الأحد، 19 يوليو 2026

هيئة "العجن" في الصلاة: تحقيق حديثي وفقهي في عدم مشروعيتها.

 




هيئة "العجن" في الصلاة: تحقيق حديثي وفقهي في عدم مشروعيتها.
تعد مسألة كيفية النهوض من الركعة إلى الأخرى في الصلاة من المسائل التي تناولها العلماء بالبحث. ومن الهيئات المشتهرة عند البعض ما يُعرف بـ "العجن"؛ وهو أن يجمع المصلي يديه ويتكئ على ظهورهما أو يبسطهما عند القيام، كحال من يعجن العجين.
فما حقيقة هذه الهيئة في الميزان الحديثي والفقهي؟
أولاً: حقيقة "العجن" في اللغة والواقع
للعجن في لغة العرب صفتان:
أن يجمع المصلي يديه ويتكئ على ظهورهما كالعاجز.
أن يبسط كفيه على الأرض، وهي صفة عجن النساء.
وقد أشار الإمام ابن الصلاح -رحمه الله- إلى أن هذه الهيئة إنما يفعلها الشيخ الكبير أو المريض اضطراراً لا اختياراً، ليستعين بها على القيام؛ فكيف تتحول هيئة العجز أو التشبه بالنساء إلى سنة متبعة؟! بل إن بعض المحققين أشار إلى أن لفظ الحديث أصله "على هيئة العاجز"، فتحرّف رسم الزاء والنون لتقاربهما.
ثانياً: الميزان الحديثي لحديث العجن
استند القائلون بمشروعية العجن إلى ما رواه إبراهيم الحربي في غريب الحديث من طريق: (الهيثم بن عمران، عن عطية بن قيس، عن الأزرق بن قيس) قال: "رأيت ابن عمر يعجن في الصلاة؛ يعتمد على يديه إذا قام، فقلت له، فقال: رأيت رسول الله ﷺ".
وعند نقد هذا الحديث تبين نكارته وضعفه لعلتين:
الجهالة والتفرد: تفرد بذكر لفظة "العجن" الراوي (الهيثم بن عمران)، وهو مجهول لم يوثقه غير ابن حبان (على قاعدته في توثيق المجاهيل).
مخالفة الثقات (الشذوذ): خالف الهيثمُ من هو أوثق منه؛ فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف بسند صحيح عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس قال: "رأيت ابن عمر نهض في الصلاة ويعتمد على يديه"، دون ذكر لفظة "العجن". فالاعتماد على اليدين عند الحاجة شيء، وهيئة العجن المبتدعة شيء آخر.
ثالثاً: أقوال الحفاظ والمحققين في الحديث
أجمع جهابذة الفن ونقاد الحديث على ضعف هذا الأثر ونكارته، ومن ذلك:
الإمام ابن الصلاح: «هذا حديث لا يعرف، ولا يصح، ولا يجوز أن يحتج به.. وعمل به كثير من عامة العجم وغيرهم، وهو إثبات شرعية هيئة في الصلاة لا عهد بها بحديث لم يثبت».
الإمام النووي: «هذا حديث ضعيف أو باطل لا أصل له».
الحافظ ابن حجر: نقل تضعيف ابن الصلاح والنووي في تلخيص الحبير مقراً لهما دون تعقب.
الشيخ المحدث عبد العزيز الطريفي: «وأما القيام عجناً فلا يثبت عن رسول الله ﷺ».
الدكتور ضياء الرحمن الأعظمي: حكم عليه في الجامع الكامل بأنه «منكر».
كما ضعفه جمع من المحققين كابن رجب، والعدوي، والحويني، والشيخ بكر أبو زيد .
رابعاً: العلة المقاصدية (عمل الأمة)
أشار العلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد -رحمه الله- في كتابه (كيفية النهوض في الصلاة/ وضعف حديث العجن) إلى علة مقاصدية قادحة في هذا الحديث، وهي: «ترك التسنن به مدى القرون علة قادحة». فلو كانت هذه الهيئة سنة مشروعة، لنُقلت عن الصحابة والتابعين والقرون المفضلة بالتواتر العملي، ولم تنفرد بها الروايات الضعيفة.
الخلاصة
إن حديث "العجن" حديث منكر لا يثبت به حكم شرعي، والأرجح والسنة في الصلاة هو النهوض على صدور القدمين للمستطيع، أو الاعتماد المباشر على اليدين بغير هيئة العجن للمسِنّ أو العاجز.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق