🌿 هل كان الصحابة يُنكر بعضهم على بعض في مسائل الاجتهاد؟
المولد النبوي نموذجًا
إذا كنتَ ممن يستنكر على المسلم احتفاله بالمولد النبوي الشريف، وتقول إنك حريص على اتباع نهج الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فتعالَ نتأمل شيئًا من منهجهم في التعامل مع مسائل الخلاف والاجتهاد.
🔹 أولًا: لم يكن الصحابة يعيب بعضهم على بعض في مسائل الاجتهاد
في صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
«كنا نسافر مع النبي ﷺ، فلم يَعِبِ الصائمُ على المفطر، ولا المفطرُ على الصائم».
فلم يكن اختلافهم في بعض مسائل النوافل والرخص والاجتهاد سببًا للتعييب والتبديع والتضليل.
🔹 ومن ذلك اختلافهم في بعض الأحكام الاجتهادية
ومن أشهر الأمثلة:
▪️ قصة التيمم:
تيمم رجلان وصليا، ثم وجدا الماء، فأعاد أحدهما الصلاة، ولم يُعد الآخر، فلم يُعنِّف النبي ﷺ أحدهما.
▪️ وقصة صلاة العصر في بني قريظة:
فهم بعض الصحابة من أمر النبي ﷺ أن يصلوا العصر هناك، فأخّروا الصلاة حتى وصلوا، وفهم آخرون أن المقصود المبادرة، فصلوا في الطريق، ولم يجعل النبي ﷺ اختلاف فهمهم سببًا للطعن في أحد الفريقين.
وهكذا كان الصحابة يدركون أن المسائل الاجتهادية لا تُدار بمنطق: أنا وحدي على الحق، وكل من خالفني مبتدع أو ضال.
🔹 والمولد النبوي ليس من الفرائض
والاحتفال بالمولد النبوي ـ عند من أجازه ـ ليس فريضة يدّعي أنها واجبة على جميع المسلمين، وإنما هو من المسائل التي وقع فيها خلاف بين أهل العلم، بحسب صورتها ومقصدها وما يشتمل عليه الاحتفال من أعمال.
ولهذا لا يصح أن تتحول المسألة إلى معركة في الدين، ولا أن يُرمى المسلم بالبدعة والضلال لمجرد أنه أخذ بقول عالم معتبر وأقام مجلسًا يذكر فيه سيرة النبي ﷺ، ويصلي عليه، ويطعم الطعام، ويُظهر الفرح بمولده.
🔹 إن كنتَ لا تحتفل… فهذا حقك
من لم يرَ مشروعية الاحتفال بالمولد، فليتركه لنفسه، وله أن يختار ما يراه راجحًا وفق دليله وفهمه.
لكن ليس من حقه أن يجعل خلافًا اجتهاديًا ميدانًا للتبديع والتضليل والتشنيع على المسلمين.
ومن أحب أن يفرح بمولد سيدنا رسول الله ﷺ، ويجعل فرحه في حدود الشرع، فليفرح.
ومن لم يرَ ذلك، فليتركه.
أما أن نحول المسألة إلى معيار للإيمان والسنة والبدعة، ونوزع أحكام الضلال والابتداع على المسلمين، فهذا أبعد ما يكون عن أدب الخلاف الذي عرفه سلف الأمة.
🌹 الخلاصة
اتباع الصحابة ليس في أن نبحث عن كل مسألة خالفنا فيها غيرنا ثم نبدّعه ونضلله، وإنما من اتباع منهجهم أن نتعلم منهم أدب الاختلاف، وسعة الصدر في مسائل الاجتهاد، وعدم جعل الفروع سببًا لتمزيق جماعة المسلمين.
فإن كان المولد عندك غير مشروع، فاتركه دون تشنيع.
وإن كنت ترى مشروعيته، فاحتفل دون غلو.
واجعل محبتك للنبي ﷺ سببًا للجمع والرحمة، لا سببًا للخصومة والفرقة.
فالخلاف في الفروع لا ينبغي أن يفسد أخوة المسلمين.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه أجمعين. 🌿
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق