الجرح والتعديل ليس سلاحًا للطعن في الدعاة
متى يكون البيان واجبًا؟ ومتى تتحول النصيحة إلى وقيعة؟
كثيرًا ما نسمع اليوم من يبرر الخوض في أعراض الدعاة والعلماء بقوله:
نحن لا نطعن في أحد، وإنما نمارس الجرح والتعديل، ونبيّن الحق للناس حتى لا يغتروا بأهل الباطل!
وقد يقول آخر:
لا بد من التحذير من الأخطاء والانحرافات، فالسكوت عن الباطل ليس من منهج أهل السنة.
وهنا ينبغي أن نسأل سؤالًا مهمًّا:
هل كل خلافٍ يُسمّى جرحًا؟ وهل كل خطأٍ يوجب التحذير؟ وهل كل ملاحظة على عالم أو داعية تبيح إسقاطه وتشويه صورته أمام الناس؟
الجواب: لا.
فالجرح والتعديل علم له مجاله، وله أصوله، وله ضوابطه، وليس بابًا مفتوحًا لكل أحد حتى يحوّل اختلافاته الشخصية أو الدعوية أو الفكرية إلى أحكام على الأشخاص، ثم يجعل من تلك الأحكام ذريعة للطعن والتشهير والتحذير.
الجرح والتعديل له مجاله وضوابطه
الجرح والتعديل في أصله علمٌ نشأ لضبط الرواية ومعرفة أحوال الرواة، حتى يُعرف المقبول من المردود فيما يُنسب إلى رسول الله ﷺ.
ولهذا فليس من المنهج العلمي أن نأخذ مصطلحات هذا العلم وننقلها من سياقها وضوابطها إلى ساحة الدعوة، ثم نجعل كل اختلاف في الأسلوب أو الاجتهاد أو طريقة التعليم سببًا للطعن في الأشخاص.
وقد جاء في الكلام المنقول عن أحد العلماء:
«الجرح والتعديل نفسه هذا في مجال حديث سيُبنى عليه حكم، خذ رجاله، وبيّن ما فيهم من جرح ومن تعديل، هذه طريقة معروفة في المصطلح».
ثم نبّه إلى خطورة استعمال هذه المصطلحات في غير محلها، فقال:
«الآن أنت تنسى الحسنات، وتنسى الواقع... وتجي تأخذ أمورًا نظرية من مصطلح أن: هذا لابد منه، السلف يبينون الجرح ويقدمونه على التعديل... لكن هؤلاء ينبشون واحدًا ما روى حديث، ولا هو في حديث، وينبشونه، وميت، إلا وهو من أجل إخماد دعوته، أو إخماد كتبه».
وهذه ملاحظة جديرة بالتأمل:
ليس كل من أخطأ في مسألة أصبح ساقطًا، وليس كل من خالفك في اجتهاد صار مبتدعًا، وليس كل اختلاف في منهج الدعوة موجبًا للتحذير من صاحبه.
هناك فرق بين الخطأ المؤثر والخلاف المحتمل
ليس كل ما نختلف فيه على درجة واحدة.
فقد يكون الخلاف في:
أسلوب الدعوة.
طريقة التعليم.
ترتيب الأولويات.
مسائل اجتهادية.
مسائل فقهية.
مواقف تحتمل أكثر من وجه.
أمور مرجوحة لا تصل إلى حد الانحراف العقدي أو المنهجي الخطير.
وفي مثل هذه المسائل لا يصح أن يتحول الخلاف إلى حملة تشويه، ولا أن يُستعمل التحذير لإسقاط الأشخاص.
وقد جاء في النص المنقول:
«إذا كان الأمر... فاضل ومفضول، وطريقة في الدعوة كذا، وطريقة أو أساليب دعوة أو أساليب تعليم، أو غيرها، ولم يكن هناك أمر واضح، فهذا لا يجوز أن يُتتبع الناس به، ولا أن يحذّروا من الاستفادة من عالم، أو من صاحب معتقد سليم، أو من داعية من الدعاة من أجل هذا الأمر».
وهذه قاعدة في غاية الأهمية:
ليس كل خطأ يوجب إسقاط صاحبه، وليس كل خلاف يوجب تحذير الناس منه.
ومتى يكون البيان والتحذير مشروعًا؟
حتى لا يُفهم الكلام خطأ، فالمقصود ليس إلغاء النصيحة، ولا إسكات العلماء عن بيان الأخطاء، ولا منع التحذير من الانحرافات الخطيرة.
بل هناك حالات يكون فيها البيان مهمًا، بل قد يكون واجبًا، إذا كان الخطأ واضحًا ومؤثرًا، وكان السكوت عنه يؤدي إلى تضليل الناس أو إفساد عقائدهم أو مناهجهم.
ولهذا جاء في النص:
«إذا كان الإنسان على أمر مبتدع ابتداعًا كفريًا، ووراءه ناس مغترون به، وربما يسلكون مسلكه، فهذا ما فيه شك أنه يبين ويوضح لهم».
فالمشكلة ليست في البيان العلمي، وإنما في تحويل البيان إلى ثقافة دائمة لتتبع الأشخاص، والتنقيب عن العثرات، وتضخيم الهفوات، وإسقاط كل من لا يوافقنا في كل جزئية.
أين الأولويات؟
وهنا تبرز قضية أكبر:
إذا كان أهل السنة يواجهون انحرافات ظاهرة، ومظاهر شرك وبدع وخرافات وأفكارًا تهدد أصل الدين، فلماذا تتحول طاقات بعض الناس إلى معارك لا تنتهي مع دعاة وعلماء يشهد لهم أصل معتقدهم وسلامة قصدهم؟
وقد عبّر النص المنقول عن هذا المعنى بقوة، فقال:
«ما تحمدون الله أن هيأ لكم من يعبد الله ومن يقوم بواجب الدعوة؟ أما تحمدون الله أن وجد من أصلابكم ومن إخوانكم ومن بيئتكم ومن أمثالكم من يدعو إلى الله ويحمل الدعوة إلى الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟»
ثم يذكّر بتغير الواقع، وبأن وجود أعداد كبيرة من الدعاة والعاملين في مجال الخير نعمة ينبغي أن تُحفظ، لا أن تتحول إلى مناسبة دائمة للتراشق والتجريح.
قبل أن تطعن في الداعية... اسأل نفسك
إذا أردنا فعلًا أن نتحرى منهج أهل العلم، فعلينا أن نسأل قبل إطلاق الأحكام:
هل الخطأ الذي أتحدث عنه ثابت فعلًا؟
وهل فهمت كلام صاحبه كما أراده؟
وهل هو خطأ قطعي أم مسألة اجتهادية؟
وهل يقتضي هذا الخطأ إسقاط صاحبه؟
وهل المصلحة الشرعية في بيان الخطأ أكبر من المفسدة المترتبة على التشهير؟
وهل أذكر حسنات الرجل كما أذكر أخطاءه؟
وهل قصدي الإصلاح فعلًا، أم الانتصار لجماعتي أو شيخي أو رأيي؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا؛ بل هي من مقتضيات العدل.
لا تجعلوا الخلافات الثانوية معركةً على الدين كله
من المؤسف أن تتحول بعض المسائل الجزئية إلى معارك كبرى، بينما تُترك قضايا أعظم وأخطر دون العناية نفسها.
وقد جاء في النص المنقول:
«نبدأ بالأهم كما يقال قبل المهم، اترك أننا مختلفين مع عمرو أو زيد في أسلوب أو في مرجوح، أو في بدعة ليست مكفرة، نبدأ بمن هم أخطر وبمن هم أولى».
وهذا لا يعني أن كل بدعة أو خطأ لا قيمة له، وإنما يعني أن فقه الأولويات جزء من الفقه نفسه.
فليس من الحكمة أن نجعل اختلافًا في أسلوب الدعوة أكبر من قضية تهدد أصل العقيدة، ولا أن نجعل خلافًا اجتهاديًا سببًا لقطع الصلة بكل من يخالفنا فيه.
الدعوة إلى الله لا تقوم على إسقاط الدعاة
الداعية بشر، والعالم بشر، والمجتهد بشر.
يخطئ ويصيب، ويعلم ويجهل، ويترجح له اليوم ما قد يترجح له غدًا خلافه.
والعدل يقتضي أن نضع كل خطأ في حجمه الحقيقي.
فإن كان خطأً بيّنًا، بُيّن بالدليل.
وإن كان اجتهادًا، عومل كاجتهاد.
وإن كان خلافًا في الأسلوب، فلا ينبغي تحويله إلى معركة عقائدية.
وإن كان انحرافًا خطيرًا مؤثرًا، فليكن البيان علميًا، موثقًا، عادلًا، وبقدر الحاجة.
أما أن يتحول الجرح إلى تتبع للعثرات، والتنقيب في الماضي، وتجميع الزلات، وتضخيم الجزئيات، ثم إسقاط الشخص كله، فهذه ليست هي الصورة التي ينبغي أن تكون عليها النصيحة الشرعية.
أين ذهبت الرحمة؟ وأين ذهب الإنصاف؟
ليس من الإنصاف أن نتذكر خطأ العالم وننسى عشرات السنين من التعليم والدعوة والخير.
وليس من العدل أن نختزل داعيةً في موقف واحد.
وليس من الحكمة أن نربي أجيالًا لا تعرف من العلماء إلا أسماء من حُذّر منهم.
إن كان الرجل قد أخطأ، فليُبيّن خطؤه.
وإن كان قد أصاب في مواضع كثيرة، فلتُذكر إصابته.
وإن كان الخلاف معه في مسائل اجتهادية، فلا ينبغي أن يتحول الاجتهاد إلى تبديع وتشهير.
فالعدل لا يعني السكوت عن الخطأ، كما أن بيان الخطأ لا يعني إسقاط كل ما عند المخطئ من حق وخير.
كلمة أخيرة
نحن بحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم الجرح والتعديل في واقعنا المعاصر.
فليس كل من خالفنا مجروحًا.
وليس كل من أخطأ ساقطًا.
وليس كل من لم نوافقه في منهج الدعوة مبتدعًا.
وليس كل خلاف يحتاج إلى تحذير.
وليس كل تحذير دليلًا على العلم.
العلم أن تعرف متى تتكلم، وفي ماذا تتكلم، وبأي قدر تتكلم، وما المصلحة المترتبة على كلامك.
والنصيحة الحقيقية لا تبحث عن إسقاط الأشخاص، وإنما تبحث عن إصلاح الخطأ، وحفظ الحق، وصيانة الناس، وتحقيق المصلحة الشرعية.
أما أن تصبح أعراض الدعاة والعلماء ميدانًا دائمًا للتجريح، وأن يتحول الخلاف إلى تصفية حسابات، وأن يُرفع شعار «الجرح والتعديل» في كل صغيرة وكبيرة، فهنا ينبغي أن نتوقف طويلًا ونسأل:
هل نحن فعلًا ننتصر للحق؟ أم أصبحنا ننتصر لأنفسنا ولجماعاتنا وتصوراتنا عن الحق؟
فالحق لا يحتاج إلى ظلم أحد،
والنصيحة لا تحتاج إلى تشويه أحد،
والعلم لا يحتاج إلى إسقاط كل مخالف.
والعدل مع المخالفين من علامات العلم، كما أن الإنصاف مع الموافقين من علامات التقوى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق