السبت، 26 سبتمبر 2026

الخلافيات لا تكون قطعيات… حين يتحول الاجتهاد إلى معركة!

 

الخلافيات لا تكون قطعيات… حين يتحول الاجتهاد إلى معركة!

ليس كل خلافٍ بين العلماء خلافًا ينبغي أن ينتهي إلى رأي واحد، وموقف واحد، وحكم واحد على المخالف.

فهناك مسائل ظنية اجتهادية، اختلف فيها أهل العلم قديمًا وحديثًا، وتعددت فيها أنظارهم بحسب اختلاف الأدلة وطرق فهمها وقواعد الترجيح عندهم.

ولو كانت هذه المسائل تحتمل أن تُحسم دائمًا في صورة قول واحد لا يجوز تجاوزه، لما بقي فيها هذا القدر من الاختلاف عبر القرون، ولما وجدنا أئمة الإسلام يتسع صدر بعضهم لبعض، مع شدة علمهم وتمسكهم بما ظهر لهم من الدليل.

بل إن من أعظم ما يكشف لنا سعة أفق العلماء الأوائل أنهم لم يجعلوا كل مسألة اجتهادية سببًا للقطيعة والتبديع والتصنيف والهجر.

فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم:

لماذا نُشغل المسلمين بما اختلف فيه العلماء، ونحوّل المسائل الظنية إلى قضايا مصيرية، وكأن المخالف فيها قد خرج عن جماعة المسلمين؟

ثم إذا علمنا أن المسألة من مسائل الاجتهاد، وأن علماء الأمة اختلفوا فيها، فلماذا نصرّ على أن نجعلها ميزانًا للحق والباطل، والسنة والبدعة، والموالاة والمعاداة؟!


الإمام مالك… وموقف يكشف فقه الاختلاف

ومن أجمل الأمثلة على ذلك ما وقع للإمام مالك رحمه الله مع الخليفة أبي جعفر المنصور.

فقد عُرض على الإمام مالك أن يُعلَّق كتابه «الموطأ» في الكعبة، وأن يُحمَل الناس على ما فيه؛ توحيدًا لهم وحسمًا للخلاف.

وكان بإمكان الإمام مالك أن يرى أن ما جمعه في كتابه هو الحق الذي ينبغي أن يجتمع الناس عليه.

لكنه لم يفعل.

بل رفض أن يُحمَل الناس على اجتهاده، لأن أصحاب رسول الله ﷺ قد تفرقوا في الأمصار، وحمل كلُّ بلدٍ من العلم والحديث ما بلغه، وقد تكون عند غيره سنة أو علم لم يبلغه هو.

وهذه ليست مجرد قصة تاريخية؛ إنها منهج في التعامل مع الاختلاف.

فالعالم الكبير لا يظن أن ما وصل إليه من العلم هو كل العلم، ولا يتعامل مع اجتهاده وكأنه وحيٌ لا يحتمل الخطأ.

ولهذا نُقل عن الإمام مالك في هذا المعنى أنه قال:

«إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها.»

يا لها من عبارة عظيمة!

العالِم يعرف قدر علمه، ويعرف أيضًا مقدار ما يجهله.


وهنا يظهر الفرق بين العالم والمتعصب

العالم إذا اختلف معك في مسألة اجتهادية، ناقشك بالدليل، وبيّن لك وجهة نظره، وقد يشتد في تقرير ما يراه راجحًا، لكنه لا يجعل كل مخالف له عدوًا للدين.

أما حين تتحول المسألة الاجتهادية إلى معيارٍ لتصنيف المسلمين، تبدأ المشكلة.

فيصبح:

من وافقني فهو على السنة، ومن خالفني فهو مبتدع.

ومن أخذ بهذا القول فهو من أهل الحق، ومن أخذ بالقول الآخر فقد انحرف.

ثم تتسع الدائرة شيئًا فشيئًا:

خلاف فقهي → تصنيف → تبديع → هجر → خصومة → قطيعة.

وهكذا تتحول المسألة التي كانت في كتب الفقه صفحات من النقاش العلمي الهادئ إلى معركةٍ بين المسلمين!


فهل هذه هي الأولويات؟

المشكلة ليست في دراسة مسائل الخلاف، ولا في البحث عن القول الراجح، ولا في الدفاع عما يراه الإنسان حقًا.

إنما المشكلة في أن تتحول المسائل الظنية إلى قضايا قطعية، وأن يُحمَّل المسلمون فوق ما تحتمل المسألة، وأن يصبح الخلاف في فرعٍ فقهي سببًا للعداوة والتصنيف والتشنيع.

لقد كان علماء الأمة يختلفون، ومع ذلك بقيت بينهم مساحة واسعة من الأدب والإنصاف وحسن الظن.

أما نحن، ففي كثير من الأحيان، نختلف في فرعٍ فقهي صغير، ثم نتعامل مع المخالف وكأن بيننا وبينَه خلافٌ في أصل الدين!

وهنا ينبغي أن نعيد ترتيب أولوياتنا:

هل كل مسألة خلافية تستحق أن تستنزف طاقات المسلمين؟

وهل كل خلاف فقهي يستحق أن يتحول إلى قضية ولاء وبراء؟

وهل من الحكمة أن نجعل ما وسّع فيه العلماء دائرةً للخصومة والقطيعة؟


ليست المشكلة في وجود الخلاف… بل في طريقة تعاملنا معه

اختلاف العلماء في بعض المسائل ليس عيبًا في تاريخ الأمة، بل هو جزء من تاريخها العلمي والفقهي.

والذي ينبغي أن نتعلمه من تراثنا ليس فقط ماذا قال العلماء، وإنما أيضًا:

كيف اختلف العلماء؟

كيف ناقشوا؟

كيف رجّحوا؟

كيف خالف بعضهم بعضًا مع بقاء الاحترام؟

وكيف أدركوا أن الإنسان قد يبلغه من العلم ما لم يبلغ غيره؟

إن من أخطر الأخطاء أن نأخذ المسألة المختلف فيها ثم نرفعها إلى مرتبة القطعيات، وبعد ذلك نبني عليها أحكامًا واسعة في الناس.

فليس كل ما نراه راجحًا يصبح بالضرورة قطعيًا، وليس كل من خالفنا في مسألة اجتهادية يصبح مخالفًا للحق في كل شيء.


الخلافيات مجال للاجتهاد… لا ميدانٌ لاستنزاف الأمة

نحتاج اليوم إلى أن نعيد الاعتبار إلى فقه الأولويات، وأن نميّز بين ما يجب أن تجتمع عليه الأمة، وبين ما يسع المسلمين أن يختلفوا فيه.

فلا تجعلوا كل خلافٍ معركة.

ولا تجعلوا كل مسألةٍ اجتهادية امتحانًا للناس.

ولا تجعلوا الفروع التي اختلف فيها العلماء عبر القرون مقاييسَ للإيمان والبدعة، والموالاة والمعاداة.

فقد يكون من أعظم العلم أن تعرف متى تتكلم، ومتى تختلف، ومتى تعذر، ومتى تترك للناس ما وسعهم فيه علماء الأمة.

رحم الله أئمة الإسلام؛ فقد كانوا أعلم بالدليل، وأعرف بحدود اجتهادهم، وأوسع صدرًا في اختلافهم.

والعبرة ليست فقط بأن نعرف قول العالم…

بل أن نتعلم أيضًا أدب العالم مع المخالف.

🌿 «ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك»… درس في فقه الرحمة

 

🌿 «ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك»… درس في فقه الرحمة

ليس من الصعب أن يتحدث الإنسان عن الحق، ولكن الصعوبة الحقيقية أن يحمل الحق بأخلاق رسول الله ﷺ.

فقد يكون الكلام صحيحًا في بعض جوانبه، لكن طريقة عرضه تفسده، وقد يكون المقصود نصرة السنة، ثم يتحول الأسلوب إلى قسوة وتجريح وتصنيف وتخويف وتنفير.

ولهذا لم تكن الرحمة في المنهج النبوي أمرًا هامشيًا، بل كانت جزءًا أصيلًا من الرسالة.

قال الله تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
[الأنبياء: 107]

وقال سبحانه مخاطبًا نبيه ﷺ:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
[آل عمران: 159]

هذه الآية ليست مجرد حديث عن الأخلاق الجميلة، بل تحمل منهجًا كاملًا في الدعوة والتعامل مع الناس.

فالحق الذي يُقدَّم بفظاظة قد ينفّر الناس منه، والنصيحة التي تتحول إلى إهانة قد تفقد أثرها، والدعوة التي تقوم على التخويف من الأشخاص أكثر مما تقوم على بيان الدليل قد تنتهي إلى صناعة الخصومات بدل إصلاح القلوب.


🌿 هكذا كان رسول الله ﷺ

كان النبي ﷺ رحيمًا بأصحابه، رفيقًا بهم، يعرف اختلاف أحوالهم، ويعلم أن الخطأ لا يعني بالضرورة سقوط صاحبه.

ولذلك لم يكن كل خطأ عنده مناسبةً للتشهير، ولا كل اجتهاد مخالف سببًا للخصومة، ولا كل مخالفة في مسألة فرعية مدخلًا إلى الطعن في إيمان صاحبها أو نيته.

ومن أبلغ الأمثلة موقف عمرو بن العاص رضي الله عنه حين احتلم في ليلة باردة، فخشي على نفسه من الاغتسال، فتيمم وصلى بأصحابه.

فلما بلغ ذلك النبي ﷺ سأله عن فعله، فذكر له عذره واحتج بقول الله تعالى:

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾

فجاء في الرواية:

«فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا».

وهنا نتعلم شيئًا عظيمًا:

ليس كل خطأ يُعالج بالتعنيف، وليس كل اجتهاد يُقابل بالتشهير.


🌿 «لا حرج»… كلمة تكشف فقه الرحمة

وفي حجة الوداع ظهرت هذه الرحمة النبوية بصورة أوضح.

كان الصحابة يسألون النبي ﷺ عن تقديم بعض أعمال الحج وتأخيرها، فيقول:

«لا حرج».

قال أحدهم إنه فعل كذا قبل كذا، وقال آخر إنه قدم عملًا على آخر، وكان جواب النبي ﷺ في هذه الصور:

«لا حرج».

تأملوا هذه الكلمة القصيرة:

«لا حرج».

لم يحوّل النبي ﷺ كل اختلاف في ترتيب الأعمال إلى أزمة، ولم يجعل من الخطأ في أمرٍ يسع فيه الاجتهاد سببًا لتحطيم الإنسان نفسيًا أو إسقاطه اجتماعيًا.

لقد كان ﷺ يعرف مواضع التشديد، كما يعرف مواضع التيسير.

وهذا من الفقه.


⚠️ حين يتحول التدين إلى صناعة للخصومات

وهنا تأتي المشكلة التي نراها في بعض الخطابات الدينية المعاصرة.

فبدل أن تكون الدعوة وسيلة لجمع المسلمين على أصول الدين، تتحول أحيانًا إلى مشروع دائم لتصنيف الناس وفرزهم:

هذا مبتدع…

وهذا حزبي…

وهذا خارجي…

وهذا منحرف…

وهذا لا يؤخذ عنه…

وهذا يجب التحذير منه…

ثم لا يكاد الإنسان يفتح بابًا من أبواب العلم حتى يجد نفسه أمام قائمة طويلة من الأشخاص الذين ينبغي الحذر منهم!

ولا يتوقف الأمر عند بيان الخطأ العلمي، بل قد يتحول الخلاف في قضية فقهية أو عقدية أو منهجية إلى خصومة شخصية، ثم إلى إسقاط، ثم إلى تحذير، ثم إلى هجر، وربما إلى إخراج المخالف من دائرة أهل السنة عند بعض المتشددين.

وهنا ينبغي أن نسأل:

أين نحن من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾؟


🌿 المدخلية بين «التحذير» و«الإنسان»

لا يصح أن نعمم على كل من ينتسب إلى السلفية، ولا أن نجعل الحكم على الأشخاص تابعًا لانتمائهم.

لكن من المشروع أن نناقش منهجًا أو ممارسةً أو خطابًا حين يتحول النقد فيه إلى إفراط في التجريح والتصنيف، خصوصًا عندما يصبح الاشتغال بأخطاء الآخرين أكبر من الاشتغال بإصلاح النفس وتعليم الناس.

فقد يكون التحذير من خطأ علمي مشروعًا، وقد يكون نقد قول أو كتاب أو منهج أمرًا طبيعيًا في الحياة العلمية.

لكن المشكلة تبدأ حين يصبح:

التحذير بديلًا عن الحوار،
والتصنيف بديلًا عن الدليل،
والتجريح بديلًا عن النقد العلمي،
والهجر بديلًا عن النصيحة،
والخصومة بديلًا عن الأخوة.

وهذه ليست قضية خاصة باسم جماعة بعينها؛ بل هي مشكلة يمكن أن يقع فيها أي تيار أو جماعة أو مدرسة إذا غلبت عليها روح التعصب.


🌿 ليس كل مخالف عدوًا

من أعظم الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها المتدين أن يتعامل مع المخالف وكأنه عدو لمجرد مخالفته له.

فالناس ليسوا على درجة واحدة:

هناك من أخطأ في مسألة وهو طالب حق.

وهناك من اجتهد فأخطأ.

وهناك من خالف في مسألة اجتهادية معتبرة.

وهناك من أخطأ خطأً بيّنًا.

وهناك من تبنى قولًا لا يصح.

وهناك من يستحق النقد العلمي.

لكن ليس من العدل أن نجعل كل هؤلاء في مرتبة واحدة.

فالفقه الحقيقي يقتضي التفريق بين:

الخطأ والبدعة

المخالفة والانحراف

النقد والتجريح

النصيحة والتشهير

بيان الحق وإسقاط الأشخاص

وهذه الفروق الدقيقة كثيرًا ما تضيع عندما يتحول الخطاب الديني إلى حالة من الاستقطاب.


🌿 السنة ليست مجرد أقوال… بل أخلاق أيضًا

من السهل أن تقول:

أنا أتبع السنة.

لكن السؤال الأهم:

هل تظهر السنة في أخلاقك كما تظهر في كلامك؟

هل في دعوتك رحمة؟

هل في نصيحتك رفق؟

هل تعرف كيف تختلف؟

هل تستطيع أن تقول للمخالف: أخطأتَ، دون أن تحوله إلى عدو؟

هل تستطيع أن تنتقد قولًا دون أن تهدم صاحبه؟

هل تستطيع أن ترد على عالم أو داعية دون أن تجعل الرد مناسبةً لإهانته؟

هل تستطيع أن تقول:

«هذا القول غير صحيح»

دون أن تضيف إليها:

«وصاحبه مبتدع، ضال، منحرف، لا يؤخذ عنه، ويحذر منه»؟

إننا بحاجة إلى استعادة هذا الفقه النبوي.


🌿 الرحمة لا تعني ترك الحق

وليس المقصود من الكلام السابق أن نسكت عن الخطأ، أو أن نساوي بين الحق والباطل، أو أن نترك إنكار المنكر، أو أن نقول إن كل الأقوال صحيحة.

أبدًا.

الرحمة لا تلغي الحق، والرفق لا يعني المداهنة.

لكن الإسلام يعلمنا أن الحق له أسلوب، والنصيحة لها أدب، والخلاف له أخلاق، والنقد له ضوابط.

فالرسول ﷺ كان يبين الخطأ، وينكر المنكر، ويصحح المفاهيم، لكنه لم يكن فظًا غليظ القلب.

وهذه هي المعادلة التي نحتاج إليها:

حقٌّ بلا قسوة.
ونصيحةٌ بلا إهانة.
نقدٌ بلا تشهير.
اختلافٌ بلا عداوة.
ثباتٌ على المبدأ مع رحمة بالإنسان.


🌿 «فليسعنا ما وسعهم»

لقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم، واختلف الأئمة والفقهاء من بعدهم، ولم يكن اختلافهم في كل مسألة سببًا لتحويل الأمة إلى معسكرات متناحرة.

وكان من أعظم ما يميز علماء الأمة إدراكهم أن مسائل الاجتهاد ليست كالمسائل القطعية، وأن اختلاف العلماء في الفروع لا يعني أن أحد الطرفين أصبح خارج دائرة الإسلام أو السنة.

ولهذا نحن بحاجة إلى فقهٍ يعلّمنا:

متى نتشدد؟
ومتى نرفق؟
متى ننكر؟
ومتى نعذر؟
متى نحذر؟
ومتى نسكت؟
ومتى يكون الخلاف سائغًا؟

فليس كل خلاف يستحق معركة.

وليس كل خطأ يستحق إسقاط صاحبه.

وليس كل مخالف يستحق أن نحوله إلى عدو.


🌿 أخيرًا…

إن أعظم ما يمكن أن نقدمه للناس ليس أن نملأ رؤوسهم بقوائم طويلة من أسماء المحذَّر منهم، وإنما أن نملأ قلوبهم بحب الله ورسوله ﷺ، وتعظيم القرآن، ومحبة السنة، وحسن الخلق، وأدب الاختلاف، واحترام العلم وأهله.

فالناس لا يحتاجون إلى دينٍ يجعلهم يخافون من كل مخالف بقدر ما يحتاجون إلى دينٍ يعلّمهم كيف يعبدون الله، وكيف يختلفون دون أن يظلم بعضهم بعضًا.

وإذا كان الله سبحانه قد قال لنبيه ﷺ:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

فما أحوج الدعاة وطلاب العلم إلى أن يتأملوا هذه الآية قبل أن يرفعوا أصواتهم على الناس، وقبل أن يوسعوا دوائر التصنيف، وقبل أن يحولوا الخلاف العلمي إلى خصومة شخصية.

فالناس قد يختلفون معك في رأيك،
لكنهم لن ينسوا أبدًا كيف عاملتهم وأنت تختلف معهم.

ومن أراد أن يكون قريبًا من هدي النبي ﷺ، فليتذكر دائمًا:

**ليس المطلوب أن تكون قاسيًا حتى تثبت أنك متمسك بالسنة؛

بل المطلوب أن تكون ثابتًا على الحق، رحيمًا بالخلق.**

فـ الحق يحتاج إلى علم، والدعوة تحتاج إلى حكمة، والخلاف يحتاج إلى أدب، والناس يحتاجون إلى رحمة.

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ 🌿

🌿 «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ»… هكذا كان رسول الله ﷺ

 

🌿 «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ»… هكذا كان رسول الله ﷺ

لم يكن رسول الله ﷺ معلّمًا للناس الأحكام فحسب، بل كان رحمةً تمشي بينهم، وقدوةً في الرفق واللين وحسن التعامل.

قال الله تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
[الأنبياء: 107]

وقال ﷺ عن نفسه:

«إنما أنا رحمةٌ مهداة».

فالرحمة ليست صفةً عارضة في سيرته ﷺ، وإنما هي جزء أصيل من منهجه في التعليم والدعوة والتعامل مع الناس.


🌿 «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ»

قال الله تعالى:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
[آل عمران: 159]

يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية، مبينًا أثر الرحمة في شخصية النبي ﷺ:

«فبما رحمة من الله لنت لهم...»

ثم يبين أن المقصود بالفظاظة هنا غلظة الكلام وقسوة القلب، وأنه لو كان ﷺ سيئ الكلام قاسي القلب لتفرق الناس من حوله، ولكن الله جمع القلوب عليه، وألان جانبه لهم تأليفًا لقلوبهم.

وهذا يبين لنا أن اللين ليس ضعفًا، والرحمة ليست تهاونًا، وحسن الخلق ليس تنازلًا عن الحق.

بل قد يكون الرفق هو الطريق الأقرب إلى إيصال الحق إلى القلوب.


🌿 «ليس بفظ ولا غليظ»

ومن جميل ما ورد في وصف النبي ﷺ ما ذكره عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما من صفته في الكتب المتقدمة:

«ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح».

فهذا هو النموذج النبوي الذي ينبغي أن نتأمله حين نتحدث عن الدعوة والتعليم والنصح وتصحيح الأخطاء.

فليس المقصود أن نسكت عن الخطأ، ولا أن نترك بيان الحق، وإنما المقصود أن نفرّق بين بيان الحق وبين طريقة بيانه، وبين تصحيح الخطأ وبين تعنيف المخطئ.


🌿 «فلم يُعنِّف»

ومن المواقف الدالة على هذا المنهج ما وقع لعمرو بن العاص رضي الله عنه.

فقد ذكر البخاري رحمه الله أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة شديدة البرد، فتيمم، ثم صلى بأصحابه، فلما ذُكر ذلك للنبي ﷺ لم يعنّفه.

وقد روى أبو داود والحاكم القصة بلفظ أن عمرو رضي الله عنه قال للنبي ﷺ إنه خشي على نفسه من الاغتسال، واحتج بقوله تعالى:

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾

قال:

«فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا».

والشاهد هنا ليس مجرد الحكم الفقهي في التيمم، وإنما طريقة النبي ﷺ في التعامل مع اجتهاد صاحبه؛ فلم يكن منهجُه التعنيفَ والتشهيرَ والتقريعَ لمجرد وقوع المخالف في اجتهاد رآه سائغًا.


🌿 وفي الحج: «لا حرج… لا حرج»

وتظهر الرحمة النبوية بصورة أوضح في حجة الوداع.

فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يسألون النبي ﷺ عن تقديم بعض أعمال الحج وتأخير بعضها، فيجيبهم:

«لا حرج».

سُئل ﷺ عمن حلق قبل أن يذبح فقال:

«لا حرج».

وقال له رجل:

زرتُ قبل أن أرمي.

فقال:

«لا حرج».

وقال آخر:

حلقت قبل أن أذبح.

فقال:

«لا حرج».

وقال آخر:

ذبحت قبل أن أرمي.

فقال:

«لا حرج».

وهكذا تكرر الجواب النبوي:

«لا حرج»… «لا حرج»… «لا حرج».

وليس معنى ذلك أن النبي ﷺ كان يلغي الأحكام أو لا يهتم بترتيب العبادات، وإنما يدل على أن ليس كل مخالفة في الترتيب تستوجب التشديد والتعنيف، وأن معرفة مواضع الحرج ومواضع السعة جزء من الفقه.


🌿 ليس كل خلافٍ تشددًا… وليس كل اختلافٍ إنكارًا

وهنا نصل إلى قضية مهمة.

ينبغي للمسلم أن يحرص على دينه، وأن يتعلم أحكام عباداته، وأن يعظم ما ثبت بدليل قطعي واضح، ولا يجعل شعار «التيسير» ذريعةً للتفلت من الأحكام.

لكن في المقابل، فإن المسائل الاجتهادية التي اختلف فيها أهل العلم، وتعددت فيها أقوال الفقهاء، وكان لكل قول دليله ومستنده، لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة للتبديع والتفسيق والتعنيف والتشديد على الناس.

فإذا اختلف أئمة العلم في مسألة، فليس من الحكمة أن نجعل أحد الأقوال وكأنه لا يحتمل غيره، ثم نعامل المخالف وكأنه خالف أصل الدين.

بل من أدب العلم أن نعرف:

متى يكون الأمر قطعيًا؟
ومتى يكون اجتهاديًا؟
ومتى يكون الإنكار واجبًا؟
ومتى يكون الخلاف سائغًا؟
ومتى يكون التيسير هو الموافق لمقصد الشريعة؟


🌿 «فليسعنا ما وسعهم»

إن من أعظم ما نحتاج إليه اليوم أن نتعلم فقه الخلاف كما تعلمناه فقه الأحكام.

فليس كل من خالفنا في مسألة اجتهادية جاهلًا، ولا كل من أخذ بقول فقهي آخر متساهلًا، ولا كل اختلاف دليلًا على فساد القصد أو سوء الاتباع.

لقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في مسائل كثيرة، واختلف الأئمة من بعدهم، ومع ذلك بقي بينهم قدر عظيم من الأدب، وحسن الظن، ومعرفة فضل المخالف، والتمييز بين القطعي والاجتهادي.

ولهذا ينبغي أن تكون القاعدة:

ما كان من القطعيات فنعظّمه ونحافظ عليه، وما كان من مسائل الاجتهاد والخلاف السائغ، فلنُحسن التعامل معه، ولنسع الناس فيه بما وسع أهل العلم من قبلنا.

فالرحمة لا تعني ترك الحق،
واللين لا يعني إلغاء الأحكام،
والتيسير لا يعني التسيب،
كما أن التشدد لا يعني مزيدًا من التقوى.

وإنما الفقه الحقيقي أن تضع كل مسألة في موضعها، وأن تعرف متى تشدد الشريعة، ومتى تفتح باب السعة، وأن تقتدي برسول الله ﷺ في جمعه بين الحق والرحمة، وبين العلم وحسن الخلق.

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

فإذا كان هذا خطاب الله لنبيه ﷺ، أفلا يكون لنا فيه أعظم درس في الدعوة والتعليم والخلاف؟ 🌿

هل الفقه هو الوقوف عند ظاهر النص؟ أم فهم مراد المتكلم؟

 

الغوص في النصوص لإخراج المعاني

 

قال الحافظ إبن القيم رحمه الله في تعليقه على حادثة صلاة العصر في بني قريظة :

( واختلف الفقهاء أيهما كان أصوب ، فقالت طائفة الذين أخروها هم المصيبون ولو كنا معهم لأخرناها كما أخروها ولما صليناها إلاّ في بني قريظة إمتثالاً لأمره وتركاً للتأويل المخالف للظاهر .

         وقالت طائفة أخرى : بل الذين صلوها في الطريق في وقتها حازوا قصب السبق وكانوا أسعد بالفضيلتين ، فإنهم بادروا إلى إمتثال أمره في الخروج ، وبادروا إلى مرضاته في الصلاة في وقتها ، ثم بادروا إلى اللحاق بالقوم فحازوا فضيلة الجهاد وفضيلة الصلاة في وقتها وفهموا ما يُراد منهم ، وكانوا أفقه من الآخرين ولا سيما تلك الصلاة فإنها كانت صلاة العصر وهي الصلاة الوسطى بنص رسول الله r الصحيح الصريح الذي لا مدفع له ولا مطعن فيه ، ومجيء السنة بالمحافظة عليها والمبادرة إليها والتبكير بها ، وإن من فاته فقد وتر أهله وماله أو قد حبط عمله ، فالذي جاء فيها أمر يجيء مثله في غيرها .

         وأما المؤخرون لها فغايتهم أنهم معذورون بل مأجورون أجراً واحداً لتمسكهم بظاهر النص وقصدهم إمتثال الأمر ، وأما أن يكون هم المصيبون في نفس الأمر ومَن بادر إلى الصلاة وإلى الجهاد مخطئاً فحاشا وكلاّ .

         والذين صلوا في الطريق جمعوا بين الأدلة ، وحصلوا الفضيلتين فلهم أجران والآخرون مأجورون أيضاً رضي الله  عنهم ) ([1]) .

         وقد نقل الحافظ إبن حجر رحمه الله أقوال الحافظ إبن

         ( وقال إبن القيم في الهدي ما حاصله : كل من الفريقين مأجور بقصده ، إلاّ أن مَن صلى حاز الفضيلتين : إمتثال الأمر في الإسراع ، وإمتثال الأمر في المحافظة على الوقت ولا سيما ما في هذه الصلاة بعينها من الحث على المحافظة عليها وأن مَن فاتته حبط عمله ، وإنما لم يعنف الذين أخروها لقيام عذرهم في التمسك بظاهر الأمر ، ولأنهم إجتهدوا فأخروا لامتثالهم الأمر . لكنهم لم يصلوا إلى أن يكون إجتهادهم أصوب من إجتهاد الطائفة الأخرى .

         وأما مَن احتج لمن أخر بأن الصلاة حينئذ كانت تؤخر كما في الخندق وكان ذلك قبل صلاة الخوف ، فليس بواضح ، لاحتمال أن يكون التأخير في الخندق كان عن نسيان ، وذلك بيّن في قوله r لعُمر لما قال له : ما كِدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب ، فقال : والله ما صليتها .

         لأنه لو كان ذاكراً لها لبادر إليها كما صنع عمر       انتهى ) ([2]) .

         والغرض من إيراد أقوال الحافظ إبن القيم رحمه الله ، وأقوال الحافظ إبن حجر رحمه الله في نقله لها وإقراره عليها هو أن نبيّن أنهما قد ذهبا إلى تصويب رأي مَن لم يقف عند ظاهر النص ، بل خاض فيه ليصل إلى الغاية من ورود النص ، فقد قيل في تعريف ( الفقه ) لغة واستعمالاً في القرآن الكريم : هو دقة الفهم ، ولطف الإدراك ، ومعرفة غرض المتكلم  ([3]) .

 

الفهم الظاهري للنصوص من قبل بعض الصحابة

 

         إن الوقوف عند ظاهر النصوص ، وعدم تجاوزه لفهم الغرض من إيرادها ومعناها المجازي ، أو غيره قد أوقع بعض الصحابة في أخطاء أضحكت النبيّ r .

        

 

 

روى البخاري في صحيحه عن عدي ابن حاتم t قال :

         ( لما نزلت (( حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود )) عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي ، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي فغدوت على رسول الله r فذكرت له ذلك فقال : إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار ) ([4]) .

         وفي رواية أخرى للبخاري ، قال له رسول الله r :       (( إن وسادك إذاً لعريض أن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك )) .

         وفي رواية ثالثة للبخاري أيضا عن عدي قال : (( قلت يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، أهما الخيطان ؟ قال : إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين . ثم قال : لا ، بل هو سواد الليل وبياض النهار ) ([5]) .

         قال الحافظ إبن حجر العسقلاني رحمه الله :

         ( وللإسماعيلي عن يوسف القاضي عن محمد بن الصباح عن هشيم (( قال : فضحك وقال : إن كان وسادك إذاً لعريضا )) . . . قال القرطبي : . . . وإنما عنى والله أعلم أن وسادك إن كان يغطي الخيطين اللذين أراد الله فهو إذاً عريض واسع ، ولهذا قال في أثر ذلك ، إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار ، فكأنه قال : فكيف يدخلان تحت وسادتك ؟

         وقوله (( إنك لعريض القفا )) أي ان الوساد الذي يغطي الليل والنهار لا يرقد عليه إلا قفا عريض للمناسبة .

         قلت : وترجم عليه إبن حبان (( ذكر البيان بأن العرب تتفاوت لغاتها )) وأشار بذلك إلى أن عديّاً لم يكن يعرف في لغته أن سواد الليل وبياض النهار يُعبر عنهما بالخيط الأسود والخيط الأبيض . . . ) ([6]) .

         ومن ذلك أيضا ما فعله عمّار بن ياسر رضي الله عنهما تطبيقا لقول الله تعالى : ( فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيدا طيبا ) حيث قال – كما في صحيح البخاري – :

         ( بعثني رسول الله r في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرّغت في الصعيد كما تمرّغ الدابة . فذكرت ذلك للنبيّ r فقال : إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا فضرب بكفّه ضربة على الأرض ثم نفضها ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله ، أو ظهر شماله بكفه ثم مسح بهما وجهه . . . ) ([7]) .

         ومن ذلك أيضا ما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم من ظاهر كلمة ( الظلم ) فبيّن لهم رسول الله r أن ظاهرها المتبادر إلى الذهن غير مراد ، وغير مقصود .

         أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود t قال :

         ( لما نزلت ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) قلنا : يا رسول الله أيُّنا لا يظلم نفسه ؟ قال : ليس كما تقولون ، ( لم يلبسوا إيمانهم بظلم ) بِشِرك . أوَلم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه   ( يا بُنيّ لا تشرك بالله ، إن الشرك لظلم عظيم ) ([8]) .

         قال الحافظ إبن حجر العسقلاني :

         ( فالعموم مستفاد بحسب الظاهر كما فهمه الصحابة من هذه الآية ، وبيّن لهم النبيّ r أن ظاهرها غير مراد ، بل هو من العام الذي أريد به الخاص ، فالمراد بالظلم أعلى أنواعه وهو الشرك ) ([9]) .

         ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود t عن النبيّ r قال : (( لا يدخل الجنة مَن في قلبه مثقال ذرة من كِبر )) فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ، ونعله حسنة فقال : (( إن الله جميل يحب الجمال . الكبر بطر الحق ، وغمط الناس )) .

         ومعنى (( بطر الحق )) دفعه . و (( غمطهم )) إحتقارهم .

         إن هذا الرجل قد فهم أن الكبر يتعلق بالملابس وجمالها ونظافتها ، فبيّن رسول الله r بأن الله جميل يحب الجمال ، ولكن الكبر وحقيقته وروحه هو : دفع الحق وردّه ، وعدم قبوله والإذعان له ، وكذلك إحتقار الناس وغمطهم .

         وكذلك روى الإمام البخاري عن عائشة رضي الله عنها : ( أن بعض أزواج النبيّ r قُلنَ للنبيّ : أيّنا أسرع بك لحوقاً ؟ قال : أطولكنّ يداً . 

         فأخذوا قصبة يذرعونها ، فكانت سودة أطولهنّ يداً . فعلِمنا بعدُ أنما كانت طولَ يدِها الصدقة ، وكانت أسرعنا لحوقاً به ، وكانت تحبّ الصدقة ) ([10]) .

 

          إن أصحاب رسول الله r - الذين تربّوا على يديه تحت عين الله ورعايته – قد كانوا يختلفون في فهمهم لبعض أوامر الله تعالى وأوامر رسول الله r ، وهو كان حيّاً وحاضراً بين أظهرهم ، فلم يعنف أحدا منهم ، بل تجاوز عنهم مادام إختلافهم كان خارج دائرة القطعيات ، ولم يدخلوا – بهذه الإختلافات – في الشرك ، ولم يتصادموا مع سنة رسول اللهr ، وهديه – والتي كانت كلها يسر ورحمة – فهُم في سعة ، وفي دائرة العفو التي سكت عنها الله سبحانه وتعالى رحمة بهم غير نسيان . 

         بل إن النبيّ r كان يكره أن تكون هذه الإختلافات مصدراً للتفرق والشقاق ، فكان يوجههم إلى الأخوة واليسر ، كما قال لعمر بن الخطاب عندما إختلف مع هشام بن حكيم وكاد هذا الإختلاف أن يكون تفرقاً : إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرأوا ما تيسر منه .

         وقال r لأُبيّ بن كعب واللذين اختلف معهما بعد أن حسّن شأنهما ، وفي رواية كان خلافه مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم جميعا : كلاكما محسن !



([1]) زاد المعاد في هدي خير العباد – إبن القيم الجوزية ( 2 / 72 ) .

([2]) فتح الباري ( 7 / 410 ) .

([3]) الوجيز في أصول الفقه – عبد الكريم زيدان .

([4]) فتح الباري ( 4 / 132 ) .

([5]) نفس المصدر ( 8 / 182 ) .

([6]) فتح الباري ( 4 / 133 ) .

([7]) نفس المصدر ( 1 / 456 ) .

([8]) فتح الباري ( 6 / 389 ) .

([9]) نفس المصدر ( 1 / 88 ) .

([10]) فتح الباري ( 3 / 286 ) .