منها كإحداث أذان في العيد، أو تراويح في شعبان، أو حج إلى مكان غير الأمكنة المشروعة، أو إحداث راتبة تشبه الراتبة الشرعية إلى غير ذلك مما فيه اشتباه غير المشروع بالمشروع.
أما مالم يشرعه الله للتعبد به، ولا يشتبه به، ولا هو من جنس ما شرعه الله للتعبد به، كالمولد مثلاً فإن بعض من أخطأ في التطبيق كابن تيمية والشاطبي ومن قلدهما حاول أن يصوره بأنه من العبادات التي تحتاج إلى توقيف من الشارع ليسلكه في بدعة الضلالة ، وليس الأمر كما ادعوا، ولذا ذهب جمهور العلماء إلى جواز إقامة الاحتفاء بالمولد، وإلى نية اجتذاب النفوس إلى الخير والصلاح بواسطة التذكير بما تم على يده ( صلى الله عليه وسلم ) من صنوف الخير، والإشادة بذلك وبشمائله وفضائله، كل ذلك يجعله قربى إلى الله كسائر أعمال المسلم التي لم يتعبدنا الله بها فإن النية تصرفها إلى القربى،ولا تحتاج مزاولتها إلى توقيف من الشارع وإنما يشترط أن لا يكون العمل منهياً عنه .
ولو كان كل عمل يقصد به التقرب إلى الله يسلك في سلك العبادة التي تحتاج إلى توقيف لأصبحت جميع أعمال المسلم حتى العادات إذا قصد بها التقرب مما يحظر مزاولته إلا بتوقيف من الشارع.
ولا يقول أحد بالتسوية بين عبادة شرعها الله للتعبد بها وبين عمل لم يضع للتعبد به وإنما صرفته النية أن يكون قربى إلى الله .
فمن أطلق القول: "بأن الأصل في العبادات أن لا يشرع فيها إلا ما شرعه الله والأصل في العادات أن لا يحظر إلا ما حظره الله" فقد لبَّس على الناس، لأن العبادة التي تحتاج إلى توقيف من الشارع هي العبادة التي وضعها الشارع للتعبد بها، فلا يجوز الزيادة فيها ولا النقص أو إحداث ما يشتبه بها، بخلاف أعمال المسلم الأخرى فإنه لا يحظر فيها إلا ما حظره الله وكلها صالح لأن يكون عبادة إذا نوى فاعلها التقرب بها إلى الله .
فجعل المولد بدعة في الدين تحكم، لأنه ليس من جنس ما وضعه الله للتعبد به حتى يشتبه به ولم يدع أحد أن الله قد شرعه للتعبد، ولم يتخذه أحد ديناً يضاهي به المشروع من العبادات، ولم يوجب أحد على الناس حضوره، وإنما ينكر على من يمنع من حضوره .
فالزعم بأنه تغيير لدين الله، أو زيادة في الدين، أو اتخاذ دين لم يشرعه الله، أو إحداث في الدين ما ليس منه، أو تشريع في الدين، أو زيادة في ضروريات الدين القطعية وشعائره، إلى آخر تلك العبارات وأمثالها فكل ذلك تهويش .
إذ المولد في حقيقته نشاط اجتماعي قصد به جلاء القلوب مما أصابها من الصدأ، فكان أسلوباً غير مباشر يهدف إلى تحقيق خيرات لا محظور من إقرارها: من إطعام وصدقة وإنشاء شيء من الأشعار في المدائح النبوي والزهدية الباعثة إلى فعل الخير، بالإضافة إلى ما فيه من تلاوة وصلاة على النبي( صلى الله عليه وسلم )، وإظهار السرور بمولده، وشكر الله على إبرازه ومنته به علينا وما ينجم عن ذلك من امتلاء القلوب بالخشية وتذلل الوجوه بالضراعة ، ورفع الأيدي بالرجاء، واشتغال الألسن بالدعاء، وانكسار النفوس بالتذلل، وصدق الآمال في أرحم الراحمين .
وصرف النية إلى تحقيق هذه الأهداف يصرف هذا الاجتماع إلى قربى إلى الله شأن جميع أعمال المسلم التي لم توضع للتعبد بها تصرفها النية إلى قربى .
ومن زعم أنه تحصل منكرات في هذا الاجتماع فليوجه نقده إلى ما يحدث إن صدق لا إلى أصل الاجتماع في هذة المناسبة الكريمة الذي تتحقق فيه أعمال مشروعة وأهداف خيرة .
وبقي بعد هذا أن نبين هدفهم من جعل المولد من العبادات التي تحتاج إلى توقيف من الشارع :
فهم يريدون بادعاء ذلك التنصل من أن يطالبهم أحد بإيراد الأدلة على تحريمه وبدعيته بزعم أنه داخل في العبادات التي تحتاج إلى توقيف فلا يكون جائزاً، بل مسلوك في سلك بدع الضلالة إلا أن يسوق المجيز دليلاً على إخراجه منها كما يدعون .
وهذا الأسلوب منهم هو من باب قلب الأمور، لأن تحريم ما لم يرد تحريمه بدليل هو من أسباب الضلال. وإن من لا يملك الدليل على التحريم ينطبق عليه ما ورد فيمن حللوا وحرموا من عند أنفسهم .
أما من زاول أمراً لم يوضع للتعبد به ولا يشتبه به ولم ينه عنه فلا يقال: إنه اتخذ ديناً، ولا إنه يحتاج إلى توقيف ، وإنما تصيره النية قربى شأن جميع أعمال المسلم الأخرى التي لم يضعها الله للتعبد بها تصير قربى إن نوى بها التقرب إلى الله كما في الحديث: "أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر" .
وحسب الجمهور احتياطاً في قبول الجديد بعد العهود الأولى أن يندرج تحت مصلحة مناسبة، وذلك عند عدم النص أو الإجماع، وأن لا تكون معارضة لنص أو أصل شرعي .
وإقامة ذكرى المولد لا تضاد أصلاً من أصول الشرع ولا دليلاً من دلائله .
وعلى فرض أنه من الأمور المبتدأة بعد العهود الأولى فإنه يكون من القسم المقبول بالإطلاق اللغوي .
وما يتلى فيه من ذكر مولده ومعجزاته وشمائله وفضائله مما يحيي في القلوب القدوة الحسنة والعظة ويذكر بمنة الله به ( صلى الله عليه وسلم ) على الأمة، وما وصل إليها من أنواع الخير من طريقه فيغرس ذلك كمال محبته ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكمال الإيمان به، والمحافظة على تعظيمه ( صلى الله عليه وسلم ) وشكره تعالى على هذه المنة العظيمة، وكل تلك الأمور من الضروريات التي ترجع إلى حفظ الدين ، فمن لم يجد سنداً صحيحاً ودليلاً ناهضاً على درجه في المحدث وبدعة الضلالة التي أطلقها الشرع على محدث يصادم نصاً أو أصلاً شرعياً لا على كل عمل مبتدأ لا يعارض شيئاً من ذلك فعليه أن لا يجزأ على الله بتحريم شيء لا دليل على تحريمه .
وسيأتيك في البحث التالي أنهم استدلوا على تحريمه ودرجه في بدعة الضلالة بما لا دليل فيه على ذلك .
الشبه والتشكيكات
ثالثاً
حديث كل بدعة ضلالة لا يشمل المولد:
ردد الوهابيون كثيراً حديث: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ، وحديث: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" على أنهما دليلان على تحريم المولد وأنه بدعة ضلالة .
وقد علمت مما سبق في بحث البدعة أنه لا دليل في الحديثين على ذلك، لأن المحدث والبدعة في الحديثين مراد بهما الاستعمال الشرعي لها وهو المحدث الذي يتعارض مع النصوص والأصول الشرعية، فذلك هو بدعة الضلالة كما أوضحه الشافعي إذ إنها بمخالفتها للنصوص والأصول الشرعية تكون خارجة عن شرعه ( صلى الله عليه وسلم ) وعلى خلاف منهج تشريعه .
أما المحدث والبدعة بالإطلاق اللغوي وهو الأمر المبتدأ على غير مثال من أمور تجد على الأمة بعد العهود الأولى، فمنه المردود وهو بدعة الضلالة السابقة ، ومنه المقبول لحديث: "من سن سنةً حسنة عمل بها بعده فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة عمل بها بعده فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة".
ولذا فإنه جمعاً بين الأحاديث يتضح أن الكلية في حديث: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" لا يشمل كل أمر مبتدأ إذا لم يعارض النصوص ولا الأصول الشرعية فإن ذلك محمود غير مذموم بنص حديث: "من سن سنة حسنةً" .
إنما تسري الكلية في حديث: "كل محدثة بدعة" على ما يسميه الشرع محدثاً باصطلاحه وعرفه، وهو الذي يعارض النصوص والأصول الشرعية، وهو بدعة الضلالة كما قلنا وهي شر كلها .
والمولد هو من القسم المقبول بالإطلاق اللغوي، لأنه لا يضاد أصلاً من مقاصد التشريع، ولا دليلاً من دلائله، بل هو مندرج تحت أصل شرعي .
ومن يزعم أنه يعارض شيئاً من النصوص أو الأصول الشرعية فعليه أن يسوقها سياقةً تدل على المطلوب لا بسرد الآيات والأحاديث التي هي بعيدة عن دعوى تحريم المولد بها أو أنه من بدع الضلالة .
وأما قولهم أن التعظيم والشكر لا يتم بالإحداث في الدين، فثبوت هذا يتوقف على ثبوت أن المولد من المحدثات الممنوعة في الدين، ودون إثبات ذلك خرط القتاد .
اللهم إلا أن يكرروا الاستدلال على ذلك بحديث: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" وأمثاله مما بينا أنه لا دليل فيه على ذلك، فيكون الأمر منهم عوداً على بدء، وتكراراً ممجوجاً –كما هو في ديدنهم.
التويجري يسوق لتحريم المولد آيات لا دلالة فيها على ذلك :
ساق التويجري في كتابه "الرد القوي" ص 6 آيات جعلها دليلاً على تحريم الموالد وهي بعيدة عن ذلك كل البعد .
فسرد قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} ثم قال: إنها رد على من ابتدع بدعة يزيد بها في الدين ما ليس منه . اهـ .
وسبق القول أنه ليس ثمة من ادعى أن المولد أمر تعبدي، أو
دين ألزم الناس بالأخذ به، أو أوجب الاجتماع لإقامته، أو أوجب على الناس حضوره .
بل هو عندهم مزاولة نشاط اجتماعي لغايات دينية، ولم ينه عنه الشارع صيرته النية قربى بنية تحقيق تلك الغايات، شأن جميع أعمال المسلم الأخرى التي لم يضعها الله للتعبد بها تصير قربى إن نوى بها التقرب .
وسرد قوله تعالى: {وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ثم قال: والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم يأمر أمته أن يتخذوا يوم مولده عيداً وقد نهاهم عن البدع وحذرهم منها .اهـ .
وأقول: ليس في الآية: {وما ءاتاكم الرسول فخذوه }دلالة على أن مالم يأمر به لا يكون إلا محرماً.
ففي حديث البخاري: " دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" ويفسره حديث البزار والطبراني بسنديهما عن أبى الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول ( صلى الله عليه وسلم ) : " ما أحل الله فى كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئا" ثم تلا: {وما كان ربك نسيا }.
فرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لم يقل يا صاحب "الرد القوي" كما قلت واستنبطت : أن ما لا يأمر به الله هو محرم ، بل المعتبر أن الحرام ما ورد نص بتحريمه، أو دلت الشريعة على تحريمه باستعمال الأدلة الشرعية بلا تعسف ولا تكلف، والفرض ما دلت الشريعة على فرضيته ، والسكوت عنه يدل على العفو إلا أن يرد حكم بشأنه من نص أو إجماع أو استنباط بإحدى طرق الاستنباط المعتبرة عند الفقهاء.
وأما قولكم: إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد نهى وحذر فقد سبق أن بينا لك ولأمثالك معنى المحدث، ومعنى البدعة التي نهى الله عنها فاستفد من ذلك وكن من الشاكرين .
وسرد أيضا قوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} ثم قال: ففيها تخذير مخالفة سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته .
قال: وفي الآية تهديد ووعيد لمن خالف الأمر الذي كان عليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بزيادة على المشروع أو نقص عنه . فالاحتفال بليلة المولد واتخاذها عيدا لم يكن من هدي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإنما هو من المحدثات ، فهو داخل فيما حذر الله منه ولو كان في الاحتفال خير لسبق إليه الصحابة .اهـ .
وأقول : لما لم يفهم الوهابيون المراد من وصفه ( صلى الله عليه وسلم ) للفرقة الناجية: "بأنها هي التي تكون على مثل ما هو عليه ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه" أكثروا في كل أمر يريدون سلكه في سلك "بدع الضلالة" من التعبيرات: "ما فعله النبي ( صلى الله عليه وسلم )، ما فعله الصحابة، ما فعله التابعون، لو كان خيرا لسبقنا إليه الصحابة".
وفرق كبير بين قوله ( صلى الله عليه وسلم ): "على مثل ما أنا عليه وأصحابي" وبين تعبيراتهم هذه.
فالأول: يعني عدم قبول ما أحدث على خلاف مناهجهم وطرقهم في استنباط الأحكام من الأدلة، أي عدم قبول ما يصادم قواعد الشرع ، فذلك هو المخالف لما هو عليه وأصحابه ، وهو الذي ليس من دينه ( صلى الله عليه وسلم )، وليس من أمره ولا سبيله ولا منهاجه ولا طريقته ولا سنته ولاشريعته.
وأما ما يرددون من عبارات فهو يعني أنه لا يقبل جديد من الحوادث مما يجد على الأمة من بعده ، وبعد الصحابة، وهذاجمود لا
يتناسب مع شمول شريعته ( صلى الله عليه وسلم ) لما كان وما سيكون من الحوادث.
فحصر السنة على ما وجد في العهود الثلاثة الأولى، وجعل ما حدث بعدها بدعة ضلالة، دون نظر إلى معارضة ذلك لقواعد الشرع أو عدم معارضته لا يذهب إليه إلا جامد متحجر.
وحري بالقلة التي أكثرت من تلك التعبيرات وزعمت أن كل جديد بعد العهود الثلاثة هو بدعة ضلالة أن تتهم بسوء الفهم وبالشذوذ.
وقد وضحنا في مبحث البدعة أن المحدث في اصطلاح الشرع وعرفه هو المحدث الذي يعارض النصوص والأصول، وهذا هو الذي ينطبق عليه: أنه المخالف لشرعه والخارج عن أمره ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته.
والآية التي سردها إنما تحذر من مثل هذا. وأما ما لا يصادم نصا ولا أصلا شرعيا، وتتحقق به مصلحة مناسبة للتشريع، فليس من المحدث المعني في حديث: " كل محدثة بدعة"، ولا في: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه رد"، وليس مذموما ولو وقع بعد العهود الثلاثة، ولا خارجا عن الشرع، ولا عن أمره ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولا عن طريقته وسنته ومنهج تشريعه.
وإلى هذا القسم الإشارة بقوله ( صلى الله عليه وسلم ) " من سن سنة حسنة " (الحديث).
فلا يقال في مثل هذا: إن فاعله قد خالف الأمر الذي كان عليه( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه ولا خارجا عن هديه فهو بعيد عن مفهوم الآية التي ساقها.
وسرد أيضا قوله تعالى :{اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} ثم قال: فاتخاذ ليلة المولد عيدًا هو من اتباع الأولياء الذين ابتدعوا إحياء ليلة المولد.
كما سرد أيضا قوله تعالى :{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله} ثم قال: واتباعه لا يحصل إلا بالتمسك بهديه وترك ما ابتدعه المبتدعون من بعده.
وأقول :حيث لم يقم على تحريم المولد حتى الآن أي دليل ناهض، ولا أنه مخالف لهديه ( صلى الله عليه وسلم )، ولا على أنه يعارض نصا أو أصلا شرعيا، بل هو مندرج تحت مصلحة مناسبة للتشريع، فإلى أن يجد المستدل الدليل الناهض على بدعية المولد فبإمكانه حينئذ أن يستدل بالآيتين على اجتنابه لا قبل ذلك.
وعلى ضوء هذا قل لي: من هو الأحق بوصف المبتدع، هل هم السواد الأعظم من العلماء الذين تلقوا المولد بالقبول وألف فيه أو رد على منكريه منذ نشأته إلى اليوم من أمثال الحفاظ: ابن دحية وأبي شامة والعراقي وابن رجب الحنبلي والجزري وابن ناصر الدمشقي وابن حجر و السخاوي والسيوطي وملاعلى القاري وابن الديبع، وغيرهم من علماء الجامعات الإسلامية على توالي القرون في أزهر مصر، وزيتونة تونس، ومعاهد المغرب، وجُلُّ علماء المسلمين شرقا وغربا من الذين لا ينكرون على إقامة ذكرى المولد،ويحضرون مجالسه، وينافحون عن جوازه. أم الأحق بوصف الابتداع هم الفلول المحرمة له بدون برهان؟ مع قول ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه حين خطب بالجابية مما رواه الترمذي: "إياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد".
الشبه والتشكيكات
رابعاً
زعمهم أن إقامة ذكرى المولد هي زيادة على الأعياد المشروعة:
استدل التويجري على بدعية المولد كما في ص 39 من رده "بأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قد شرع لأمته سبعة أعياد: هي يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم الأضحى ويوم عرفة، وأيام التشريق الثلاثة. وأطال – كعادته بسرد النصوص الواردة في كل يوم من هه الأيام .
ثم قال في ص 192: فمن زاد على هذه الأعياد السبعة عيداً غيرها فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، والاحتفال بالمولد النبوي من الأعياد الزائدة على ذلك .
وفي ص43 قال: إذ علم أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم يشرع لأمته عيداً سوى السبعة الأيام فما سوى ذلك من الأعياد فهو بدعة ضلالة" اهـ.
وأقول :
أورد التويجري نصوصاً متفرقة بأن يوم الجمعة عيد مثلاً، ونصوصاً بأن يوم الفطر عيد وهكذا إلخ. السبعة أيام فكيف استنبط الحصر من هذه النصوص المتفرقة وأن ما سواها بدعة وتشريع لما لم يأذن به الله .
بل هو قد أورد فيما سرد بص 42 حديثين يدلان على خلاف ما استنبط وخلاصة ما جاء في الحديثين :
الأول: قال أنه رواه ابن جرير والطبراني في "الأوسط" أن كعباً قال لعمر رضي الله عنه: "لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية يريد :{اليوم أكملت لكم دينكم} لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيداً يجتمعون فيه، والمكان الذي أنزلت فيه، يوم الجمعة ويوم عرفة" وكلاهما بحمد الله لنا عيد .
الثاني: قال إنه رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يهودياً قال لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيداً، فأجابه ابن عباس بمثل ما أجاب به عمر .
وأنت ترى أنه ليس في حديث عمر ولا ابن عباس ما يدل على إنكارهما أن يتخذ يوم نزولها عيداً، بل أخبرا أن نزولها قد صادف يوم عيدين يجتمع فيهما الناس هما يوم الجمعة ويوم عرفة .
ثم من أين للتويجري أن الاحتفال بالمولد هو من اتخاذه عيداً اللهم إلا أن يكون الجامع عنده هو الفرحة مثلاً بميلاده ( صلى الله عليه وسلم ) وبعثته وما وصل من الخير على يديه .
فإن أراد هذا فليعلم أن تلك الفرحة هي وسيلة من أُشرب قلبه حب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وما له مساس برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .
وليست هذه الفرحة مماتسلك الاحتفاء بالمولد في سلك الأعياد السبعة، لأن هذه الأعياد السبعة مشتملة على عبادات خصها الشارع بها. والمسلمون بحمد الله لا يدعون في المولد أنه عبادة، بل هو عندهم أمر غير ممنوع يزاوله الناس فيكون قربى بنية الفرحة به ( صلى الله عليه وسلم ) وتعظيمه،وشكر الله على ما من علينا به، وتحيق خيرات ونفع عام بواسطته، وذلك ليس خاصاً بالمولد بل هو شأن جميع أعمال المسلم التي لم يشرعها الله للتعبد بها، فإنها تصير قربى إذا نوى المرء التقرب بها.
ولذا فإن قول ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" : أن العيد "شريعة من الشرائع فيجب فيها الاتباع لا الابتداع فما شرعه الله اتبع وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه" اهـ. محل نظر في تطبيقه على إقامة ذكرى المولد لأن أحداً لم يسلكه في سلك الأعياد التي اعتبرها الشارع لاشتمال هذه على عبادات خصها الشارع بها،ولم يدع أحد أن المولد أمر تعبدي، بل هو نشاط اجتماعي لتحقيق أغراض دينية مشروعة من الغبطة بمولده والتذكير بشمائله وفضائله ومنة الله تعالى به على الخلائق، وبما وصل من طريقه من الخير وغرس تعظيمه وكمال محبته وكمال الإيمان به، وشكر الله على المنة به وإحياء القدوة في القلوب. ونية تلك الغايات هي التي جعلت ذلك الاجتماع قربى إلى الله أسوة بسائر أعمال المسلم التي لم يشرعها الله للتعبد تتحول إلى قربى بالنية الحسنة .
الشبه والتشكيكات
خامساً
زعموا أن في إقامة المولد تشبهاً بالنصارى :
في ص 26 من كتاب "الرد القوي" للتويجري: أن في إقامة المولد تشبهاً بالنصارى وإن التشبه حرام شديد .
ولا أعلم إن كان يكفيه سنداً للاحتفال بميلاد الأنبياء احتفاء الله تعالى بميلادهم وبحياتهم كلها في قرآن خالد يتلى، فقال عز من قائل عن عيسى عليه السلام: {والسلام علىَّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً} .
وقال عن يحيى عليه السلام: { وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً }.
ومن أحسن الاستنباط يعلم أنه لا يتم تطبيق ما في هذه الآيات إلا بتذكر نعمة الله بميلادهم، والخوارق التي حدثت ، وما أفاض الله على الأمة من خير بواسطتهم .
واختيار الآيات لذكر يوم الميلاد وغيره بالذات ينبئ من أرشده الله بأن شكر النعمة في يوم حدوثها أولى وأنسب وإن كان شكرها واجب في كل الأيام والأزمان .
وبعد هذا فهل الاحتفال بمولده ( صلى الله عليه وسلم ) هو تشبه بالنصارى أم اقتداء بالقرآن في احتفائه .
الشبه والتشكيكات
سادساً
زعموا أن يوم ميلاده ( صلى الله عليه وسلم ) لا مزية له فالاحتفاء فيه تخصيص بلا مخصص :
دأب الوهابيون على التقليل من شأن كل ما له علاقة برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى ولو كانت المزية فيه ثابتة فيكابرون فيها .
سئل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن صيام يوم الاثنين فأجاب السائل بقوله: "ذلك يوم ولدت فيه" وهذا نصٌ صريح في التنويه بذلك اليوم لأنه يوم الميلاد ولحظته .
واعلم أن لحظة الميلاد قيل إنها في نهاية الليلة الثانية عشر، كما قيل إنها في فجر اليوم المذكور، وكل غير منكر لاتصال الفترتين ببعضهما هل هي قبل الفجر أم عند الفجر .
ومن ليس في قلبه جفاء لما له تعلق برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يعلم أن الندب إلى صيام ذلك اليوم بتلك الصيغة هو تخصيص لذلك اليوم بمزية فضل .
ولكن اسمع لما يقوله لك مشايخ الوهابية عن يوم الميلاد وليلته:
1- في ص21 من رسالة للجزائري في منع المولد : "أن ليلة المولد لم يرد لها ذكرٌ على لسان الشارع ولم يخصها بشيء ، ولم يعرف لها سلف الأمة الصالح أي فضل أو مزية بالمرة، وما هي إلا ليلة كسائر الليالي" اهـ .
2- في ص 18 من "الحوار": "أن الصيام في يوم الاثنين ليس لتعظيم ذلك اليوم، وإنما هو لشكر الله على أن منَّ عليه بنعمة النبوة والرسالة ".
3- وفي ص 46 من "الحوار": "أنه لم ينقل عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنهم اعتبروا هذه الليلة عيداً تقام به الاحتفالات ابتهاجاً بمولده ( صلى الله عليه وسلم ) " اهـ .
4- وفي ص 60-80 - 94 - 128 - 190 من كتاب "الرد القوي" للتويجري: "أن ليلة ميلاده ( صلى الله عليه وسلم ) هي كسائر الليالي ولم يكن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يخصها بشيء من الأعمال" اهـ .
5- وفي ص 32 – 33 من "الرد القوي" : "لم يرد عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه خص ليلة المولد أو يومه بشيء من الأعمال دون سائر الليالي والأيام" اهـ .
6- وفي ص 158 من "الرد القوي": "لم يأت عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ما يدل على فضيلة شهر ربيع الأول، إنما جاء الترغيب في صيام يوم الاثنين من كل أسبوع في السنة كلها ، وأن صيامها هو لأنه يوم تعرض فيه الأعمال " اهـ .
7- وفي ص 61 – 62 من "الرد القوي": "أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم يكن يخص اليوم الثاني عشر من ربيع الأول بالصيام، ولا بشيء من الأعمال . وفي عدم تخصيصه دليل على أنه لم يكن يفضله على غيره" اهـ .
8- وفي ص 89 من "الرد القوي": "إن فضل الأزمنة والأمكنة لا يكون بالرأي ولا بالقياس ولا بالاستحسان ، ولكن فضل ذلك يؤخذ عن الله ورسوله" اهـ .
قلت : الهدف من هذه الأقوال: "أنه لا ميزة ولا فضل للحظة
ميلاده التي قيل إنها كانت في فجر يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول أو في ليلة الاثنين متصلة بفجره" .
ولكنهم تنوعوا في الأقوال إخفاء لهذا الهدف، فقالوا مرة لا ميزة لليلته، ومرة قالوا: لا ميزة لليوم الثاني عشر من ربيع الأول .
ولكن التويجري كان أصرح منهم إذ قال: لم يردعن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه خص ليلة المولد أو يومه بشيء من الأعمال دون سائر الليالي والأيام .
وكأنه قد نسي ما ذكره أنه ( صلى الله عليه وسلم ) قد خص يوم الاثنين بندب الصيام فيه، كما أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد نوه بشأن ذلك اليوم بقوله للسائل عن صيامه: "ذلك يوم ولدت فيه" . والتعليل بهذا وارد في صحيح مسلم، وسكوت التويجري عن هذه الرواية الدالة على التنويه بشأن ذلك اليوم واقتصاره على تعليل صيامه لذلك اليوم بذكر ما ورد بأنه يوم تعرض فيه الأعمال، وأنه يحب أن يعرض عمله وهو صائم، يكشف أن النفوس والقلوب منطوية على إخفاء ما فيه إعلاء لشأنه ( صلى الله عليه وسلم )، وتهوين شأن كل ما له مساس بعلو قدره ( صلى الله عليه وسلم ) عند ربه. نسأل الله السلامة .
وشبيه بمحاولة التويجري في إخفاء التنويه بشأن ذلك اليوم لأنه يوم الولادة محاولة ابن منيع حين قال في ص 18 من "الحوار": "إن الصيام في يوم الاثنين ليس لتعظيم ذلك اليوم وإنما هو لشكر الله على أن منَّ عليه بنعمة النبوة والرسالة".
وماذا يقول ابن منيع في إجابته ( صلى الله عليه وسلم ) للسائل بقوله: "ذلك يوم ولدت فيه"؟ أليس هذا نصاً صريحاً في التنويه بتعظيم ذلك اليوم لأنه يوم الميلاد . وإذا لم يكن الصوم ابتهاجاً وشكراً على لحظة الميلاد فبماذا يسميه ابن منيع حين قال : إنه لم ينقل عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الابتهاج بمولده ( صلى الله عليه وسلم ) .
وهل الندب إلى صيام ذلك اليوم إلا جميل ذكر لذلك الوم على لسان الشارع وتخصيص له بالصوم فيه .
وحين قال التويجري في "رده" ص 89: "إن فضل الأزمنة والأمكنة إنما يؤخذ عن الله ورسوله لا بالرأي ولا بالقياس ولا بالاستحسان" اهـ ، ألا يكفيه في فضل يوم الاثنين تنويهه ( صلى الله عليه وسلم ) بيوم الاثنين بصفة صريحة في فضله حين قال ( صلى الله عليه وسلم ): "ذلك يوم ولدت فيه"، فأين هو الرأي أو القياس او الاستحسان في إثبات ذلك الفضل وكأن المقصود هو رص الكلام رصاً .
وهو بهذه العبارات التي سقناها من كلامهم يكشفون عما في قلوبهم من تهوين شأن كل ما له تعلق برسول الله ( صلى الله عليه وسلم )، فنسأله تعالى سلامة الطوية .
ومما ذكرناه يتبين أنه لا مجال للدعوى بأن يوم الميلاد لا خصيصة له وأن مظهر الشكر فيه تخصيص بغير مخصص إذ تعليل الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) لاستحباب صومه بقوله: "ذلك يوم ولدت فيه"يثبت أن لهذا التخصيص أصلاً من السنة، بل إن اختيار هذا اليوم بالذات لأداء شكر النعمة هو أنسب الأوقات لما يأتي في البحث التالي.