الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

تحرير المرأة أم تحرير الإنسان؟ من يحدد معنى الحرية؟

 

تحرير المرأة أم تحرير الإنسان؟

من يحدد معنى الحرية؟

كثيرًا ما يُطرح مصطلح «تحرير المرأة» وكأنه يحمل معنى واحدًا لا يحتمل النقاش.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل حديث عن التحرير هو:

تحرير المرأة من ماذا؟ وإلى ماذا؟ ومن الذي يحدد معنى الحرية؟

فليس كل خروج من قيدٍ حرية، وليس كل قيدٍ ظلمًا، كما أن الإنسان قد يتحرر من سلطةٍ خارجية ليقع في أسر ضغطٍ اجتماعي أو اقتصادي أو إعلامي أو نفسي أشد تأثيرًا.

ومن هنا تبدأ القضية الحقيقية.


الحرية ليست مجرد إزالة القيود

قد تكون هناك قيود ظالمة فعلًا، وإزالتها عدل.

فالمرأة التي تُحرم من التعليم لمجرد كونها امرأة، أو تُجبر على الزواج، أو تُمنع من حقها المشروع في التملك، أو تُعامل باعتبارها أقل إنسانية من الرجل؛ لا تحتاج إلى تبرير هذا الظلم، بل تحتاج إلى إنصاف.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح مفهوم الحرية مساويًا تلقائيًا لـ إزالة كل الضوابط.

فالإنسان نفسه لا يعيش بلا حدود.

القانون يضع له حدودًا، والأخلاق تضع له حدودًا، ومسؤولياته تجاه أسرته ومجتمعه تضع له حدودًا، وحتى العقل والمنطق يفرضان عليه أن يضبط بعض رغباته.

فإذا كانت الحرية تعني إلغاء كل قيد، فإنها لن تكون حرية للمرأة وحدها، بل ستصبح إلغاءً لمفهوم المسؤولية عند الإنسان كله.


الإسلام لا ينظر إلى المرأة بوصفها مشكلة تحتاج إلى التحرير من إنسانيتها

في التصور الإسلامي، المرأة ليست كائنًا ناقصًا ينتظر أن يمنحه المجتمع قيمته.

قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾

والتكريم هنا للإنسان من حيث هو إنسان.

كما قال سبحانه:

﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾

فالأصل هو الاشتراك في الإنسانية والتكليف والمسؤولية، مع وجود اختلافات في بعض الأحكام والأدوار والخصائص.

ولهذا فإن الدفاع عن كرامة المرأة لا يحتاج إلى تحويلها إلى نسخة من الرجل.

فالمرأة لا تحتاج أن تصبح رجلًا لكي تثبت أنها إنسان.


المشكلة حين يصبح الرجل هو المعيار الوحيد

من الأخطاء التي قد تقع فيها بعض التصورات الحديثة أن تجعل حياة الرجل هي النموذج الذي ينبغي أن تُقاس عليه حياة المرأة.

فإذا عمل الرجل قيل: ينبغي أن تعمل المرأة.

وإذا مارس الرجل دورًا معينًا قيل: ينبغي أن تمارسه المرأة بالطريقة نفسها.

وكأن المساواة لا تتحقق إلا عندما تتطابق التجربتان تمامًا.

لكن العدل لا يعني دائمًا التطابق.

المساواة في الكرامة لا تعني بالضرورة التطابق في كل الأدوار.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن الإنسان لا يُختزل في وظيفة واحدة، ولا تُقاس قيمته بعدد الساعات التي يقضيها في العمل، ولا بمقدار حضوره في المجال العام.


هل الأسرة قيد أم مسؤولية؟

هنا تظهر واحدة من أكثر القضايا حساسية.

فبعض الخطابات جعلت الأسرة وكأنها العدو الطبيعي لتحرر المرأة.

لكن الأسرة في حقيقتها ليست سجنًا بالضرورة، كما أن العمل خارج المنزل ليس حرية بالضرورة.

يمكن أن يكون البيت مكانًا للظلم، كما يمكن أن يكون مكانًا للسكن والمودة.

ويمكن أن يكون العمل مجالًا للإنجاز والاستقلال، كما يمكن أن يتحول في بعض الظروف إلى استغلال وضغط وإرهاق.

لذلك لا ينبغي أن نضع المرأة أمام معادلة زائفة:

إما الأسرة وإما الحرية.

فالمرأة قد تجمع بين العلم والعمل والأسرة، بحسب ظروفها وقدراتها واختياراتها، دون أن يجعل أحد هذه الجوانب إلغاءً للآخر.


والتعليم ليس خصمًا للدين

من المؤسف أن بعض المجتمعات المسلمة في فترات مختلفة ضيقت على تعليم المرأة، أو جعلت الجهل فضيلة لمجرد أنه مرتبط بالنساء.

وهذا لا ينبغي أن يُنسب إلى الإسلام بلا تفريق.

فالعلم في الإسلام ليس امتيازًا ذكوريًا.

وقد عُرفت في التاريخ الإسلامي نساء عالمات ومحدثات وفقيهات، وشاركن في نقل العلم وتعليمه.

إذن فالمشكلة ليست في تعليم المرأة.

بل السؤال هو:

أي تعليم؟ ولأي غاية؟

التعليم الذي يوسع مدارك الإنسان، ويزيد قدرته على التفكير، ويؤهله لخدمة نفسه ومجتمعه؛ قيمة عظيمة.

أما تحويل التعليم إلى وسيلة لاحتقار الدين أو الأسرة أو الهوية، فهذه قضية أخرى لا علاقة لها بمجرد طلب العلم.


والحجاب لا يعني إلغاء الشخصية

كذلك لا ينبغي اختزال قضية الحجاب في صورة المرأة الجاهلة أو الخاضعة.

فقد تختلف المجتمعات في فهمها وتطبيقها، وقد تقع ممارسات اجتماعية خاطئة باسم الدين، لكن الخطأ في التطبيق لا يعني بالضرورة أن أصل الحكم الديني هو المشكلة.

وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول الحجاب إلى وسيلة لإلغاء عقل المرأة أو شخصيتها أو حقها في التعلم والعمل المشروع.

الحجاب حكم ديني، وليس حكمًا على قيمة العقل.

وهذا التفريق ضروري حتى لا نخلط بين الدين وبين بعض الممارسات الاجتماعية التي قد تُنسب إليه بغير حق.


من يملك تعريف الحرية؟

وهنا نصل إلى السؤال الأهم.

عندما نقول: «حرية المرأة»، من الذي يضع تعريف الحرية؟

هل الحرية هي أن يفعل الإنسان كل ما يستطيع فعله؟

أم أن الحرية أن يختار بوعي، ويتحمل مسؤولية اختياره؟

وهل كل ما تسمح به القوانين يصبح بالضرورة صالحًا أخلاقيًا؟

وهل كل ما ترفضه بعض المجتمعات يكون ظلمًا؟

هذه أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بمجرد تقليد مجتمع آخر.

لأن وراء كل نموذج اجتماعي منظومة من القيم والتصورات عن الإنسان والأسرة والجسد والعمل والدين والأخلاق.


لا نرفض الآخر لمجرد أنه آخر

ومن الخطأ في المقابل أن تتحول هذه القضية إلى رفض لكل ما يأتي من خارج مجتمعاتنا.

فالحكمة لا تُرفض بسبب مصدرها.

يمكن أن نستفيد من تجارب الشعوب في التعليم، والطب، والتنظيم، والقوانين، وحماية الحقوق، وتطوير المؤسسات، وغير ذلك.

لكن الاستفادة من تجربة بشرية شيء، وتحويلها إلى نموذج مقدس لا يُناقش شيء آخر.

كما أن رفض كل جديد لمجرد أنه جديد ليس منهجًا سليمًا.

المعيار ليس: من أين جاء؟

بل:

ماذا يقول؟ وما نتائجه؟ وهل يوافق الحق والعدل والقيم التي نؤمن بها؟


المرأة ليست ميدانًا للصراع بين الحضارات

من أكثر الأخطاء خطورة أن تتحول المرأة إلى ورقة في صراع فكري.

فطرف يقول:

إذا أردنا تقدم المرأة فعلينا أن نتخلى عن تراثنا.

وطرف آخر يقول:

إذا أردنا الحفاظ على هويتنا فعلينا أن نرفض كل تغيير.

وكلا التصورين قد يضع المرأة في معركة لا علاقة لها بإنسانيتها.

فالمرأة ليست شعارًا حضاريًا.

وليست وسيلة لإثبات تفوق ثقافة على أخرى.

إنها إنسان له عقل وكرامة وحقوق ومسؤوليات، ويجب أن تُناقش قضاياها على هذا الأساس.


تحرير المرأة يبدأ بتحرير الإنسان من الظلم

ربما يكون السؤال الأصح من عبارة «تحرير المرأة» هو:

كيف نحرر الإنسان من الظلم والجهل والاستغلال والإهانة؟

إذا كان الظلم واقعًا على المرأة، وجب رفعه.

وإذا كان واقعًا على الرجل، وجب رفعه.

وإذا كان سببه عادة اجتماعية خاطئة، فلا ينبغي أن نحمل الدين مسؤوليتها.

وإذا كان سببه سوء فهم للنص، فالعلاج يكون بالعلم والفهم، لا بتشويه الدين كله.

وإذا كان الحل المقترح يحمل ظلمًا جديدًا، فلا يصبح صحيحًا لمجرد أنه رُفع تحت شعار الحرية.


الحرية التي تحفظ الإنسان

الحرية الحقيقية ليست مجرد التخلص من كل الضوابط.

وليست أن يعيش الإنسان بلا مسؤولية.

وليست أن يتحول المجتمع إلى نسخة من مجتمع آخر.

الحرية التي تستحق أن ندافع عنها هي التي تحفظ للإنسان كرامته، وتصون اختياره، وتمنع الظلم عنه، وتربط الحقوق بالمسؤولية.

ومن هنا فإن قضية المرأة لا تحتاج إلى معركة بين:

الدين والحرية،

ولا بين:

الأسرة والاستقلال،

ولا بين:

الهوية والتقدم.

بل تحتاج إلى فهم أعمق للإنسان نفسه.

فحين نفهم أن المرأة إنسان كامل الكرامة، وأن لها حقوقًا ومسؤوليات، وأن الدين لا يُقاس بأخطاء أتباعه، وأن التقدم لا يعني بالضرورة القطيعة مع القيم؛ عندها يمكن أن يتحول الحديث عن المرأة من صراعٍ أيديولوجي إلى بحث حقيقي عن العدل والكرامة والإصلاح.

فليست القضية: كيف نحرر المرأة من دينها أو مجتمعها؟

بل:

كيف نحرر الإنسان من الظلم، دون أن نسلبه القيم التي تمنح حياته معنى؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق