مشكلة المانعين انهم لايقرؤون الأدلة والبراهين يرددون نفس السؤال مثل بغبغاء بدون تفكير او شك من المحشو في دماغه انه خطأ ونحن نضطر للإعادة والرد عليهم بشتى الطرق - وسنجد في التعليقات انها بدعة والصحابة لم يفعلوا ! هههههه افتحوا دماغكم لرأي الآخر - من أراد الله به خيرا يفقهوا في الدين افقهواااااااا وأقرؤووووا
قال الله تعالى :{{ قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين }} [يوسف الآية: 108].
الاثنين، 28 سبتمبر 2026
لم يحتفل لكنه جمع القرآن الكريم في مصحف واحد ورتّب السور من الفاتحة إلى الناس مع الصحابة الكرام وهذا شيء لم يفعله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو بدعة محرمة كذلك على حسب قاعدتكم !!!
💎 «هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ»… قِصَّةُ جَمْعِ القُرْآنِ وَأَصْلُ البِدْعَةِ الحَسَنَة 💎
💎 «هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ»… قِصَّةُ جَمْعِ القُرْآنِ وَأَصْلُ البِدْعَةِ الحَسَنَة 💎
من أكثر المسائل التي يقع فيها الخلاف: هل كل أمر لم يفعله رسول الله ﷺ يكون بدعةً محرمة؟
وهل مجرد كون الشيء محدثًا بعد عصر النبوة يكفي للحكم عليه بالضلالة والتحريم؟
قصة جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنهما تستحق أن نتأملها بهدوء؛ لأنها تكشف لنا كيف تعامل كبار الصحابة مع أمرٍ لم يفعله النبي ﷺ في حياته.
━━━━━━━━━━━━━━
📖 بداية القصة
لما استُشهد عدد كبير من قرّاء الصحابة رضي الله عنهم في وقعة اليمامة، خشي عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يذهب شيء من القرآن بذهاب حفاظه، فأشار على أبي بكر الصديق رضي الله عنه بجمع القرآن في مصحف واحد.
فتردد أبو بكر رضي الله عنه في البداية، وقال لعمر:
«كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟»
فلم يكن أبو بكر رضي الله عنه غافلًا عن فضل جمع القرآن، ولا رافضًا للمصلحة، وإنما كان متوقفًا أمام أمرٍ لم يفعله النبي ﷺ.
وهنا جاء جواب عمر رضي الله عنه:
«هو والله خير».
أي: إن هذا العمل وإن لم يفعله رسول الله ﷺ، إلا أنه يحقق مصلحة ظاهرة، ولا يعارض أصلًا شرعيًا.
فلم يقتنع أبو بكر من أول وهلة، وإنما ظل عمر يراجعه حتى شرح الله صدر أبي بكر لهذا الرأي.
ثم استُدعي زيد بن ثابت رضي الله عنه، وكان من كتبة الوحي، فعرض عليه أبو بكر وعمر الأمر.
فتوقف زيد رضي الله عنه أيضًا وقال:
«كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟»
فلم يكن اعتراض زيد جهلًا بالمصلحة، وإنما كان ورعًا وتحريًا في أمرٍ يتعلق بكتاب الله تعالى.
ثم قال له أبو بكر رضي الله عنه:
«هو والله خير».
فتقبل زيد الأمر بعد أن ظهر له وجه المصلحة، حتى قال:
«والله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن».
━━━━━━━━━━━━━━
🔎 ما الذي نتعلمه من هذه القصة؟
اللافت هنا أن أبا بكر وعمر وزيدًا رضي الله عنهم جميعًا كانوا يعلمون أن جمع القرآن في مصحف واحد لم يفعله النبي ﷺ بهذه الصورة.
ومع ذلك لم يكن مجرد عدم الفعل النبوي كافيًا عندهم للحكم بالتحريم.
بل نظروا إلى:
🔹 هل يخالف هذا العمل نصًا شرعيًا؟
🔹 هل يعارض أصلًا من أصول الدين؟
🔹 هل يحقق مصلحة معتبرة؟
🔹 وهل له أصل ومقصد تشهد له الشريعة؟
فلما ظهر لهم أن جمع القرآن يحفظ كتاب الله تعالى ويصون الأمة من ضياع شيء منه، أقدموا عليه.
وهنا ينبغي الانتباه إلى أمر مهم:
جمع القرآن ليس عبادة مستقلة مخترعة بلا أصل، وإنما هو وسيلة محدثة لتحقيق مقصد شرعي ثابت، وهو حفظ كتاب الله تعالى.
ولهذا اختلف العلماء في التعبير الاصطلاحي عن مثل هذه المحدثات؛ فمنهم من سمّاها «بدعة حسنة»، ومنهم من قصر اسم البدعة الشرعية على ما لا أصل له في الشرع.
فالخلاف في كثير من الأحيان خلاف في الاصطلاح والتقسيم، لا في أصل تعظيم السنة ورفض ما يخالف الشريعة.
━━━━━━━━━━━━━━
📚 وماذا قال العلماء في تقسيم البدعة؟
لم يكن مفهوم «البدعة» عند طائفة كبيرة من علماء الأمة محصورًا في معنى واحد، بل فرّقوا بين المحدثات بحسب موافقتها للشريعة أو مخالفتها لها.
🔹 قال الإمام الشافعي رحمه الله:
«المحدثات من الأمور ضربان... أحدهما: ما أُحدث يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه البدعة الضلالة. والثانية: ما أُحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة».
📚 مناقب الشافعي للبيهقي.
🔹 وقال أبو سليمان الخطابي رحمه الله:
«كل شيء أُحدث على غير أصل من أصول الدين... فليس ببدعة ولا ضلالة».
📚 معالم السنن.
🔹 وقال ابن عبد البر رحمه الله:
«وما كان من بدعة لا تخالف أصل الشريعة والسنة فتلك نعمت البدعة كما قال عمر».
📚 الاستذكار.
🔹 وقال الإمام النووي رحمه الله:
«كل بدعة ضلالة» هذا عام مخصوص، والمراد غالب البدع.
ثم نقل تقسيم البدعة إلى: واجبة، ومندوبة، ومحرمة، ومكروهة، ومباحة.
📚 شرح صحيح مسلم.
🔹 وقال سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله:
«البدعة فعل ما لم يُعهد في عصر رسول الله ﷺ، وهي منقسمة إلى: بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة».
📚 قواعد الأحكام في مصالح الأنام.
🔹 وقال ابن حجر العسقلاني رحمه الله:
«والتحقيق أن البدعة إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة، وإن كان مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح».
📚 فتح الباري.
🔹 وقال بدر الدين العيني رحمه الله:
«والبدعة... على قسمين: بدعة ضلالة... وبدعة حسنة: وهي ما رآه المؤمنون حسنًا، ولا يكون مخالفًا للكتاب أو السنة أو الأثر أو الإجماع».
📚 عمدة القاري.
وهذه النقول وغيرها تدل على أن عددًا من كبار علماء الأمة لم يجعلوا مجرد حدوث الأمر بعد النبي ﷺ سببًا كافيًا للحكم عليه بالضلالة، وإنما نظروا إلى أصله وموافقته أو مخالفته لقواعد الشريعة.
━━━━━━━━━━━━━━
⚖️ إذن… كيف نفهم حديث «كل بدعة ضلالة»؟
ليس المقصود أن نرد حديث رسول الله ﷺ، حاشاه.
بل المسألة هي في فهم لفظ «البدعة» وكيفية الجمع بين النصوص.
فمن العلماء من حمل لفظ البدعة في الحديث على البدعة الشرعية المذمومة التي لا أصل لها في الدين، ومنهم من قال إن لفظ «كل» هنا عام أريد به الخصوص، أو أن المحدثات منها ما هو موافق للشريعة ومنها ما هو مخالف لها.
ولهذا لا يصح أن نجعل كل أمر مستحدث في الحياة أو في الوسائل أو في التنظيمات الدينية والدنيوية داخلًا تلقائيًا في قوله ﷺ:
«كل بدعة ضلالة»
من غير نظر إلى حقيقته وأصله ومقصده ومدى موافقته للشريعة.
━━━━━━━━━━━━━━
🌿 والخلاصة
قصة جمع القرآن تعلمنا درسًا مهمًا في فقه المحدثات والخلاف الفقهي:
ليس كل ما لم يفعله النبي ﷺ يكون حرامًا لمجرد أنه لم يفعله.
فقد يكون الشيء:
📌 وسيلة لتحقيق مقصد شرعي.
📌 أو تنظيمًا لمصلحة معتبرة.
📌 أو أمرًا جديدًا له أصل عام في الشريعة.
📌 أو محدثة تخالف أصلًا شرعيًا، فتكون مذمومة.
والميزان ليس مجرد السؤال:
«هل فعله النبي ﷺ؟»
بل ينبغي أن يُضم إليه سؤال آخر:
«هل يخالف هذا الأمر نصًا أو أصلًا شرعيًا؟ وما حكمه في ميزان مقاصد الشريعة وقواعدها؟»
ولهذا قال عمر رضي الله عنه في قضية جمع القرآن:
«هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ»
فالمقصود ليس أن نجعل «الخير» ذريعة لإحداث العبادات بلا دليل، وإنما أن نفهم كيف تعامل الصحابة مع النوازل والمصالح التي لم تقع في عهد النبي ﷺ، وكيف عرضوها على أصول الشريعة وقواعدها.
وهذه القضية من المسائل التي تحتاج إلى مزيد من التفصيل والتمييز بين:
السنة، والبدعة الشرعية، والبدعة اللغوية، والوسائل، والمقاصد، والمصالح المعتبرة.
وللكلام بقية… ✍️
🔴 حقيقة المداخلة… «دراويش» الجرح والتجريح!
🔴 حقيقة المداخلة… «دراويش» الجرح والتجريح!
قراءة ساخرة في عقلية التقديس والتصنيف والهجر
حين تتحول المواقف من الأشخاص إلى ميزانٍ لمعرفة الحق والباطل، وحين يصبح السؤال عن الشخص الذي قال الكلام أهم من السؤال عن الدليل الذي استند إليه، وحين يتحول الخلاف العلمي إلى سلسلة من الولاءات والبراءات والتحذيرات…
فهنا نحن أمام ظاهرة تستحق التوقف والنقد.
والحديث هنا ليس عن كل من وُصف بالمدخلية، ولا عن كل من استفاد من الشيخ ربيع المدخلي، وإنما عن الصورة الغالية والمتشددة من هذا الاتجاه؛ تلك الصورة التي يرى منتقدوها أنها جعلت الجرح والتصنيف محورًا واسعًا من الحياة الدينية، حتى بدا المشهد ـ في صورته الساخرة ـ أقرب إلى:
شيخٍ ومريد، وموالٍ ومبغض، وقائمة محذَّر منهم… تتجدد باستمرار!
🔹 أولًا: ما المشكلة في «المدخلية» كما ينتقدها خصومها؟
المشكلة ـ في نظر منتقدي هذا الاتجاه ـ ليست في أن يكون للإنسان شيخ يتعلم منه، ولا في أن يستفيد من عالم أو يثق بعلمه.
فهذا أمر طبيعي في طلب العلم.
وإنما المشكلة تبدأ عندما يتحول احترام العالم إلى نوع من التسليم المطلق، فيصبح كلامه هو المعيار الذي تُبنى عليه مواقف الناس:
من مدحه الشيخ فهو ثقة.
ومن حذّر منه فهو محذَّر منه.
ومن دافع عنه فهو موضع نظر.
ومن خالف الشيخ فهو المخطئ ابتداءً.
وهنا يصبح السؤال:
أين ينتهي احترام العالم… وأين يبدأ التعصب له؟
🔹 ثانيًا: المريد بين يدي الشيخ!
في الصورة الساخرة لهذا المنهج، يبدو المريد وكأنه مطالب بأن يكون:
أقل سؤالًا… وأكثر تسليمًا!
إذا قيل له:
«احذر فلانًا»
قال:
حاضر.
وإذا قيل له:
«قاطع فلانًا»
قال:
سمعًا وطاعة.
وإذا سأل:
لماذا؟
قيل له:
«الشيخ أعلم منك!»
وهنا لا خلاف في أن العالم قد يكون أعلم من الطالب، لكن العلم لا يعني العصمة.
فالشيخ يُحترم، ويُستفاد من كلامه، لكن كلامه ـ مهما علا قدره ـ ليس وحيًا، واجتهاده ليس فوق النقد العلمي.
🔹 ثالثًا: «الشيخ يجرح… والمريد ينفذ!»
ومن أكثر ما يثير النقد أن تتحول بعض التحذيرات من اجتهاد علمي قابل للنقاش إلى ما يشبه الأحكام النهائية.
فإذا جُرح شخص:
لا يكفي أن تسأل عن الدليل.
بل تبدأ الأسئلة الجديدة:
من يجالسه؟
من يثني عليه؟
من يقرأ له؟
من يستشهد بكلامه؟
من يدافع عنه؟
من يترحم عليه؟
من لم يحذّر منه؟!
وهكذا تتسع الدائرة شيئًا فشيئًا.
حتى لا يعود الخلاف متعلقًا بالشخص الأول فقط، بل بكل من اقترب منه أو أثنى عليه أو لم يوافق على إسقاطه!
وكأن الجرح أصبح «عدوى» تنتقل بالصحبة والثناء!
🔹 رابعًا: الناس متهمون… حتى تثبت براءتهم!
في الصورة الساخرة للعقلية التي ينتقدها المقال، لا يكون الأصل:
حسن الظن والتثبت.
بل يصبح الأصل:
الاشتباه… ثم البحث عن التهمة!
هل جلس مع فلان؟
هل حضر درسه؟
هل شاركه في محاضرة؟
هل ذكره بخير؟
هل ترحم عليه؟
هل لم يرد عليه؟
هل يعرف شخصًا يثني عليه؟
وهكذا يمكن أن تجد نفسك في نهاية المطاف مُتهمًا لأنك لم تتبرأ من شخصٍ اتُّهم لأنه لم يتبرأ من شخصٍ آخر!
إنها سلسلة لا تكاد تنتهي.
🔹 خامسًا: «التوبة»… ولكن إلى الموقف!
ومن المظاهر التي تستحق النقد أن يتحول الخلاف المنهجي أحيانًا إلى مطالبة المخالف بـ«التوبة».
ولا بأس أن يتوب الإنسان من الخطأ، فالتوبة من فضائل الإسلام.
لكن السؤال:
هل التوبة تكون إلى الله من الذنب، أم تتحول إلى إعلان ولاء لموقف شخص معين؟
فإذا أخطأ الإنسان في حق الله، تاب إلى الله.
وإذا أخطأ في حق إنسان، اعتذر إليه.
أما أن يصبح الرجوع عن رأي علمي إلى رأي الشيخ شرطًا لاستعادة الثقة، فهذه مسألة أخرى تحتاج إلى دليل، لا إلى مجرد سلطة الاسم.
🔹 سادسًا: قاموس التصنيفات!
وهنا نصل إلى أشهر ما يُنتقد في هذه العقلية:
التصنيف… ثم التصنيف… ثم المزيد من التصنيف!
فبدل أن يكون السؤال:
ماذا قال الرجل؟ وما دليله؟
يصبح السؤال:
إلى أي جماعة ينتمي؟ ومن يجالس؟ ومن يثني عليه؟
ثم تنهال الأوصاف:
إخواني!
صوفي!
تبليغي!
سروري!
قطبي!
خارجي!
جهادي!
مأربي!
عرعوري!
حدادي!
… إلخ.
حتى يكاد بعض الشباب يعرف خريطة التصنيفات أكثر مما يعرف أبواب الفقه والعقيدة وأصول الاستدلال!
وكأن التفوق العلمي لا يقاس بعدد المسائل التي تعلمتها…
بل بعدد الأسماء التي تستطيع أن تقول عنها:
«محذَّر منه»!
🔹 سابعًا: من شروط «الانتساب» أن تعرف من يجب أن تقاطع!
وفي الصورة الساخرة لهذه العقلية، لا يكفي أن تعرف من تحب.
بل عليك أن تعرف:
من تقاطع؟
ومن تحذر؟
ومن لا تجالسه؟
ومن لا تسمع له؟
ومن لا تقرأ له؟
ومن لا تدافع عنه؟
ومن لا تترحم عليه؟
ومن لا تثني عليه؟
ثم من يجب أن تتبرأ ممن يثني عليه!
حتى يصبح الولاء والبراء شبكة متداخلة لا يعرف الشاب أين تبدأ وأين تنتهي.
فإذا كان ميزانك هو الأشخاص، فلن تنتهي من الأشخاص أبدًا.
🔹 ثامنًا: «التثبت» يصبح آخر ما نفكر فيه!
القرآن لم يقل:
إذا جاءكم خبرٌ فاحكموا فورًا.
بل قال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾
والتثبت ليس فضيلة اختيارية عندما يتعلق الأمر بسمعة الناس وأعراضهم.
فكيف يجوز أن يُبنى موقف من عالم أو داعية أو طالب علم على:
مقطع مبتور،
أو نقل غير موثق،
أو كلام منقول بالمعنى،
أو مجرد «قيل لنا»؟
إذا كان الخطأ في نقل خبر عادي قد يسبب ظلمًا، فكيف إذا كان الخبر سيؤدي إلى هجر إنسان، وتحذير الناس منه، وإسقاطه من أعينهم؟
🔹 تاسعًا: إذا خالف الشيخ… سقط العالم!
ومن أخطر نتائج التعصب للأشخاص أن يتحول الخلاف معهم إلى مقياس لقيمة العالم.
فقد تجد عالمًا قضى عشرات السنين في التدريس والتأليف والبحث، ثم يصبح عند بعض الشباب:
«لا يُؤخذ عنه!»
لماذا؟
لأنه خالف شيخًا بعينه!
وهنا السؤال:
هل العلم يُقاس بعدد مرات موافقة الشيخ؟
وهل العالم يصبح عالمًا إذا وافق، ويصبح جاهلًا إذا خالف؟
إن كان الأمر كذلك، فما الحاجة إلى الاجتهاد أصلًا؟
وما الحاجة إلى البحث والنظر والمناقشة؟
🔹 عاشرًا: ادخل المسجد… لكن لا تنسَ أن تصنّف المصلين!
ومن أطرف ما يمكن أن تنتجه عقلية التصنيف:
أن يدخل الإنسان المسجد، فلا يرى أمامه أولًا:
مسلمين يصلون!
بل يبدأ عملية التصنيف:
هذا صوفي…
وهذا إخواني…
وهذا تبليغي…
وهذا سروري…
وهذا خارجي…
وهذا جهادي…
وهذا مدخلي…
وهذا…!
وكأن السؤال عن الانتماء التصنيفي أصبح أهم من أخوة الإسلام.
والأصل أن المسلم الذي يصلي معك، ويشهد الشهادتين، ويجمعك به أصل الإسلام، لا يتحول لمجرد مخالفته في مسألة اجتهادية إلى عدوٍ يجب هجره وإسقاطه.
الاختلاف لا يلغي الأخوة، والخطأ لا يلغي الإسلام.
🔹 الحادية عشرة: مفارقة عجيبة…!
وقد تجد في بعض صور هذا الخطاب مفارقة تحتاج إلى تأمل:
يُطالب المخالفون بالرفق، ويُقال:
«لا تتنابزوا بالألقاب!»
ثم تمتلئ مجالس النقد بقائمة طويلة من الأوصاف والتصنيفات!
فإذا قلت لهم:
«أنتم مدخلية»
قال بعضهم:
«لا تسمّونا مدخلية؛ فهذا من التنابز بالألقاب!»
حسنًا…
فلنضع المعيار نفسه على الجميع.
إذا كان إطلاق اسم «المدخلية» على اتجاه معين مجرد تنابز بالألقاب، فلا ينبغي إذن إطلاق عشرات الألقاب والتصنيفات على المخالفين.
أما إذا كان «مدخلي» مجرد وصف لاتجاه فكري أو منهجي، فليس كل اسم تعريفي تنابزًا بالألقاب؛ فالعبرة بالقصد والسياق وطريقة استعماله.
والأهم:
لا يمكن أن نرفض التصنيف عندما يكون ضدنا، ثم نستعمل التصنيفات بكثافة عندما تكون ضد الآخرين!
لا يصح أن تقول:
«لا تسمّني بهذا اللقب!»
ثم تجعل حياتك العلمية قائمة على:
«هذا صوفي… هذا إخواني… هذا سروري… هذا خارجي… هذا تبليغي… هذا حدادي… هذا مأربي…»
فإن كان التنابز بالألقاب مذمومًا، فهو مذموم على الجميع.
وإن كان المقصود مجرد التعريف بالاتجاهات والتيارات، فليكن ذلك بالعدل والإنصاف، لا بالألقاب الجارحة ولا بالأحكام المسبقة.
🔴 المشكلة ليست في الشيخ… بل في تحويل الشيخ إلى ميزان!
ليس من الخطأ أن تحب عالمًا.
وليس من الخطأ أن تثق بعلمه.
وليس من الخطأ أن تستفيد من كتبه ودروسه.
لكن الخطأ يبدأ عندما يصبح:
قوله = الحق دائمًا.
و:
مخالفه = الباطل دائمًا.
وحين يصبح:
مدحه = تزكية مطلقة.
و:
جرحه = إسقاط مطلق.
هنا يتحول العالم من مرشد إلى معيار للحق والباطل.
وهذا هو موضع الاعتراض.
🔻 الخلاصة
ليست المشكلة في أن يكون للإنسان شيخ يتعلم منه.
وليست المشكلة في احترام العلماء.
وليست المشكلة في التحذير من الخطأ عند وجود الدليل.
وليست المشكلة في بيان الانحرافات والمخالفات.
المشكلة تبدأ عندما يتحول ذلك كله إلى «نظام ولاء وبراء» قائم على الأشخاص.
عندما يصبح السؤال:
من قال؟
أهم من:
ماذا قال؟
وعندما يصبح:
هل الشيخ راضٍ عنه؟
أهم من:
هل الدليل معه؟
وعندما يصبح:
من تجالس؟
أهم من:
ماذا تعتقد؟ وماذا تقول؟ وما حجتك؟
فهنا ينبغي أن نتوقف ونسأل أنفسنا:
هل نحن أمام اتباعٍ للدليل… أم اتباعٍ للأشخاص؟
فالعالم ليس معصومًا.
والشيخ ليس نبيًا.
والمريد ليس مطالبًا بتعطيل عقله.
والخلاف العلمي ليس جريمة.
والتحذير ليس بديلًا عن الدليل.
والتصنيف ليس علمًا قائمًا بذاته.
والألقاب لا تصنع الحق والباطل.
والعدل لا يتغير بحسب الشخص الذي نتفق معه أو نختلف معه.
قال تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
فليكن ميزاننا:
الدليل قبل الشخص،
والتثبت قبل الحكم،
والعدل قبل التصنيف،
والإنصاف قبل التجريح،
والأخوة قبل الخصومة.
أما أن يصبح الدين عبارة عن:
شيخٍ ومريد،
وقائمة محذَّر منهم،
وسلسلة من الولاءات والبراءات،
وموسوعة من التصنيفات والألقاب…
فهنا لا بد أن نسأل بصدق:
🔥 هل هذه هي «اتباع السنة»… أم أنها صورة أخرى من التعصب للأشخاص، ولكن بلباس سلفي؟!
الأشاعرة وأهل السنة… بين إثبات الصفات وتنزيه الله عن مشابهة المخلوقات
🟦 التأويل ليس تعطيلًا… فكيف فهم أهل السنة صفات الله تعالى؟
كثيرًا ما يُقال في بعض الخطابات المعاصرة:
«القول بالتأويل في صفات الله تعالى هو تعطيلٌ لصفاته»!
لكن هل يصح أن يُجعل كل تأويلٍ تعطيلًا؟
وهل كان الخلاف بين علماء أهل السنة في الصفات الخبرية خلافًا في أصل الإيمان بصفات الله تعالى، أم كان خلافًا في كيفية فهم بعض النصوص التي قد يوهم ظاهرها التشبيه والتجسيم؟
هذه المسألة تحتاج إلى تحريرٍ دقيق للمصطلحات قبل إطلاق الأحكام.
🔹 أولًا: ما المقصود بالتعطيل؟
التعطيل في اصطلاح علم الكلام هو نفي ما ثبت لله تعالى من الأسماء والصفات، أو نفي دلالاتها التي دل عليها الكتاب والسنة.
أما صفات الكمال التي ثبتت لله تعالى بالأدلة، كالقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام، فلا يجوز نفيها.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن نفهم صفات الله تعالى على نحوٍ يقتضي مشابهته لخلقه.
فالقاعدة القرآنية الجامعة هي قول الله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
فأثبت سبحانه السمع والبصر، ونفى في الوقت نفسه مماثلة المخلوقات.
وهذا هو أصل الجمع بين الإثبات والتنزيه.
🔹 ثانيًا: إثبات الصفة لا يعني تشبيه الخالق بالمخلوق
وجود اشتراك في اللفظ لا يعني بالضرورة الاشتراك في الحقيقة والكيفية.
فنحن نصف الإنسان بأنه عالم، والله تعالى عالم، لكن علم الله تعالى ليس كعلم الإنسان.
ونقول: الإنسان قادر، والله تعالى قادر، لكن قدرة المخلوق محدودة محتاجة، وأما قدرة الله تعالى فمطلقة كاملة لا تشبه قدرات المخلوقين.
فلا يلزم من الاشتراك في الاسم الاشتراك في الحقيقة.
وقد قرر الإمام أبو الحسن الأشعري أن السلف أثبتوا لله تعالى صفات الكمال، كالحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، من غير أن يجعلوا ذلك مستلزمًا للتشبيه.
🔹 ثالثًا: ماذا عن «اليد» و«الوجه» ونحو ذلك؟
هنا تأتي المسألة التي وقع فيها الخلاف بين علماء أهل السنة.
فقد ورد في النصوص الشرعية ذكر ألفاظ مثل:
اليد، والوجه، والعين، والاستواء، والنزول، وغيرها.
والإشكال ليس في الإيمان بالنصوص، وإنما في فهم المراد منها، خصوصًا أن حمل بعض الألفاظ على المعنى الحسي المتعارف عند البشر قد يوهم التجسيم أو مشابهة المخلوقين.
ولهذا اتفق أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن أن يكون جسمًا مركبًا من أعضاء وأجزاء، أو أن تحيط به الحدود والجهات على النحو الذي يحيط بالمخلوقات.
ومن هنا ظهر الاختلاف في كيفية التعامل مع بعض النصوص المتشابهة أو الصفات الخبرية.
🔹 رابعًا: هل اختلف أهل السنة في هذه المسألة؟
نعم، وقع بينهم خلاف معروف في طريقة التعامل مع بعض هذه النصوص، ويمكن إجمال الاتجاهات المشهورة في:
الإثبات مع التنزيه، والتفويض، والتأويل، مع اختلاف التفاصيل والتعبيرات بين العلماء والمدارس.
وهنا ينبغي أن نفرّق بين أمرين:
① أصل التنزيه
وهو نفي مشابهة الله تعالى للمخلوقات، ونفي الجسمية والأعضاء والحدود والاحتياج.
② طريقة تفسير النص
وهنا وقع الخلاف بين العلماء:
هل يُفَوَّض المراد التفصيلي إلى الله تعالى؟
أم يُؤوَّل اللفظ بما يليق بجلال الله تعالى وفق دلالة اللغة والسياق والقرائن؟
أم يُثبت اللفظ مع نفي المعنى الحسي والتشبيه؟
فالخلاف في طريقة الفهم والتعبير لا يعني بالضرورة أن أحد الطرفين يثبت الله والآخر ينفيه.
🔹 خامسًا: التأويل ليس هو التعطيل
وهذه هي النقطة الأهم.
التأويل عند من يقول به لا يعني إنكار صفات الله تعالى، وإنما يعني حمل اللفظ على معنى تدل عليه اللغة العربية وتقتضيه القرائن، إذا كان حمله على ظاهره الحسي يؤدي إلى معنى لا يليق بالله تعالى.
أما التعطيل فهو نفي ما ثبت لله تعالى من الصفات، وإنكار ثبوتها له سبحانه.
وهذا فرق جوهري.
فليس من المنهج العلمي أن يُقال:
كل من أوّل فقد عطّل.
لأن هذا يجعل مصطلحين مختلفين شيئًا واحدًا، مع أن التأويل ـ عند أصحابه ـ قائم على إثبات النص وتنزيه الله عن المعنى الذي لا يليق به.
🔹 سادسًا: التنزيه ليس تعطيلًا
من الأخطاء الشائعة أن يُطلق وصف «التعطيل» على كل من نفى عن الله تعالى الجسمية والأعضاء والحدود والجهات التي تقتضي مشابهة المخلوقات.
وهذا استعمال يحتاج إلى تفصيل.
فإذا كان المقصود بالتعطيل:
نفي صفات الله تعالى الثابتة بالأدلة
فهذا أمر مرفوض عند أهل السنة.
أما إذا كان المقصود:
تنزيه الله تعالى عن الجسمية والحدود والأعضاء والأجزاء ومشابهة المخلوقين
فهذا ليس تعطيلًا، بل هو من مقتضيات التنزيه الذي دل عليه الكتاب والسنة.
قال الله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
فالجمع بين صدر الآية وعجزها مهم للغاية:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
فلا تشبيه ولا تعطيل؛
تنزيهٌ مع إثبات.
🔹 سابعًا: وكلام الإمام الطحاوي واضح في باب التنزيه
يقول الإمام الطحاوي في عقيدته المشهورة:
«فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية، وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات.»
وهذا النص يبيّن بوضوح أن إثبات صفات الله تعالى لا يعني إثبات الأعضاء والجوارح والحدود التي تكون للمخلوقات.
فالمسألة ليست:
إثبات الصفات = تشبيه
ولا:
التنزيه = تعطيل
بل المسألة أدق من ذلك بكثير.
🔸 الخلاصة
ليس كل تأويلٍ تعطيلًا، كما أن كل تنزيهٍ لا يصح أن يوصف بأنه تعطيل.
والواجب في مسائل العقيدة أن نُحسن تحرير المصطلحات، وأن نفرّق بين:
إثبات الصفات
وتشبيه الصفات بصفات المخلوقين،
وبين:
التنزيه عن مشابهة الخلق
وتعطيل الصفات الثابتة لله تعالى.
فالقرآن جمع بين الأمرين في آية واحدة:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
ومن هنا فإن الخلاف بين علماء أهل السنة في بعض الصفات الخبرية ينبغي أن يُفهم في سياقه العلمي، وألا يتحول إلى تبديعٍ وتضليلٍ متبادل، خصوصًا في المسائل التي وقع فيها خلاف معتبر بين أئمة وعلماء من المنتسبين إلى أهل السنة.
فالاختلاف في طريقة تفسير النص لا يساوي بالضرورة اختلافًا في أصل الإيمان بالله تعالى وصفاته.
والله تعالى أعلم.
من هم الأشاعرة والماتريدية؟ وهل هم من أهل السنة والجماعة؟ ومن أين جاءت هذه التسمية؟ وهل كان لهم حضور حقيقي في تاريخ الأمة؟
🌿 الأشاعرة والماتريدية… من هم؟ وأين موقعهم في تاريخ أهل السنة؟
كثيرًا ما تُطرح في زماننا أسئلة من قبيل:
من هم الأشاعرة والماتريدية؟ وهل هم من أهل السنة والجماعة؟ ومن أين جاءت هذه التسمية؟ وهل كان لهم حضور حقيقي في تاريخ الأمة؟
والجواب عن هذه الأسئلة لا يكون بالشعارات ولا بالتعميم، وإنما بالرجوع إلى تاريخ العلوم الإسلامية، وأقوال العلماء، وما استقر عليه جمهور المدارس الفقهية والعقدية عبر القرون.
🔹 أولًا: من هم الأشاعرة والماتريدية؟
الأشاعرة هم المنتسبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله، والماتريدية هم المنتسبون إلى الإمام أبي منصور الماتريدي رحمه الله.
وهاتان التسميتان لا تختلفان من حيث أصل فكرة الانتساب عن التسميات الفقهية المشهورة:
فنقول: حنفي، ومالكي، وشافعي، وحنبلي، نسبةً إلى أئمة المذاهب الفقهية.
وكذلك ظهرت في علم العقيدة نسبةٌ إلى أئمة ومدارس علمية عُرفت بخدمة عقائد أهل السنة والدفاع عنها بالأدلة.
ولهذا كان من المهم أن نفرّق بين أصل الاعتقاد وبين التفاصيل الاصطلاحية والخلافات الكلامية التي وقعت بين العلماء في مسائل متعددة.
🌿 الأشاعرة وقصة أبي موسى الأشعري
ومن النصوص التي استأنس بها عدد من علماء الأشاعرة في بيان فضل أبي موسى الأشعري وقومه قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ...﴾
[المائدة: 54]
وقد وردت أحاديث وآثار في تفسير هذه الآية، منها ما رواه الحاكم وغيره عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وفيه أن النبي ﷺ أشار إلى أبي موسى وقال:
«هم قومك يا أبا موسى»
وقد ذكر هذا الحديث عدد من المفسرين والمحدثين في سياق تفسير الآية.
ومن هنا ربط بعض علماء الأشاعرة بين فضل أبي موسى الأشعري وقومه وبين ظهور الإمام أبي الحسن الأشعري من ذريتهم، باعتبار أن الانتساب إلى القوم قد يكون انتسابَ أتباعٍ ونصرةٍ وموافقة.
وقد نقل ابن عساكر والبيهقي وغيرهما كلامًا في هذا المعنى، وذكروا ما للإمام أبي الحسن الأشعري من منزلة في الدفاع عن السنة والرد على المخالفين.
لكن ينبغي التنبه إلى أن الاستدلال بهذه النصوص على أن الآية نزلت تحديدًا في المدرسة الأشعرية بوصفها مدرسةً كلاميةً لاحقة أمرٌ يحتاج إلى التفريق بين أصل الحديث وبين التفسير التاريخي الذي بُني عليه.
🌿 «الإيمان يمانٍ»… وثناء النبي ﷺ على أهل اليمن
ومن الأحاديث المشهورة في فضل أهل اليمن قول النبي ﷺ:
«أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوبًا، الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية»
وهذا الثناء النبوي على أهل اليمن وقوم أبي موسى الأشعري رضي الله عنه من الفضائل الثابتة التي وردت بها السنة.
كما جاء في حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال لأهل اليمن:
«يا أهل اليمن اقبلوا البشرى»
ثم سُئل النبي ﷺ عن أول هذا الأمر فقال:
«كان الله ولم يكن شيء غيره»
وهذا الحديث أصلٌ مهم في تقرير قدم وجود الله تعالى وأنه سبحانه ليس مخلوقًا ولا مسبوقًا بالعدم.
وقد اختلف العلماء في التعبير عن لوازم ذلك ومسائل المكان والجهة والزمان، وتنوعت عباراتهم وطرائقهم في تقرير التنزيه، وهو باب طويل من أبواب علم العقيدة.
🌿 وماذا عن البشائر المتعلقة بفتح القسطنطينية؟
ومن النصوص التي يستشهد بها في هذا الباب حديث النبي ﷺ:
«لتُفتحنَّ القسطنطينية، فلنِعم الأمير أميرها، ولنِعم الجيش ذلك الجيش»
وقد فتح السلطان محمد الفاتح القسطنطينية سنة 857هـ، وكان من سلاطين الدولة العثمانية الذين انتسبوا إلى المدرسة الماتريدية في العقيدة.
وهنا ينبغي أن نكون دقيقين:
مدح النبي ﷺ للأمير والجيش في الحديث لا يعني بالضرورة أن الحديث نصٌّ على مذهب كلامي محدد لم يكن قد تبلور أصلًا في ذلك العصر.
وإنما وجه الاستدلال الذي يذكره بعض المؤرخين والعلماء هو أن القوم الذين تحقق على أيديهم هذا الفتح كانوا من المسلمين الذين نشؤوا في إطار المدارس السنية التي غلب عليها في الدولة العثمانية المذهب الماتريدي في العقيدة والمذهب الحنفي في الفقه.
وهذه ملاحظة تاريخية مهمة.
🌿 الأشاعرة والماتريدية… حضور واسع في تاريخ الأمة
إذا انتقلنا من الجدل المعاصر إلى كتب التاريخ والفقه والتفسير والحديث وأصول الفقه واللغة، وجدنا أن أسماء العلماء المنتسبين إلى المدرسة الأشعرية والماتريدية حاضرة بقوة في مختلف مراحل الحضارة الإسلامية.
وليس المقصود هنا القول إن كل عالم ذُكر في قائمة من القوائم كان أشعريًا أو ماتريديًا بالمعنى الاصطلاحي نفسه؛ فبعض النسب تحتاج إلى تحقيق، وبعض العلماء تغيرت آراؤهم، وبعضهم انتسب إلى مدرسة مع وجود مخالفات أو اجتهادات خاصة.
لكن المقصود بيان الامتداد الكبير لهذه المدارس في تاريخ العلم الإسلامي.
📚 من كبار العلماء المنتسبين إلى الأشعرية
من الأسماء التي تُذكر في هذا السياق:
أبو إسحاق الإسفراييني، أبو نعيم الأصبهاني، أبو المعالي الجويني، أبو حامد الغزالي، أبو بكر البيهقي، أبو القاسم القشيري، ابن عساكر، القاضي عياض، الإمام النووي، فخر الدين الرازي، القرطبي، عز الدين بن عبد السلام، ابن دقيق العيد، تاج الدين السبكي، زين الدين العراقي، ابن حجر العسقلاني، زكريا الأنصاري، مرتضى الزبيدي وغيرهم.
وهؤلاء لم يكونوا مجرد أسماء هامشية، بل كان لكثير منهم أثر بالغ في التفسير والحديث والفقه والأصول واللغة والتاريخ.
📖 وفي التفسير وعلوم القرآن
من أشهر من تُذكر أسماؤهم في هذا السياق:
القرطبي، ابن عطية، فخر الدين الرازي، البيضاوي، أبو حيان، السيوطي، الزركشي، الآلوسي، الزرقاني، الثعالبي وغيرهم.
وقد ترك هؤلاء مؤلفات أصبحت من المراجع الأساسية في الدراسات القرآنية والتفسيرية.
📜 وفي الحديث وعلومه
ومن الأسماء التي تُذكر في هذا الباب:
الحاكم النيسابوري، البيهقي، الخطيب البغدادي، ابن عساكر، أبو نعيم الأصبهاني، القاضي عياض، ابن الصلاح، المنذري، النووي، العز بن عبد السلام، الهيثمي، المِزّي، ابن حجر العسقلاني، ابن بطال، ابن الملقن، ابن دقيق العيد، السيوطي، السخاوي، المناوي، علي القاري، الزبيدي وغيرهم.
وهذا يوضح أن المدرسة الأشعرية لم تكن محصورة في علم الكلام، وإنما كان لأتباعها حضور بارز في خدمة الحديث وعلومه وشروحه.
⚖️ وفي الفقه وأصوله
وكان الانتساب إلى الأشعرية حاضرًا بين علماء المذاهب الفقهية المختلفة.
الحنفية:
الكاساني، السرخسي، الزيلعي، ابن نجيم، الكمال بن الهمام، ابن عابدين، الشرنبلالي وغيرهم.
المالكية:
ابن رشد، القرافي، ابن الحاجب، خليل، الدردير، الدسوقي، الزرقاني، النفراوي، ابن جزي، العدوي، السنوسي، عليش وغيرهم.
الشافعية:
الجويني، الغزالي، الرازي، الآمدي، الشيرازي، النووي، الرافعي، السبكي، البيضاوي، زكريا الأنصاري، ابن حجر الهيتمي، الرملي، الشربيني، المحلي، البيجوري وغيرهم.
وهذا الانتشار الواسع يفسر لنا لماذا ارتبطت الأشعرية تاريخيًا بعدد كبير من علماء المذاهب الفقهية.
🏛️ وفي التاريخ والسير واللغة
كما نجد أسماء بارزة في التاريخ والتراجم واللغة، مثل:
الخطيب البغدادي، ابن عساكر، أبو نعيم، ابن حجر، المِزّي، السهيلي، السيوطي، ابن الأثير، ابن خلدون، الصفدي، ابن خلكان وغيرهم.
وفي علوم اللغة نجد أسماء مثل:
ابن مالك، ابن عقيل، ابن هشام، ابن منظور، الفيروزآبادي، الزبيدي، ابن فارس، الجرجاني وغيرهم.
وهذا الحضور المتنوع يكشف أن المسألة ليست مسألة «فئة من المتكلمين» فحسب، بل مدرسة امتد حضورها إلى مختلف علوم الحضارة الإسلامية.
⚔️ ومن القادة والسلاطين
كما ارتبطت بهذه المدارس السنية شخصيات سياسية وعسكرية بارزة، من أمثال:
نور الدين زنكي، صلاح الدين الأيوبي، المظفر قطز، الظاهر بيبرس، وسلاطين الأيوبيين والمماليك، ثم السلطان محمد الفاتح وسلاطين الدولة العثمانية.
وقد كان للمؤسسات العلمية في عصورهم دور كبير في نشر العلوم الشرعية والعقائدية التي كانت سائدة في تلك البيئات.
🌿 وماذا قال تاج الدين السبكي؟
من العبارات المشهورة في هذا الباب ما نقله تاج الدين السبكي في كتابه «معيد النعم ومبيد النقم»، حيث تحدث عن اجتماع أئمة المذاهب الفقهية في أصول أهل السنة، وربط ذلك بالمدرسة الأشعرية.
وهذه الشهادة مهمة من الناحية التاريخية؛ لأنها صادرة عن عالم من كبار علماء الشافعية والأشعرية في القرن الثامن الهجري.
ومع ذلك، فإن مثل هذه النقول ينبغي قراءتها في سياقها التاريخي والعلمي، لا تحويلها إلى وسيلة لإلغاء كل اختلاف وقع بين علماء الأمة في مسائل الاعتقاد.
🌍 مدرسة امتدت عبر العالم الإسلامي
لم تكن الأشعرية والماتريدية ظاهرة محلية محدودة.
بل انتشرت مدارسها ومؤسساتها العلمية في مناطق واسعة من العالم الإسلامي، مع اختلاف درجة حضور كل مدرسة من بلد إلى آخر.
فبرزت الأشعرية بصورة واضحة في أجزاء واسعة من المغرب ومصر والشام والحجاز واليمن، بينما غلبت الماتريدية تاريخيًا في مناطق واسعة من بلاد ما وراء النهر وآسيا الوسطى والأناضول، وانتشر أثرها كذلك في البيئات الحنفية المختلفة.
ولهذا فإن النظر إلى تاريخ المسلمين يكشف عن تنوع واسع داخل الإطار السني نفسه.
🔎 الخلاصة
إن دراسة تاريخ العقيدة الإسلامية بعيدًا عن السجالات المعاصرة تكشف لنا حقيقة لا يصعب ملاحظتها:
أن الأشاعرة والماتريدية كان لهما حضور واسع جدًا في تاريخ العلوم الإسلامية، وأن عددًا كبيرًا من كبار علماء التفسير والحديث والفقه والأصول واللغة والتاريخ انتسبوا إلى إحدى هاتين المدرستين أو تأثروا بهما.
ولذلك فإن اختزال تاريخ أهل السنة في مدرسة واحدة فقط، أو تصوير الأشاعرة والماتريدية وكأنهم طارئون على الأمة أو خارجون عن تاريخها العلمي، لا يعكس الصورة التاريخية المعقدة والمتنوعة التي تكشفها كتب التراث والتراجم.
وفي المقابل، فإن الإنصاف يقتضي ألا نبالغ في الاتجاه الآخر أيضًا؛ فلا يصح أن ننسب كل عالم ورد اسمه في قائمة إلى الأشعرية أو الماتريدية من غير تحقيق، ولا أن نجعل كل مسائل المدرستين محل إجماع بين جميع علماء أهل السنة.
فالإنصاف العلمي هو:
أن نعرف المدارس بأصولها، والعلماء بأقوالهم، والتاريخ بسياقه، والخلافات بحدودها.
أما تحويل الخلافات العقدية إلى وسيلة لإخراج قطاعات واسعة من علماء الأمة من دائرة الإسلام أو السنة، فذلك يحتاج إلى أدلة أقوى بكثير من مجرد اختلاف في المصطلحات أو بعض المسائل الكلامية.
والتاريخ الإسلامي أوسع من أن يُختزل في رواية واحدة.
والحمد لله رب العالمين.كثيرًا ما تُطرح في زماننا أسئلة من قبيل:
من هم الأشاعرة والماتريدية؟ وهل هم من أهل السنة والجماعة؟ ومن أين جاءت هذه التسمية؟ وهل كان لهم حضور حقيقي في تاريخ الأمة؟
والجواب عن هذه الأسئلة لا يكون بالشعارات ولا بالتعميم، وإنما بالرجوع إلى تاريخ العلوم الإسلامية، وأقوال العلماء، وما استقر عليه جمهور المدارس الفقهية والعقدية عبر القرون.
🔹 أولًا: من هم الأشاعرة والماتريدية؟
الأشاعرة هم المنتسبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله، والماتريدية هم المنتسبون إلى الإمام أبي منصور الماتريدي رحمه الله.
وهاتان التسميتان لا تختلفان من حيث أصل فكرة الانتساب عن التسميات الفقهية المشهورة:
فنقول: حنفي، ومالكي، وشافعي، وحنبلي، نسبةً إلى أئمة المذاهب الفقهية.
وكذلك ظهرت في علم العقيدة نسبةٌ إلى أئمة ومدارس علمية عُرفت بخدمة عقائد أهل السنة والدفاع عنها بالأدلة.
ولهذا كان من المهم أن نفرّق بين أصل الاعتقاد وبين التفاصيل الاصطلاحية والخلافات الكلامية التي وقعت بين العلماء في مسائل متعددة.
🌿 الأشاعرة وقصة أبي موسى الأشعري
ومن النصوص التي استأنس بها عدد من علماء الأشاعرة في بيان فضل أبي موسى الأشعري وقومه قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ...﴾
[المائدة: 54]
وقد وردت أحاديث وآثار في تفسير هذه الآية، منها ما رواه الحاكم وغيره عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وفيه أن النبي ﷺ أشار إلى أبي موسى وقال:
«هم قومك يا أبا موسى»
وقد ذكر هذا الحديث عدد من المفسرين والمحدثين في سياق تفسير الآية.
ومن هنا ربط بعض علماء الأشاعرة بين فضل أبي موسى الأشعري وقومه وبين ظهور الإمام أبي الحسن الأشعري من ذريتهم، باعتبار أن الانتساب إلى القوم قد يكون انتسابَ أتباعٍ ونصرةٍ وموافقة.
وقد نقل ابن عساكر والبيهقي وغيرهما كلامًا في هذا المعنى، وذكروا ما للإمام أبي الحسن الأشعري من منزلة في الدفاع عن السنة والرد على المخالفين.
لكن ينبغي التنبه إلى أن الاستدلال بهذه النصوص على أن الآية نزلت تحديدًا في المدرسة الأشعرية بوصفها مدرسةً كلاميةً لاحقة أمرٌ يحتاج إلى التفريق بين أصل الحديث وبين التفسير التاريخي الذي بُني عليه.
🌿 «الإيمان يمانٍ»… وثناء النبي ﷺ على أهل اليمن
ومن الأحاديث المشهورة في فضل أهل اليمن قول النبي ﷺ:
«أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوبًا، الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية»
وهذا الثناء النبوي على أهل اليمن وقوم أبي موسى الأشعري رضي الله عنه من الفضائل الثابتة التي وردت بها السنة.
كما جاء في حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال لأهل اليمن:
«يا أهل اليمن اقبلوا البشرى»
ثم سُئل النبي ﷺ عن أول هذا الأمر فقال:
«كان الله ولم يكن شيء غيره»
وهذا الحديث أصلٌ مهم في تقرير قدم وجود الله تعالى وأنه سبحانه ليس مخلوقًا ولا مسبوقًا بالعدم.
وقد اختلف العلماء في التعبير عن لوازم ذلك ومسائل المكان والجهة والزمان، وتنوعت عباراتهم وطرائقهم في تقرير التنزيه، وهو باب طويل من أبواب علم العقيدة.
🌿 وماذا عن البشائر المتعلقة بفتح القسطنطينية؟
ومن النصوص التي يستشهد بها في هذا الباب حديث النبي ﷺ:
«لتُفتحنَّ القسطنطينية، فلنِعم الأمير أميرها، ولنِعم الجيش ذلك الجيش»
وقد فتح السلطان محمد الفاتح القسطنطينية سنة 857هـ، وكان من سلاطين الدولة العثمانية الذين انتسبوا إلى المدرسة الماتريدية في العقيدة.
وهنا ينبغي أن نكون دقيقين:
مدح النبي ﷺ للأمير والجيش في الحديث لا يعني بالضرورة أن الحديث نصٌّ على مذهب كلامي محدد لم يكن قد تبلور أصلًا في ذلك العصر.
وإنما وجه الاستدلال الذي يذكره بعض المؤرخين والعلماء هو أن القوم الذين تحقق على أيديهم هذا الفتح كانوا من المسلمين الذين نشؤوا في إطار المدارس السنية التي غلب عليها في الدولة العثمانية المذهب الماتريدي في العقيدة والمذهب الحنفي في الفقه.
وهذه ملاحظة تاريخية مهمة.
🌿 الأشاعرة والماتريدية… حضور واسع في تاريخ الأمة
إذا انتقلنا من الجدل المعاصر إلى كتب التاريخ والفقه والتفسير والحديث وأصول الفقه واللغة، وجدنا أن أسماء العلماء المنتسبين إلى المدرسة الأشعرية والماتريدية حاضرة بقوة في مختلف مراحل الحضارة الإسلامية.
وليس المقصود هنا القول إن كل عالم ذُكر في قائمة من القوائم كان أشعريًا أو ماتريديًا بالمعنى الاصطلاحي نفسه؛ فبعض النسب تحتاج إلى تحقيق، وبعض العلماء تغيرت آراؤهم، وبعضهم انتسب إلى مدرسة مع وجود مخالفات أو اجتهادات خاصة.
لكن المقصود بيان الامتداد الكبير لهذه المدارس في تاريخ العلم الإسلامي.
📚 من كبار العلماء المنتسبين إلى الأشعرية
من الأسماء التي تُذكر في هذا السياق:
أبو إسحاق الإسفراييني، أبو نعيم الأصبهاني، أبو المعالي الجويني، أبو حامد الغزالي، أبو بكر البيهقي، أبو القاسم القشيري، ابن عساكر، القاضي عياض، الإمام النووي، فخر الدين الرازي، القرطبي، عز الدين بن عبد السلام، ابن دقيق العيد، تاج الدين السبكي، زين الدين العراقي، ابن حجر العسقلاني، زكريا الأنصاري، مرتضى الزبيدي وغيرهم.
وهؤلاء لم يكونوا مجرد أسماء هامشية، بل كان لكثير منهم أثر بالغ في التفسير والحديث والفقه والأصول واللغة والتاريخ.
📖 وفي التفسير وعلوم القرآن
من أشهر من تُذكر أسماؤهم في هذا السياق:
القرطبي، ابن عطية، فخر الدين الرازي، البيضاوي، أبو حيان، السيوطي، الزركشي، الآلوسي، الزرقاني، الثعالبي وغيرهم.
وقد ترك هؤلاء مؤلفات أصبحت من المراجع الأساسية في الدراسات القرآنية والتفسيرية.
📜 وفي الحديث وعلومه
ومن الأسماء التي تُذكر في هذا الباب:
الحاكم النيسابوري، البيهقي، الخطيب البغدادي، ابن عساكر، أبو نعيم الأصبهاني، القاضي عياض، ابن الصلاح، المنذري، النووي، العز بن عبد السلام، الهيثمي، المِزّي، ابن حجر العسقلاني، ابن بطال، ابن الملقن، ابن دقيق العيد، السيوطي، السخاوي، المناوي، علي القاري، الزبيدي وغيرهم.
وهذا يوضح أن المدرسة الأشعرية لم تكن محصورة في علم الكلام، وإنما كان لأتباعها حضور بارز في خدمة الحديث وعلومه وشروحه.
⚖️ وفي الفقه وأصوله
وكان الانتساب إلى الأشعرية حاضرًا بين علماء المذاهب الفقهية المختلفة.
الحنفية:
الكاساني، السرخسي، الزيلعي، ابن نجيم، الكمال بن الهمام، ابن عابدين، الشرنبلالي وغيرهم.
المالكية:
ابن رشد، القرافي، ابن الحاجب، خليل، الدردير، الدسوقي، الزرقاني، النفراوي، ابن جزي، العدوي، السنوسي، عليش وغيرهم.
الشافعية:
الجويني، الغزالي، الرازي، الآمدي، الشيرازي، النووي، الرافعي، السبكي، البيضاوي، زكريا الأنصاري، ابن حجر الهيتمي، الرملي، الشربيني، المحلي، البيجوري وغيرهم.
وهذا الانتشار الواسع يفسر لنا لماذا ارتبطت الأشعرية تاريخيًا بعدد كبير من علماء المذاهب الفقهية.
🏛️ وفي التاريخ والسير واللغة
كما نجد أسماء بارزة في التاريخ والتراجم واللغة، مثل:
الخطيب البغدادي، ابن عساكر، أبو نعيم، ابن حجر، المِزّي، السهيلي، السيوطي، ابن الأثير، ابن خلدون، الصفدي، ابن خلكان وغيرهم.
وفي علوم اللغة نجد أسماء مثل:
ابن مالك، ابن عقيل، ابن هشام، ابن منظور، الفيروزآبادي، الزبيدي، ابن فارس، الجرجاني وغيرهم.
وهذا الحضور المتنوع يكشف أن المسألة ليست مسألة «فئة من المتكلمين» فحسب، بل مدرسة امتد حضورها إلى مختلف علوم الحضارة الإسلامية.
⚔️ ومن القادة والسلاطين
كما ارتبطت بهذه المدارس السنية شخصيات سياسية وعسكرية بارزة، من أمثال:
نور الدين زنكي، صلاح الدين الأيوبي، المظفر قطز، الظاهر بيبرس، وسلاطين الأيوبيين والمماليك، ثم السلطان محمد الفاتح وسلاطين الدولة العثمانية.
وقد كان للمؤسسات العلمية في عصورهم دور كبير في نشر العلوم الشرعية والعقائدية التي كانت سائدة في تلك البيئات.
🌿 وماذا قال تاج الدين السبكي؟
من العبارات المشهورة في هذا الباب ما نقله تاج الدين السبكي في كتابه «معيد النعم ومبيد النقم»، حيث تحدث عن اجتماع أئمة المذاهب الفقهية في أصول أهل السنة، وربط ذلك بالمدرسة الأشعرية.
وهذه الشهادة مهمة من الناحية التاريخية؛ لأنها صادرة عن عالم من كبار علماء الشافعية والأشعرية في القرن الثامن الهجري.
ومع ذلك، فإن مثل هذه النقول ينبغي قراءتها في سياقها التاريخي والعلمي، لا تحويلها إلى وسيلة لإلغاء كل اختلاف وقع بين علماء الأمة في مسائل الاعتقاد.
🌍 مدرسة امتدت عبر العالم الإسلامي
لم تكن الأشعرية والماتريدية ظاهرة محلية محدودة.
بل انتشرت مدارسها ومؤسساتها العلمية في مناطق واسعة من العالم الإسلامي، مع اختلاف درجة حضور كل مدرسة من بلد إلى آخر.
فبرزت الأشعرية بصورة واضحة في أجزاء واسعة من المغرب ومصر والشام والحجاز واليمن، بينما غلبت الماتريدية تاريخيًا في مناطق واسعة من بلاد ما وراء النهر وآسيا الوسطى والأناضول، وانتشر أثرها كذلك في البيئات الحنفية المختلفة.
ولهذا فإن النظر إلى تاريخ المسلمين يكشف عن تنوع واسع داخل الإطار السني نفسه.
🔎 الخلاصة
إن دراسة تاريخ العقيدة الإسلامية بعيدًا عن السجالات المعاصرة تكشف لنا حقيقة لا يصعب ملاحظتها:
أن الأشاعرة والماتريدية كان لهما حضور واسع جدًا في تاريخ العلوم الإسلامية، وأن عددًا كبيرًا من كبار علماء التفسير والحديث والفقه والأصول واللغة والتاريخ انتسبوا إلى إحدى هاتين المدرستين أو تأثروا بهما.
ولذلك فإن اختزال تاريخ أهل السنة في مدرسة واحدة فقط، أو تصوير الأشاعرة والماتريدية وكأنهم طارئون على الأمة أو خارجون عن تاريخها العلمي، لا يعكس الصورة التاريخية المعقدة والمتنوعة التي تكشفها كتب التراث والتراجم.
وفي المقابل، فإن الإنصاف يقتضي ألا نبالغ في الاتجاه الآخر أيضًا؛ فلا يصح أن ننسب كل عالم ورد اسمه في قائمة إلى الأشعرية أو الماتريدية من غير تحقيق، ولا أن نجعل كل مسائل المدرستين محل إجماع بين جميع علماء أهل السنة.
فالإنصاف العلمي هو:
أن نعرف المدارس بأصولها، والعلماء بأقوالهم، والتاريخ بسياقه، والخلافات بحدودها.
أما تحويل الخلافات العقدية إلى وسيلة لإخراج قطاعات واسعة من علماء الأمة من دائرة الإسلام أو السنة، فذلك يحتاج إلى أدلة أقوى بكثير من مجرد اختلاف في المصطلحات أو بعض المسائل الكلامية.
والتاريخ الإسلامي أوسع من أن يُختزل في رواية واحدة.
والحمد لله رب العالمين.
اللحية والسواك… حين تُختزل السُّنّة في المظهر
اللحية والسواك… حين تُختزل السُّنّة في المظهر
يقول بعضهم: ورد في إعفاء اللحية أكثر من سبعة عشر حديثًا، وهذا دليل على عظيم أهميتها!
ونقول: لقد ورد في السواك أكثر من مئة حديث!
قال العلامة سراج الدين ابن الملقّن في كتابه البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير، كما نقل عنه الصنعاني في سبل السلام شرح بلوغ المرام:
«قد ذُكر في السواك زيادة على مئة حديث، فواعجبًا لسنة تأتي فيها الأحاديث الكثيرة، ثم يهملها كثير من الناس، بل كثير من الفقهاء، فهذه خيبة عظيمة!».
فإذا كانت كثرة الأحاديث هي المعيار، فلماذا لا يحظى السواك بالاهتمام نفسه الذي تحظى به اللحية؟!
وإذا كان المقصود هو بيان أهمية اللحية، فلا خلاف في أن ورود أحاديث كثيرة في سنة من السنن يدل على عناية الشريعة بها، لكن مجرد كثرة الروايات لا يكفي وحده لترتيب السنن بعضها فوق بعض.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: لماذا تحظى بعض السنن بمساحة واسعة من الاهتمام والحديث، بينما لا تحظى سنن أخرى بالقدر نفسه؟
أولًا: اللحية والسواك… وماذا عن الأحكام الفقهية؟
اختلف الفقهاء في حكم إعفاء اللحية، ونُقلت في المسألة أقوال، منها الوجوب والاستحباب، كما نُقل القول بالإباحة عن بعض أهل العلم.
أما السواك، فقد قال بوجوبه بعض العلماء، ومنهم إسحاق بن راهويه وداود الظاهري، في حين ذهب جمهور الفقهاء إلى استحبابه في أحواله المعروفة.
والمقصود من هذه المقارنة ليس الجزم بأن السواك أهم من اللحية، ولا أن كثرة الأحاديث تحسم المسألة؛ وإنما المقصود التنبيه إلى أن المسائل الفقهية لا تُوزن بكثرة الحديث عنها، ولا ينبغي أن يتحول الاهتمام بحكم فقهي إلى مقياس للحكم على تدين الناس.
فإذا كان السواك قد وردت فيه هذه النصوص الكثيرة، فلماذا لا نرى من التشديد في شأنه ما نراه في شأن اللحية؟
ولماذا لا يكون الحرص على سائر خصال الفطرة حاضرًا بالقدر نفسه، كقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وتقليم الأظافر، والختان؟
إن هذه الخصال جميعًا جديرة بالعناية، ولكل واحدة منها حكمها وتفصيلها الفقهي، ولا يصح أن نجعل إحداها وحدها عنوانًا للتدين، ثم نغفل عن بقية السنن.
ثانيًا: لماذا تتقدم المظاهر أحيانًا على المقاصد؟
لعل من أسباب هذا التفاوت أن بعض المظاهر يسهل رؤيتها والحكم عليها؛ فاللحية ظاهرة للناس في كل لقاء، بينما السواك وسائر أعمال الطهارة والعناية الشخصية قد لا يطّلع عليها الآخرون.
وهكذا قد يتحول الأمر، عند بعض الناس، من الحرص على السنة إلى الاهتمام بما يميز صاحبه في أعين الآخرين.
ولا يلزم أن يكون هذا هو حال كل من يحرص على اللحية، ولا يصح الحكم على النيات بغير بينة؛ لكن الظاهرة تستحق التأمل حين يصبح المظهر الخارجي أساسًا لتصنيف الناس، والحكم على استقامتهم، والطعن في دينهم ومروءتهم.
فهل العبرة بأن يبدو الإنسان ملتزمًا أمام الناس، أم بأن يحرص على طاعة الله في ظاهره وباطنه، وأن يتحلى بالأخلاق التي دعا إليها الإسلام؟
إن الدين ليس هيئةً جسديةً فحسب، ولا مجموعة من العلامات الخارجية التي يُمتحن بها المسلمون.
ثالثًا: هل كل ما خالف الهيئة النبوية الظاهرة يُذم؟
ومن المسائل التي تستحق النظر أيضًا طريقة الاستدلال بالهيئة الظاهرة للنبي ﷺ.
فقد كان النبي ﷺ يلبس العمامة في أحوال معروفة، ومع ذلك لا يجعل المسلمون اليوم لبس العمامة شرطًا للاستقامة، ولا يعيّرون من لم يلبسها، ولا يعدّون اختلاف لباسه دليلًا على ضعف دينه.
وهذا يذكّرنا بأهمية التفريق بين ما ورد عن النبي ﷺ على جهة التشريع والتعبد، وما كان من سنن العادات والهيئات التي تتأثر بالأعراف والبيئات.
فليس كل ما فعله النبي ﷺ في باب العادات يأخذ حكمًا واحدًا، ولا يصح أن نُسوّي بين جميع الهيئات والأفعال من غير نظر في أدلتها ودلالاتها.
واللحية نفسها تحتاج إلى هذا النظر الفقهي المتأنّي، بعيدًا عن المبالغة في التهوين من شأنها، أو الغلو في جعلها معيارًا وحيدًا للتدين.
رابعًا: هل حلق اللحية تشبّه بالنساء؟
ومن الحجج التي تُذكر في ذم حلق اللحية القول بأنه تشبّه بالنساء.
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين: الحكم الفقهي لحلق اللحية، والحكم على كل رجل يحلقها بأنه متشبّه بالنساء.
فليس كل اختلاف في الهيئة يُحمل تلقائيًّا على التشبه المحرّم، إذ لا بد من النظر في حقيقة التشبه، والعرف، والقصد، وما ورد في المسألة من أدلة وأحكام.
كما أن مجرد وصف هيئةٍ ما بأنها مخالفة لما اعتاده الناس لا يكفي وحده لإثبات أنها نقص في الخِلقة أو عيب في الإنسان.
وقد وردت أحاديث في صفة أهل الجنة، منها ما جاء في أنهم يدخلونها «جُرْدًا مُرْدًا»، وقد ورد هذا المعنى من طرق متعددة، وتكلم أهل العلم في أسانيد رواياته وألفاظها.
لكن ينبغي التنبيه إلى أن وصف أهل الجنة بهذه الصفة لا يكفي وحده لإثبات حكم فقهي متعلق بحلق اللحية في الدنيا؛ فلكل مقام دليله، ولكل مسألة وجه الاستدلال الذي ينبغي تحريره.
والمقصود هنا أن الهيئة الجسدية وحدها ليست معيارًا للحكم على كرامة الإنسان أو صلاحه عند الله.
خامسًا: اللحية ليست دليلًا قاطعًا على الاستقامة
اللحية سنة من سنن الإسلام التي اعتنى بها الفقهاء، واختلفوا في بعض أحكامها وتفاصيلها.
لكن هل يعني ذلك أنها دليل قاطع على استقامة صاحبها؟
وهل يعني تركها أن صاحبها منحرف أو قليل الدين؟
كلا؛ فالحكم على الإنسان لا يُختزل في مظهر واحد.
فكم من رجل كثّ اللحية، لكنه سيئ الخلق، ظالم للناس، يطلق لسانه في أعراضهم، ويحتقر المخالفين له!
وكم من رجل حليق الوجه، لكنه حسن الخلق، صادق اللسان، رحيم بالناس، حريص على الطاعة، مجتنب للظلم والعدوان!
ولا يعني هذا أن حسن الخلق يُسقط الأحكام الشرعية، أو أن المظهر لا قيمة له؛ وإنما يعني أن الاستقامة أوسع من أن تُختصر في اللحية، وأن المخالفة الفقهية لا تبيح انتهاك كرامة صاحبها.
فمن قال بوجوب إعفاء اللحية، فليبيّن حكمه بالدليل، وليدعُ إلى ما يراه حقًّا بالحكمة والموعظة الحسنة.
أما السخرية من المسلمين، والتنمر عليهم، واتهامهم في دينهم، فليست من لوازم القول بالوجوب، ولا من مقتضيات النصيحة الشرعية.
سادسًا: السنن ليست مظهرًا واحدًا
إن السنن النبوية لا تنحصر في اللحية، ولا في الثياب، ولا في هيئة مخصوصة.
فمن السنن ما يتعلق بالعبادات، ومنها ما يتعلق بالطهارة والنظافة، ومنها ما يتعلق بالمعاملات والأخلاق والآداب.
ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه المسلم:
حسن الظن بالمسلمين، واجتناب التسرع في اتهامهم.
الرفق في النصيحة، والابتعاد عن الفظاظة والتشهير.
حفظ الألسنة عن الغيبة والسخرية والوقيعة في الأعراض.
التواضع، وترك تزكية النفس واحتقار الآخرين.
العدل مع المخالف، والإنصاف في عرض أقواله وأدلته.
العناية بسنن النبي ﷺ في العبادة والسلوك والمعاملة، لا في المظهر وحده.
فليس من تعظيم السنة أن نحرص على بعض هيئاتها، ثم نضيّع ما أمرت به من مكارم الأخلاق.
وليس من نصرة الدين أن ننتصر لمظهرٍ من مظاهره، ثم نسيء إلى المسلمين باسمه.
أخيرًا: لسنا ضد اللحية… بل ضد اختزال الدين فيها
أحب أن أؤكد أمرًا مهمًّا:
لست ضد اللحية، ولا ضد أي سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ، ولا أدعو إلى التهاون في أحكام الشريعة.
وإنما أعترض على الغلو في المظاهر، وعلى تحويل هيئة من الهيئات إلى مقياس شامل يُحاكم الناس من خلاله، فيُرفع صاحبها فوق منزلته، ويُنتقص ممن خالفه، وكأن الدين كله قد اجتمع في هذه الهيئة وحدها.
إن اللحية لا تجعل صاحبها معصومًا من الخطأ، كما أن حلقها لا يجعل صاحبها ساقطًا في ميزان الأخلاق، ولا يبيح لأحد أن يطعن في دينه أو مروءته.
ومن أراد أن ينصح فليتذكر أن النصيحة عبادة، وأن لها أدبًا، وأن المقصود منها هداية الناس لا إذلالهم.
فالدين ليس لحيةً فحسب، والسنة ليست مظهرًا واحدًا، والاستقامة ليست بطاقةً تُمنح للناس بحسب هيئاتهم.
إنما الاستقامة التزامٌ بشرع الله، وصدقٌ في العبادة، وحسنٌ في الخلق، وعدلٌ مع الخلق، وتواضعٌ للحق.
فلنعظّم سنن النبي ﷺ جميعًا، ولنجمع بين العناية بالظاهر وإصلاح الباطن، وبين صحة الاعتقاد وحسن الخلق، وبين الدعوة إلى الحق والرحمة بالخلق.
فما أحوجنا إلى أن نكون أحرص على هداية المسلمين من حرصنا على تصنيفهم، وأشد خوفًا من ظلمهم من خوفنا من مخالفتهم لنا!
نسأل الله أن يرزقنا الفقه في دينه، والاتباع الصادق لنبيه ﷺ، وحسن الخلق، والعدل والإنصاف، وأن يهدينا جميعًا إلى ما يحب ويرضى.
وبالله التوفيق.
من تناقضات السلفية المعاصرة… حين تتغيّر المعايير بتغيّر الخصوم
من تناقضات السلفية المعاصرة… حين تتغيّر المعايير بتغيّر الخصوم
ليست المشكلة في أن يختلف العلماء، ولا في أن ينتقد بعضهم بعضًا، ولا في أن يختار الباحث قولًا ويرجّحه على غيره؛ فذلك من طبيعة البحث العلمي والاجتهاد.
وإنما المشكلة حين تُرفع معاييرٌ في موضع، ثم تُهمل في موضع آخر، وحين يُقبل من أقوال العلماء ما يخدم موقفًا معينًا، ويُردّ ما عداه، لا لضعف دليله بالضرورة، بل لمجرد مخالفته للاتجاه الذي يتبنّاه الناقد.
ومن خلال النظر في عدد من مواقف الخطاب السلفي المعاصر، يمكن الوقوف على نماذج تستحق التأمل والمراجعة؛ نماذج يظهر فيها تفاوتٌ في التعامل مع التراث الإسلامي، وفي تقويم العلماء والمذاهب والعلوم، بحسب طبيعة القضية والخصم.
وهذه جملة من أبرز تلك النماذج:
1- الأشعرية بين الاعتراف بانتشارها وإنكار انتشارها!
حين يُذكر أن عددًا من كبار أئمة الحديث والسنة، كالبيهقي والنووي وابن حجر العسقلاني، كانوا على المذهب الأشعري، أو تأثروا به في مسائل الاعتقاد، يلجأ بعض المعاصرين إلى تفسير ذلك بتأثير البيئة العلمية التي عاشوا فيها، وشيوع الأشعرية في الأوساط العلمية خلال عصورهم.
لكن حين يُقال إن الأشعرية كانت واسعة الانتشار بين علماء المسلمين في تلك العصور، وأن عددًا كبيرًا من كبار العلماء انتسب إليها أو وافقها في جملة من مسائل الاعتقاد، نجد من ينازع في هذا الوصف، أو يتحفّظ عليه بشدة.
وهنا يبرز سؤال منهجي:
إذا كان انتشار الأشعرية في البيئة العلمية يفسّر انتساب بعض كبار العلماء إليها، فكيف يُستبعد انتشارها الواسع حين يُراد الحديث عن مكانتها في تاريخ العلم الإسلامي؟
لا يلزم من ذلك أن تكون كل دعوى عن انتشار الأشعرية صحيحة، ولا أن يكون كل من انتسب إليها موافقًا لها في جميع مسائلها؛ وإنما المقصود أن الوقائع التاريخية ينبغي أن تُدرس بمعيار واحد، بعيدًا عن الانتقاء الذي يجعل الانتشار حجةً للتفسير حينًا، وأمرًا يُنازع فيه حينًا آخر.
2- علماء المذاهب: علماء بالتوحيد عند الاستشهاد، وجهلة به عند الخصومة!
من المسائل التي يشتد فيها الخلاف بين الاتجاه السلفي المعاصر وغيره، مسألة توحيد العبادة، وما يتصل بها من أحكام التوسل والاستغاثة، والحكم على بعض الممارسات المنتشرة بين المسلمين.
ويذهب بعض الخطاب السلفي إلى أن صورًا من الشرك في العبادة قد شاعت بين المسلمين، وأن علماء الدعوة النجدية لم يكونوا أول من قرر التحذير منها، بل سبقهم إلى ذلك علماء من المذاهب الفقهية المختلفة.
ولهذا تُستحضر مؤلفات ورسائل جامعية تتناول جهود علماء الحنفية والمالكية والشافعية في تقرير توحيد العبادة، ويُستشهد فيها بأقوال عدد من العلماء، ومنهم علماء أشاعرة وماتريدية.
ومن الأمثلة التي تُذكر في هذا السياق:
كتاب «جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية».
كتاب «تقرير توحيد العبادة من خلال أقوال المالكية».
كتاب «جهود أئمة الشافعية في تقرير توحيد العبادة».
لكننا نجد، في سياق آخر، من يقرر أن الأشاعرة والماتريدية لم يعرفوا توحيد العبادة، وأن غاية ما عرفوه من التوحيد هو توحيد الربوبية، بل قد يُلحق بذلك اتهامهم بالاضطراب في هذا الباب.
وهنا يبرز موضع الإشكال:
كيف يُستشهد بأقوال علماء الأشاعرة والماتريدية لإثبات سبق علماء المذاهب إلى تقرير توحيد العبادة، ثم يُقال في الوقت نفسه إن هؤلاء العلماء لم يعرفوا حقيقة هذا التوحيد؟
وكيف يُحتج بأقوالهم حين تخدم الحجة، ثم تُهدر مكانتهم العلمية في الباب نفسه حين تكون المسألة متعلقة بالخلاف معهم؟
بل إن بعضهم يستشهد بأقوال فخر الدين الرازي في مسائل تتصل بتوحيد العبادة، ثم يصفه في موضع آخر بأنه لم يعرف من التوحيد إلا توحيد الربوبية!
ولا يعني هذا أن كل استشهاد بأقوال عالم يُلزم صاحبه بتصحيح جميع معتقداته، أو أن الاتفاق في مسألة يقتضي الاتفاق في سائر المسائل؛ فهذا غير لازم.
لكن الإنصاف يقتضي التفريق بين نقد قول معين، وبين نفي العلم عن صاحبه نفيًا عامًا، ثم الاستشهاد به في الباب نفسه عندما تدعو الحاجة إلى ذلك.
3- ذمّ علم الكلام… ثم الاحتجاج بأدواته!
يرفع بعض المعاصرين شعار ذم علم الكلام، وينقلون في ذلك أقوالًا وآثارًا عن عدد من السلف، ويؤكدون أن الاعتقاد الصحيح يُتلقى من الكتاب والسنة وآثار السلف، لا من المناهج الكلامية والفلسفية.
لكن كتب التراث التي يستند إليها هذا الخطاب، فضلًا عن مؤلفات المعاصرين أنفسهم، تتضمن مباحث عقلية واستدلالات نظرية وردودًا على المخالفين.
فمن الدارمي في ردوده على بعض الفرق، إلى ابن تيمية في مناقشاته الكلامية والفلسفية، وصولًا إلى مؤلفات معاصرة في الرد على الملاحدة واللادينيين؛ نجد استعمالًا واسعًا للحجاج العقلي، ومناقشة المقدمات، وإبطال الاستدلالات، والاحتجاج باللزوم والتناقض.
ولا يصح أن نسمّي كل استدلال عقلي علمَ كلام بالمعنى الاصطلاحي؛ فثمة فرق بين الاستدلال العقلي عمومًا، وبين المناهج الكلامية ومصطلحاتها وأصولها.
لكن الإشكال يظهر حين يُذمّ منهجٌ أو نوعٌ من الاستدلال ذمًّا مطلقًا، ثم تُستعمل بعض أدواته ومباحثه عند الحاجة، من غير بيان للفارق المنهجي بين ما يُرفض وما يُقبل.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل الاعتراض على الاستدلال العقلي من حيث هو استدلال، أم على مقدمات معينة وطرائق مخصوصة في بناء الحجة؟
إن تحرير محل النزاع أولى من إطلاق الأحكام العامة التي يصعب الالتزام بها عند التطبيق.
4- النهي عن جدال أهل البدع… وكثرة المناظرات معهم!
يستدل بعض المعاصرين بالآثار الواردة في التحذير من مجالسة أهل الأهواء والجدال معهم، ويجعلون ذلك أصلًا في التعامل مع المخالفين في مسائل الاعتقاد.
ومع ذلك، نجد حضورًا واسعًا للمناظرات والردود المطوّلة في الفضاء الإعلامي، ومناقشات لا تكاد تنتهي مع من يُصنّفونهم ضمن أهل البدع.
ولا يلزم من ذلك وجود تناقض في كل مناظرة؛ فقد يكون الجدال مشروعًا إذا قصد به بيان الحق، وردّ الشبهة، وتعليم الناس، وتوفرت له شروطه وآدابه.
لكن السؤال الذي يستحق الطرح هو:
إذا كان الجدال مع المخالف مذمومًا بإطلاق، فما وجه هذه المناظرات المتكررة؟ وإذا كانت المناظرة جائزة بضوابطها، فلماذا لا تُذكر هذه الضوابط عند إطلاق النهي عن الجدال؟
إن التفريق بين الجدال المذموم والمناظرة العلمية المنضبطة ضرورةٌ لفهم النصوص وتنزيلها على الوقائع، لا مجرد التفريق بين من نوافقه ومن نخالفه.
5- الأشعرية ناشئة عن الجهل بالسنة… مع انتساب كبار أئمتها إليها!
من الانتقادات المتكررة في بعض الخطابات السلفية المعاصرة القول بأن نشأة الأشعرية وانتشارها يرجعان إلى الجهل بالسنة، أو عدم معرفة ما كان عليه السلف في مسائل الاعتقاد.
وقد امتد هذا الحكم عند بعضهم إلى الإمام أبي الحسن الأشعري نفسه، إذ يُصوَّر انتقاله إلى مذهب أهل السنة، وفق هذا التصور، على أنه لم يكتمل بسبب عدم إحاطته بما يراه هؤلاء هو المنهج الصحيح للسلف.
لكن حين يُبحث في تاريخ العلماء، نجد أسماء كبيرة من أئمة الحديث والفقه والتفسير، كالبيهقي وابن عساكر والنووي وابن الصلاح وابن حجر والسيوطي، ممن انتسبوا إلى الأشعرية، أو تأثروا بها في مسائل عقدية.
وهؤلاء لم تكن جهودهم العلمية هامشية؛ بل أسهموا في خدمة الحديث النبوي، وشرح كتب السنة، والتأليف في علومها، والدفاع عن الشريعة، والتصنيف في مختلف العلوم الإسلامية.
وهنا يبرز سؤال مهم:
كيف يُفسَّر انتساب عدد من كبار العلماء إلى الأشعرية بأنه ناشئ عن الجهل بالسنة، مع أن جانبًا كبيرًا من جهودهم العلمية انصبّ على خدمة السنة وعلومها؟
لا يعني ذلك أن مكانة العالم في الحديث أو الفقه تمنع نقد آرائه العقدية، ولا أن كثرة المصنفات دليل على صحة كل ما يقرره صاحبها.
لكن الحكم على عالم بأنه جاهل بالسنة يحتاج إلى تحرير وتفصيل، ولا يكفي فيه مجرد مخالفته لاجتهاد معاصر في مسائل الاعتقاد.
فالخلاف في فهم النصوص وتقرير دلالاتها شيء، والجهل بها شيء آخر؛ والخلط بين الأمرين لا يخدم البحث العلمي.
6- ذمّ الفلسفة والمنطق… والاحتفاء بوصف ابن تيمية بالفيلسوف!
يتخذ بعض المعاصرين موقفًا شديد التحذير من الفلسفة والمنطق، ويؤكدون ضرورة الحذر من مناهجهما ومصطلحاتهما، بل تُدرّس في بعض المؤسسات مقررات في نقدهما والتحذير من أخطائهما.
ولا إشكال في دراسة نقد الفلسفة أو المنطق؛ فالنقد العلمي فرع عن المعرفة، ولا يلزم من دراسة علمٍ الإقرار بصحة جميع مبادئه.
لكن الإشكال الذي يستحق المناقشة يظهر حين يُحتفى بوصف ابن تيمية بأنه فيلسوف، أو بأنه قدّم مشروعًا فلسفيًا إسلاميًا ناقش به الفلسفة اليونانية، ويُستشهد بالدراسات التي تناولت علاقته بالفلسفة لإبراز سعة اطلاعه وقوة مناقشاته.
فإذا كان المقصود أن ابن تيمية درس الفلسفة، وأحاط بمقولات الفلاسفة، ونقدها من داخل مباحثها؛ فلا تناقض في ذلك، بل هو أمر مفهوم في سياق الرد العلمي.
أما إذا كان مجرد الاشتغال بالفلسفة أو استعمال أدواتها يُعدّ مذمومًا بإطلاق، فكيف يُحتفى بهذا الاشتغال حين يتعلق بابن تيمية، ثم يُحذَّر منه حين يتعلق بغيره؟
وهنا ينبغي أن يكون المعيار واضحًا:
هل المذموم هو الاطلاع على الفلسفة، أم تبنّي أصولها المخالفة؟ وهل يُحكم على المنهج من خلال اسمه، أم من خلال مضمونه وأدلته ونتائجه؟
إن الحكم على العلوم والمناهج قبل تصورها، ثم الاستثناء منها عند الحديث عن عالم محبوب، لا ينسجم مع مقتضيات البحث الموضوعي.
7- ذمّ التصوف بإطلاق… مع الاستشهاد بثناء ابن تيمية على الصوفية!
من القضايا التي يظهر فيها التفاوت في بعض الخطابات السلفية المعاصرة الموقف من التصوف.
فقد يتجاوز النقدُ الممارسات المخالفة للشريعة، أو الأقوال التي يُعترض عليها في بعض كتب التصوف، إلى ذمّ التصوف بإطلاق، والتحذير من كتبه ومصنفاته، دون تفريق كافٍ بين مدارسه ورجاله ومضامين مؤلفاته.
لكن ابن تيمية نفسه لم يكن يتعامل مع التصوف ورجاله على طريقة واحدة؛ فقد أثنى على طائفة من الزهاد والعبّاد والصوفية، وميّز بين ما يراه موافقًا للكتاب والسنة وما يراه مخالفًا لهما، وتناول أعمال القلوب ومقامات السلوك بالتفصيل.
ومن الشواهد التي تستحق التأمل موقفه من كتاب «منازل السائرين» لأبي إسماعيل الهروي، وشرح ابن القيم له في «مدارج السالكين».
فقد انتقد ابن تيمية بعض ما رآه في كلام الهروي من معانٍ تتصل بالحلول، مع وجود جوانب أخرى من كلامه في السلوك والتزكية حظيت بعناية العلماء.
ومن هنا، فإن الاستشهاد بابن تيمية في نقد بعض الصوفية، مع إغفال تفريقه بين أحوالهم ومذاهبهم، لا يقدم صورة مكتملة عن موقفه.
فليس من الدقة أن يُجعل التصوف كتلة واحدة، ثم تُرفض جميع مصنفاته ورجاله بحكم واحد، مع أن التراث نفسه يشتمل على تفصيلات وتقييمات متباينة.
والإنصاف يقتضي أن يُنقد القول المخالف بدليله، وأن يُقبل من كلام العالم ما قام عليه الدليل، دون أن تتحول الخصومة مع اتجاه معين إلى رفض شامل لكل ما ينتسب إليه.
8- قبول أقوال المخالف حين تخدم الخصومة… ورفضها حين تخالف الموقف!
من أكثر صور الانتقائية وضوحًا أن يُحتفى بقول عالم أو مفكر في سياق الرد على خصم، مع أن صاحب القول نفسه يخالف المنهج الذي يتبناه المستشهد في قضايا أخرى.
ومن الأمثلة التي يمكن مناقشتها هنا الاحتفاء ببعض ردود ابن رشد على الغزالي، مع أن ابن رشد كان من المدافعين عن الفلسفة، وناقدًا لعدد من المواقف الكلامية التي تبناها الغزالي.
ولا يعني نقل ردّ ابن رشد أو الاستفادة من نقده للغزالي تبنّي فلسفته؛ فقد يستفيد الباحث من حجة خصمه في مسألة معينة، مع رفضه أصولًا أخرى عنده.
لكن الإشكال يظهر حين تتحول هذه الاستفادة الجزئية إلى احتفاء غير منضبط، أو حين تُقبل بعض النتائج الفلسفية لمجرد أنها استُعملت في نقد الأشاعرة، ثم تُرفض المناهج نفسها عندما تُستعمل في سياق آخر.
فالعبرة ليست بهوية القائل، ولا بالجهة التي يوجّه إليها نقده، وإنما بصحة الدليل وسلامة الاستدلال.
ويتصل بهذا المثال الاحتفاء بأبي إسماعيل الهروي بسبب شدته في نقد الأشاعرة وعلم الكلام، مع أن موقف ابن تيمية من بعض عباراته في مسائل التوحيد والحلول كان نقديًا أيضًا.
وقد نقل ابن تيمية في هذا السياق:
«وقد وقع طائفة من الصوفية - حتى صاحب "منازل السائرين" في توحيده المذكور في آخر المنازل - في مثل هذا الحلول؛ ولهذا كان أئمة القوم يحذرون عن مثل هذا».
وهذا النص، مع ضرورة الرجوع إلى موضعه وسياقه، يكشف أن موقف ابن تيمية من الهروي لم يكن موافقة مطلقة، بل اشتمل على نقد لبعض آرائه.
ومن ثم، فإن الدفاع عن الهروي في مسألة، أو الاستفادة من نقده للأشاعرة، لا يقتضي تصحيح كل ما نُسب إليه، كما أن نقده في مسألة لا يقتضي إسقاط جميع ما عنده.
والأمر نفسه ينطبق على الأشاعرة وغيرهم: لا ينبغي أن يكون معيار القبول والرد هو موقع العالم من خصومتنا مع الآخرين.
وإذا كان التأويل والإعذار ممكنين في حق عالم نوافقه في بعض المسائل، فمن مقتضى العدل ألا يُمنعا عن المخالف لمجرد مخالفته لنا.
خاتمة: هل المعيار هو الدليل أم هوية الخصم؟
هذه النماذج الثمانية لا تعني أن كل نقد سلفي للأشاعرة أو المتصوفة أو الفلاسفة متناقض، ولا أن كل موقف من المواقف المذكورة باطل بالضرورة.
وإنما المقصود التنبيه إلى ظاهرة منهجية تستحق المراجعة: أن يتحول الموقف من العالم أو المذهب إلى معيارٍ لقبول أقواله وردّها، بدل أن يكون الدليل هو المعيار.
فقد يُقبل كلام العالم حين يخدم موقفًا معينًا، ثم يُرفض حين يخالفه؛ وقد يُذمّ منهج بإطلاق، ثم يُستثنى منه من نحب أو نوافق؛ وقد يُستعمل التاريخ لإثبات دعوى، ثم تُرفض دلالته حين لا توافق النتيجة المرادة.
وهذا ليس خاصًا باتجاه دون آخر، لكنه يصبح أكثر إشكالًا حين يُقدَّم بوصفه التزامًا صارمًا بمنهج السلف، واتباعًا خالصًا للدليل.
إن الوفاء للمنهج العلمي يقتضي أن نزن الأقوال بأدلتها، وأن نفرّق بين الخطأ والجهل، وبين المخالفة والابتداع، وبين نقد المذهب وإهدار جهود علمائه.
كما يقتضي ألا نجعل الخلاف العقدي مبررًا لإسقاط العلماء جملةً، ولا أن نجعل موافقتهم لنا في مسألة جوازًا لقبولهم في كل مسألة.
فالحق لا يُعرف بمجرد أسماء الرجال، ولا يُردّ لمجرد انتساب قائله إلى مذهب مخالف.
وإذا كان الدليل هو المعيار حقًّا، فلا ينبغي أن يتغيّر معيارنا بتغيّر الخصم؛ لأن الإنصاف ليس أن ننتصر لمن نحب، وإنما أن نلتزم بالعدل حتى مع من نخالف.
وهذه نماذج من تناقضات الخطاب السلفي المعاصر التي تستحق مزيدًا من البحث والتوثيق، ولعلّ في غيرها أمثلة أخرى لا يتسع المقام لذكرها.
حديث الشاب الأمرد… بين ثبوت الرواية وتنزيه الله عن الصورة والهيئة
حديث الشاب الأمرد… بين ثبوت الرواية وتنزيه الله عن الصورة والهيئة
مَسْلَكُ الأَشَاعِرَةِ أَهْلِ التَّنْزِيهِ فِي الرَّدِّ عَلَى التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ
المحاضرة الأربعون: حديث الشاب الأمرد ومسألة الصورة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، المتنزّه عن مشابهة المخلوقين، المقدّس عن الحدود والأمكنة والجهات والكيفيات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمّا بعد:
فمن المسائل التي طال فيها الجدل في باب الصفات الإلهية ما اشتهر بحديث «الشاب الأمرد»، وما يتصل به من البحث في معنى الصورة، وحدود دلالة الرواية، وعلاقة ذلك بتنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه.
وهي مسألة تحتاج إلى علم بالحديث، ودراية باللغة، وفهم لأصول الاعتقاد؛ إذ لا يكفي أن يُذكر الخبر في كتاب من كتب الحديث حتى يصحّ كل لفظ ورد فيه، كما لا يكفي ثبوت الرواية للحكم بأن كل معنى يتبادر إلى الذهن منها هو المراد شرعًا.
فثبوت النص شيء، وتحديد دلالته شيء آخر، والحكم على المعنى المستفاد منه شيء ثالث.
وهذا التفريق هو مفتاح البحث في هذه المسألة.
أولًا: حديث الشاب الأمرد… بين اختلاف الروايات وأحكام المحدثين
وردت في هذا الباب روايات بألفاظ متعددة، منها:
«رأيت ربي جعدًا أمرد عليه حلة خضراء».
ومنها:
«رأيت ربي في صورة شاب أمرد، له وفرة، جعد قطط، في روضة خضراء».
وقد أورد البيهقي بعض هذه الروايات في كتابه الأسماء والصفات، كما تناولها ابن الجوزي في العلل المتناهية، وابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية.
وقد اختلفت أحكام العلماء على طرق هذا الخبر وألفاظه؛ فصحّح بعضهم بعض رواياته، بينما ضعّف آخرون بعض طرقه أو استنكروها.
ومن المهم هنا ألّا نخلط بين الروايات المختلفة، ولا أن ننقل حكمًا على طريق معين إلى جميع الطرق والألفاظ من غير تحقيق.
فقد صحّح ابن تيمية روايةً في هذا الباب، وأوردها في بيان تلبيس الجهمية، في حين نُقل عن ابن الجوزي تضعيف الخبر في العلل المتناهية.
وهذا الاختلاف يقتضي النظر في الأسانيد والألفاظ على وجه التفصيل، لا الاكتفاء بدعوى الإجماع على التصحيح، ولا إطلاق الحكم بالتضعيف على جميع الروايات.
لكن حتى لو سلّمنا بصحة الرواية، فإن البحث في دلالتها لا ينتهي بذلك؛ بل يبدأ من هنا.
ثانيًا: هل ثبوت الرواية يعني إثبات صورة حسية لله تعالى؟
هذه هي المسألة الجوهرية.
فقد يصحّ الخبر من جهة الإسناد، ثم يقع الخلاف في فهم دلالته، أو في تحديد المعنى الذي يجوز إثباته لله تعالى.
وليس من المنهج العلمي أن نجعل كل معنى يتبادر إلى الذهن من لفظ مشكل حقيقةً عقديةً ثابتة، من غير النظر في اللغة والسياق وسائر النصوص المحكمة.
فإذا ورد لفظ «الصورة»، وجب أولًا تحرير المراد منه، وبيان ما إذا كان المقصود به شكلًا أو هيئةً أو مقدارًا، أو معنى آخر لا يلزم منه شيء من خصائص الأجسام.
ذلك أن النزاع ليس في مجرد الألفاظ، وإنما في المعاني التي يُراد إثباتها.
فإن أريد بالصورة الشكل والهيئة والمقدار والتركيب، كان السؤال عن وجه جواز إثبات هذه المعاني لله تعالى سؤالًا مشروعًا، لا يصح إسقاطه بمجرد القول: «بلا كيف».
أما إذا أريد باللفظ معنى آخر، فلا بد من بيانه وتحريره، حتى لا يتحول اللفظ المجمل إلى أصل عقدي تُبنى عليه أحكام لا يدل عليها النص دلالة واضحة.
فليس كل من أثبت لفظًا قد أثبت بالضرورة المعنى الذي يتبادر إلى غيره منه، كما أن نفي المعنى الباطل لا يستلزم نفي كل ما قد يحتمله اللفظ من معنى صحيح.
ثالثًا: ماذا يقول ابن تيمية عن رؤية الله في المنام؟
من أهم النصوص التي ينبغي الوقوف عندها كلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية، حيث يقول:
«فالإنسان قد يرى ربه في المنام ويخاطبه، فهذا حق في الرؤيا، ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه مثل ما رأى في المنام».
ثم يقرر أن ما يتخيله الإنسان في منامه أو يقظته من الصور لا يلزم أن يكون مماثلًا لحقيقة الله تعالى، ويختم كلامه بقوله:
«فالله تعالى أجل وأعظم».
وهذا الكلام يقرر أصلًا مهمًّا، وهو أن صدق الرؤيا لا يستلزم أن تكون الصورة التي يراها النائم مطابقة لحقيقة المرئي في الخارج.
فقد تكون الرؤيا صادقة، ويكون لها معنى وتأويل، مع عدم مطابقة الصورة المتخيلة لحقيقة الشيء الذي تعلقت به الرؤيا.
وهذا أصل ينبغي استحضاره عند البحث في الأخبار المتعلقة برؤية الله تعالى في المنام.
لكن الإنصاف العلمي يقتضي التنبيه إلى أمر مهم: لا يجوز أن ننقل هذا الكلام من سياقه، ثم نجعله حكمًا نهائيًّا على كل رواية وردت في حديث الشاب الأمرد؛ بل لا بد من تحقيق الطريق الذي نتحدث عنه، ومعرفة ما إذا كان لفظه يصرّح بكون الرؤيا منامية أم لا.
فقد ذكر ابن تيمية نفسه أن الروايات التي تناولها فيها ما يدل على أن الرؤيا كانت في المنام، واستثنى طريق عكرمة عن ابن عباس من هذا البيان الصريح.
ومن ثمّ، فإن الاستدلال بكلامه في رؤيا المنام يحتاج إلى ربطه بالطريق واللفظ محل البحث، لا بمجرد التشابه بين الروايات.
ومع ذلك، يبقى الأصل الذي قرره واضحًا: ما يراه الإنسان في المنام لا يجوز أن يُجعل، بمجرد الرؤيا، وصفًا مطابقًا لحقيقة ذات الله تعالى.
رابعًا: ما معنى الصورة؟ وهل يكفي أن نقول: بلا كيف؟
إذا قيل إن الصورة الواردة في الخبر صورة حقيقية، مع نفي مماثلتها لصور المخلوقين، فإن السؤال العلمي الذي يفرض نفسه هو:
ما المراد بالصورة هنا؟
هل المراد الشكل والهيئة والمقدار والتركيب؟ أم أن المراد معنى آخر؟
إن كانت الصورة تعني شكلًا ذا حدود ومقدار، فهذه معانٍ تثير إشكالًا عقديًّا؛ لأنها ترتبط في الاستعمال المعروف بخصائص الأجسام والمخلوقات.
أما إن قيل: هي صورة حقيقية، ولكن لا تشبه صور المخلوقين، فلا بد من بيان المعنى المراد من هذا الإثبات، حتى لا يكون الكلام مجرد إثبات لفظ مجمل مع تفويض معناه.
وهنا تظهر أهمية التفريق بين تفويض الكيفية وتحرير المعنى.
فليس كل سؤال عن معنى اللفظ سؤالًا عن الكيفية، وليس كل من سأل عن مدلول اللفظ قد خاض في كيفية الصفة.
وقول القائل: «بلا كيف» لا يغني عن بيان المعنى إذا كان أصل النزاع متعلقًا بما يراد إثباته باللفظ.
وفي المقابل، لا يصح أن يُلزم كل من أثبت لفظًا شرعيًّا بأنه أثبت جميع المعاني الجسمانية التي قد يتوهمها بعض الناس منه.
فالواجب هو تحرير محل النزاع، وإثبات ما دل عليه النص، ونفي ما يناقض التنزيه، من غير زيادة على النص ولا تحميل له ما لا يحتمله.
خامسًا: أصل التنزيه في القرآن الكريم
الأصل المحكم الذي يُرجع إليه في هذا الباب قول الله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
جمعت هذه الآية بين أمرين عظيمين:
نفي المماثلة عن الله تعالى.
إثبات صفات الكمال له سبحانه.
فالتنزيه لا يعني نفي صفات الكمال، كما أن إثبات الصفات لا يعني تشبيه الله بخلقه.
وهذا هو الأصل الذي ينبغي أن تُفهم في ضوئه النصوص المشكلة، بعيدًا عن الإفراط في الإثبات الذي يفضي إلى معانٍ لا تليق بالله تعالى، أو الإفراط في النفي الذي يؤدي إلى تعطيل ما أثبته لنفسه.
ومن هنا، فإن السؤال عن دلالة لفظ «الصورة» ليس خروجًا عن النص، بل هو بحث في معناه، وتمييز بين ما يدل عليه اللفظ وما قد يُحمّل عليه من لوازم.
فلا يجوز أن نجعل اللفظ المحتمل معارضًا للأصل القرآني المحكم، ولا أن نرد النص الثابت لمجرد توهم معنى غير مراد منه.
سادسًا: بين التفويض والتأويل… ما المنهج في النصوص المشكلة؟
إن التعامل مع النصوص التي يشتبه معناها يحتاج إلى منهج يجمع بين تعظيم الوحي وصيانة الاعتقاد.
فليس كل تأويل للنصوص تعطيلًا، كما أن مجرد دعوى التمسك بالظاهر لا تكفي لإثبات صحة كل تفسير يُنسب إلى ذلك الظاهر.
وقد عُرف في التراث الإسلامي مسلك التفويض، كما عُرف مسلك التأويل عند قيام الدليل، مع اختلاف العلماء في مواضع تطبيق كل منهما.
ومن ذلك ما قرره الإمام أبو حامد الغزالي في إلجام العوام عن علم الكلام من نفي معاني الجلوس والاستقرار الجسماني عن الله تعالى في باب الاستواء، مع سلوكه مسلك التفويض فيما لم يتعين المراد منه.
وهذا يوضح أن البحث في دلالة النصوص، ونفي المعاني التي لا تليق بالله، ليس أمرًا طارئًا على التراث العقدي الإسلامي.
والمقصود هنا ليس أن جميع العلماء اتفقوا على تفسير واحد لكل نص، بل أن الخلاف في طريقة فهم النصوص لا يبرر اتهام المخالف بمجرد ذلك بالتعطيل أو رد السنة.
فالخلاف ينبغي أن يُناقش بالدليل، لا بالألقاب.
سابعًا: هل يصح اتهام الأشاعرة بالتعطيل لمجرد نفي المعنى الجسماني؟
يُخطئ من يجعل كل نفي لمعنى يتضمن التشبيه تعطيلًا، كما يُخطئ من يجعل كل إثبات للصفات تجسيمًا.
فالأشاعرة يقررون تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات، ويختلفون مع غيرهم في عدد من مسائل الصفات، وفي مناهج التعامل مع بعض النصوص الخبرية.
وهذا الخلاف ينبغي عرضه كما هو، لا أن يُختزل في ثنائية مبسطة تجعل أحد الطرفين معظّمًا للنص والآخر رادًّا له.
فإذا نفى عالم معنى الجسم أو الحد أو التركيب عن الله تعالى، فلا يصح أن يُتهم بمجرد ذلك بأنه يرد النصوص؛ إذ قد يكون نزاعه مع خصمه في دلالة النص، أو في لازم يراه غير جائز على الله سبحانه.
وبالمثل، فإن من أثبت صفةً ورد بها النص، مع نفي المماثلة، لا يصح أن يُحكم عليه بالتجسيم لمجرد الإثبات، دون النظر في حقيقة المعنى الذي يثبته.
فالميزان هو تحرير المعاني والأدلة، لا الاكتفاء بالشعارات المتقابلة.
ثامنًا: ما الذي تثبته رواية الشاب الأمرد، وما الذي لا تثبته؟
يمكن تلخيص المسألة في جملة من النقاط:
أولًا: إن الحكم على الحديث لا بد أن يكون بحسب طرقه وألفاظه، مع التفريق بين التصحيح والتضعيف، وعدم إطلاق حكم واحد على جميع الروايات دون تحقيق.
ثانيًا: إن تصحيح الإسناد لا يعني بالضرورة صحة كل تفسير يُبنى على الرواية، ولا يجعل كل معنى محتمل للفظ معنىً واجب الإثبات.
ثالثًا: إن كلام ابن تيمية في رؤيا المنام يقرر أن الصورة التي يراها النائم لا يلزم أن تطابق حقيقة المرئي في الخارج، لكن تطبيق ذلك على رواية بعينها يتوقف على تحقيق طريقها ولفظها.
رابعًا: إن لفظ «الصورة» يحتاج إلى تحرير معناه قبل بناء حكم عقدي عليه؛ فلا يكفي إثبات اللفظ مع ترك المعنى ملتبسًا، ولا يصح كذلك تحميله معنى جسمانيًّا دون دليل.
خامسًا: إن أصل التنزيه المحكم هو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، مع إثبات ما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال.
وبذلك يتضح أن المسألة لا تُحسم بمجرد تصحيح الرواية، كما لا تُحسم بمجرد الاستنكار العقلي؛ بل تحتاج إلى جمع بين نقد الإسناد، وفهم المتن، وتحرير الدلالة، وردّ المتشابه إلى المحكم.
الخاتمة: التنزيه ليس تعطيلًا، والتأويل ليس ردًّا للنص
إن حديث الشاب الأمرد من المسائل التي تكشف أهمية التمييز بين ثبوت الرواية ودلالتها، وبين ما يراه الإنسان في المنام وحقيقة المرئي، وبين إثبات اللفظ وإثبات المعنى الذي قد يتوهمه بعض الناس منه.
ولا ينبغي أن تتحول هذه المسألة إلى ميدان لتبادل الاتهامات، أو وسيلة للطعن في النيات والعقائد، بل الواجب أن تُبحث بعلم وإنصاف.
فمن صحح الرواية فعليه أن يبين وجه دلالتها، ومن ضعّفها فعليه أن يحرر أسباب التضعيف، ومن نفى معنى جسمانيًّا فعليه أن يوضح وجه نفيه، ومن أثبت لفظًا محتملًا فعليه أن يحرر المراد منه.
وهكذا يكون البحث العقدي قائمًا على الدليل، لا على التهويل، وعلى تحرير المعاني، لا على إطلاق الأحكام.
إن تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات أصل محكم، لا يجوز أن يُضحّى به من أجل تفسير محتمل لنص مختلف في بعض طرقه وألفاظه.
كما أن تعظيم النصوص الشرعية يقتضي فهمها على وجهها، لا تحميلها ما لم تدل عليه.
فالتنزيه ليس تعطيلًا، والتأويل ليس بالضرورة تحريفًا، والتفويض ليس إقرارًا بالتشبيه؛ وإنما العبرة بحقيقة المعنى، وصحة الدليل، وسلامة المنهج.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع، والفهم الصحيح، والإنصاف في القول والعمل، وأن يثبتنا على توحيده وتنزيهه، وأن يجنبنا الغلو والتقصير، وأن يجعلنا من أهل الحق والعدل.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.




