مقدمة: فلسفة الأسباب والرد على مغالطة "لماذا نتوسل والله موجود؟"
يثور كثيراً سؤال سطحي يتقمص فيه البعض دور الفيلسوف قائلين: "لماذا نتوسل أصلاً والله موجود ويمكننا التوجه إليه مباشرة؟" والرد الشرعي والعقلي على هذا الطرح يأتي من باب "فهم سنن الله في خلقه"؛ فالله عز وجل يعطي بالسبب وبغير سبب، وجرت سننه الكونية أن يبذل العباد الأسباب لتحصيل المقاصد.
فإذا مرض الإنسان ذهب إلى الطبيب وهو يعلم أن الله هو الشافي، وإذا طلب الرزق سعى في عمله وهو يعلم أن الله هو الرزاق. والتوسل لا يخرج عن كونه وسيلة مشروعة بالسنة المطهرة جرى عليها عمل الأمة المحمدية لتحصيل مقاصد الدعاء. ومع ذلك، فالمسلم مخير؛ إن شاء توجه إلى الله مباشرة لقوله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، وإن شاء توجه بوسيلة عملاً بقوله تعالى: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}، فالعبادة والدعاء في الحالتين لله وحده لا شريك له.
أولاً: الأدلة القاطعة من القرآن الكريم
استند العلماء في مشروعية التوسل إلى جملة من الآيات المحكمات في كتاب الله:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} (المائدة: 35): أمر عام يطالب المؤمنين بالتقرب إلى الله بشتى أنواع القربات، والتوسل بالنبي ﷺ في الدعاء من أعظم القربات، وليس هناك ما يخصص أو يقيد هذا الأمر العام.
{أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} (الإسراء: 57): ثناء من الله عز وجل على المؤمنين الذين استجابوا له وتقربوا إليه بالوسيلة في دعائهم.
{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} (النساء: 64): آية صريحة في طلب الذهاب إلى النبي ﷺ واستغفار الله عند ذاته الشريفة، وهي آية باقية الحكم ولم تنتهِ بانتقاله ﷺ إلى الرفيق الأعلى.
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} (الأنفال: 33): دلالة واضحة على أن ذات النبي ﷺ الشريفة كانت سبباً في دفع العذاب عن الكفار ورحمتهم، ولا ينقص قدره الشريف بعد وفاته.
{وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} (البقرة: 89): حكى القرطبي وابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يهود خيبر كانوا يتوسلون في الجاهلية ويستنصرون بحق النبي الأمي الموعود في آخر الزمان على أعدائهم، فكانوا يُنصرون ببركة هذا التوسل.
ثانياً: الأدلة الثابتة من السنة النبوية المطهرة والآثار
حديث الضرير (عثمان بن حنيف): جاء رجل ضرير إلى النبي ﷺ فطلب منه أن يدعو له، فأمره النبي أن يتوضأ ويدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه في" (رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححه الألباني). وهذا دليل على استحباب هذه الصيغة في كل الأوقات دون تقييد بحياته ﷺ.
حديث توسل آدم عليه السلام: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "لما اقترف آدم الخطيئة، قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي..." (رواه الطبراني وصححه الحاكم).
أثر مالك الدار في الاستسقاء: أصاب الناس قحط في زمان عمر، فجاء رجل (بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه) إلى قبر النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا..." (أخرجه ابن أبي شيبة وصححه ابن حجر والعسقلاني وابن كثير)، وهو دليل على جواز طلب الاستسقاء والدعاء منه ﷺ بعد انتقاله.
قصة عثمان بن حنيف في زمن عثمان بن عفان: أن رجلاً كانت له حاجة عند الخليفة عثمان ولم يلتفت إليه، فأرشده عثمان بن حنيف أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويتوسل بالنبي ﷺ بصيغة حديث الضرير (بعد انتقال النبي ﷺ)، فصنع الرجل ذلك فقضى الخليفة حاجته فوراً (رواه البيهقي والطبراني وصححه المنذري والهيثمي والسيد عبد الله بن الصديق الغماري).
حديث الخروج إلى المسجد: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قال ﷺ: "من قال حين يخرج إلى الصلاة: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا..." (صححه ابن حجر والعراقي والبغوي)، وفيه جواز التوسل بحق السائلين وبالعمل الصالح.
حديث فاطمة بنت أسد: وفيه دعاء النبي ﷺ لأم علي بن أبي طالب رضي الله عنهما عند دفنها: "...اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها، بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي...".
حديث الاستعانة بالغيب: قوله ﷺ: "إن لله ملائكة في الأرض سوى الحفظة... فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: أعينوا عباد الله" (رواه الطبراني ورجاله ثقات)، وفيه جواز الاستعانة بعباد الله الصالحين من الملائكة والأرواح النورانية باقية الأثر.
حديث حياة الأنبياء وعرض الأعمال: قوله ﷺ: "حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم..." (رواه البزار)، وحديث: "الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون" (أورده ابن حجر في الفتح).
ثالثاً: إجماع المذاهب الفقهية الأربعة على جواز التوسل واستحبابه
اتفقت المذاهب الأربعة على مشروعية التوسل بالنبي ﷺ واستحبابه، ولم يفرقوا بين حياته وانتقاله، ولم يشذ عن ذلك إلا ابن تيمية ومن تبعه:
المذهب الحنفي: جاء في الفتاوى الهندية (ج1/266) في آداب زيارة قبر النبي ﷺ أن يقول الزائر في دعائه: "اللهم إنك قلت وقولك الحق: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ..)، وقد جئناك سامعين قولك طائعين أمرك، مستشفعين بنبيك إليك".
المذهب المالكي: قال الشيخ ابن الحاج المالكي في كتابه المدخل (ج1/259-260): "فالتوسل به عليه الصلاة والسلام هو محل حطّ أحمال الأوزار وأثقال الذنوب والخطايا... فليستبشر من زاره ويلجأ إلى الله تعالى بشفاعة نبيه".
المذهب الشافعي: قال الإمام النووي في المجموع (ج8/274) في باب زيارة قبر الرسول ﷺ: "ثم يرجع إلى موقفه الأول قُبالة وجه رسول الله صلى الله عليه وسلّم ويتوسل به في حق نفسه ويستشفع به إلى ربه".
المذهب الحنبلي: نقل الإمام المرداوي في الإنصاف (ج2/456): "يجوز التوسل بالرجل الصالح على الصحيح من المذهب، وقيل: يُستحب، قال الإمام أحمد للمروذي: يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه". وجاء مثله في كتاب المغني لابن قدامة والفروع لابن مفلح.
رابعاً: نصوص جليّة لأئمة المالكية في التوسل والتبرك والاستغاثة
سجلت كتب أئمة المالكية قديماً وحديثاً نصوصاً قاطعة في حب التوسل والتبرك بآثار النبي والصالحين:
قصة الإمام مالك مع الخليفة المنصور: عندما سأله المنصور: "أأستقبل رسول الله أم أستقبل القبلة وأدعو؟" فقال الإمام مالك: "ولِمَ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله عز وجل يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفع فيك". (رواه القاضي عياض في الشفا بسند صحيح، والسمهودي، وابن حجر في الجوهر المنظم).
الحافظ ابن عبد البر: أكد في التمهيد على مشروعية التبرك بمواضع الأنبياء والصالحين ومقاماتهم ومساكنهم.
ابن خويز منداد: ذكر أن أيمان المسلمين جرت منذ عهد النبي ﷺ بالاستشفاع بحق القبر وساكنه.
الحافظ عبد الحق الإشبيلي: استحب في كتابه العاقبة دفن الموتى بجوار قبور الصالحين تبركاً بهم وتوسلاً إلى الله بقربهم.
الإمام أبو عبد الله المراكشي: صنف كتاباً كاملاً أسماه مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام أورد فيه حوادث التوسل بالنبي للشفاء من الأمراض المستعصية.
الإمام القرطبي المفسر: امتلأ تفسيره وكتابه التذكرة بصيغ الدعاء "بحق محمد" و "بجاه محمد"، وأكد على التبرك بآثار الأنبياء والصالحين وإن تقادمت أعصارهم.
الإمام الفاكهاني: نقل ابن فرحون في الديباج المذهب قصة زيارة الفاكهاني لنعل النبي ﷺ في دمشق وحسره عن رأسه وتقبيله وتمريغ وجهه عليه باكياً.
العلماء خليل، والزرقاني، والصاوي، وعليش، والناصري: تفتتح مؤلفاتهم وتختتم بصيغ التوسل الصريح بجاه المصطفى وعترته الأطهار، وأكد الصاوي في حاشيته على استحباب القرب من القبر الشريف ليسمع النبي كلام الزائر والتوجه بالتوسل إليه في جميع المطلوبات.
خامساً: التوسل بالأسرار والمناقب المعنوية (أسرار سيدتنا فاطمة الزهراء وعترتها)
إن حب آل البيت الأطهار وإظهار مدحهم والتوسل والاستشفاع بهم إلى الله تعالى هو مسلك أهل السنة قاطبة. وقد أودع الله في عباده أسراراً معنوية يُتوسل بها؛ كما ذكر الذهبي عن الإمام الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي أنه توسل بـ "السر الذي أودعه الله قلب موسى" فخُلص من سجنه.
ومن ذوي الأسرار العظمى الذين يتوسل العارفون ببركتهم ومناقبهم عند الله، بضعة المصطفى سيدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) التي اختصت بأسرار عجيبة، منها:
بضعة النبي ﷺ: لقوله ﷺ: "فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبي"؛ وبموجب هذا السر أنزلها النبي منزلته في التصرف (كحل وثاق أبي لبابة).
صاحبة سر أبيها: التي أودعها سر وفاتها وسر أنها سيدة نساء أهل الجنة وأول أهله لحاقاً به فكتمت السر حتى وفاته.
أحب الخلق وأصدقهم لهجة: كما شهدت لها السيدة عائشة رضي الله عنها بأنه لم يكن أحد أصدق لهجة منها إلا والدها.
كنيتها العجيبة: حيث كانت تُكنى بـ "أم أبيها" تكريماً لها وإعلاءً لقدرها الشريف.
ميثاق السلم والحرب: لقوله ﷺ فيها وفي علي والحسن والحسين: "أنا حرب لمن حاربتم سلم لمن سالمتم".
امتداد النسل النبوي الشريف: فكل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا نسب المصطفى ﷺ الذي حفظه الله تبارك وتعالى وانحصر من طريق سيدتنا فاطمة الزهراء إلى يوم القيامة.
سادساً: التحقيق العقدي والأصولي في دحض شبهة "تكفير المتوسل"
يردد منكر التوسل بعض الآيات التي نزلت في المشركين مثل قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}، وقوله: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ}.
والرد الأصولي المحكم على هذه الشبهة يتلخص في الآتي:
تفكيك صيغة التوسل: إن المسلم المتوسل يقول: (اللهم إني أسألك بجاه نبيك)؛ فهنا المعبود والمدعو والمرجو والمنادى هو الله جل جلاله وحده، والمتوسل لا يعبد النبي ولا يدعوه من دون الله، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، المعطي، المانع، الخالق. فكيف يُسوى بين هذا الموحد وبين من يعبد صنماً؟!
خطورة مسلك الخوارج في إسقاط الآيات: إن إسقاط آيات الكفار على المسلمين الموحدين هو عين الضلال، وهو المسلك الذي حذر منه الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حين قال عن الخوارج: "انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين" (ذكره البخاري تعليقاً).
فالتوسل في نهاية المطاف هو صيغة من صيغ الدعاء المندوب إليها، ومن لم يرد أن يتوسل فهو حر في تركه، لكن ليس من حقه أبداً أن يكفر الأمة المحمدية ويخرج ملايين المسلمين وعلمائهم وأئمتهم من الملة بسبب خيار فقهي مستند إلى محكم الكتاب وصحيح السنة وعمل السلف الصالح.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق