الأحد، 31 أغسطس 2025

حكم المولد النبوي ؟!

 ==== حياء المولد النبوي =====


بين التهيب والتسيب
بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على نبينا الكريم ، صاحب اللواء المعقود في كل وقت وحين ، البشير النذير. والسراج المنير...
في كل سنة من مولده صلى الله عليه و سلم، تبعث المعارك الجدلية لهذه المناسبة النورانية، بين محرم لها ومجيز لها، بين مبدع لمحييها، وبين مرحب بها ...
وهي مسألة تضرب في أعماق التاريخ الاسلامي ، بين مؤيد ومعارض ، وكل يحشد أدلته لنصرة مذهبه، وفي خضم هذا الصراع تقع المزايادات والمبالغات. عند الطرفين تخرج أحيانا عن سقف الاختلاف المشروع، ليتعدى ذلك الى معتقدات الأفراد بين التفسيق والتبديع ، ويصل بالبعض الى إلحاقه بالشرك ...
و أنا على يقين أنه لا يمكنني أن أحسم هذه المسألة الخلافية التي تمتد إلى قرون، وقد بحثها فطاحلة علماء المسلمين قديما وحديثا، ليصلوا الى بقاء ما كان على ما كان ، سوى محاولة حشد كل طرف أدلته غير المألوفة واستظهار أدلة أخرى على غير ما هو معتاد، لينتهي الطرفان الى كونها استدلالات إجتهادية يزعم أصحابها أنها مما تطمئن له النفس وتركن له العقول الباصرة والفطرة السليمة .
ويمكن إرجاء إختلاف العلماء في المسألة للأسباب ، والتي يبقى تحريرها يحتاج إلى تجرد واستقراء زائد على المعهود، ويمكن حصرها في هذه العشارية التأصيلية:
#أولا: هل هي من مسائل العقائد أم من مسائل العبادات، أم من مسائل العادات؟
#ثانيا: هل تدخل في باب البدع أم في باب المصالح المرسلة، أم في باب المباحات؟
#ثالثا: هل هي مسألة خلافية أم وقع فيها إجماع ، أم قول جمهور فقهاء ؟
#رابعا: هل الاحتفال هو من قبيل الوسائل أم المقاصد ؟
#خامسا: هل كل ما لم يفعله الرسول صلي الله عليه و سلم، أو الصحب الكرام هو بدعة؟
#سادسا: هل الترك فعل؟ والفرق بينه وبين السكوت والعفو ؟
#ثامنا: هل عدم النقل ، هو نقل للعدم؟
#تاسعا: فرق بين إحياء المولد و ما يقع في المولد! وعلاقة ذلك بسد الذرائع وفتح الذرائع.
#عاشرا : ٱمانة النقل، وحرية التعليق، وفق ما قرره علماء الاستنباط في قواعدهم المحررة والمقررة على مذهب أهل السنة والجماعة.
===========#ختاما:
1_ إن رفع الخلاف في مثل هذه المسائل متعسر .
2_ وتحكيم المقاصد لتضييق الخلاف متيسر.
3_ وحسن الظن بالمخالف من أخلاق المتبصر.
4_ ونشدان القطع في كل المسائل متعذر
5_ والطعن في اجتهاد أهل الحق أسلوب متكرر.
6_ و متتبع عورات العلماء سلوك كل متعثر
7_ و الاعراض والقفز على اجتهادات السابقين صفة كل متكبر.
#فحسن الظن مع سلامة القصد ، قد تخرج صاحبها من دائرة الحرج الى دائرة الفرج، خاصة ممن لهم سبق وسهم في الاسلام ، و أثر ظاهر بين الأنام.
فاجتهد و انتقد ثم اعتقد ، و لكن إياك والاقصاء واحتكار الصواب في مسائل الاجتهاد.
واعلم أن كلام الشارع يحتج به ، وكلام العالم يحتج له ، ففرق بين يحتج به ويحتج له .
فإياك وانزال أقوال العلماء منزلة النصوص، فكل يؤخذ من كلامه ويرد ، الا المعصوم صلى الله عليه و سلم.
ولو سكت من لا يعلم لسقط الخلاف ...
ومن لم يطلع على إختلاف الفقهاء، لم يشم رائحة الفقه ...
وتركت التفصيل لأهل التأصيل ...
اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول ، فيتبعون أحسنه .
========#كتبه:
الدكتور بلخير طاهري الادريسي الحسني المالكي الجزائري.
عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

التأصيل الشرعي لاحتفال المولد النبوي الشريف

 التأصيل الشرعي لاحتفال المولد النبوي الشريف

فلا شك أن أعظم حدثين في تاريخ الإسلام والمسلمين، هو مولد رسول الله صل الله علیه و آله و سلم، وبعثته بهذا الدين العظيم، فهما الحدثان الأبرز اللذان غيرا وجه الأرض، وأزاحا بنورهما ظلام الجهل والجاهلية، والشرك والعبودية لغير الله عزوجل عنهاوإذا كان المسلمون بأمر من رب العالمين عزوجل يحتفلون بمبعثه صل الله علیه و آله و سلم، فيعظمون ليلة نزول القرآن الكريم عليه فيه، بل ويصومون ذلك الشهر الكريم الذي أنزل فيه القرآن الكريم ((شهر رمضان)). فما المانع من احتفالهم بالحدث الآخر المرتبط بذلك النزول؟ ألا وهو حدث المولد الشريف، فإنه في الحقيقة مولد الإسلام والإيمان.
://لمولف :  عبدالرحمن حمدي شافي العبيدي



بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمـــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه وبعد: فلا شك أن أعظم حدثين في تاريخ الإسلام والمسلمين، هو مولد رسول الله صل الله علیه و آله و سلم، وبعثته بهذا الدين العظيم، فهما الحدثان الأبرز اللذان غيرا وجه الأرض، وأزاحا بنورهما ظلام الجهل والجاهلية، والشرك والعبودية لغير الله عزوجل عنها.

وإذا كان المسلمون بأمر من رب العالمين عزوجل يحتفلون بمبعثه صل الله علیه و آله و سلم، فيعظمون ليلة نزول القرآن الكريم عليه فيه، بل ويصومون ذلك الشهر الكريم الذي أنزل فيه القرآن الكريم ((شهر رمضان)). فما المانع من احتفالهم بالحدث الآخر المرتبط بذلك النزول؟ ألا وهو حدث المولد الشريف، فإنه في الحقيقة مولد الإسلام والإيمان، ولولا المولد لما حصل الحدث الثاني، فكلاهما مرتبط ببعضه، وإلى ذلك أشار الحبيب المصطفى صل الله علیه و آله و سلم بقوله عن يوم الإثنين: (ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت أو أنزل علي فيه)[1]، فكلاهما في يوم واحد، هو يوم الإثنين، ليكون يوما لهذين الإثنين، أقصد هذين الحدثين (الولادة والمبعث) فهو اسم على مسمى، ولكل شيء نصيب من اسمه.

قال صاحب سمط النجوم العوالي: ليلة مولده عليه الصلاة و السلام افضل من ليلة القدر من وجوه ثلاثة:

أحدها: إن ليلة المولد، ليلة ظهوره، وليلة القدر معطاة له، وما شرف بظهور ذات المشرف من أجله، أفضل مما شرف بسبب ما أعطيه، ولا نزاع في ذلك فكانت ليلة المولد بهذا الإعتبار أفضل.

الثاني: أن ليلة القدر شرفت بنزول الملائكة فيها، وليلة المولد شرفت بظهوره فيها، ومن شرفت به ليلة المولد، أفضل ممن شرفت به ليلة القدر على الأصح المرتضى فتكون ليلة المولد أفضل.

الثالث: أن ليلة القدر وقع التفضيل فيها على أمة محمد صل الله علیه و آله و سلم، وليلة المولد الشريف وقع التفضيل فيها على سائر الموجودات، فهو الذي بعثه الله رحمة للعالمين، فعمت به النعمة على جميع الخلائق، فكانت ليلة المولد أعم نفعا، فكانت أفضل [2].

وعلى الرغم من تبوء هذه الحادثة المكانة الكبيرة في قلب كل مؤمن، إلا أن هناك من يحاول رفض هذا الإعتقاد، ويرمي فاعليه بالبدعة والضلالة، وعدم إصابة طريق الهدى الذي اختطه السلف الصالح من هذه الأمة.

فوجدت لزاما علي أن أوضح الحق في هذه المسألة، على الرغم من أن الحق واضح فيها، لكن أردت تثبيته بالدليل، والأصول الصحيحة، التي ترفع كل شبهة، أو وسواس يخطر للنفس في هذا الجانب.

والله تعالى أسأل أن يلهمني الرشاد والصواب، وأن يعينني على إيصاله للقاريء، وأن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم، وفي سبيل الذود والدفاع عن رسوله العظيم. والله الموفق.  

الجمعة، 29 أغسطس 2025

وقفات مع قول البعض ان رسول الله ﷺ ترك أو نھی أو لم يفعل ذلك الشيء خشية أن يفرض عل المسلمين !

 
خشية أن يفرض عليهم
وخشيته ﷺ ليست من فرض الله تعالى ذلك على الناس ، وإلا لو أراد الله تعالى ذلك لفرضه سواءً فعله ﷺ أو لم يفعله .
ولكن خشيته من أن الناس هُم يفرضون ذلك على أنفسهم ؛ وذلك بحجة أن النبيّ القدوة ﷺ قد فعله ، وداوم عليه ، إذاً يجب عليهم أن يفعلوه أيضاً ، فيشدّدوا على الناس ما لم يُرد الشارع الحكيم ذلك ! ( ) .
وقد أشار النبيّ ﷺ إلى ذلك بقوله : فيُفْرَض عليهم بالمبني للمجهول ، أو مبني لِما لم يسمى فاعله ، فلم يقل ﷺ إن الله تبارك وتعالى يفرضه عليهم .
صلاة السنة بعد العصر
ومن ذلك : عن عائشة ، رضي الله عنها ، أيضاً ، قالت :
( وَالَّذِي ذَهَبَ بِهِ مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ وَمَا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى ثَقُلَ عَنِ الصَّلاَةِ ،
وَكَانَ يُصَلِّي كَثِيرًا مِنْ صَلاَتِهِ قَاعِدًا - تَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّيهِمَا ،
وَلاَ يُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجِدِ مَخَافَةَ أَنْ يُثَقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ ، وَكَانَ يُحِبُّ مَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ) ( ) .
فمن شفقته على أمته ﷺ ، ومن رحمته بهم ، لم يصلِّ تلك الركعتان في المسجد ، وإلا لولا ذلك لصلاهما في المسجد .
فإنه ﷺ ما كان يريد أن يثقل على أمته ، بل كان يحب أن يخفّف عنهم ، صلى الله عليه وسلم .
فمـن أراد أن يفعل ذلـك فـلا حرج عليه ، وإن لـم يفعله رسول الله ﷺ ، بل ربما يُستحب ذلك ؛ لأن النبيّ ﷺ ، كان يحب ذلك ، ولكن كان هناك مانع معتبر منعه من ذلك ! وليس هناك مانع يمنعنا من ذلك .
معنى ذلك : أن مَن صلاهما في المسجد ، لم يخالف السنة ، وإن لم يفعلها رسول الله ﷺ !
فإن ترك النبيّ ﷺ لذلك العمل ، ليس لمكروهية ذلك العمل ، ولا بسبب أن ذلك العمل ليس فيه خير ، كما يفهمه بعض المسلمين فيقول : لو كان فيه خير لفعله رسول الله ﷺ ! !
تخفيف الصلاة مخافة إفتتان الأم !
ومن ذلك :
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إِنِّي لأَقُومُ فِي الصَّلاَةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ ) ( ) .
فهو ﷺ كان يودّ ، ويريد أن يطيل في الصلاة ، ولكن من رحمته وشفقته على الأم يترك ذلك .
يعني : أن ترك النبيّ ﷺ لعبادة ، أو لعمل ما ، ليس معناه بغضه ، أو كرهه لذلك العمل ، فيعتبره البعض – بناءً على ذلك – أنه مكروه ، أو بدعة ؛ لأن النبيّ ﷺ لم يفعله ، ولو كان خيراً لعمله النبيّ ﷺ !
ويشوّشون على المسلمين بقولهم : هل كان رسول الله ﷺ يعلم ذلك العمل الصالح المتروك ، أم لم يكن يعلمه ؟
فإن قلت : ما كان يعلمه ، فقد رميت النبيّ ﷺ بالجهل ، وهذا كفر ! !
وإن قلت : كان يعلمه ، فيُقال : هل كان عملاً صالحاً ، أم طالحاً ؟
فإن قلت : كان عملاً طالحاً غير صالحٍ ، فقد حكمت على نفسك !
وإن قلت : لا ، بل كان عملاً صالحاً ، فيُقال : فلِمَ لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ هل أنت أفضل من النبيّ ﷺ ؟ !
بل زادوا فـي الطنبور نغمـة ! فقالـوا : إنه لم يعمله أحد في القرون الثلاثة ( الصحابة ، والتابعين ، وتابع التابعين ) فلذلك لا يجوز ! !
أي : جعلوا القرون الثلاثة معصومين مشرّعين ! ! فإذا فعلوا شيئاً فهو جائز ، يجوز للمسلم أن يفعله ، وإذا لم يعمله أحد منهم فلا يجوز ذلك ، ويعتبر بدعة ضلالة ! !
علماً بأنهم يعيرون ويعيبون غيرهم ، ويرمونهم بأنهم يقولون بعصمة غير النبيّ ﷺ ، ومشرعين غيرهﷺ ، وهم أنفسهم يفعلون أكثر من ذلك وأشد ، وربما لا يدرون !
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
فـإن قيـل : ألم يقـل رسـول الله ﷺ : ( خَيْرُ النَّـاسِ قَرْنِـي ، ثُـمَّ الَّذِيـنَ يَلُـونَهُمْ ، ثُـمَّ الَّذِيـنَ يَلُـونَهُمْ ) ( ) ؟
قلنا : نعم ، فكان ماذا ؟ هل قال ﷺ إنهم معصومون مشرعون ، إذا لم يفعلوا شيئاً فلا تفعلوه ؟
بل إنها شهادة من رسول الله ﷺ لخيرية الناس في تلك القرون ، وبأنهم من أفضل الناس !
وليس معنى ذلك أنهم معصومون ، أو يجمد الدين والحياة في ذلك الزمان !
فإن هذا الفهم يوحي بأن هذا الدين قد جاء لتلك القرون الثلاثة فقط ! فلا يجوز للأئمة والعلماء بعـدهم أن يجتهـدوا ، كمـا اجتهد الأئمة في تلك القرون فقادوا الحياة بالإسلام ؛ وعالجوا مشاكل عصرهم ، وأنزلوا النصوص على واقعهم .
وقد اختلفوا فيما بينهم في اجتهاداتهم ، وفهمهم للنصوص ، وهم كانوا بشراً مكلّفون مثلنا . ولاسيما – غير الصحابة – لم يروا رسول الله ﷺ ، مثلنا ، وإن كانوا أخير وأفضل منّا .
ومن هنا نفهم : لماذا يُتّهم المسلمون – من قِبل خصومهم – بالرجعية والتخلف ، وأنهم يريدون العودة إلى حياة الصحراء والجِمال ! !
فهذه الأفهام الخاطئة للنصوص لا تخدم هذا الدين ، بل تعين الخصوم في حربهم للإسلام !
وعن أنس بن مالك ﷺ قال :
( ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من النبيّ صلى الله عليه و سلم وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه ) ( ) .
فيخفف ﷺ ، مخافة على الأم ، وليس بسبب أنه لا أجر في إطالته للصلاة ، أو أفضلية .
عدم وجوب السواك رحمة بالناس !
ومنه : عن أبي هريرة  ، أن النبيّ ﷺ ، قال :
( لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة ) ( ) .
هو ﷺ يعلم أن في السواك أجر ، وفضل كبير ، ويودّ أن يوجبه على الناس ، مع كل صلاة ، ولكنه ﷺ ترك ذلك ، مخافة المشقة على أمته ، فلم يأمرهم به !
أليـس فـي اسـتخـدام السـواك فـي الصـلاة أجـر ؟ فلمـاذا لم يأمر النبيّ ﷺ أمته بذلك ؟ أليس هو ( إستخدام السواك في كل صلاة ) عمل صالح ترك الأمر به ﷺ ، وهو يعلم أنه عمل صالح ؟
نعم تركه لرفع المشقة عنهم ، صلى الله عليه وسلم ، لا أنه ما كان يعرفه ، أو ليس فيه أجر ، كما يريد البعض أن يجعل من هذا الفهم الخاطيء قاعدة ، يحارب بها كل عمل صالح يخدم الإسلام ، بدعوى أن رسول الله  ، لم يفعله ! !
عدم تأخير صلاة العشاء رحمة بالامة !
ومنه : عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال :
( أعتم رسول الله ﷺ ليلة بالعشاء حتى رقد الناس واستيقظوا ورقدوا واستيقظوا فقام عمر بن الخطاب فقال الصلاة قال عطاء قال ابن عباس فخرج نبي الله ﷺ كأني أنظر إليه الآن يقطر رأسه ماء واضعا يده على رأسه فقال ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا ) ( ) .
وفي رواية لعائشة ، رضي الله عنها ، قالت :
( أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ ، وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى، فَقَالَ: «إِنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي» وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: «لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي» ) ( ) .
إن الأصح ، والأحب إلى النبيّ ﷺ أن يصلي العشاء في هذا الوقت ، ولكنه  ترك ذلك من أجل أن لا يشق على أمته .
فقد ترك ﷺ ، الأفضل إلى المفضول ، من أجل أن لا يشقّ على المسلمين ، فكيف يُقال في أمر لم يفعله رسول الله ﷺ ، ولا يخالف الأصول : إنه غير جائز ، لأن النبيّ  ، لم يفعله ، ولو كان خيراً لفعله رسول الله  ؟ !
التخلف عن السرايا حبا بالصحابة والمسلمين !
ومن ذلك أيضاً : عن أبي هريرة - قال : قال رسول الله ﷺ :
( لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت عن سرية ولكن لا أجد حمولة ولا أجد ما أحملهم عليه ويشق علي أن يتخلفوا عني ولوددت أني قاتلت في سبيل الله فقتلت ثم أحييت ثم قتلت ثم أحييت ) ( )
ترك ﷺ ذلك العمل الصالح ، شفقة على أمته .
فلولم يكن ﷺموضع القدوة ، ولو كان حرّا في أن يعمل من الصالحات مايشاء ، لما ترك ذلك .
وترك ﷺ هذا العمل الصالح الشاق ( عدم التخلف في جميع السرايا ) ، المحبوب لديه ، من أجل أمته ﷺ ، لأنهم لا يستطيعون الإقتداء به في ذلك ، فتكون حسرة في قلوبهم ، وهو ﷺ لايحب ذلك لهم ، فترك ذلك العمل الصالح !
تَرْك إعادة بناء الكعبة خوفاً على الناس !
ومنه : عن عائشة ، رضي الله عنها ، أن النبيّ ﷺ قال لها : ( يا عائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض وجعلت له بابين بابا شرقيا وبابا غربيا فبلغت به أساس إبراهيم ) ( ) .
الكعبة المشرفة التـي يطوف حولهـا ملايين المسـلمين ، قِبْلَتهم ، ورمز العبودية والتوحيد ، تركها  على ما بناها المشركون ، على غير أساس ما بناها نبيّ الله ، وخليله ، إبراهيم عليه السلام .
وكان ﷺ يودّ أن يهدمها ، ويعيدها كما كان بناها خليل الرحمن ، إبراهيم عليه السلام . ولكن ترك ذلك مخافة على المسلمين أن تنكر قلوبهم .
فهل يصح أن يُقال : لو كان خيراً لفعله رسول الله ﷺ ؟ !
حزنه ﷺ وندمه حباً للأمة !
ومنه : عن عائشة ، رضي الله عنها ، أيضاً ، أن رسول الله ﷺ خرج من عندها وهو قرير العين ثم رجع وهو كئيب فقال : دخلت الكعبة فأخاف أن أكون شَقَقْتُ على أمتي ( ) .
وذكره الإمام بدر العيني ، رحمه الله ، فقال : [ قالت عائشة :
دخل عَليّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ حَزِين ، فَقلت : يَا رَسُول الله ! خرجت من عِنْدِي وَأَنت قرير الْعين طيب النَّفس ، فَمَا بالك ؟
فَقَـالَ : إِنِّي دخلت الْكَعْبَة ، وودت أَنِّي لم أكن فعلته إِنِّي أَخَاف أَن أكون قد أَتعبت أمتِي من بعدِي )
قلـت : الحَدِيـث رَوَاهُ أَبُـو دَاوُد وَالتِّرْمـِذِيّ وَصَـححهُ ، وَالْحَـاكِم وَصَـححهُ ، وَابْـن خُزَيْمَـة فِــي ( صَحِيحه ) وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا الدُّخُول فِي حجَّته ] ( ) .
يعني : أنه ﷺ ، حزن لدخوله الكعبة الشريفة !
فهل حزنه لهذا الدخول ، وتركه له ، من أجل أنه تبيّن له بأنه ليس بعملٍ صالح ، فيصح بناءً عليه أن يقال : لو كان خيراً لما تركه رسول الله  ولفعله مراراً وتكراراً ؟ !
أم أنه عمل صالح ، مرغوب ، ومندوب إليه ، ولكنّه  ، تركه حتى يبيّن للمسلمين أنه لا حرج على مَن لم يدخلها ؟ !
ماذا نفهم من هذه الأحاديث ؟
في هذه الأحاديث الكثيرة المباركة وغيرها ، حِكَم ، وعِبَر كثيرة ، ولكن الذي يهمنا هنا في موضوعنا هو :
1 – كان النبيّ ﷺ يحب أن يعمل كثيراً من الأعمال الصالحة ، ولكنه ﷺ ، كان يتركها ،
لا كرهاً لها ، ولا لأنها ليس فيها خير ، ولا لأنه ﷺ ما كان يعرفها ،
ولكن رحمة وشفقة على أمته أن يثقل عليهم ، ولولا ذلك لعملها ، ومن ذلك – كما ورد في الأحاديث التي عرضناها - :
أ – كان ر ، أحياناً لا يصلي بعض النوافل في المسجد ، مخافة أن يُثَقِّل على أمته .
ب – كان ﷺ ، يحب أن يُطَوِّل في الصلاة ، ولكنه يترك ذلك ويتجوّز فيها كراهية أن يشق على الأمّ .
ج – كـان ﷺ ، يحب أن تستعمل أمته كلهم السـواك مع كل صلاة ، وكـان يحب أن يوجبه عليهم ، ولكنه ترك ذلك من أجل أن لا يشق عليهم .
د – كـان ﷺ ، يحب أن يؤخر صلاة العشاء إلى أن يذهب عامة الليل ، ويعتبرها ﷺ ، هو وقتهـا ، وكـان يود أن يأمرهم فيصلوها هكذا ، ولكنه ترك ذلـك ، وصلى معهم في الوقت المعلوم عندنا ، خشية أن يشق على أمته .
هـ - كان ﷺ ، يحب أن لا يتخلف عن سرية ، ولكنه ترك ذلك خشية أن يشق على أمته .
و – كان ﷺ ، يحب أن يهدم البيت الحرام ، الذي بنته قريش قبل البعثة ، على غير ما بناه نبيّ الله إبراهيم عليه السلام ، فيعيد بناءه على قواعد ما بناه نبيّ الله إبراهيم عليه السلام ، ولكنه ترك ذلك شفقة ورحمة بالناس أن يؤثر ذلك على إيمانهم ، وتعظيمهم للبيت .
ز – كان ر ، يحب أن يدخل الكعبة الشريفة ، فيصلي فيها ، وقد صلّى فيها ، ثم تمنى أن لم يكن فعل ذلك ، وتركه خوفاً من أن يشق على أمته ويتعبهم في الإقتداء به في ذلك .
2 – وفي هذه الأحاديث المباركة ردّ واضح على الذين يقولون للأعمال الصالحة : لو كان فيها خير لفعلها رسول الله ﷺ !
ومن فضل الله ، تعالى ، علينا أن وصلتنا هذه الأحاديث المباركة ، وتحدث رسول الله ﷺ فيها بوضوح وصراحة ، أنه يحب أعمالاً صالحة ، ولكنه يتركها رحمة وشفقة على أمته ، وإلا لو كان ﷺ حراً في تصرفاته وأعماله ، لعملها !
وكم من أعمال ربما كان ﷺ يحبها ، وتركها – ولم يتحدث عنها – رحمة ، وشفقة !
أعمال عملها هو ﷺ ونهى عنها غيره
وأحياناً كان ﷺ لا يستطيع إخفاء عمل من الأعمال الصالحة التي كان يعمله ، بل يظهر ذلك إضطراراً ، فكان الصحابة رضوان الله عليهم يُقلّدونه ، ويعملون مثله ، فينهاهم عنها ، فلا ينتهون ، فيوافقهم كنوع من العقوبة لهم إشفاقا عليهم ، ورحمة بهم ، لكي ينتهوا ، وذلك مثل صوم الوصال( )
النهي عن صوم الوصال
عن عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما ، قال :
( نهى رسول الله ﷺ عن الوصال قالوا إنك تواصل قال ( إني لست مثلكم إني أطعم وأسقى ) ( ) .
وعن أبي هريرة ،  ، قال :
[ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْوِصَالِ فِى الصَّوْمِ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ : إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : ( وَأَيُّكُمْ مِثْلِى ، إِنِّى أَبِيتُ يُطْعِمُنِى رَبِّى وَيَسْقِينِ ) ،
فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ ، وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ، ثُمَّ يَوْمًا ، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلالَ ، فَقَالَ : ( لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ ) ، كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا .
قال المهلب : لما نهاهم عليه السلام عن الوصال فلم ينتهوا ، بين لهم أنه مخصوص بالقوة بقوله : (إنى لست كهيئتكم) ، لأن الله يطعمه ويسقيه ،
فأرادوا تحمل المشقة فى الاستنان به ، والاقتداء به ، فواصل بهم كالمنكل لهم على تركهم ما أمرهم به من الرخصة ،
فبان بهذا أن الوصال ليس بحرام، لأنه لو كان حرامًا ما واصل بهم ، ولا أتى معهم الحرام الذى نهاهم عنه ] ( )
قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله :
[ قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ ما رواه بن عمر وأبو هريرة أبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَعَائِشَةُ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ )
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن الْوِصَالِ رِفْقًا لِأُمَّتِهِ وَرَحْمَةً بِهِمْ فَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْوِصَالِ فَلَا حَرَجَ لِأَنَّهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَغَيْرُهُ جَمَاعَةٌ يُوَاصِلُونَ الْأَيَّام . . .
وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وإسحاق بن رَاهْوَيْهِ لَا يَكْرَهَانِ أَنْ يُوَاصِلَ الرَّجُلُ مِنْ سَحَرٍ إِلَى سَحَرٍ لَا غَيْرَ
وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا أَيْضًا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَا تُوَاصِلُوا فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ
قَالُوا فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنَّ لِي مُطْعِمًا يطعمني وساقيا يسقيني . . .
وَكَرِهَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ الْوِصَالَ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَلِغَيْرِهِ وَلَمْ يُجِيزُوهُ لِأَحَدٍ
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نهى عن الْوِصَالِ
وَأَنَّهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَخُذُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ .
وَحَقِيقَةُ النَّهْيِ الزَّجْرُ وَالْمَنْعُ
وَقَالُوا لَمَّا قَالَ لَهُمْ أَنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْوِصَالَ لَهُ خَاصَّةً لَا لِغَيْرِهِ كَمَا خُصَّ بِسَائِرِ مَا خُصَّ ﷺ ] ( ) .
فها هنا ينهى رسول الله ﷺ ، نهياً صريحاً عن صوم الوصال ، ومع ذلك لا ينتهي كبار الصحابة والأئمة عن ذلك ! !
هل عدم انتهائهم عن ذلك ، يُعتبر منهم عصياناً ومخالفة لسنة رسول الله ﷺ ؟ !
لا شك أنه لا يُعتبر ذلك عصياناً منهم ومخالفة ، لأن رسول الله ﷺ نهاهم رحمة بهم وشفقة ، ولم ينههم من أجل أنّ ذلك الصيام ليس بعملٍ صالح !
تقبيل الصائم لزوجه
وعن عائشة رضي الله عنها قالت :
( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُنِي وَهُوَ صَائِمٌ، وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟ ) ( ) .
يعني : لا تفعلوا أنتم ذلك ؛ بحجة أنّ رسول الله ﷺ فعله ، لأنّكم لستم مثل رسول الله ﷺ !
لسنا مثل النبيّ ﷺ
قال الإمام السيوطي رحمه الله :
[ قَالَ الْقُرْطُبِيّ هَذَا يدل على أَن مَذْهَب عَائِشَة منع الْقبْلَة مُطلقًا فِي حق غير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنَّهَا فهمت خصوصيته بِجَوَاز ذَلِك ويباشر وَهُوَ صَائِم قَالَ النَّوَوِيّ معنى الْمُبَاشرَة هُنَا اللَّمْس بِالْيَدِ وَهُوَ من التقاء البشرتين ] ( ) .
وقال الإمام النووي رحمه الله :
[ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ هَذِهِ اللَّفْظَةُ تُرْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ الْفَتْحِ وَالْكَسْرِ قَالَ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ حَاجَةُ النَّفْسِ وَوَطَرُهَا يُقَالُ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ إِرْبٌ وَأَرَبٌ وَإِرْبَةٌ وَمَأْرَبَةٌ أَيْ حَاجَةٌ قَالَ وَالْإِرْبُ أَيْضًا الْعُضْوُ
قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَى كَلَامِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَكُمُ الِاحْتِرَازُ عَنِ الْقُبْلَةِ وَلَا تَتَوَهَّمُوا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَنَّكُمْ مِثْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اسْتِبَاحَتِهَا لِأَنَّهُ يَمْلِكُ نَفْسَهُ وَيَأْمَنُ الْوُقُوعَ فِي قُبْلَةٍ يَتَوَلَّدُ مِنْهَا إِنْزَالٌ أَوْ شَهْوَةٌ أَوْ هَيَجَانُ نَفْسٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَأَنْتُمْ لَا تَأْمَنُونَ ذَلِكَ فَطَرِيقُكُمُ الِانْكِفَافُ عَنْهَا ] ( )


هل كل ما فعله الرسول سنة وكل ما لم يفعله بدعة؟ باحثون يجيبون

 

هل كل ما فعله الرسول سنة وكل ما لم يفعله بدعة؟ باحثون يجيبون

أكاديميون: علينا أن لا نقول عن أي فعل جديد لا يتعارض مع الشرع بأنه بدعة، بل هو على أصل الإباحة
أكاديميون: علينا أن لا نقول عن أي فعل جديد لا يتعارض مع الشرع بأنه بدعة، بل هو على أصل الإباحة

تُعرف السنة النبوية عند علماء أصول الفقه بأنها ما صدر عن النبي عليه الصلاة والسلام من قول أو فعل أو تقرير مما يصلح أن يكون دليلا لحكم شرعي، وفيما يتعلق بأفعاله عليه الصلاة فليست كلها من باب التشريع الذي يصلح أن يكون دليلا للأحكام الشرعية. 

ومن الملاحظ أن سوء التعامل مع أفعاله عليه الصلاة والسلام، من غير التفريق بين ما يكون منها على سبيل التشريع، وما يكون منها بحكم الجبلة والطبيعة الإنسانية، أو باعتبارها من قبيل الخبرة البشرية، يفضي إلى الخلط في فهم دلالة تلك الأفعال وما يترتب عليها من توجيهات وأحكام. 

وكذلك الحال فيما لم يفعله عليه الصلاة والسلام، حيث استنبط بعضهم من تركه لذلك الفعل عدم جوازه، بل عده من جملة البدع الحادثة، والتي نهى عنها، وأمر باجتنابها، وهو ما يتطلب من علماء الدين إيضاح طبيعة أفعاله عليه الصلاة والسلام، وكذلك تركه، ما يثير تساؤلات إن كان كل ما فعله الرسول يعد سنة، وهل كل ما لم يفعله يعد بدعة؟

وفي هذا الإطار أوضح أستاذ الفقه وأصوله بالجامعة الأردنية، الدكتور عبد الله الكيلاني أن "أفعال الرسول عليه الصلاة والسلام ليست كلها من قبيل التشريع، بل منها ما فعله بحكم الجبلة البشرية، ومنها ما فعله بوصفه قائدا سياسيا، ومنها ما وقعت منه من باب الخبرة البشرية، وهذا ما كان موضع نظر الأصوليين والفقهاء لفهم دلالة تلك الأفعال على وجهها الصحيح".

 



وأضاف: "لقد جعل العلامة الطاهر بن عاشور في كتابه المقاصد أفعال الرسول عليه الصلاة والسلام على عشرة أبواب، فبعضها على سبيل التشريع، ومنها ما هو على سبيل الإرشاد، والنصح، والتأديب، والإمارة..". 

وواصل الكيلاني حديثه لـ"عربي21" بالقول: "أما بخصوص ما لم يفعله الرسول عليه الصلاة والسلام على الجملة، فلا يكون بدعة إلا إذا قام المقتضي لذلك الفعل في زمانه، لكنه لم يفعله عليه الصلاة والسلام مما يدل على أنه غير مشروع". 

ولفت إلى أن "بعض العبارات التي وردت عن ابن تيمية في الزيادة على ما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام على غير الصفة التي وردت عنه، ما يدخله في دائرة البدع، وقد توسع فيها بعض المتابعين لابن تيمية، فأكثروا من الحكم على مسائل وتصرفات بالبدع".

وذكر الكيلاني أنه "حينما أدخلت مكبرات الصوت إلى الحرم المكي، عدها بعض أتباع المدرسة الأثرية (السلفية) من البدع، لأنها زيادة في صفة الأذان، فناقشهم أحد العلماء سائلا أحد أولئك المشايخ الذين يلبسون النظارات الطبية، هل النظارة التي تلبسها بدعة، فقال: لا، فهي لا تعدو تكبير الصورة، فقال له، وكذلك مكبرات الصوت هذه فهي تكبر الصوت، وتوصله إلى مسافات أبعد، فكيف تكون بدعة"؟

ونقل عن الشاطبي تعريفه للبدعة بأنها "ما لم يكن له أصل.. أو زيادة لم يكن لها أصل وغير داخلة في عموم دليل شرعي" موضحا أن اعتبار أي فعل لم يقم بفعله الرسول عليه الصلاة والسلام بدعة سيفضي إلى تبديع أعمال فعلها الصحابة كجمع القرآن الكريم، وهو ما تردد فيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه بادئ الأمر واستثقله حينما فاتحه عمر بذلك، وما زال به حتى أقنعه به بأنه "فعل خير".

من جهته قال الأكاديمي والباحث الشرعي السعودي، الدكتور إبراهيم عبد الله الحازمي: "ليس كل ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم يعد سنة، فقد يكون من عادات العرب وقومه، مثل لبس العمامة وغيرها، وقد تكون بعض أفعاله من العادات، فلا بد من تحقيق القول في تمييز أفعاله، لمعرفة ما كان منها على سبيل التشريع، أو ما كان منها غير ذلك". 

 

                          إبراهيم عبد الله الحازمي.. باحث سعودي

وأضاف لـ"عربي21": "وفيما يتعلق بأفعاله وتركه عليه الصلاة والسلام، فالقاعدة في ذلك: ما توفر سببه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وتركه ولم يفعله فهذه هي السنة، وفعل الإنسان لذلك الشيء لا يكون بدعة إلا إذا لم يدخل في عموم النصوص ولا خصوصها". 

وأردف لـ"عربي21": "والقاعدة الأصولية تقول (الفعل لا يفيد القول)، والبدعة لها ضوابط زمانية ومكانية وأقسام وأنواع، وهذه الأمور تحتاج إلى أدلة قولية وفعلية، والبدعة استحداث واختراع في دين الله ما ليس منه، ولا يدخل فيها ما دل عليه دليل في مشروعيته أو حث الشارع على فعله ولم يقيده بوقت". 

بدوره قال الأكاديمي الفلسطيني والباحث في الدراسات الإسلامية، الدكتور بلال زرينة: "خلاصة ما توصلت إليه حول هذا الموضوع هو: أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم لشيء لا يدل على وجوبه أو استحبابه، وتركه صلى الله عليه وسلم لشيء لا يدل على تحريمه أو كراهته، إلا إذا قامت قرائن أخرى قولية وحالية ترجح أحد الاحتمالات". 

 

                       بلال زرينة.. أكاديمي وباحث فلسطيني

وأضاف: "فأفعال النبي عليه الصلاة والسلام لها عدة أقسام: أولها ما فعلها بحكم جبلته وطبيعته البشرية مثل أكله وشربه ونومه، فهذه تدخل في باب المباحات، وإن أردت الاقتداء به في ذلك فلا بأس ولك أجر، وثانيها ما هو خاص به كزواجه من تسع نسوة والوصال في الصوم، ولا يجوز لأحد الاقتداء به في ذلك، لوجود نصوص تدل على أن هذه الأشياء مما اختصه الله به".
 
وتابع زرينة لـ"عربي21": "وثالث أقسام أفعاله عليه الصلاة والسلام، ما فعله تشريعا، كطريقة أدائه للصلاة والحج، وهذا واجب علينا الاقتداء به، أما بخصوص تركه عليه الصلاة والسلام لأشياء، فلا يدل ذلك بالضرورة على تحريمها، فقد ترك النبي عليه الصلاة والسلام أكل الضب وهذا لا يدل على تحريمه أو كراهته، وقد ترك فعل أشياء لعدم وجود المقتضي لذلك، كتركه جمع القرآن، لأن الوحي ما زال يتنزل، والنبي بينهم ولا خشية من ضياع شيء من القرآن، وفي عصر أبي بكر وجد المقتضي".
 
وعن تركه عليه الصلاة والسلام لأفعال لوجود موانع معتبرة تمنع من فعلها، بيَّن زرينة أنه "عليه الصلاة والسلام ترك بالفعل أشياء لوجود موانع، مثل تركه قتل عبد الله بن أبي بن سلول، خوفا من حدوث الفتنة، وأن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، وامتنع عن هدم الكعبة وبنائها من جديد على قواعد إبراهيم، لأن القوم حديثو عهد بجاهلية".
 
واستدل ببعض الأحاديث التي يفهم منها ما سبق تقريره وبيانه، منها قوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان، فلا تسألوا عنها"، وحديث "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو".
 
وأردف: "لذا علينا أن لا نقول عن أي فعل جديد لا يتعارض مع الشرع بأنه بدعة، بل هو على أصل الإباحة، وإذا كان هذا الفعل الجديد يتوافق مع أصول الشريعة ومقاصدها فهو سنة حسنة مأجور فاعلها، فالبدعة السيئة هي التي تتعارض مع مقاصد الشريعة ومبادئها أو التي تدخل في باب الزيادة في الشعائر التعبدية كصور وأشكال، بينما التفاصيل جائز فيها الزيادة".
 
ومثّل زرينة في ختام حديثه لذلك بأن "النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على الذي زاد في الصلاة بعد القيام في الركوع، وقال: سمع الله لمن حمده، حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه، وقال للفاعل: لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أولا، واستنبط ابن حجر العسقلاني مشروعية البدعة في باب الذكر وقال هي سنة حسنة، وهذا الذي أقوله يتوافق مع غالب منهج الأصوليين والأشاعرة والمقاصديين، ويعارضه السلفيون من أتباع ابن تيمية".  

===
""" وعن تركه عليه الصلاة والسلام لأفعال لوجود موانع معتبرة تمنع من فعلها، بيَّن زرينة أنه "عليه الصلاة والسلام ترك بالفعل أشياء لوجود موانع، مثل تركه قتل عبد الله بن أبي بن سلول، خوفا من حدوث الفتنة، وأن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه """ ألا بتعارض هذا مع قوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين """ لو فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها """؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟. رأي المتواضع في كل ما يقال وكتب ويكتب على مر العصور والأزمان هو أننا نقلنا الكثير الكثير ما سميناه بالأحاديث النبوية الشريفة التي بلغت حوالي سبعون ألف حديث ثم تمت الغربلة الى ما وصلنا اليه الآن بضعة آلاف ويختلف الجامعون على بعضها والنتيجة دخل المسلمون """ غثاء السيل """ الجاهلون الذين لا يقرؤون بالحائط لا يعلمون الصح من الخطأ لأنهم جهلة لا يقرؤون. والأهم من ذلك كله أن المصطفى صلوات الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين منع كتابة أحاديثه ( ومنها أفعاله ) كي لاتفسر تفسيرا يعارض القرآن الكريم الجامع الشامل لكل شيء ولكن من يتدبر القرآن ليعرف تأويله وقد قال جل جلاله """" لا يعلم تأويله الا الله """". وللتذكير فان هذا الرسول العربي الهاشمي الأمي """ لاينطق عن الهوى """ وقد ترك لنا كتاب الله الذي علينا أن نسير بهداه لأنه كامل مكمل لا ينقصه شيء. ومشكلة غثاء السيل في هذا العصر أن مفاتيهم مثلهم """" فاتو بالحيط """" وأصبح حب الظهور والفهم أهم من الدين نفسه. أتقوا الله رب العالمين وآمنوا أن هذه علامات آخر الزمان شئتم أم أبيتم وكل شيء باذنه وأمره جل جلاله.