«السلفيون المبتدعة»… هل يكفي رفع شعار محاربة البدعة؟
قراءة في كتاب «السلف والسلفيون: رؤية من الداخل» لإبراهيم العسعس
من العناوين اللافتة في كتاب «السلف والسلفيون: رؤية من الداخل» عنوانٌ قد يبدو صادمًا للوهلة الأولى:
«السلفيون المبتدعة»
فكيف يتحدث المؤلف عن البدعة في سياق نقده لبعض المنتسبين إلى السلفية، وهم الذين يرفعون شعار اتباع السنة ومحاربة البدع؟
وهل يريد بذلك الحكم على جميع السلفيين، أم أنه يناقش ممارسات واتجاهات محددة يرى أنها وقعت في أخطاء منهجية؟
لفهم مقصوده، ينبغي قراءة هذا العنوان في سياق حجته، لا التعامل معه بوصفه حكمًا عامًا على كل من ينتسب إلى السلفية.
أولًا: التحذير من البدعة لا يعفي صاحبه من مراجعة نفسه
ينطلق المؤلف من فكرة أساسية: أن التحذير من البدع لا ينبغي أن يتحول إلى موقف أحادي الاتجاه؛ بحيث ينشغل الإنسان بأخطاء الآخرين، بينما لا يراجع ما قد يقع فيه هو أو الاتجاه الذي ينتسب إليه.
فمن يرفع شعار اتباع السنة يحتاج، وفق هذا المنطق، إلى أن يسأل نفسه أيضًا:
هل يلتزم بما يدعو إليه؟
هل يميّز بين المسائل القطعية والمسائل الاجتهادية؟
هل يراجع اختياراته ومواقفه؟
هل يطبّق المعايير نفسها على جماعته وعلى مخالفيه؟
فالمعيار العلمي لا يصح أن يتغير بتغيّر الأشخاص والانتماءات.
وهذا هو المدخل الذي يتيح فهم عنوان الفصل: فالمؤلف لا يكتفي بمناقشة ما يراه أخطاء عند الآخرين، بل يحاول تطبيق معيار النقد نفسه على بعض الممارسات التي ينسبها إلى السلفيين المعاصرين.
ثانيًا: لماذا قد تكون بعض الأخطاء أشد أثرًا من غيرها؟
يتوقف المؤلف عند فكرة أن بعض الأخطاء قد لا تكون ظاهرة للناس، ولا يُنظر إليها على أنها مخالفة؛ بسبب شيوعها أو صدورها ممن يحظون بمكانة علمية أو دعوية.
ومن هنا يرى أن مناقشة الخطأ لا ينبغي أن تتوقف لمجرد أن صاحبه معروف أو أن الممارسة أصبحت مألوفة.
لكن هذا يقتضي بدوره التثبت من أمرين:
الأول: هل ثبت أن الفعل أو القول خطأ بالفعل؟
الثاني: هل يصح وصفه بالبدعة، أم أنه من مسائل الاجتهاد أو الخلاف؟
فليس كل خطأ بدعة، وليس كل ما استغربه شخص أو خالف اختياره يصبح بدعة شرعية.
وهذا التفريق ضروري حتى لا يتحول نقد البدع نفسه إلى باب جديد من أبواب التوسع في إطلاق الأحكام.
ثالثًا: حين يتحول الخلاف إلى شقاق بين المنتسبين إلى السنة
يرى المؤلف أن الخلاف بين بعض المنتسبين إلى السلفية وغيرهم من أهل السنة قد اتسع، وأن بعض الممارسات التي ينتقدها أسهمت ـ في تقديره ـ في تعميق هذا التباعد.
ويطرح بذلك سؤالًا مهمًا:
إذا كان المقصود هو اتباع السنة، فلماذا تتحول بعض الخلافات إلى حواجز تمنع التقارب؟
فقد يتفق العلماء أو الدعاة في أصول كثيرة، ثم يختلفون في مسائل فرعية أو في بعض الاجتهادات.
ولا يعني هذا أن الخلاف لا قيمة له، أو أن كل الآراء متساوية؛ وإنما يعني أن تقدير الخلاف يحتاج إلى معرفة حقيقته وحجمه.
وهنا يلفت المؤلف النظر إلى ضرورة التمييز بين:
الخلاف في أصل من أصول الدين.
الخلاف في مسألة اجتهادية.
الخلاف في ترتيب الأولويات.
الخلاف في الوسائل وأساليب العمل.
فجمع هذه الأنواع كلها في مرتبة واحدة قد يؤدي إلى تضخيم الخلاف، وتحويله من نقاش علمي إلى خصومة بين الاتجاهات.
رابعًا: ما الأخطاء التي يناقشها المؤلف؟
في الصفحات التي يعرض فيها هذه القضية، لا يكتفي المؤلف بإطلاق وصف عام، بل ينتقل إلى ذكر ممارسات يرى أنها تمثل أخطاءً في فهم المنهج أو تطبيقه.
ومن أبرز المحاور التي يناقشها:
1. التعامل مع الخلاف الفقهي
ينتقد المؤلف جعل بعض المسائل الفقهية المختلف فيها أساسًا للتقارب مع أشخاص أو جماعات، أو معيارًا للتمييز بين الناس.
فإذا كانت المسألة من مسائل الاجتهاد، فإن تحويلها إلى علامة فاصلة بين أهل السنة وغيرهم يحتاج إلى دليل وتحرير، ولا يكفي فيه مجرد اختيار قول فقهي بعينه.
2. إغفال بعض القضايا التي يراها المؤلف من أصول الدين
يرى المؤلف أن بعض الخطابات التي تنتسب إلى السلفية توسّع الاهتمام بقضايا معينة، في مقابل تقليل الاهتمام بقضايا أخرى يعدّها هو أساسية في فهم التوحيد والالتزام بأحكام الله.
وهنا ينبغي التنبه إلى أن هذا تقييم المؤلف لترتيب الأولويات، وليس وصفًا متفقًا عليه لجميع التيارات السلفية.
3. تجزئة مفهوم التوحيد
يربط المؤلف بين نقده السابق لاختزال التوحيد في مسائل محددة وبين ما يراه من آثار هذا الاختزال في المواقف العملية.
فالتوحيد في تصوره لا ينبغي أن يُعرض بوصفه مجموعة مسائل منفصلة عن بعضها، بل باعتباره مفهومًا له مقتضيات تتصل بالاعتقاد والعبادة والطاعة.
ومن ثم يعترض على ما يراه فصلًا بين الحديث عن التوحيد وبين بعض القضايا التي يعدّها من مقتضياته.
4. الترويج لما يسميه المؤلف «العقيدة الجبرية»
يخصص المؤلف مساحة لمناقشة ما يراه نزعةً إلى تفسير الواقع السياسي والاجتماعي تفسيرًا قدريًا يؤدي إلى الاستسلام له.
وهو يربط هذه القضية بفكرة أن الإيمان بالقدر لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لترك العمل أو إهمال الأسباب.
وهذه نقطة تحتاج إلى تحرير دقيق؛ فالإيمان بالقدر أصل إسلامي، أما القول بأن الإنسان لا مسؤولية له عن أفعاله، أو أن عليه ترك السعي والإصلاح، فمسألة أخرى لا يصح أن تُنسب إلى شخص أو اتجاه دون فحص كلامه وسياقه.
5. ضعف التفاعل مع الواقع العام
ينتقد المؤلف ما يراه تقصيرًا في التعامل مع قضايا الواقع، وفي القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمفهومه الشامل.
كما يناقش تجنب بعض صور العمل السياسي، ويرى أن هذا التجنب قد يؤدي إلى إهمال قضايا عامة تحتاج إلى معالجة.
لكن ينبغي هنا التمييز بين الاهتمام بالشأن العام وبين تبنّي وسيلة سياسية بعينها؛ فمشروعية الوسائل وتقدير آثارها مسائل تحتاج إلى بحث مستقل، ولا يحسمها مجرد الاتفاق على أهمية الإصلاح.
خامسًا: هل الإيمان بالقدر يعني الاستسلام للواقع؟
هذه من أكثر النقاط حساسية في هذا المحور.
فالمؤلف ينتقد ما يراه توظيفًا لفكرة القدر لتبرير الخضوع للأوضاع القائمة، أو لتثبيط الناس عن مقاومة الظلم والسعي إلى الإصلاح.
ويطرح ضمن ذلك سؤالًا:
إذا كان كل ما يقع داخلًا في قدر الله، فهل يعني ذلك أن الإنسان لا يسعى إلى تغيير الخطأ أو دفع الظلم؟
والجواب الذي يقوم عليه نقده هو أن الإيمان بالقدر لا ينبغي أن يُتخذ ذريعة لترك العمل.
لكن من المهم ألا نخلط بين أمرين:
الإيمان بأن الوقائع لا تخرج عن قدر الله.
القول بأن الإنسان غير مسؤول عن اختياراته، أو أنه لا ينبغي له اتخاذ الأسباب.
فهما ليسا شيئًا واحدًا.
كما أن نسبة القول بالاستسلام إلى شخص أو جماعة بعينها تتطلب دليلًا على موقفهم الفعلي، لا مجرد الاستنتاج من بعض العبارات التي قد تحتمل أكثر من معنى.
سادسًا: ما علاقة ذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
يربط المؤلف بين فهم الواقع وبين واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويرى أن هذا الواجب لا ينبغي اختزاله في دائرة ضيقة من الممارسات الفردية.
فالمسألة عنده تتصل أيضًا بالقضايا العامة، وبكيفية التعامل مع الأخطاء التي تؤثر في حياة المجتمع.
ومن هنا ينتقد الفصل بين الالتزام الديني وبين الاهتمام بالشأن العام، ويرى أن الدعوة إلى الإصلاح تحتاج إلى فهم شامل لما يواجهه الناس.
ومع ذلك، فإن تحديد كيفية الإنكار ووسائله وضوابطه يحتاج إلى تفصيل؛ لأن اختلاف الأحوال والقدرة والمآلات قد يؤثر في الحكم على الوسيلة المناسبة.
فليس كل إنكار يُمارس بالطريقة نفسها، ولا كل وسيلة تصلح لكل ظرف.
سابعًا: هل يصح أن يتحول نقد الأخطاء إلى حكم شامل؟
رغم حدة عنوان الفصل، فإن القراءة المنصفة تقتضي ألا نحول نقد المؤلف لبعض الممارسات إلى حكم على كل من ينتسب إلى السلفية.
فداخل التيارات الدينية تتفاوت المواقف، كما يختلف الأفراد في فهمهم للنصوص، وفي ترتيب الأولويات، وفي التعامل مع الواقع.
ولذلك ينبغي أن يكون النقد محددًا:
ما القول الذي نناقشه؟ ومن قاله؟ وما دليله؟ وما وجه الخطأ فيه؟
بدل الاكتفاء بوصف جماعة كاملة بأنها واقعة في بدعة أو انحراف.
كما أن من حق القارئ أن يناقش المؤلف نفسه، وأن يسأل عن أدلته، وعن مدى انطباق أوصافه على الأمثلة التي يذكرها.
فالنقد العلمي لا يكتمل بمجرد إطلاق الحكم، بل ببيان مستنده وحدوده.
الخلاصة: محاربة البدعة تبدأ بتحرير مفهومها
يمكن تلخيص هذا المحور من الكتاب في فكرة رئيسية:
لا يكفي أن يرفع الإنسان شعار محاربة البدعة؛ بل عليه أن يضبط مفهوم البدعة، وأن يطبّق معاييره على نفسه كما يطبقها على غيره.
ومن هنا تبرز ضرورة التفريق بين:
البدعة والخطأ الاجتهادي.
مخالفة الدليل ومخالفة اختيار عالم معين.
نقد الفكرة والحكم على صاحبها.
الإيمان بالقدر وترك العمل.
الالتزام الديني وإهمال قضايا الواقع.
نقد ممارسة محددة وتعميم الحكم على جماعة كاملة.
أما عنوان «السلفيون المبتدعة»، فينبغي فهمه بوصفه عنوانًا جدليًا يعبر عن نقد المؤلف، لا حكمًا علميًا نهائيًا يصح تعميمه دون النظر في الأدلة والأمثلة التي يسوقها.
والسؤال الأهم الذي يتركه هذا الفصل للقارئ:
إذا كان الإنصاف يقتضي أن نزن أقوال الآخرين بالدليل، فهل نقبل أن تُوزن أقوالنا وممارساتنا بالميزان نفسه؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق