من أبرز مظاهر ضعف الوعي العام في مجتمعاتنا اليوم، هو ذلك الخلط العجيب بين نقد "الفكرة" ونقد "صاحب الفكرة"، أو بين (القول) و(القائل).
هذا الدمج المغلوط أنتج لنا كوارث فكرية واجتماعية، لعل أبرزها:
١- غوغائية الخصومات: يتحول انتقادك لأي فكرة، أو فتوى، أو تجربة، إلى "إهانة شخصية" في نظر العوام. وإذا كان صاحب القول ينتمي لجماعة أو تيار، اعتبروا نقدك طعناً في المنظومة كلها!
٢- غياب التناصح والتصحيح: أصبح الكثير من أهل العلم والمفكرين يتحاشون المراجعة والتصحيح؛ إما حرصاً على بقاء المودة، أو هروباً من معارك المناكفات والخصومات.
٣- تكرار التجارب القاتلة: أدى هذا العجز إلى إعادة إنتاج الفشل، واستمرار مقولات كبدت الأمة آلاف الضحايا وضياع البلاد، فضلاً عن العجز عن تشخيص مشكلات الفرد، الأسرة، والمجتمع للنهوض بها.
💡 حقائق فكرية غابت عن الواقع:
الخطأ لا يعني السقوط: القول بصواب رأي فلان لا يعني تزكيته شخصياً، والقول بخطئه لا يعني الطعن في دينه. حين يرجح المفسر قولاً على آخر، فهو لا يوزع صكوكاً للجنة والنار!
المهنية العلمية: حين يقول المحدث: "هذا حديث ضعيف لأن فلان سيء الحفظ"، هو هنا يتحدث بمهنية عالية عن (ملكة الحفظ) فقط، ولا يسقط عدالة الشخص أو كرامته.
تأمل في تراثنا: الإمام النووي (وهو شافعي) يذكر دليلاً للشافعية ثم يُضعّفه بكل تجرد! والإمام أبو يوسف يرد على شيخه أبي حنيفة في عشرات المسائل دون حرج أو حساسية.
مفارقة غريبة نراها اليوم؛ يدرس طالب الشريعة دراسات مقارنة، ويرجح قول الأوزاعي على الثوري، أو مالك على أحمد، بل ويوازن بين أقوال الصحابة رضي الله عنهم.. ثم إذا خرج للواقع، انتفض غضباً إذا انتقد أحدٌ شيخه أو طريقته أو حزبه!
🛑 مغالطة "هذا من الصالحين"!
حين تحاول تصحيح فكرة أو استدلال خاطئ، تجد من يواجهك بعبارات: (هذا من أهل السابقة.. هذا ضحّى بنفسه.. هذا من قوّام الليل!). وهذا دليل على عدم التفريق بين التزكية التعبدية والسلوكية للشخص، وبين المعلومات والاجتهادات التي في رأسه. الصلاح والجهاد لا يمنحان صاحبهما "عصمة علمية".
🔍 "لماذا لا تكون النصيحة في السِّر؟"
هذه الجملة المتداولة بنوايا حسنة هي تجسيد آخر للخلط بين الفكرة والشخص:
النصيحة في السِّر: تكون في السلوك والمعاصي الشخصية. لو رأيت أخاك يرتكب ذنباً، فالواجب ستره ونصحه منفردًا.
النصيحة في العلن: تكون في الأفكار والعلوم. الفضاء المعرفي لا يُدار في الغرف المغلقة، بل يُعرض تحت الشمس. حين رد ابن تيمية على الغزالي والرازي لم يكن ذلك سرّاً، لأن الأفكار العامة تحتاج تصحيحاً عاماً.
إن الرد على الفكرة الخاطئة التي يتبناها أناس معروفون بالعلم والخلق هو أولى من الرد على غيرهم؛ لأن هؤلاء يملكون قبولاً واسعاً، ومن الراجح أن يتأثر الناس بخطئهم، بخلاف التافهين والمنبوذين.
✍️ كلمة أخيرة..
إن التزكية الدينية والخُلقية لا توفّر الحصانة العلمية أو العصمة الفكرية.
كتبنا ومقالاتنا متاحة لكل ناقد بصير وصاحب علم، ونفرح بنقدها وتقويمها. أما من وجد في شخصنا ذنباً أو تقصيراً -وما أكثر ذلك- فندعوه أن يستر علينا ويتفضل بالنصح منفردًا، فالله ستّير يحب الستر.
والله أعلم.
💬 سؤال للنقاش: هل ترى أن منصات التواصل الاجتماعي زادت من حدة "شخصنة الأفكار" أم ساهمت في نشر الوعي النقدي؟ شاركونا آراءكم في التعليقات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق