الأربعاء، 22 يوليو 2026

القول الفصل في تفنيد شبهات "مسابقة المولد النبوي الشريف".

 «القول الفصل في تفنيد شبهات "مسابقة المولد": الترك ليس دليلاً والبدعة لها ضوابط»

يلجأ بعض الإخوة الهادين للتشدد إلى طرح أسئلة تعجيزية حول الاحتفال بالمولد النبوي، مثل: (كم مرة احتفل النبي؟ من أول خليفة احتفل؟ ائتِ بدليل من الصحابة... إلخ)، ظانين أن مجرد عدم الفعل في عهد السلف يدل على التحريم المطلق.

ولكن بتمحيص هذه الأسئلة على ميزان أصول الفقه وأقوال أئمة أهل السنة والجماعة، يتبين بطلان هذا الاستدلال من وجوه عدة:

1️⃣ مغالطة "الترك ليس دليلاً على التحريم"

أعظم قاعدة اصطدمت بها هذه الأسئلة هي القاعدة الأصولية المعتبرة: (الترك المجرد لا يدل على التحريم).

  • النبي ﷺ لم يفعل كثيراً من الأمور، ولم يأمر بها بلفظها الخصوصي، ومع ذلك فعلها الصحابة من بعده أو أحدثها المسلمون ولم تعد حراماً.

  • من ذلك: جمع القرآن في مصحف واحد، تنقيط المصاحف، بناء المدارس والرباطات، الأذان الأول يوم الجمعة (الذي زاده عثمان رضي الله عنه)، وتدوين علوم الشريعة.

  • فلو كان كل تركٍ دليلاً على التحريم لوقع الصحابة في البدعة المذمومة، وحاشاهم!

2️⃣ مغالطة "الأسئلة السبعة" وعكسها عليهم!

إن الأسئلة التي يطرحونها (مثل: كم مرة احتفل النبي؟ وأين احتفل الصحابة؟) هي أسئلة مغلوطة من أساسها؛ لأننا لا نعتبر الاحتفال "عبادة توقيفية محضة" ابتدعناها في الدين كالصلاة والصيام حتى يُشترط لها نص خاص أو صفة من النبي ﷺ، بل هو "موسم اجتماعي وعادي" يُقصد به إظهار الفرح بفضل الله ورحمته، وتذكير الناس بسيرة المصطفى ﷺ وأخلاقه، وإطعام الطعام.

  • وعليه، فنحن نتحدى من يطرح هذه الأسئلة أن يأتينا بدليل خاص وصريح من الكتاب أو السنة ينهى عن الاجتماع لمدح النبي ﷺ، أو يحرّم إطعام الطعام، أو يمنع الفرح بمولده في أي يوم من السنة!

  • فالعبرة في المباحات هي الأصل (الإباحة)، ولا يحق لأحد أن يحرم شيئاً إلا بدليل قطعي صحيح على التحريم، ومجرد عدم الفعل ليس دليلاً على التحريم باتفاق الأصوليين.

3️⃣ التمييز المغلوط بين "العبادات" و"الوسائل"

الاحتفال بالمولد ليس صلاة مبتدعة نززيد فيها ركعات، ولا عبادة نخترعها، بل هو "وعاء ووسيلة" لغاية عظيمة وهي: محبة النبي ﷺ، ومدارسة سيرته، وتعظيم شعائر الله.

  • وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.

  • وقال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، والنبي ﷺ أعظم الرحمة المهداة. فالفرح به وإظهار السرور بوجوده ﷺ أمر مستحب أصله في القرآن، وتكييفه بوسائل العصر المعاصرة (من اجتماعات ومدائح وإطعام) يدخل تحت عموم الأدلة في الحث على الخير.

4️⃣ موقف كبار أئمة السنة من الاحتفال

إن رمي من أجاز الاحتفال بأنهم "أهل بدع" هو جهل بتاريخ علماء الأمة ومذاهبهم المعتبرة؛ فقد أجازه وحسنه كبار أساطين أهل السنة والجماعة عبر القرون، ومنهم:

  • الحافظ ابن حجر العسقلاني (شيخ الإسلام ومحدث عصره)، حيث خرج له أصلاً من السنة (القياس على صيام عاشوراء شكراً لله).

  • الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي، الذي ألف فيه رسالته المشهورة (حسن المقصد في عمل المولد).

  • الإمام السخاوي، والإمام ابن الجزري، والإمام ابن عابدين الحنفي، وغيرهم الكثير.

  • فهل هؤلاء الأعلام وأفذاذ الأمة ضلوا وأتيح لمن يقيم المسابقات اليوم أن يخطّئهم وينسبهم إلى البدعة والضلال؟! بل هم أهل الفقه الحقيقيون الذين فرقوا بين البدعة المذمومة التي تصادم الشريعة، والمحدثات الحسنة التي توافق مقاصد الدين.

💡 الخلاصة:

إن إقامة هذه المسابقات الافتراضية للتشنيع على المحبين للنبي ﷺ لن تغيّر من حقيقة أن "التعلق بالنبي ﷺ وفرح بوجوده هو من أصل الإيمان". ومن أراد أن يحتفل بذكرى مولده بمدارسة سيرته، وإطعام الطعام، والصدقة، والصلاة عليه، فهو على خير عظّم به شعائر الله، ومن ترك ذلك فلا حرج عليه، شريطة ألا يتألى على الله ويحرم ما أباحه العلماء المحققون بلا برهان مبين ولا دليل قاطع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق