من فتاوى التبديع إلى طاعة "الغلمان".. إفلاس المدخلية ونهاية الصلاحية!
في الجزائر، وبعد عقدين من سطوة "الإصلاحيين" الذين غلبوا على المساجد والأندية والجامعات، وأوشكوا أن ينالوا الوزارات والمكاتب الفخمة.. أطلت فتنة الدماء بقرنها، وحصدت جميع الحصائل، وأحالت أحلام "الحركيين" إلى سراب.
في تلك الساعة الحرجة، لمع فجأة صوت جديد بدأ الناس يتلمسون مفرداته. وتكشف مع الأيام أنه تيار تغذيه أقبية سرية، وتنفخ فيه أجهزة مديدة اليد، وتدر عليه النفقات آبار لا تغور.
لماذا انتفش ريش هذا التيار (المدخلية) فجأة؟
غزارة الدماء: حيث صار قليل من الأمن هو مهوى أفئدة الجميع بعد سنوات الخوف.
لافتة الطاعة العمياء: حزمة دينية كثيفة ربطت البيعة في عنق الحاكم، فتحالفت أعتى الشموليات السياسية مع أسوأ "بدعة" دينية ظهرت بعد سقوط الخلافة.
أصبحت "المدخلية" العرّاب الوحيد لأنظمة حكم بالية؛ من الملكيات المحنطة ذات الصبغة "اللاهوتية" في الخليج، إلى جمهوريات القمع في المشرق والمغرب. وتخففت هذه الأنظمة من وطأة التيارات الإصلاحية بعد أن صنعت "وكيلاً" دينياً مسرفاً في التنكيل بالخصوم، بيده سوط رهيب قوامه:
التبديع والتفسيق والتكفير.
التصنيف والهجر.
استدعاء تراث التقاطع والتدابر من هوامش المعارك المذهبية.
لقد نسجت المدخلية شبكة غريبة؛ تدرس "الضلال والشرك" في حق الخصوم السياسيين، وتفرض في المقابل "السمع والطاعة المطلقة والتزكية وتحريم الإنكار العلني" في حق الحكام وأعوانهم، مهما بلغت مظالمهم!
تمددت المدخلية كـ "مبيد سحري" يفتك بالمعارضين تحت خلطة دينية-سياسية عجيبة، ويبرز هنا حدثان كبار:
حيث تم تكفير صدام حسين، وصدرت فتاوى جواز الاستعانة بـ "الكفار"، وحشدت المدخلية أدلتها دعماً لـ "عاصفة الصحراء". وانتهى الأمر باحتلال شبه الجزيرة من قبل القواعد الأمريكية، ووقفت المدخلية خانعة أمام مشاهد لم تحدث منذ تهاوي الجاهلية الأولى.
الحدث الذي أوشك أن يغير وجه المنطقة، لولا التحالف المدنس بين المدخلية في "ثوبها الجديد" ودول ما يسمى بـ "الاعتدال العربي". فتحت الدول الغنية خزائنها لمرتزقة العسكر، وفتح الحليف "المدخلي" ألسنته وقنواته لتشويه الإصلاحيين، وبارك منتشياً "مذبحة رابعة" التي ستبقى عاراً أبدياً على جبين هذا التيار.
لكن القصة لم تنتهِ هنا..
ففي نهاية المطاف، تحول الحليف الديني الذي قدم خدمات جليلة للأنظمة الشمولية إلى "عائق" أمام رياح "العلمنة" التي يبشر بها الحكام "الغلمان" ومكاتب التجريف الديني.
لقد ضاقت "القبيلة السياسية" ذرعاً بالطيلسان الديني المتشدد، وهي الآن تخطو خطوات متسارعة للتخلص من آصار وأغلال "التراث النجدي"، ونسخته الرديئة المتجسدة في التيار المدخلي. واستبدلتهم بوجوه اتخذت الميدان الديني سوقاً للبيع والشراء (خليط من بقايا الطرقية والأشعرية والحداثية وطلاب الرزق قريباً من آبار النفط).
تلقى المداخلة الضربة القاضية في عقر دارهم. فبعد أن كانت محرماتهم تتمحور حول "المرأة"، انكسرت حدة تحريمهم تدريجياً:
رضوا بمشاركتها في الانتخابات (التي كانت حراماً بالأمس).
سكتوا عن عضويتها في مجلس الشورى.
ثم دوى قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة كالصاعقة على رؤوسهم.
الحقيقة المُرّة:
صحيح أن تيار العلمنة الجارف يستهدف ما هو أكبر من "المدخلية" (يستهدف الإسلام بثوابته وقطعياته)، ولكن المفارقة التاريخية أنه يمعن الآن في إهانة وعزل أقرب حلفائه وألصقهم به دينياً وتاريخياً، ومُصرٌّ هذه المرة على إدخاله متحف الأدوات القديمة دون رجعة.
التيار المدخلي الذي بذل الفتاوى بسخاء لكسر عظام خصومه، وقع اليوم بين فكي قوة أخرى لا ترحم. وكما قتل جميع الحركات بآلته الرهيبة التي تسمى "الجرح والتجريح"، فهو الآن تحت آلة أشد رهبة.. ينتظر الناس إفلاسه الرسمي، وتوزيع تركته على ورثة آخرين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق