الجمعة، 7 أغسطس 2026

الاحتفال بالمولد النبوي.. بين مغالطات "الأشخاص" وحقيقة "الدليل"

 

  الاحتفال بالمولد النبوي.. بين مغالطات "الأشخاص" وحقيقة "الدليل"

في كل عام، يتجدد النقاش حول ذكرى المولد النبوي، وتبرز عبارات تخلط بين قضيتين لا رابط بينهما، مثل قول البعض: (يحتفلون بمولده ويكرهون سنته ولحيته، وإن محمداً ﷺ يطالبكم بإقامة الدين لا بإقامة المولد).

هذا الطرح، وإن كان يرتدي ثوب الغيرة على الدين، إلا أنه يقع في مغالطات منهجية تحتاج إلى تفكيك، لننتقل بالحوار من "التعميم والاتهام" إلى "المنطق العلمي":

أولاً: خلطٌ بين "صحة الفعل" و"حال الفاعل"

إن هذا التعليق يخلط خلطاً ظاهراً بين قضيتين مختلفتين:

  1. محبة سنة النبي ﷺ والعمل بها: وهي واجب شرعي لا خلاف بين المسلمين في فضلها، كإعفاء اللحية والحجاب وسائر السنن.

  2. مشروعية الفرح بالمولد: وهي مسألة علمية لها أصولها وأدلتها المعتبرة عند جماعة من علماء الأمة.

إن صحة أي فعل شرعي تُعرف بدليله، لا بأحوال فاعليه. فلو سلمنا بجدلاً بتقصير بعض المحتفلين في سنة ما، فهل يعني ذلك بطلان أصل الفرح بالنبي ﷺ؟! بالطبع لا. وبمنطق الإلزام نقول: هل كل من أطلق لحيته وأقام السنن يكون بالضرورة على الحق في كل مسألة؟ الجواب بالقطع: لا. إذاً، ربط مشروعية المولد بتقصير بعض المحتفلين هو مغالطة منطقية؛ لأن الفعل لا يصح أو يبطل بناءً على مدى التزام من يمارسه، بل بناءً على دليله الشرعي.

ثانياً: هل من قصّر في سنة سقط عنه حق الحب؟

إن القول بأن المحتفلين يكرهون السنة هو تعميم مجحف؛ فغالبية المحبين هم من أحرص الناس على الفرائض والسنن. وإذا وُجد تقصيرٌ بشري عند البعض، فهل يُعقل أن يُقال له: "لا تفرح بنبيك ولا تحبه"؟! إذا كانت الأخطاء الشخصية معياراً للحكم على مشروعية الأعمال، ففي المقابل يوجد من لا يحتفل بالمولد ويُقصّر في الصلاة أو الصدق أو الأمانة؛ فهل نقيس صحة أقوالهم بأخطائهم؟ العبرة دائماً بالدليل لا بأحوال الناس.

ثالثاً: إقامة الدين لا تتناقض مع تعظيم المولد

إن وضع الأمر في قالب "مفاضلة وهمية" (إقامة الدين مقابل المولد) هو تغليط للمشهد؛ فالاحتفال -حين يتمثل في مدارسة السيرة، وإطعام الطعام، وشكر نعمة البعثة- هو مظهر من مظاهر تعظيم شعائر الله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. نحن لا نحتفل بديلاً عن إقامة الدين، بل نحتفل شكراً لله على من ه هدانا إلى هذا الدين وأخرجنا به من الظلمات إلى النور.

ختاماً: دعوة للحوار العلمي

إننا ندعو إلى نقل الحوار إلى ساحة "الأدلة الشرعية"؛ فإن كان لديك اعتراض على المولد، فناقشه بالدليل العلمي الرصين، أما محاسبة الناس على تقصير بعضهم في بعض السنن فليس جواباً عن أصل المسألة العلمية.

المسلم الصادق هو من يجمع بين الالتزام بالسنن وبين الفرح بميلاد من سنّها لنا، دون إفراط ينكر الفضل، أو تفريط يضيع الواجبات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق