الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

شتان بين السلفية المدخلية والسلف الصالح

 

بين منهج السلف و«منهج الأشخاص»… أين تقف السلفية المدخلية؟

من حق أي جماعة أو تيار أن يعرّف الناس بمنهجه، ومن حق الناس كذلك أن يسألوا: هل الاسم الذي نرفعه يعكس فعلًا المنهج الذي نمارسه؟

وهنا يبرز سؤال مهم في النقاش حول ما يُعرف بـالسلفية المدخلية:

إذا كانت السلفية تعني الرجوع إلى فهم السلف الصالح، فلماذا تتحول المرجعية في التطبيق أحيانًا إلى سلسلة من المشايخ المعاصرين، حتى يصبح قبول الشخص أو ردّه مرتبطًا بموقفه من أسماء بعينها؟

هذه ليست مسألة تتعلق بشخص واحد، وإنما تتعلق بطبيعة المنهج نفسه.


السلف ليسوا طبقةً من المشايخ المعاصرين

حين يُقال للناس: نحن ندعوكم إلى منهج السلف، فإن المعنى المتبادر هو الرجوع إلى القرآن والسنة وفهم الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.

لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول هذا الشعار من الرجوع إلى أصول السلف إلى إلزام الناس بسلسلة محددة من الشروح والأقوال المعاصرة.

فيصبح السؤال:

ماذا قال الشيخ الفلاني؟

ثم:

ماذا قال الشيخ الذي فوقه؟

ثم:

ماذا قال الشيخ الذي يُعدّ مرجعًا في هذه القضية؟

وكأن الوصول إلى النصوص وأقوال العلماء السابقين لا يكفي ما لم تمرّ المسألة أولًا عبر بوابة شخص معاصر.

وهنا ينبغي أن نسأل:

هل هذه هي طريقة السلف في التلقي، أم أنها طريقة مستحدثة في بناء المرجعية؟


من النص إلى «من قاله من المعاصرين؟»

من أكثر الإشكالات التي تستحق التوقف عندها أن يأتي الباحث بكلام عالم من المتقدمين، فيُقال له:

ومن قال بهذا من المعاصرين؟

وهذا السؤال قد يكون له وجه في بعض المسائل التي تحتاج إلى تحقيق وتنزيل ومعرفة بالواقع، لكن تحويله إلى قاعدة عامة يجعل كلام المتقدمين وكأنه لا تكون له قيمة إلا بعد أن يمنحه أحد المعاصرين تزكيةً أو شرحًا.

والأصل أن العالم المعاصر يُستفاد من علمه، لكنه لا يصبح وسيطًا إجباريًا بين المسلم وبين تراث الأمة كله.

فالصحابي ليس بحاجة إلى تزكية معاصر، والإمام مالك لا يحتاج إلى شهادة عالم في القرن الخامس عشر الهجري، والبخاري ومسلم والشافعي وأحمد وابن تيمية وغيرهم لا تصبح أقوالهم معتبرة لأن شيخًا معاصرًا اختار الاستدلال بها.

المعيار هو الدليل وصحة الفهم، لا مجرد حداثة القائل أو قدمه.


المشكلة ليست في الاستفادة من المعاصرين

وليس المقصود هنا التقليل من شأن العلماء المعاصرين.

فالاستفادة منهم أمر مشروع، بل لا يستغني طالب العلم عن أهل العلم في عصره؛ لأنهم أعرف بواقع زمانهم، وبالنوازل المستجدة، وبطرق تنزيل الأحكام على الوقائع.

لكن هناك فرقًا كبيرًا بين:

الاستفادة من العالم المعاصر

وبين:

تحويل العالم المعاصر إلى ميزانٍ يُحاكم إليه الناس والأقوال والمناهج.

الأول علمٌ واستفادة.

أما الثاني فيحتاج إلى دليل ومنهج واضح حتى لا يتحول الأمر إلى ارتباط بالأشخاص بدل ارتباط بالأصول.


وحين يبدأ الامتحان بالأسماء

تزداد الإشكالية عندما تصبح بعض الشخصيات المعاصرة محورًا لامتحان الناس.

فيُقال مثلًا:

هل تمدح فلانًا أم تذمه؟

ثم يُبنى على الجواب حكم على الشخص:

سلفي أو غير سلفي.

وهنا يظهر سؤال جوهري:

إذا كان فلان من أهل العلم، فهل أصبح هو نفسه معيار السلفية؟

إذا كان الرجل سلفيًا فعلًا، فالأصل أن يكون هو أيضًا محكومًا بأصول السلف، لا أن يتحول إلى أصلٍ مستقل تُقاس به مواقف الناس.

فالميزان ينبغي أن يكون:

الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.

أما العلماء والدعاة، فمهما بلغ قدرهم، فهم يُعرفون بالحق ولا يُعرف الحق بهم على الإطلاق.


السلفية لا تختصر في شخص

من أخطر ما يمكن أن يحدث لأي تيار علمي أن تتحول الأسماء إلى رموز لا يجوز نقدها، ثم يصبح الموقف من الرمز هو المعيار للحكم على الآخرين.

عندها ينتقل السؤال من:

ماذا قال الدليل؟

إلى:

ماذا قال فلان؟

ثم من:

هل هذا القول صحيح؟

إلى:

من الذي قال به؟ ومن الذي وافقه؟ ومن الذي خالفه؟

وهنا يتغير مركز الاهتمام:

من الدليل إلى الشخص،

ومن المنهج إلى الولاء،

ومن البحث العلمي إلى التصنيف.

وهذا التحول يحتاج إلى مراجعة جادة، مهما كان اسم الجماعة أو التيار الذي وقع فيه.


ومن المفارقات: الطعن في المذاهب مع الانتساب إلى سلسلة من الشيوخ

ومن الأمور التي تستحق التأمل كذلك أن بعض الخطاب السلفي المدخلي ينتقد التمذهب الفقهي أحيانًا، ويصور الانتساب إلى أحد المذاهب الأربعة وكأنه ينافي السلفية.

لكن إذا كان المقصود بالسلفية هو الاقتداء بمنهج علماء القرون الأولى، فالأئمة الأربعة أنفسهم من أعلام الأمة الذين تلقوا العلم عن شيوخهم، وأخذوا عن من سبقهم، واجتهدوا في فهم الكتاب والسنة.

ولم يكن الإمام أبو حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا أحمد يقول:

لا تأخذوا إلا عني.

بل كان مدار العلم عندهم على الدليل والاجتهاد، مع اختلافهم في فهم النصوص وطرق الاستنباط.

فإذا كان الانتساب إلى إمام من الأئمة الأربعة يُعد عند البعض تعصبًا للأشخاص، فلابد من طرح السؤال نفسه على كل صورة أخرى من صور الارتباط بالأشخاص:

ما الفرق بين التقليد المذموم لشخص متقدم، والتعصب لشخص معاصر؟

المعيار لا ينبغي أن يكون:

قديم أو معاصر.

ولا:

من جماعتنا أو من غير جماعتنا.

وإنما:

دليل، وفهم، وعلم، وإنصاف.


السلفية أكبر من الأشخاص

السلفية ــ باعتبارها انتسابًا إلى منهج السلف الصالح ــ لا ينبغي أن تختزل في أسماء أفراد، ولا في موقف من شيخ بعينه، ولا في سلسلة من التصنيفات والامتحانات.

فالصحابة لم يكونوا يتعاملون مع الدين باعتباره قائمةً من الأشخاص الذين يجب أن تحبهم جميعًا بالطريقة نفسها، ولا قائمةً من الأسماء التي يكون موقفك منها هو معيار إيمانك أو انتمائك.

كان الأصل:

كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، وفهم أهل العلم، مع تعظيم الحق والعدل مع الخلق.

أما حين يصبح السؤال:

من قال؟

أهم من:

ما الدليل؟

وحين يصبح:

هل فلان يزكيك؟

أهم من:

هل قولك صحيح؟

وحين يصبح:

موقفك من الشيخ الفلاني؟

أهم من:

موقفك من الكتاب والسنة؟

فهنا ينبغي أن نتوقف ونسأل بصدق:

هل ما نمارسه هو فعلًا منهج السلف، أم أننا صنعنا حول منهج السلف منظومةً جديدة من الأشخاص والتصنيفات والولاءات؟


الخلاصة

ليس الاعتراض على العلماء المعاصرين، ولا على الاستفادة منهم، ولا على مكانتهم العلمية.

فالخلاف ليس بين السلف والمتأخرين، وإنما بين منهج يجعل الدليل والأصول هي المرجع، ومنهج قد يجعل الأشخاص أنفسهم جزءًا من معيار الحكم على الناس.

والعالم المعاصر ــ مهما بلغ علمه ــ يبقى عالمًا من علماء الأمة:

يُؤخذ من قوله ويُرد، ويُحترم دون أن يُعصم، ويُستفاد من علمه دون أن يتحول إلى ميزانٍ تُوزن به سلفية الناس وإيمانهم ومواقفهم.

فإذا كانت السلفية هي اتباع السلف، فالأولى أن يكون السلف هم الميزان، لا الأشخاص الذين جاؤوا بعدهم.

وهنا يبقى السؤال مفتوحًا للنقاش العلمي:

هل نحن أمام منهج يعيد الناس إلى السلف… أم أمام منهج قد يجعل بعض الأشخاص المعاصرين حلقةً لا غنى عنها للوصول إلى السلف؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق