الأحد، 19 يوليو 2026

كيف رد العلماء على استدلال المانعين بتوسل عمر بن الخطاب بالعباس رضي الله عنهما في الاستسقاء بدلاً من النبي ﷺ؟

عدَّ المانعون استسقاءَ أميرِ المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه (بدلاً من النبي ﷺ) دليلاً على عدم جواز التوسل بالنبي بعد وفاته، قائلين: "لو كان التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته جائزاً، لما تركه عمر ولما عدل عنه إلى العباس".

وقد ردَّ علماء وفقهاء المذاهب الأربعة على هذا الاستدلال بعدة ردود علمية وقواعد أصولية تُبطل هذا الفهم، وبيانها كالتالي:

1. تركُ الفعلِ لا يدلُّ على المنعِ (قاعدة أصولية)

قرر علماء الأصول أن "الترك ليس بحجة"، فعدول عمر رضي الله عنه عن التوسل بالنبي ﷺ في تلك الحادثة إلى التوسل بالعباس لا يعني أبداً حرمة أو منع التوسل بالنبي ﷺ. فقد يترك المجتهدُ الفاضلَ إلى المفضولِ لنكتةٍ أو سببٍ شرعي (كما سيأتي)، والتركُ لا ينهض دليلاً على التحريم عند جماهير علماء الأمة.

2. بيانُ مشروعيةِ التوسلِ بغيرِ النبي ﷺ (بأهل الفضل والصلاح)

كان الهدف الأساسي من صنيع عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو بيان سُنّة شرعية جديدة للأمة، وهي جواز استسقاء الناس وتوسلهم بالرجل الصالح وأهل بيت النبوة إذا غاب النبي أو انتقل. فلو توسل عمر بالنبي ﷺ في كل مرة، لظنَّ الناس أن الاستسقاء والتوسل لا يصحّ بأحدٍ غير النبي ﷺ، فأراد عمر توسعة الأمر وتدريب الأمة على بذل الأسباب بالصالحين من بعده، وتشريع سُنَّةٍ يقتدي بها المسلمون في كل زمان ومكان إذا أصابهم القط.

3. إظهارُ مكانةِ آلِ بيتِ النبوةِ ورعايةُ قرابتهم

لم يتوسل عمر بالعباس لمجرد أنه رجلٌ صالح، بل توسل به لقرابته من رسول الله ﷺ، فتوسلُه بالعباس هو في حقيقته توسلٌ بالنبي ﷺ وتعظيمٌ لمتعلقاته وآل بيته. ويؤكد هذا ما جاء في نفس الروايات؛ حيث قال عمر: «اللهم إنا نتوسل إليك بعمِّ نبينا»، وفي رواية ثانية أن العباس لما دعا قال: «اللهم إن القوم توجهوا بي إليك لمكاني من نبيك». فالمقصود الأول في التقديم كان ملحوظاً فيه الجناب النبوي الشريف، وليس عدولاً مجرداً.

4. رعايةُ سُنَّةِ الاستسقاءِ (تقديمُ الحيِّ الحاضرِ للدعاء الفعلي)

صلاة الاستسقاء شُرعت ليخرج الناس جميعاً في تضرع دائم، ويتقدمهم رجلٌ يؤمّهم في الصلاة ويدعو وهم يؤمِّنون خلفه. والنبي ﷺ وإن كان حياً في برزخه حياةً أكمل من حياة الشهداء، إلا أنه غائبٌ عن عالم الدنيا الحسي، فلا يصح أن يكون إماماً حسياً في الصلاة والجهر بالدعاء وتأمين المصلين خلفه في الميدان. فقدم عمر العباس ليقوم بهذا الدور الوظيفي الحسي (الدعاء والتأمين الصادر من إمام المصلين في ساحة الاستسقاء).

5. ثبوتُ التوسلِ بالنبي ﷺ بعد وفاته من صحابةٍ آخرين

استدل العلماء بأن فكرة "عدم جواز التوسل بعد الوفاة" يُبطلها صنيع صحابة آخرين في نفس زمن عمر بن الخطاب؛ ومن ذلك:

  • قصة مالك الدار (بلال بن الحارث المزني): الذي ذهب إلى قبر النبي ﷺ في نفس زمن عمر رضي الله عنه وقال: «يا رسول الله استسق لأمتك»، وعندما عاد وأخبر عمر بما رأى في منامه، لم يُنكر عليه عمر ذهابه للقبر وطلبه، بل بكى عمر وقال: «يا رب ما آلو إلا ما عجزت». فلو كان التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته ممتنعاً أو شركاً لأنكره عمر فوراً.

خلاصة رد العلماء:

إن صنيع عمر رضي الله عنه هو تقديمٌ للمفضول (العباس) مع وجود الفاضل (النبي ﷺ) لعلة التشريع، وإظهار قدر آل البيت، والقيام بوظيفة إمامة الدعاء الحسي في صلاة الاستسقاء، وليس فيه أي متمسك لمنع التوسل بالنبي ﷺ بعد انتقاله الشريف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق