هل حديث «كل بدعة ضلالة» على عمومه؟
من أشهر الأدلة التي يستدل بها المانعون من الاحتفال بالمولد النبوي قول النبي ﷺ:
«كل بدعة ضلالة».
ويظن بعض الناس أن هذا الحديث يحسم المسألة مباشرة، وأن كل أمر مستحدث داخل في هذا الحكم بلا استثناء.
لكن هل هذا هو الفهم الذي سار عليه جميع العلماء؟
أولاً: كلمة «كل» في اللغة ليست دائماً للاستغراق المطلق
من المعلوم عند علماء اللغة وأصول الفقه أن لفظ «كل» قد يراد به العموم، وقد يراد به الأكثر أو نوع مخصوص، بحسب السياق.
فالقرآن الكريم يقول عن الريح التي سلطها الله على عاد:
﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: 25].
ومع ذلك لم تدمر السماوات ولا الأرض ولا الجبال، وإنما دمرت كل ما أُمرت بتدميره.
وقال تعالى عن ملكة سبأ:
﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 23].
أي من كل ما يحتاجه الملوك، لا من كل شيء في الوجود.
فليس كل لفظ «كل» يحمل على الاستغراق المطلق دون نظر إلى السياق.
ثانياً: هل قصد النبي ﷺ كل مستحدث؟
لو حملنا الحديث على ظاهره المطلق، للزم أن تكون جميع الأمور التي أحدثها الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ ضلالة.
فهل يقول أحد بذلك؟
هل جمع القرآن في مصحف واحد ضلالة؟
هل الأذان الأول يوم الجمعة ضلالة؟
هل إنشاء الدواوين ضلالة؟
هل تنقيط المصحف ضلالة؟
هل علم النحو، وأصول الفقه، وعلوم الحديث ضلالة؟
لا أحد من علماء الأمة يقول بذلك.
وهذا يدل على أن الحديث لا يمكن فهمه بمعزل عن بقية النصوص، ولا عن التطبيق العملي للصحابة.
ثالثاً: كيف فهم العلماء الحديث؟
للعلماء في ذلك مسالك معروفة.
فمنهم من قال:
المقصود بالبدعة هنا: كل بدعة تخالف أصول الشريعة.
ومنهم من قسم البدعة إلى:
- بدعة محرمة.
- وبدعة مكروهة.
- وبدعة مباحة.
- وبدعة مندوبة.
- وبدعة واجبة.
وهو التقسيم الذي اشتهر عن الإمام العز بن عبد السلام، وسار عليه عدد من كبار العلماء.
وقال الإمام الشافعي رحمه الله:
المحدثات من الأمور ضربان:
فما أحدث مما يخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً فهو البدعة الضلالة.
وما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من ذلك، فهو محدثة غير مذمومة.
وهذا النص يبين أن كثيرًا من الأئمة لم يفهموا الحديث على أنه يشمل كل جديد بإطلاق.
رابعاً: لماذا قال عمر رضي الله عنه: «نعمت البدعة هذه»؟
عندما جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس على إمام واحد في صلاة التراويح قال:
«نعمت البدعة هذه».
فلو كان لفظ البدعة لا يطلق إلا على الضلالة، لما مدحها عمر، وهو من هو في العلم والفقه.
ولهذا قال جمهور العلماء:
إن عمر قصد البدعة اللغوية؛ لأنها جديدة بالنسبة إلى صورتها الاجتماعية، لا لأنها عبادة تخالف الشريعة.
وقال آخرون:
بل أراد البدعة الحسنة.
ومهما يكن وجه التفسير، فإن الجميع متفقون على أن عمر لم يصف عملًا مشروعًا بأنه ضلالة.
خامساً: أين يقع محل النزاع؟
ليس الخلاف في صحة الحديث، فالجميع يؤمن به.
وإنما الخلاف في معنى كلمة «البدعة» الواردة فيه.
فهل تشمل كل مستحدث، ولو كان له أصل عام في الشريعة؟
أم أنها تختص بما أُحدث على خلاف أصول الدين وقواعده؟
وهنا وقع الاجتهاد بين العلماء.
ولذلك لا يصح أن يقال:
"من خالفني في هذه المسألة فقد رد حديث النبي ﷺ."
بل الصواب أن يقال:
"اختلفنا في فهم مدلول الحديث، كما اختلف فيه أئمة كبار عبر القرون."
الخلاصة
حديث «كل بدعة ضلالة» من أعظم النصوص في حماية الدين من التحريف، لكنه لا يُفهم منفردًا عن بقية النصوص، ولا عن التطبيق العملي للصحابة، ولا عن كلام الأئمة الذين جمعوا بين الأدلة كلها.
فالمنهج الصحيح ليس الاقتصار على حديث واحد، وإنما جمع النصوص، ورد المتشابه إلى المحكم، والنظر في مقاصد الشريعة وقواعدها.
ولهذا بقيت مسألة الاحتفال بالمولد النبوي من المسائل الاجتهادية التي اختلف فيها العلماء، ولم يجعلها جمهورهم معيارًا للإيمان والابتداع.
يتبع...
المقال القادم سيكون من أهم مقالات السلسلة:
(17) لماذا لم يحتفل النبي ﷺ ولا الصحابة بالمولد؟ وهل مجرد عدم الفعل دليل على المنع؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق