الأحد، 19 يوليو 2026

فقه "الاستقرار الموهوم": عندما يصبح الجبن سيد الأخلاق!

 فقه "الاستقرار الموهوم": عندما يصبح الجبن سيد الأخلاق!

في تاريخ التحولات الفكرية والسياسية داخل الساحة الإسلامية، لم تظهر فرصة لشرعنة الاستبداد وتبرير الظلم كما ظهرت مع الفكر "المدخلي". هذا التيار الذي اتخذ من طاعة ولاة الأمور – مهما جاروا وظلموا – ديدناً له، تحول بمرور الوقت من مجرد رأي فقهي مرجوح إلى أداة سياسية لتثبيت عروش الطغاة وإجهاض أي محاولة للإصلاح أو التغيير، تحت لافتة براقة وخادعة تسمى: "الحفاظ على الأمن والاستقرار".
الأمن كفزّاعة لشرعنة الاستبداد
إن الفكرة المركزية التي يدور في فلكها الفكر المدخلي هي ربط الأمن بوجود الحاكم المطلق، حتى لو كان هذا الحاكم يبيع مقدرات الأمة ويسفك دماء الأبرياء. بالنسبة لهم، فإن "فوضى الحرية" أشد خطراً من "استقرار العبودية".
ولو أسقطنا هذا المنطق المعكوس تاريخياً، لرأينا مشهداً سريالياً؛ فلو كان "المداخلة" موجودين في عهد قريش، لانخرطوا سريعاً في دعم نظام أبو جهل وأبو لهب! ولخرجت فتاواهم تحذر من "شريعة محمد" ووصفها بأنها "شق لعصا الطاعة" وتفريق لِجماعة أهل مكة، ولهتفوا في نوادي قريش: "أبو جهل ولي أمر شرعي، ومخالفته تؤدي إلى زعزعة الاستقرار وتدمير السياحة والتجارة في مواسم الحج!"
شعارهم الخفي: "الجبن سيد الأخلاق"
بينما يرى الأحرار أن الصدع بكلمة الحق عند سلطان جائر هو أعظم الجهاد، يرى المداخلة أن الصمت والإنحناء هو قمة الحكمة والورع. لقد استبدلوا مفاهيم العزة والكرامة والعدالة بشعار خفي وواقعي يلخص سلوكهم: "الجبن سيد الأخلاق".
في عالم المداخلة:
الساكت عن الظلم: حكيم يدرأ الفتنة.
المطالب بحقه: خارجي ومحرض على الفوضى.
المداهن للطغاة: عالم رباني يفهم مقاصد الشريعة.
هذا الانتكاس الفكري جعل من الجبن والمهادنة فضيلة تُدرّس، ومن الشجاعة وقول الحق رذيلة تُحارب.
استقرار المقابر أم استقرار الحياة؟
إن الاستقرار الذي يبشر به المداخلة ليس استقرار المجتمعات الحية القائمة على العدل والمؤسسات وحفظ الحقوق، بل هو "استقرار المقابر"؛ حيث الصمت المطلق، والخوف المستدام، وتأليه الحاكم.
إن التاريخ يُعلمنا أن الأمم لا تحيا بالخنوع، وأن الأمن الحقيقي هو الذي يحرسه العدل، أما الأمن الذي يحرسه السوط وتبرره فتاوى المداخلة، فهو مجرد قنبلة موقوتة تنتظر الانفجار. ستبقى كلمات الحق عارية تكشف عورات هذا الفكر، وتذكر الأجيال بأن الطاعة مكانها المعروف، أما العبودية والركوع فلا تكون إلا لله وحده.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق