خصائص العقيدة الاسلامية واثرها في الفرد المسلم
خصائصها
إن هذه العقيدة – بادئ ذى بدء – هى العقيدة التى ارتضاها الله لنا وأنعم بها
علينا : ((اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام
ديناً))(المائدة : 3)0
وهى من ثم منهج الحياة الصحيح الذى رسمه
الله نلنا لنفوز بخير الدنيا والآخرة، ولنكون محققين لشروط الخلافة التى خلقنا
الله من أجلها : ((وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة))(البقرة:30)0
ولنقوم بعمارة الأرض على الوجه الذى أراده
الله : ((هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها))(هود:61)0
فى حدود العبادة لله التى هى غاية الوجود
الإنسانى كله : ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون))(الذاريات:56)0
وهذه الصورة المجملة تعطينا لمحة عن خصائص
هذه العقيدة، وهى الشمول والتكامل، والتوازن. ولنتحدث عن كل من هذه الخصائص بإيجاز :
أولاً : الشمول :
إن هذه العقيدة تشمل الإنسان كله، جسمه
وعقله وروحه، كما تشمل سلوكه وفكره ومشاعره، كما تشمل دنياه وآخرته 0
ليس فى كيان الإنسان ولا فى حياته شىء لا
يتصل بهذه العقيدة ولا تتصل العقيدة به 0
إنها تصاحبه فى كل لحظة من لحظات حياته،
وفى كل عمل يعمله ، أو فكر يفكره، أو شعورة يختلج فى ضميره 0
ويتضح لنا الشمول فى مجالات متعددة، وعلى
محاور مختلفة، تلتقى كلها فى النهاية :
1-
ففى مجال الاعتقاد
تشمل –
كما رأينا –
الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والنبيين والكتب السماوية والقدر خيره وشره
0
2-
وفى مجال العمل تشمل
العمل للدنيا والعمل للآخرة فى ذات الوقت 0
3-
وفى مجال الكائن البشرى تشمل حركة جسمه وتفكر
عقله وانطلاقة روحه 0
4-
وفى مجال المجموع
البشرى تشمل الفرد والجماعة والأمة والدولة فى ذات الوقت0
5-
وفى مجال العلاقات
تشمل علاقة الإنسان بربه وعلاقته بنفسه وعلاقته بغيره (فى داخل الأسرة وفى داخل
المجتمع وفيما بين المسلمين وغير المسلمين، وفيما بين الإنسان والكون كذلك!)0
ولن توجد دائرة أوسع
من هذه ولا أشمل. لأن هذه تشمل كل شىء فى الوجود !
ثانياً : التكامل (أو الترابط) :
إن
هذه العقيدة لا تتسم بالشمول الذى ذكرنا مجالاته ومحاوره المختلفة فحسب، بل
بالتكامل والترابط كذلك. وهذه مستقلة عن الشمول، وإن كانت وثيقة الصلة به 0
1-
فى مجال الاعتقاد :
قلنا إنها تشمل
الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين والقدر خيره وشره. ولكن
الشمول فى ذاته لا يعنى ترابط هذه المعتقدات بعضها ببعض. فقد تكون موجودة بعضها
إلى جوار بعض، دون ترابط بين أركانها المختلفة، كل منها يعمل فى حقل مستقل غير
مرتبط بالآخر. وليس هذا هو الحال فى هذه العقيدة. فإن كل ركن من هذه الأركان ذو
صلة وثيقة بسائرها، بحيث تكون فى النهاية كلاً متكاملاً، يؤثر بمجموعه المترابط فى
حياة الإنسان 0
وإن شئت الدقة فقل إن
سائر أركان العقيدة الإسلامية مرتبط بركنها الأول وهو الأكبر وهو الإيمان بالله0
فالإيمان بالله هو
الأساس، وهو لب العقيدة وصلبها، ثم تأتى بقية الأركان فتتصل به فتتكامل0
فالإيمان باليوم
الآخر –
كما رأينا فى حديثنا عنه –
مرتبط بعدل الله وحكمته وبالحق الذى خلق الله به السماوات والأرض، وخلق به الحياة
والموت، أى أنه مرتبط ارتباطاً مباشراً بتصورنا لصفات الله جل وعلا، بحيث يصبح
تصورنا لها ناقصاً ومختلاً إذا لم نؤمن بذلك اليوم الذى يحق فيه الحق وتكتمل
الصورة ويصل كل شىء فيه إلى دلالته الحقيقية الكاملة 0
والإيمان بالملائكة
متصل بقدرة الله من جانب : ((الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاً
أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد فى الخلق ما يشاء إن الله على كل شىء
قدير))(فاطر:1)0
ومتصل بمعرفة المنهج
الذى يريد الله أن تسير حياتنا عليه من جانب آخر، لأنهم هم الرسل الذين يرسلهم
الله ليبلغوا وحيه لمن يختارهم من البشر لهداية البشرية 0
وبذلك لا يكون
الإيمان بالملائكة ركناً منفصلاً فى هذه العقيدة قائماً بذاته وإنما هو متصل
بالإيمان بالله، ومترابط مع بقية الأركان 0
ونستطيع على هذا
الضوء أن ندرك ترابط بقية الأركان بعضها ببعض، وترابط سائرها بالإيمان بالله.
فالإيمان بالكتب متصل مباشرة بالمنهج الربانى أى بما يشرعه الله للبشر لتستقيم
حياتهم فى الحياة الدنيا والآخرة. وكذلك الإيمان بالنبيين، لأنهم هم الذين يحملون
إلينا المنهج الربانى بما يوحى الله إليهم عن طريق ملائكته 0
أما الإيمان بالقدر
فقد رأينا فى حديثنا القريب عنه كيف أنه متصل بإيماننا بوحدانية الله مباشرة، لأنه
هو الإجابة المباشرة على هذا السؤال: هل هناك فى الكون من يشترك مع الله فى تدبير
شئونه وإجراء أحداثه، أم أنه هو الله وحده ؟
وبذلك يتضح لنا الترابط جلياً بين هذه
الأركان كلها فى مجال الاعتقاد 0
2-
وفى مجال العمل :
قلنا
: إن العقيدة تشمل العمل للدنيا والعمل للآخرة فى ذات الوقت، وهنا نقول: إن من
خصائص هذه العقيدة أنها لا تفصل بين العمل للدنيا والعمل للآخرة.
فليس
هناك فى الإسلام عمل هو للدنيا وحدها، وعمل هو للآخرة وحدها! إنما الأعمال كلها
للدنيا والآخرة فى وقت واحد 0
العبادات
التى يظن أنها للآخرة وحدها، كلها ذات مقتضى متصل بالحياة الدنيا : ((إن الصلاة
تنهى عن الفحشاء والمنكر))(العنكبوت:45)0
((يأيها
الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم
تتقون))(البقرة:183)
أى
هنا فى الحياة الدنيا :
وهكذا
فى سائر العبادات هى للآخرة وفى ذات الوقت لها غاية تتحقق هنا فى الأرض 0
والأعمال
التى يظن أنها للدنيا وحدها من جانب آخر كالطعام والشراب والمبس والمسكن والجنيس
وعمارة الأرض00 إلخ كلها تعمل فى الدنيا ولكن يشترط فيها شروط تربطها بالآخرة.
يشترط فيها التزام الحلال والحرام والالتزام بأمر الله من أجل الثواب أو العقاب
الذى يترتب على ذلك فى الآخرة. وكلها فى نظر الإسلام ((عبادة)) متى ما روعى فيها
الالتزام بأمر الله، وتوجه بها الإنسان إلى الله. بل هى ((العبادة)) التى تشير
إليها الآية: ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون))(الذاريات:56)0
والآيتان
الآخريان: ((قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين(162) لا شريك
له))(الأنعام: 162،163)0
وبذلك
تتصل الدنيا والآخرة وتترابط فى عقيدة الإسلام 0
3- وفى مجال الكائن البشرى :
قلنا
: إنها تشمل حركة جسمه وتفكر عقله وانطلاقة روحه. ولكن هذه ليست مستقلة بعضها عن
بعض. صحيح أن هناك ساعة تغلب فيها حركة الجسم كالطعام والشراب والجنس وساعة يغلب
فيها تفكر العقل كساعات التأمل أو ساعات التفكير فى شأن من شئون العلم أو العمل،
وساعة تغلب فيها انطلاقة الروح كساعة التعبد0
ولكن
الإسلام لا يدع واحدة من هذه تنفصل انفصالاً كاملاً بحيث تنقطع صلتها عن الباقيات0
فى
الطعام والشراب والجنس.. إلخ، يتحرى الإنسان الحرام والحلال ويذكر اسم الله. فلا
تعود حركة جسد مستقلة!
وفى
التفكر كذلك يتوقى الإنسان التفكير الشرير ويتحرى التفكير الخير، ويتقى الله. فلا
يعود تفكيراً عقلياً خالصاً!
وفى
العبادة الإسلامية يتحرك الجسد ويعمل العقل مع انطلاقة الروح. وخذ الصلاة مثلاً،
إنها ليست انطلاقة روح مستقلة، إنما يشارك فيها الجسم بالقيام والقعود والركوع
والسجود، ويشارك فيها الفكر بالتدبر فى آيات الله، ويقول الرسول r
: ((ليس لك من صلاتك إلا ما وعيت))0
وبذلك
يترابط الكائن البشرى كله فى أداء متطلبات هذه العقيدة فلا ينفصل جسمه عن عقله أو
عن روحه!
4- وفى مجال المجموع البشرى :
قلنا
: إنها تشمل الفرد والجماعة والأمة والدولة.. ونقول هنا : إن هذه العقيدة لا تأخذ
أياً من هذه بمعزل عن الأخرى . فهى لا تنشئ الفرد الصالح بمعايير، والجماعة
الصالحة بمعايير أخرى. إنما هى ذات المعايير وإن اختلفت التكاليف بين الفرد
والجماعة 0
المعايير
هى الإيمان بالله وتقوى الله والالتزام بما أنزل الله. ثم تكون بعد ذلك تكاليف
يقوم بها الفرد بمفرده وتكاليف أخرى تقوم بها الجماعة مجتمعة. ولكن يلتقى الفرد
والمجموع معاً على أسس واحدةً وتربية ذات اتجاه موحد0 ومن ثم لا تفترق الأمة – حين تلتقى – إلى طوائف وشيع متنافرة كل منها يعمل فى
اتجاه، ولا إلى فرد متخاصم مع المجموع. ولا تتحول كما يحدث فى الجاهليتين
المعاصرتين فى الغرب والشرق إلى فرد طاغ ومجموع مفكك، أو مجموع طاغ وفرد مسحوق!
وكذلك
تلتقى الأمة والدولة على أمر واحد، هو عبادة الله والحكم بما أنزل الله، وهو أمر
من صلب الاعتقاد، لقوله تعالى : ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
الكافرون))(المائدة : 44)0
وعلى
الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهو مقتضى الإيمان بالله لقوله تعالى : ((كنتم
خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله))(آل عمران :
110)0
فيحدث
الترابط بينهما والاتفاق 0
5- وفى مجال العلاقات :
قلنا
: إنها تشمل علاقة الإنسان بربه وعلاقته بنفسه وعلاقته بالآخرين. وهنا نقول : إن
هذه كلها تترابط وتلتقى عن طريق المحور المشترك فيها جميعاً وهو الإيمان بالله
وعبادته. فعلاقة الإنسان بربه هى الإيمان والعبادة، وعلاقته بنفسه هى تزكيتها،
والتزكية تتم عن طريق الإيمان والعبادة، وعن طريق الالتزام بأوامر الله وهو مقتضى
الإيمان والعبادة. وعلاقته (أو علاقاته) بغيره تتم كلها عن طريق تنفيذ أوامر الله
والتحاكم إلى ما أنزل الله0
وبذلك
تنتظم العلاقات كلها فى سلك واحد قوامه الإيمان بالله 0
وهكذا
يبدو الترابط والتكامل بين أركان هذه العقيدة على جميع المحاور وفى جميع الحالات 0
ثالثاً : التوازن :
مع
شمول هذه العقيدة وترابطها فهى تتسم أيضاً بالتوازن 0
ويبدو
هذا التوازن كذلك على مجموعة من المحاور
المختلفة ومجموعة من المجالات :
1-
توازن بين الروح
والجسد أو عالم المعنويات وعالم الحس 0
2-
توازن بين عالم الغيب
وعالم الشهادة 0
3-
توازن بين الإيمان
بالقدر والأخذ بالأسباب 0
4-
توازن بين جوانب
الحياة المختلفة: السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. إلخ 0
ولنقل كلمة سريعة عن
كل مجال من هذه المجالات :
1-
الإنسان قبضة من طين
الأرض ونفخة من روح الله. وهناك توازن دقيق بين عنصريه المكونين له، يختل إذا
أعطينا أحدهما من العناية والالتفات أكثر من حقه. والجاهليات دائماً تختل فى هذا
الأمر فتؤكد على جانب الروح وحدها كالهندوكية والبوذية أو جانب الجسد وحده
كالجاهلية المعاصرة فى شرق أوربا وغربها سواء0
ومن خصائص العقيدة
الإسلامية أنها توازن بينهما التوازن الصحيح. فمن ناحية هى تمزج بين عالم الجسد
وعالم الروح وتشركهما معاً فى مجال العمل ومجال التعبد سواء، ومن ناحية أخرى تعطى
كلاً منهما حقه. فلا تشتغل الإنسان بعالم الحس وتكبت روحه كالجاهلية المعاصرة، ولا
تشغله بأمور روحه على حساب كيانه المادى ومطالب جسده كالجاهلية الهندوكية
والبوذية: ((ألا إنى لأخشاكم لله ولكنى أصوم وأفطر، وأق وأنام وأتزوج النساء، فمن
رغب عن سنتى فليس منى))([1])0
وتقوم الحضارة الإسلامية المنبثقة من العقيدة على أساس الجانب المادى والروحى سواء
0
2-
يتطلب الإسلام
الإيمان بالغيب، لأنه عن طريقه يؤمن بالله واليوم الآخر، ولكنه لا يطلب منه أن
يهمل عالم الشهود. بل إنه فى عرضه لحقائق العقيدة بكثير من الإشارة إلى آيات الله
فى الكون لكى يتدبرها الإنسان ويصل عن طريق تدبرها إلى الإيمان بالله0 ومن هنا لا
يلجأ الإسلام إلى الغيبوبة الروحية التى يقع فيها بعض المتطرفين فى العبادة زعماً
منهم أنهم يستغنون بشهود الذات الإلهية عن شهود الكون الذى خلقه الله، وكذلك لا
يقبل أن ينشغل الإنسان بالكون المشهود عن عالم الغيب فيقطع صلته بالله واليوم
الآخر كما تصنع جاهلية اليوم 0
3-
قلنا من قبل إن
الإسلام لا يفصل بين الدنيا والآخرة، ونقول هنا : إن هذا الربط ذاته هو الذى يوازن
بين الدنيا والآخرة فى هذه العقيدة، إذ يحدث عدم التوازن حين تنفصل عن الآخرة فى
حس الإنسان، فيقوم بأعمال على أنها للدنيا وحدها منفصلة عن الآخرة، وأعمال أخرى
على أنها للآخرة وحدها منفصلة عن الدنيا، عندئذ لابد أن يحدث الاختلال فى حسه
فتغلب مجموعة من الأعمال على الأخرى. فإما أن تجذبه الدنيا رويداً رويداً حتى ينسى
الآخرة، وإما أن تجذبه الآخرة رويداً رويداً حتى ينسى الدنيا. وكلاهما فى نظر
الإسلام اختلال. فالأول ينشغل بالسعى وراء الرزق والحصول على أكبر قدر من متاع
الدنيا، والآخر يزهد فى متاع الدنيا وينشغل عن طلب الرزق وتعمير الأرض. ويصبح كل
منهما مقصراً وآثماً فى حق الله0
إنما يحدث التوازن
الذى تشير إليه الآية : ((وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من
الدنيا))(القصص:77)0
حين ترتبط الدنيا
والآخرة فى حس الإنسان فيعمل للآخرة وهو يعمل للدنيا فى ذات الوقت. فلا يهمل
العبادة ولا يهمل عمارة الأرض0
4-
تحدثنا فى باب
الإيمان بالقدر عن التوازن فى حس المسلم بين الإيمان بالقدر وبين الأخذ بالأسباب.
وهو من أجمل خصائص العقيدة الإسلامية. إن المتواكلين يزعمون أنهم يتوكلون على الله
ثم يهملون الأخذ بالأسباب. إن المتواكلين يزعمون أنهم يتوكلون على الله ثم يهملون
الأخذ بالأسباب جملة فيصيبهم ما يصيبهم من فقر ومرض وجهل وعجز وهوان فى الأرض. وإن
الجاهلية الأوربية من جانب آخر تأخذ بالأسباب منقطعة عن الله وقدره، فتنتج إنتاجاً
مادياً ضخماً ما يصيبها من قلق واضطراب وأمراض عصبية ونفسية وجنون وانتحار وضياع
لأنها تفقد الطمأنينة التى يجدها المؤمن لذكر الله ولقدر الله0
والإسلام يوازن
موازنة جميلة بين هذين الحدين المتطرفين، فهو يعلم الناس أن هناك سننا ربانية يدير
الله بها الكون المادى والحياة البشرية. وأنه لابد من اتباع هذه السنن ومجاراتها
إذا رغبنا فى الوصول إلى نتائج معينة، ومقتضى ذلك هو الأخذ بالأسباب. ولكنه فى
الوقت ذاته يربى المؤمن على ألا يتكل على الأسباب الظاهرة فيحبط عمله، إنما يظل
قلبه موصولا بالله، متطلعا إليه أن ينجح مسعاه ويوصله إلى النتائج المرغوبة. وبذلك
يتوازن الإنسان فى سعيه فى الأرض لا يهمل الأسباب ويتواكل، ولا يكف عن التطلع إلى
قدر الله0
5-
أخيراً نقول : إن هذه
العقيدة توازن بين جوانب الحياة الإنسانية المختلفة فلا يطغى منها جانب على جانب.
فكما أن الجانب الروحى لا يطغى على الجانب المادى، فكذلك لا يطغى الجانب السياسى
على الاقتصادى، ولا الاقتصادى على الخلقى وهكذا . بل تتوازن جوانب الحياة كلها على
محور العقيدة الرئيس الذى مقتضاه الإيمان بالله والالتزام بما أنزل الله، فتسير
كلها متوازية متوازنة فى آن واحد 0
*
* *
(2)
أثرها
فى الحياة الإنسانية
فى
إمكاننا أن نحكم على أثر هذه العقيدة فى الحياة الإنسانية من الواقع التاريخى
للأمة الإسلامية التى اعتنقها وعاشت بها فى دنيا الواقع. فإن من فضل الله على هذه
الرسالة التى ارتضاها الله للمسلمين ديناً أن منحها واقعاً تاريخياً ضخماً بقت فيه
فى واقع الحياة، فلم تعد مجرد شعارات، ولا مثلاً خيالية، بل واقعاً مشهوداً يحفظه
التاريخ0
ويكفى
من آثارها أن تكون قد أخرجت ((خير أمة أخرجت للناس)) فى التاريخ البشرى كله، لأنها
طبقت القرآن فى واقع حياتها، وأصبحت ترجماناً له بالقدر الذى يتيسر للبشر أن
يبلغوه فى حدود بشريتهم0
لذلك
يكفينا أن ندرس الواقع التاريخي لهذه الأمة خاصة فى أجيالها الأولى، وجيلها الأول
على وجه أخص، لنتعرف على أثر العقيدة الإسلامية فى الحياة الإنسانية فى صورة
واقعية 0
إن
أبرز ما فى هذه العقيدة هو التوحيد: ويتضح لنا من دراسة الواقع التاريخى أن
التوحيد ذو أثر ضخم فى حياة الإنسان حينما يعيشه واقعاً فكرياً وشعورياً وسلوكياً0
وأن
الإنسان يستطيع حينما يتشبع بالتوحيد على هذه الصورة أن يبذل من الجهد وأن يأتى من
الأعمال ما لا يستطيعه الإنسان العادى الخاوى من العقيدة 0
لو
تصورنا جهازاً ما أخذ شحنته الكهربية المضبوطة من مصدر صاف لا خل فيه ولا اضطراب،
فقام بمهمته على الوجه الأكمل.. إن هذه أقرب صورة للإنسان المؤمن بعقيدة التوحيد
الصافية إيماناً صحيحاً. إنه يأخذ ((شحنته)) الكاملة من العقيدة، فيعمل بطاقته
الكاملة ويؤدى مهمته على الوجه الأكمل، لأنه ((فى أحسن تقويم))0
إن
النماذج الفريدة التى صنعها الإسلام فى جيله الأول على وجه الخصوص، هى نماذج فذة
بالنسبة للتاريخ البشرى كله. وإنها ليست محصورة فى أبى بكر وعمر وعثمان وعلى رضى
الله عنهم، ولا فى تلك الأسماء اللامعة التى يحفظها التاريخ – وإن كانت هذه السماء فى قمة البشرية جميعاً – ولكنها تشمل ألوفاً وألوفاً غيرهم، لم يتسع
التاريخ لذكر أسمائهم واحداً واحداً، أو قل : إن تاريخ هذه الأمة كان من الثراء
بحيث اكتفى المؤرخون بذكر القمم الشاهقة واكتفوا بإشارات عابرة إلى القمم الأخرى
لأنها كانت شيئاً عادياً فى نظرهم بالقياس إلى أثر هذه العقيدة فى النفوس!
كيف
نقول فى ذلك الجندى الذى خرج يقاتل فى سبيل الله وفى يده تمرات فيقول : لئن بقيت
حتى آكلها كلها إن هذا لأمر يطول! فيلقى بها ليستشهد فى سبيل الله، وينال الشهادة
بالفعل؟
وكيف
نقول فى ذلك المقاتل –
فى حرب فارس- الذى لبس درعه فإذا فيه ثلمة صغيرة فينبهه إخوانه إليها ويدعونه إلى
تغيير الدرع. فيقول باسماً: إنى لكريم على الله إن أصبت من هذا الموضع! فيدخل
المعركة فيصيبه سهم فيدخل فى الثلمة.. فيستشهد وهو قرير العين شاعر بأنه كريم على
الله لأنه لبى رغبته فى الشهادة!
وكيف
نقول فى الذين تجمعوا حول تمرات يأكلونها هى كل ما يملكون من الزاد فيدخل عليهم
ضيف فيطفئ صاحب البيت المصباح ويقدم له التمرات، حتى لا يكتشف الضيف أنها كل الزاد
الموجود فيمتنع عن الطعام، فينزل الله فيهم قوله : ((والذين تبوءوا الدار والإيمان
من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على
أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون))(الحشر:9)0
ألوف
وألوف من النماذج فى كل اتجاه، كلها قمم على أعلى مستوى بلغته البشرية 0
ولنحاول
هنا أن نلخص أبرز آثار العقيدة فى حياة الأمة المسلمة فى نقاط محدودة، ثم نعرج على
بعض آثارها فى بقية البشرية ممن لم يعتنقوا هذا الدين0
1-
عمق الشعور بتقوى
الله وخشيته، والخوف من حسابه يوم القيامة، وما ترتب على ذلك من انضباط السلوك
وحساسية الضمير تجاه مسئولية الإنسان عن أعماله0 ولنأخذ نموذجاً لذلك موقف عمر رضى
الله عنه من الدريهمات التى كان يتقاضاها من بيت المال، وقولته الشهيرة: ((لو عثرت
بغلة بصنعاء لكنت مسئولاً عنها لم لم أسو لها الطريق))!
2-
صدق الجهاد فى سبيل
الله بالأنفس والأموال، وما ترتب على ذلك من التمكين لهذا الدين فى الأرض،
والعجائب التى تكررت فى الفتوح الإسلامية من انتصار الفئة القليلة على أضعاف فى
العدد والعدة 0
3-
تقرير مبدأ الأمر
بالمعروف والنهى عن المنكر وما يترتب عليه من منع انتشار الفساد فى الأرض0
4-
تقرير مبدأ التكافل
الاجتماعى فى الأمة، وما يترتب عليه من تماسك هذه الأمة وتعاونها على الخير وخلوها
من الضغائن والأحقاد التى تفتت الأمم وتذهب ريحها، وانتشار روح البر فى المجتمع
الإسلامى مما تبدى فى الأوقاف (الأحباس) الكثيرة التى وقفها المسلمون لأعمال البر
0
5-
الوفاء بالمواثيق وهى
خصيصة نادرة فى التاريخ البشرى لم تتوفر لأحد كما توفرت للأمة الإسلامية0
6-
تطبيق العدل الربانى
فى واقع الأرض مما لا مثيل له فى تاريخ الشعوب وخاصة بين المسلمين وغير المسلمين،
وبين الفاتحين والبلاد المفتوحة 0
7-
التسامح الدينى مع
الطوائف غير المسلمة فى ظل الحكم الإسلامى0
8-
المحافظة على الأخلاق
فى المجتمع الإسلامى حتى حين انحرف المسلمون درجات من الانحراف، فقد ظلت نسبة
الفاحشة فيهم أقل ما عرفته البشرية فى أى شعب من شعوبها، وكذلك الخمر. وظلت
التقاليد الإسلامية والمحافظة على الأعراض سارية فى المجتمع إلى عهد جد قريب([2])0
9-
النشاط الحركى الفذ
الذى نشر الدعوة فى أرجاء واسعة من الأرض فى زمن شديد القصر، ونشر معها اللسان
العربى 0
10-
الحركة العلمية
الضخمة التى قام بها المسلمون بتوجيهات القرآن وتوجيهات الرسول r
، وأبرز ما فيها تحويل العلم من نظريات إلى منهج تجريبى قائم على المشاهدة
والملاحظة والتجربة. وتحويله من النظرة الذاتية التى كانت تمثلها الفلسفة إلى
النظرية الموضوعية 0
11-
الحركة الحضارية
الإسلامية التى امتدت فى جميع نواحى الحياة، وأبرز ما فيها أنها حضارة روحية مادية
فى ذات الوقت لا تفصل بين مطالب الروح ومطالب الجسد، ولا تفصل بين الدنيا والآخرة0
12-
تحقيق معنى ((الأمة))
فى واقع الأرض، لأمة التى تلتقى على العقيدة فى الله قبل أن تلتقى على الأرض
واللغة والجنس والمصالح والتى جعلت المسلم ينتقل فى بلاد العالم الإسلامى من
المحيط إلى المحيط فلا يحس بالغربة فى أى بلد من بلاد المسلمين رغم اختلاف
الحكومات وتطاحنها فى كثير من الأحيان!
تلك هى أبرز الآثار
الواقعية التى نشأت عن هذه العقيدة داخل المجتمع الإسلامى، وكلها نابع من تلك
الانطلاقة الضخمة التى انطلقها المسلمون بعد أن تشبعوا بالعقيدة وتوجيهاتها
وتطبيقاتها السلوكية العملية. ونستطيع أن نستخلص منها أن هذه العقيدة تنتشىء
((الإنسان الصالح)) وهو الإنسان العباد لله بالمعنى الواسع للعبادة، الذى يشمل – إلى جانب شعائر التعبد – كل عمل وكل فكر وكل شعور يراعى فيه وجه الله
ويلتزم فيه بأمر الله: ((قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين(162)
لاشريك له))(الأنعام: 162، 163)0
الإنسان المستعلى على
شهوات الأرض. المتحرر بعبوديته الحقة لله من كل عبودية لأحد أو لشىء سواه،
المتوازن فى سلوكه وفى فكره وفى شعوره الذى يعمر الأرض بجهده وهو يتطلع إلى رضوان
الله0
أما آثار تلك العقيدة
فى حياة البشر عامة، ممن لم يعتنقوا الإسلام، بل ممن حاربوه حرباً شعواءب فى
الحروب الصليبية وغيرها، فيمكن تتبع بعضها فيما تعلمته أوربا من الإسلام
والمسلمين0
فإن أوربا – فى عصورها الوسطى المظلمة – كانت واقعة فى الجهالة العلمية التى حرص
عليها حكام شعوبها كما حرصت عليها الكنيسة ليظل سلطانها الرهيب قائماً فى قلوب
الناس وأرواحهم، وكانت واقعة تحت وطأة الإقطاع، ممزقة لا رباط بينها – وإن كانت كلها مسيحية – لأن السيد الإقطاعى يمثل فى إقطاعيته
السلطان المطلق، فهو السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية فى وقت
واحد. وواقعة من جهة أخرى تحت سطوة البابوية التى تستعبد أرواح الناس وأفكارهم
وتأكل جهدهم كما تأكل أموالهم بالباطل : ((يأيها الذين آمنوا إن كثيراً من أحبار
والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب
والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ))(التوبة : 34) 0
وبينما أوربا فى
حالتها هذه التقت بالإسلام يحيط بها من كل جانب. التقت به سليماً فى الأندلس
والشمال والإفريقى وصقلية وغيرها، والتقت به حربياً فى الحروب الصليبية التى
استغرقت حوالى قرنين من الزمان0
ثم كان من نتيجة هذا
اللقاء السلمى والحربى تلك الآثار فى أوربا :
1-
أخذت أوربا العلوم
الإسلامية كلها، وبصفة خاصة المنهج التجريبى فى البحث العلمى وأقامت عليه نهضتها
العلمية الحاضرة 0
2-
أخذت معنى ((الأمة))
التى يربطها رباط واحد وتحكمها شريعة واحدة ولكنها لم تستطع إقامتها على أساس
العقيدة لفساد عندهم وفساد القائمين عليها من الكهنوت، فألقاموها على شكل قوميات، هى الأساس الذى قامت عليه دول
الغرب الحالية0
3-
حاولت إصلاح الفساد
العقدى والكنسى فى حركات كالفن ومارتن لوثر وغيرهما وإن كانت لم تحقق إلا إصلاحات
جزئية فى داخل الفساد الشامل، وذلك لأنها رفضت الإسلام ابتداء وهو الطريق الوحيد
للإصلاح الحقيقى 0
4-
أخذت نظام الجامعات
الإسلامية وأنشأت جامعاتها على غراره 0
5-
قامت فيها حركات
فروسية تحاول أن تقلد ما وجدوه عند المسلمين من الشهامة والنجدة والأخلاق العالية0
6-
بدأت فكرة
((الدساتير)) التى تشمل أسساً واضحة للحكم غير هوى الحكام وشهواتهم الشخصية.
واقتبست أوربا كثيراً من الفقه الإسلامى. ومما يذكر فى هذا الصدد أن القانون
المدنى الفرنسى مأخوذ معظمه من فقه مالك لأنه كان أقرب المذاهب إليهم فى الشمال
الإفريقى0
7-
تأثرت أوربا بالنظم
المعمارية الإسلامية، وقلدتها فى بعض مبانيها الدينية وغير الدينية، كما تأثرت
بالقيم الحضارية الإسلامية بصفة عامة (خذ مثالاً بسيطاً على ذلك إدخال الحمامات فى
البيوت وتنظيف الأبدان بالاستحمام. ولم تكن أوربا تمارسه حتى التقت بالمسلمين)0
8-
استفادت أوربا من
الكشوف الجغرافية والخرائط الإسلامية فبدأت تنساح فى الأرض علىهدى هذه الخرائط0
وباختصار، فإن أوربا
قد أخذت بذور نهضتها الحالية كلها من الإسلام، وإن كانت جمدت أثر الإسلام
والمسلمين فى حياتها، ورفضت فى عصبية جاهلية أن تعتنق الإسلام!
*
* *
واليوم
ننظر حولنا فى العالم الإسلامى فلا نكاد نرى أثراً للعقيدة الإسلامية الصحيحة! فهل
كفت العقيدة الإسلامية عن التأثير؟!
كلا
000 إنها لا تفقد فعاليتها بحال من الأحوال . فهى المنهج الربانى المؤثر، الذى
تستقيم به الحياة تلقائياً وتنطلق تبذل نشاطها المثمر السليم 00
إنما
المسألة أن هذه العقيدة لا تعمل إلا بجهد يبذله البشر فى ذات أنفسهم وفى واقع
حياتهم: ((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم))(الرعد : 11)0
وتلك
سنة ربانية لا سبيل إلى تغييرها. إنه بغير جهد يبذله البشر، وبغير اتخاذ الأسباب
المؤدية إلى النتيجة لا تتغير أحوال الناس. والعقيدة الإسلامية هى الدافع الذى لا
يشبهه دافع آخر فى تسيير دفة الحياة البشرية. ولكنها لا تدفع إلا من يعتنقها ويقبل
عليها ويعزم على تطبيقها فى واقع حياته 0
تصور
مولداً للطاقة الكهربية، مستعداً أبداً للعمل ولكن لا أحد يقوم بتشغيله. أو تصوره
يعمل ولكن لا أحد يذهب إليه ليستمد الطاقة منه! هل نقول يومئذ إنه كف عن التأثير؟!
أم نقول إن الناس كفوا عن استخدامه؟
هذا
هو مثل العقيدة الإسلامية بين الذين يحملون اليوم أسماء المسلمين دون أن يكون فى
حياتهم رصيد واقعى من الإسلام، يملكون خير الدنيا والآخرة ولكنهم لا يستخدمونه ولا
يتوجهون إليه. فتنحدر حياتهم إلى الحضيض. ثم إذا فكروا أن يقوموا من حضيضهم لم
يتجهوا إلى من ينتشلهم حقا، إنما اتجهوا إلى من يزيدهم ارتكاساً وهوياً إلى
الحضيض!
إن
المسلمين فى حاجة لأن يراجعوا موقفهم من ربهم ومن عقيدتهم التى ارتضاها الله لهم
.. فى حاجة لأن يعودوا إلى حقيقة الإسلام، ليأخذوا منه الدفعة التى تسير حياتهم فى
الطريق الصحيح، بدلاً من أن يتخبطوا ذات اليمين وذات الشمال كالذى يتخبطه الشيطان
من المس!
وإن
حركات البعث الإسلامى القائمة اليوم فى الشباب المسلم فى شتى بقاع الأرض لهى بشير
الخير بالنسبة للمستقبل، وإن كان هذا المستقبل يحتاج إلى جهد ضخم لتأمينه0
وسينفذ
الله وعده ووعد رسوله بالتمكين لهذا الدين فى الأرض من جديد0 ولن يقف المتخاذلون
والمنسلخون من دينهم فى طريق وعد الله إنما ينطبق عليهم النذير الربانى: ((وإن
تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم))(محمد : 38)0
أما
الأخرون الذين يتمسكون بهذا الدين ويجاهدون لتمكينة فى الأرض فسوف ينالهم وعد
الله: ((وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم فى الأرض كما استخلف
الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى نلهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا
يعبدوننى لا يشركون بى شيئاً ))(النور : 55)0
اللهم
اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه 0
وما
التوفيق إلا من عند الله .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق