الجمعة، 7 أغسطس 2026

لماذا زاد عثمان رضي الله عنه الأذان الأول يوم الجمعة؟

 

لماذا زاد عثمان رضي الله عنه الأذان الأول يوم الجمعة؟

من الوقائع المهمة في تاريخ التشريع الإسلامي ما فعله الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، حين أمر بالأذان الأول يوم الجمعة.

وهنا يبرز سؤال مهم:

إذا كان النبي ﷺ لم يأمر إلا بأذان واحد عند صعوده المنبر، فلماذا زاد عثمان أذانًا آخر؟

وهل كان ذلك مخالفةً للسنة؟

كيف كانت الجمعة في عهد النبي ﷺ؟

ثبت في صحيح البخاري أن الأذان في عهد النبي ﷺ، ثم في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، كان عند جلوس الإمام على المنبر.

وكان هذا يكفي؛ لأن المدينة كانت صغيرة، وعدد المسلمين محدودًا، فيسمع الناس الأذان، ويحضرون في وقت يسير.

لكن الحال لم يبق على ما كان عليه.

ماذا تغير في عهد عثمان؟

في خلافة عثمان رضي الله عنه اتسعت المدينة، وكثر السكان، وتباعدت الأسواق والمساكن.

فأصبح كثير من الناس لا يسمعون الأذان إلا بعد أن يبدأ الخطيب، أو لا يدركون الصلاة إلا بصعوبة.

فرأى عثمان رضي الله عنه أن يأمر بأذان يسبق صعود الإمام المنبر؛ حتى يعلم الناس بدخول وقت الاستعداد للجمعة.

ولم يكن مقصوده إنشاء عبادة جديدة، وإنما تحقيق المقصود من الأذان، وهو إعلام الناس.

هل اعترض الصحابة؟

لو كان هذا الفعل مخالفةً للسنة، لكان أول من ينكره كبار الصحابة الذين كانوا يعيشون في المدينة.

لكن لم يُنقل أن أحدًا منهم أنكر على عثمان هذا الاجتهاد، بل استمر العمل به في عامة الأمصار الإسلامية.

وهذا يدل على أنهم رأوا أن هذا الاجتهاد لا يصادم نصًا شرعيًا، وإنما يحقق مصلحة معتبرة.

هل أصبح الأذان ثلاثة؟

قد يظن بعض الناس أن عثمان أضاف أذانًا ثالثًا.

والصحيح أن العلماء يذكرون أن أذان الجمعة في عهد النبي ﷺ كان يعقبه الإقامة، وكانت الإقامة تُسمى أذانًا في بعض الاستعمالات القديمة.

فلما أضاف عثمان النداء الذي يسبق الجمعة، صار الناس يعدونه "الأذان الأول"، وبقي الأذان عند صعود الإمام هو "الأذان الثاني".

إذن لم يزد عثمان عبادة جديدة، وإنما زاد وسيلة إعلام تناسب تغير أحوال الناس.

ما القاعدة التي نستفيدها؟

هذه الحادثة تؤكد قاعدة أصولية مهمة:

إذا بقي المقصود الشرعي ثابتًا، جاز أن تتغير الوسائل التي تحققه، ما دامت لا تخالف نصًا شرعيًا.

فالأذان الأول لم يغير:

  • عدد ركعات الجمعة.
  • ولا شروطها.
  • ولا خطبتها.
  • ولا أحكامها.

وإنما غيّر وسيلة إعلام الناس بها.

وما علاقة ذلك بالمولد؟

ليس المقصود أن نقيس الاحتفال بالمولد على الأذان الأول قياسًا مباشرًا؛ فلكل مسألة أدلتها الخاصة.

لكن المقصود أن نفهم منهج الصحابة في الاجتهاد.

فهم لم يكونوا يرفضون كل وسيلة جديدة لأنها لم تكن موجودة في عهد النبي ﷺ.

بل كانوا يسألون:

  • هل هذه الوسيلة تحقق مقصدًا شرعيًا؟
  • هل تخالف نصًا؟
  • هل تُفضي إلى مفسدة؟

فإذا لم تخالف الشرع، وكانت تحقق مصلحة، نظروا فيها بعين الاجتهاد.

ولهذا يستدل الأصوليون بهذه الواقعة على أن الوسائل تتغير بتغير الأحوال، مع بقاء المقاصد الشرعية ثابتة.

بين الثابت والمتغير

من أعظم خصائص الشريعة أنها تجمع بين:

  • ثبات الأصول.
  • ومرونة الوسائل.

فالعقيدة ثابتة.

والفرائض ثابتة.

وأركان الإسلام ثابتة.

لكن وسائل التعليم، والدعوة، والتنظيم، والإعلام، تتغير بحسب الزمان والمكان.

ولو لم يكن الأمر كذلك، لما استطاعت الشريعة أن تستوعب تطور الحياة عبر القرون.

الخلاصة

زيادة عثمان رضي الله عنه للأذان الأول لم تكن تشريعًا لعبادة جديدة، وإنما اجتهادًا في وسيلة تحقق مقصدًا شرعيًا ثابتًا.

ولذلك قبلها الصحابة، واستمر العمل بها في الأمة.

وهذا يبين أن مجرد عدم فعل النبي ﷺ لوسيلة معينة لا يكفي وحده للحكم بمنعها، حتى يُنظر في مقصودها، ومدى موافقتها لأصول الشريعة.


يتبع...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق