هل كان النموذج الغربي هو الحل؟ قراءة في مفهوم تحرير المرأة
حين بدأت قضية المرأة تأخذ مساحة واسعة في الفكر العربي والإسلامي الحديث، ظهر سؤال يبدو بسيطًا:
إذا كانت المرأة في المجتمعات الإسلامية تعاني من الجهل والظلم والتهميش، فلماذا لا نأخذ النموذج الذي وصلت إليه المجتمعات الغربية؟
قد يبدو السؤال منطقيًا للوهلة الأولى.
لكن وراءه سؤالًا أكبر:
هل التقدم الاجتماعي يعني بالضرورة تقليد تجربة حضارية أخرى؟
وهل كل ما نجح في مجتمع يمكن نقله كما هو إلى مجتمع آخر؟
المشكلة ليست في الاستفادة… بل في التقليد
ليس من الحكمة أن يرفض الإنسان تجربة الآخرين لمجرد أنها جاءت من خارج مجتمعه.
فالمسلمون عبر تاريخهم لم يعيشوا في عزلة عن العالم.
تعلموا من الأمم الأخرى، وترجموا كتبًا، واستفادوا من علوم الفرس والروم والهنود وغيرهم، ثم أضافوا إلى تلك المعارف وطوروها.
إذن:
الاستفادة من الآخرين ليست مشكلة.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الاستفادة إلى تقليد شامل.
عندما يصبح معيار الصواب:
«هم فعلوا ذلك، إذن ينبغي أن نفعله».
وهذا ليس تفكيرًا نقديًا، بل مجرد نقل للنموذج.
هل كل ما هو حديث أفضل؟
من الأخطاء الفكرية الشائعة ربط التقدم بالزمن.
فإذا كان الشيء حديثًا، عُدَّ متقدمًا.
وإذا كان قديمًا، عُدَّ متخلفًا.
لكن هذه القاعدة لا تصمد أمام التفكير.
فقد تكون هناك فكرة قديمة صحيحة.
وقد تكون هناك فكرة حديثة خاطئة.
وقد يكون في التراث ما يحتاج إلى مراجعة.
وقد يكون في الحداثة ما يحتاج إلى نقد.
إذن:
الزمن ليس معيار الحقيقة.
وهنا دخلت قضية المرأة
عندما قورنت أوضاع النساء في بعض المجتمعات الإسلامية بأوضاع النساء في أوروبا، ظهرت فروق حقيقية.
كانت هناك مجتمعات إسلامية تمنع المرأة من بعض صور التعليم.
وكانت هناك عادات اجتماعية تقيدها.
وكانت بعض الممارسات الأسرية ظالمة.
وكان من الطبيعي أن يطالب الإصلاحيون بتغيير هذه الأوضاع.
لكن السؤال الذي كان ينبغي أن يطرح هو:
هل نعالج هذه المشكلات من داخل منظومتنا القيمية، أم نستبدل المنظومة كلها بمنظومة أخرى؟
وهذا هو جوهر الخلاف.
أوروبا لم تكن قصة واحدة
ومن المهم هنا أن نكون أكثر دقة.
فلا توجد «أوروبا» واحدة ذات تجربة اجتماعية موحدة.
بل هناك دول ومجتمعات وتيارات وتاريخ طويل من التحولات.
كما أن وضع المرأة الأوروبية لم يتغير في يوم واحد.
فقد مرت المجتمعات الأوروبية بتحولات قانونية واقتصادية وتعليمية وسياسية متتابعة، واختلفت هذه التحولات من بلد إلى آخر ومن مرحلة إلى أخرى.
ولهذا لا يصح أن نقول:
«الغرب حرر المرأة»
وكأن هناك مشروعًا واحدًا متفقًا عليه.
كما لا يصح أن نقول:
«الغرب أفسد المرأة»
وكأن جميع المجتمعات الغربية والتجارب التاريخية متطابقة.
الواقع أكثر تعقيدًا.
لكن ماذا عن نتائج بعض التحولات؟
هنا يمكن أن يصبح النقاش أكثر فائدة.
فأي تجربة اجتماعية ينبغي أن تُدرس من خلال نتائجها، لا من خلال شعاراتها فقط.
عندما تتغير الأسرة، يجب أن نسأل:
ماذا حدث للأسرة؟
وعندما تتغير علاقة العمل بالحياة الخاصة، نسأل:
كيف انعكس ذلك على الإنسان؟
وعندما تتغير مفاهيم الحرية والعلاقات الاجتماعية، نسأل:
ما المكاسب؟ وما التحديات؟
وهذا لا يعني إصدار حكم شامل على تجربة حضارية بأكملها.
بل يعني أن نكون قادرين على:
الاستفادة من الإيجابي، ونقد السلبي.
الحرية ليست كلمة بلا تعريف
ربما يكون الخلاف الأكبر في قضية المرأة متعلقًا بمفهوم الحرية.
فماذا تعني الحرية؟
هل تعني أن الإنسان يفعل كل ما يريد؟
أم تعني أن يكون قادرًا على الاختيار، مع تحمل مسؤولية اختياراته؟
هل الحرية تعني التخلص من كل القيود؟
أم أن بعض القيود ضرورية لحماية الإنسان نفسه؟
نحن جميعًا نقبل بوجود حدود للحرية في مجالات كثيرة.
فلا أحد يقول إن الحرية تعني الاعتداء على الآخرين.
ولا أحد يقول إن الإنسان حر في إلحاق الضرر بالمجتمع.
إذن فالحرية نفسها تحتاج إلى:
ميزان أخلاقي.
وهنا يختلف التصور الإسلامي عن بعض التصورات الفردانية الحديثة.
الإنسان قبل أن يكون مستهلكًا أو موظفًا
من آثار بعض التصورات الحديثة أن قيمة الإنسان قد ترتبط بدرجة إنتاجه أو استقلاله الاقتصادي.
وهذا مفهوم يحتاج إلى مراجعة.
فالمرأة ليست قيمتها في كونها موظفة فقط.
وليست قيمتها في كونها زوجة فقط.
وليست قيمتها في كونها أمًا فقط.
إنها إنسان كامل الكرامة، ثم تأتي أدوارها المختلفة في الحياة.
وقد تكون عالمة.
وقد تكون طبيبة.
وقد تكون معلمة.
وقد تكون باحثة.
وقد تكون ربة أسرة.
وقد تجمع بين أكثر من دور.
المشكلة ليست في تعدد الأدوار.
المشكلة في أن يُفرض على المرأة تعريف واحد لقيمتها.
الأمومة ليست عائقًا أمام النجاح
من القضايا التي تحتاج إلى إعادة التفكير أيضًا الطريقة التي تُقدَّم بها الأمومة أحيانًا.
فإذا قيل للفتاة:
«إذا بقيت في بيتك فأنت لم تحققي ذاتك».
فهذه رسالة ظالمة.
وفي المقابل، إذا قيل لها:
«إذا خرجت للتعلم والعمل فقد تخليت عن دورك».
فهذه أيضًا مبالغة.
الأمومة ليست عائقًا بالضرورة.
والعمل ليس تخليًا بالضرورة.
والمشكلة في الحالتين هي إجبار المرأة على تعريف واحد للنجاح.
المرأة لا تحتاج إلى أن تصبح رجلًا لكي تكون إنسانًا
ومن القضايا المهمة أن الاعتراف بالمساواة في الكرامة الإنسانية لا يعني إلغاء كل الفروق الطبيعية والاجتماعية بين الرجل والمرأة.
الإسلام لا يبني قيمة الإنسان على الجنس.
قال تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
فالمعيار الأخلاقي هو التقوى والعمل الصالح، لا كون الإنسان رجلًا أو امرأة.
وفي الوقت نفسه، فإن المساواة في الكرامة لا تعني بالضرورة التطابق الكامل في كل الأدوار والوظائف.
المساواة في الإنسانية لا تعني بالضرورة التطابق في كل شيء.
وهذه نقطة يغفل عنها كثير من الجدل المعاصر.
لا نرفض الغرب… ولا نقدسه
الموقف المتوازن ليس:
رفض كل ما يأتي من الغرب.
وليس:
قبول كل ما يأتي من الغرب.
بل:
ننظر، ونقارن، ونختار.
نأخذ العلم.
نستفيد من التجربة.
نطوّر مؤسساتنا.
نتعلم من النجاحات.
وندرس الأخطاء.
لكننا لا نتخلى عن مرجعيتنا لمجرد أن نموذجًا آخر أصبح قويًا ومؤثرًا.
فالقوة الحضارية لا تعني العصمة الفكرية.
وماذا عن قضية المرأة تحديدًا؟
إذا وجدنا أن المرأة في مجتمع مسلم محرومة من التعليم، فنعطيها التعليم.
إذا وجدنا أنها مظلومة في الزواج، فنرفع عنها الظلم.
إذا وجدنا أنها محرومة من حق مشروع، فنرد إليها حقها.
إذا وجدنا أنها تتعرض للإهانة، فنحارب الإهانة.
إذا وجدنا أن بعض العادات لا علاقة لها بالإسلام، فلا نقدسها.
لكن لا ينبغي أن نصل إلى نتيجة تقول:
بما أن بعض المسلمين ظلموا المرأة، إذن الإسلام هو المشكلة.
فهذه قفزة منطقية لا تصح.
فالفرق كبير بين:
الدين.
وتطبيق الدين.
والعادات الاجتماعية.
والتفسيرات البشرية للدين.
الإصلاح لا يعني القطيعة مع الجذور
المجتمع الذي يريد إصلاح نفسه لا يحتاج إلى أن يكره ماضيه كله.
كما أنه لا يحتاج إلى تقديس ماضيه كله.
بل يحتاج إلى قراءة نقدية لتراثه وتجربته.
فيحتفظ بما ثبتت قيمته.
ويترك ما ثبت خطؤه.
ويجدد ما يحتاج إلى تجديد.
ويستفيد من تجارب الآخرين.
وهكذا يصبح الإصلاح:
امتدادًا واعيًا، لا قطيعة عمياء.
المرأة ليست ميدانًا لإثبات انتصار الحضارات
من أخطر ما يمكن أن يحدث أن تتحول المرأة إلى رمز في معركة بين الشرق والغرب.
فيصبح لباسها رسالة سياسية.
وتعليمها إعلانًا أيديولوجيًا.
وعملها شعارًا حضاريًا.
وأسرتها ميدانًا للصراع الفكري.
وهذا كله ينسى شيئًا مهمًا:
المرأة إنسان قبل أن تكون شعارًا.
هي التي تتعلم.
وهي التي تعمل.
وهي التي تتزوج.
وهي التي تربي.
وهي التي تتحمل نتائج القرارات الاجتماعية.
ولهذا يجب أن يكون الحديث عنها أكثر إنصافًا وأقل أيديولوجية.
ما الذي نريده إذن؟
نريد امرأة متعلمة.
لكن لا نريد تعليمًا يسخر من دينها.
نريد امرأة واعية.
لكن لا نريد وعيًا يقوم على احتقار أسرتها.
نريد امرأة قادرة على المشاركة.
لكن لا نريد تحويل المشاركة إلى معيار وحيد لقيمتها.
نريد امرأة مكرمة.
لكن لا نريد أن تكون كرامتها شعارًا تجاريًا أو أيديولوجيًا.
نريد أسرة قوية.
لكن لا نريد أن تكون الأسرة غطاءً للظلم.
نريد مجتمعًا متقدمًا.
لكن لا نريد أن يكون التقدم مرادفًا للتخلي عن كل قيمة.
الخلاصة
ليس السؤال:
هل نأخذ من الغرب أم لا؟
بل:
ماذا نأخذ؟ ولماذا؟ وبأي معيار؟
فالاستفادة من تجارب الأمم سنة من سنن الحضارة.
لكن الاستفادة شيء، وفقدان الهوية شيء آخر.
والتقدم شيء، وتقليد الآخرين شيء آخر.
والحرية شيء، والانفلات من كل مسؤولية شيء آخر.
وإنصاف المرأة شيء، وتحويلها إلى أداة لهدم الأسرة أو الدين شيء آخر.
لذلك فإن قضية المرأة تحتاج إلى عقل مفتوح، ومرجعية واضحة، ونقد عادل.
لا نبرر ظلمًا باسم الدين.
ولا نهاجم الدين بسبب أخطاء المسلمين.
ولا نرفض التجارب الإنسانية لمجرد أنها خارج بيئتنا.
ولا نقبلها كلها لمجرد أنها جاءت من مجتمع متقدم ماديًا.
نأخذ ما ينفعنا، ونترك ما يضرنا، ونزن كل ذلك بميزان العدل والعلم والقيم.
فالحضارة الحقيقية ليست أن تصبح نسخة من غيرك.
بل أن تعرف من أنت، وتتعلم من غيرك، وتبني طريقك بوعي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق