⚖️ سقوط "أسئلة المولد" أمام قواعد أهل السنة والجماعة
يلجأ بعض المعترضين على الاحتفال بالمولد النبوي الشريف إلى طرح ما يسمونه بـ "الأسئلة التحديّة" أو "مسابقات المولد" (مثل: كم مرة احتفل النبي؟ أين احتفل الصحابة؟ ائتِ بدليل خاص على الأمر بالاحتفال.. إلخ)، ظانين أنهم بذلك قد ألزموا المجيزين بالحجة.
ولكن بتمحيص هذه الأسئلة على ميزان أصول الفقه وقواعد أهل السنة والجماعة، يتضح جلياً أنها أسئلة مبنية على مغالطات أصولية كبرى، وسرعان ما تتهاوى أمام التحقيق العلمي الدقيق من عدة وجوه:
1️⃣ مغالطة "الترك دليل على التحريم"
أعظم قاعدة اصطدمت بها هذه الأسئلة هي القاعدة الأصولية الباطلة التي يعتمدون عليها، وهي اعتبار (الترك دليلاً على التحريم).
فلو كان كل ما لم يفعله النبي ﷺ أو الصحابة ولم يأمروا به نصاً يعد "محرماً أو بدعة ضلالة"، لتعطلت مصالح الأمة ولصار أكثر تفاصيل الحياة المعاصرة والتنظيمية بدعاً مردودة.
ألم يجمع أبو بكر وعمر رضي الله عنها القرآن في مصحف واحد؟ ألم ينقط التابعون المصاحف؟ ألم تُبنى المدارس والرباطات وتُدون العلوم الشرعية؟ كل ذلك لم يكن بحرفه في عهد النبي ﷺ، ولكنه دخل تحت القواعد الكلية للشرع، لأن الترك المجرد لا يقتضي التحريم باتفاق جماعة المحققين من الأصوليين.
2️⃣ عكس التحدي: "أين الدليل على التحريم والمنع؟"
إن الأسئلة التي يطرحونها (عن كيفية الاحتفال وتفاصيله) هي أسئلة مغلوطة من أساسها؛ لأننا لا نعتبر الاحتفال بالمولد "عبادة توقيفية محضة" ابتدعناها في أصل الدين (كزيادة ركعات في الصلاة أو اختراع عبادة جديدة)، حتى يُشترط لها نص خاص أو صفة من النبي ﷺ.
بل هو "موسم اجتماعي ووسيلة تنظيمية" يُقصد به إظهار الفرح بفضل الله ورحمته، وتذكير الناس بسيرة المصطفى ﷺ وأخلاقه، وإطعام الطعام.
وعليه، فنحن نتحدى من يطرح هذه الأسئلة أن يأتينا بدليل خاص وصريح من الكتاب أو السنة ينهى عن الاجتماع لمدح النبي ﷺ، أو يحرم إطعام الطعام، أو يمنع الفرح بمولده في أي وقت من السنة!
فالعبرة في الوسائل والعادات والأعراف هي الإباحة ما لمخالفة نص شرعي، ومجرد عدم الفعل لا ينهض دليلاً على التحريم.
3️⃣ الفرق بين "العبادات المحضة" و"الوسائل والمقاصد"
الاحتفال بالمولد ليس صلاة ولا صياما مبتدعا، بل هو "وعاء ووسيلة" لغاية عظيمة أثنى عليها الشرع، وهي: محبة النبي ﷺ، ومدارسة سيرته، وتعظيم مقامه الشريف.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
وقال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، والنبي ﷺ هو أعظم الرحمة المهداة. فالفرح به وإظهار السرور بوجوده ﷺ أمر أصله في القرآن، وتكييفه بوسائل العصر المعاصرة (من اجتماعات ومدائح وإطعام) يدخل تحت عموم الأدلة في الحث على الخير وصلة القلوب برسول الله ﷺ.
4️⃣ موقف كبار أئمة السنة والجماعة
إن رمي من أجاز الاحتفال بأنهم "أهل بدع" هو جهل مطبق بتاريخ علماء الأمة ومذاهبهم المعتبرة؛ فقد أجازه وحسنه كبار أساطين أهل السنة عبر القرون، ومنهم:
الحافظ ابن حجر العسقلاني (شيخ الإسلام ومحدث عصره)، الذي استخرج له أصلاً ثابتاً من السنة (القياس على صيام عاشوراء شكراً لله).
الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي، الذي ألف فيه رسالته المشهورة (حسن المقصد في عمل المولد).
الإمام السخاوي، والإمام ابن الجزري، والإمام ابن عابدين الحنفي، وغيرهم الكثير.
فهل هؤلاء الأعلام وأفذاذ الأمة ضلوا وأتيح لمن يقيم المسابقات الافتراضية اليوم أن يخطّئهم وينسبهم إلى البدعة والضلال؟! بل هم أهل الفقه الحقيقيون الذين فرّقوا بين البدعة المذمومة التي تصادم الشريعة، والمحدثات الحسنة التي توافق مقاصد الدين.
💡 الخلاصة
سقطت "أسئلة المولد" لأنها بنيت على أصل فقهي فاسد وهو أن "الترك مساوٍ للتحريم". أما أهل السنة والجماعة المحققون فيدركون أن التعلق بالنبي ﷺ، والفرح بوجوده، وتذكر سيرته، وإطعام الطعام شكراً لنعمة إرساله، كلها أصول مندرجة تحت مقاصد الشريعة العامة، ولا تضرها أسئلة المستشكلين ولا تشنيع المتشددين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق