الاثنين، 14 سبتمبر 2026

🧠 العقل في القرآن: وظيفةٌ للتعقّل لا جوهرٌ مستقل

 

🧠 العقل في القرآن: وظيفةٌ للتعقّل لا جوهرٌ مستقل

بين الدلالة القرآنية والتصورات الفلسفية واللسانية الحديثة

بقلم: ذ/ البشير فالح
باحث في الدراسات المصطلحية


ظلَّ القرآن الكريم منذ نزوله كتابًا كريمًا معطاءً، لا يَخلَق مع كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه؛ تتجدّد معانيه وتتسع دلالاته بما يستوعب ثقافات البشر وفهومهم، ويوجّهها نحو طريق الحق والحقيقة.

غير أن فهم المفاهيم القرآنية يظل مرتبطًا بشرط أساسي، هو الالتزام بالمنهج الذي رسمه القرآن نفسه، وفي مقدّمته قيد عربية اللسان، كما قال تعالى:

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
[يوسف: 2]

وقد تعددت عبر القرون المناهج التي حاولت الكشف عن مراد الله تعالى من خطابه؛ فمنها اللغوي والبلاغي والأثري والكلامي والباطني وغيرها. واختلفت هذه المناهج في أدواتها ونتائجها، حتى أفضى بعضها إلى قراءات متباينة للمفاهيم القرآنية.

ومع ازدهار العلوم الحديثة، انتقلت بعض المناهج التي نشأت في البيئة الغربية إلى الدراسات الإنسانية العربية والإسلامية، ثم استُثمرت في قراءة النص القرآني، الأمر الذي أثار نقاشًا واسعًا حول مدى صلاحية هذه المناهج لفهم النص القرآني، خصوصًا مع اختلاف الخلفيات الفلسفية والمعرفية التي نشأت فيها. ومن بين الباحثين العرب الذين وظفوا بعض هذه المناهج: محمد أركون، ونصر حامد أبو زيد، وطيب تيزيني، ومحمد شحرور.

ومن هنا تبرز قضية مهمة:

🔹 كيف قدّم القرآن مفهوم «العقل»؟

أولًا: العقل في القرآن... مفهومٌ ودلالة

القرآن الكريم نسيجٌ مفاهيمي بامتياز؛ فقد أنزل لتصحيح مفاهيم الإنسان ونظرته إلى حقائق الوجود: الله، والإنسان، والطبيعة، والغيب.

ومن وسائل الإدراك والمعرفة التي وهبها الله للإنسان: السمع، والبصر، والفؤاد، والتفكر، والتدبر، والتعقل.

ولذلك فإن فهم مفهوم «العقل» في القرآن يقتضي أولًا العودة إلى دلالته في اللغة العربية.

🔸 المعنى اللغوي

تدور مادة (ع ق ل) في المعاجم العربية حول معانٍ متقاربة، من أبرزها:

الحبس، والربط، والجمع، والمنع.

ويمكن ردّ هذه المعاني إلى معنى جامع هو الربط؛ فالعِقال هو الحبل الذي تُربط به قوائم البعير حتى لا يشرد، ومن هنا انتقل المعنى إلى المجال المعنوي.

وقد لخّص ابن دريد هذه الخصيصة بقوله:

«كل شيء منع من شيء فهو عقل».

وعلى هذا الأساس، يمكن فهم العقل باعتباره ربطًا بين الأشياء والحقائق والمعاني؛ بحيث يمنع الإنسان من التيه والضلال في إدراكه للأمور.


🔹 العقل في الاستعمال القرآني

وردت مادة (عقل) ومشتقاتها في القرآن الكريم تسعًا وأربعين مرة، وجاءت في صور متعددة، من أبرزها:

  • ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ — 14 مرة.
  • ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ — 8 مرات.
  • ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ — 8 مرات.
  • ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ — 14 مرة.
  • وصيغ أخرى — 5 مرات.

واللافت هنا أن مادة «عقل» في القرآن جاءت في صورة الأفعال ومشتقاتها الفعلية، ولم ترد بصيغة الاسم أو المصدر للدلالة على العقل كذات مستقلة.

ومن هنا يذهب البحث إلى أن العقل في القرآن ليس «شيئًا» قائمًا بذاته، وإنما هو فعل ووظيفة وفاعلية يقوم بها الإنسان.

فالقرآن يحض على التعقل، وينفيه عن أقوام، ويخص به أقوامًا آخرين؛ قال تعالى:

﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾

وقال:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾

وقال:

﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾

وهذا الاستعمال يجعل التعقل فعلًا إنسانيًا محمودًا، يرتبط بالتمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، وبإدراك العلاقات بين حقائق الخلق والغيب والآيات المبثوثة في الكون.


🧠 العقل... وظيفة لا «عضو» مستقل

يخلص البحث إلى أن العقل في القرآن، باعتباره ذاتًا أو جوهرًا قائمًا بذاته، لا يظهر بهذه الصورة؛ وإنما يظهر بوصفه وظيفة وفاعلية يقوم بها الإنسان.

ويؤكد ذلك قوله تعالى:

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾
[الحج: 46]

فالتعقل هنا فعلٌ يقوم به الإنسان من خلال منظومة إدراكية متكاملة، وليس عضوًا مستقلًا قائمًا بذاته.


2️⃣ أصول الانتحال الدلالي لمفهوم العقل

يبحث المقال بعد ذلك في الكيفية التي انتقلت بها دلالات فلسفية مختلفة إلى المفهوم العربي للعقل.

فمع اتساع حركة الترجمة في العصر العباسي، ولا سيما في عهد المأمون وقيام بيت الحكمة، دخلت إلى البيئة العربية مفاهيم فلسفية ومنطقية وحكمية لم تكن مألوفة في التداول العربي السابق.

ويرى البحث أن مفهوم العقل تأثر بهذا التلاقح، وأن دلالته انتقلت في بعض الاستخدامات من الفعل والوظيفة الإدراكية إلى تصور العقل باعتباره ذاتًا أو جوهرًا مستقلًا، متأثرًا بالتقسيمات الفلسفية اليونانية للوجود إلى جوهر وعرض.

وقد أشار ابن تيمية إلى هذا الفرق في استعمال لفظ «العقل»، موضحًا أن العقل في الكتاب والسنة وكلام الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين هو أمر يقوم بالعاقل، وأن التعبير عن العقل باعتباره جوهرًا قائمًا بنفسه ظهر في كلام طائفة من المتفلسفة.

ومن هنا يرى البحث أن بعض الدلالات الفلسفية الوافدة ينبغي ألا تُسقط مباشرة على المفهوم القرآني.


3️⃣ القراءات المعاصرة للقرآن... وتشييء العقل

تتناول بعض الدراسات القرآنية المعاصرة العقل باعتباره ذاتًا أو جهازًا مستقلًا في الإنسان، له سلطة وأفضلية على سائر أدوات الإدراك.

ويرى البحث أن هذه الصورة تأثرت بالتراث الفلسفي، وببعض الدراسات الإنسانية الغربية، وبالمناهج اللسانية الحديثة، ثم انتقلت إلى التداول العربي من خلال ترجمات ومقاربات مختلفة.

ومن الأمثلة التي يناقشها البحث محمد شحرور وقراءته المعاصرة للقرآن.


🔸 محمد شحرور ومفهوم العقل

تميّز محمد شحرور بقراءات أثارت جدلًا واسعًا في الدراسات القرآنية المعاصرة، واعتمد، بحسب ما يذكر في كتبه، على نتائج حديثة في علوم اللسانيات، ومن بينها رفض الترادف المطلق في الألسن الإنسانية، والقول بتطور دلالات الألفاظ عبر التاريخ.

وفي تصوره للعقل، يرفع شحرور من شأن القدرة العقلية، ويرى أن العقل الإنساني قادر على إدراك الكون المادي ومعرفته، بل يقرر أنه لا توجد حدود يتوقف عندها العقل.

ويناقش البحث هذا التصور، ويرى أنه يقترب من التصورات الفلسفية التي تجعل العقل قوةً مستقلة قادرة على الإحاطة بالوجود، بينما يرى أن العقل في القرآن ليس عضوًا أو جوهرًا مستقلًا، وإنما عملية ووظيفة يقوم بها الإنسان من خلال مجموع حواسه ومداركه.

كما يناقش البحث تصوره لتطور دلالات الألفاظ، ويرى أن القول بموت المعاني القديمة للألفاظ واكتسابها معاني جديدة يحتاج إلى مزيد من المناقشة؛ لأن تطور الدلالة لا يعني بالضرورة انقطاع الصلة بين الدلالة الجديدة والجذر الدلالي الأصلي.


✨ الخلاصة

إن التعامل مع المفاهيم القرآنية يحتاج إلى حذرٍ منهجي كبير؛ فلا يصح أن ننقل نتائج المناهج اللسانية أو الفلسفية الحديثة إلى القرآن ثم نجعلها حاكمة على دلالاته، دون نقد وتمحيص لخلفياتها المعرفية والفلسفية.

فالقرآن الكريم نصٌّ متفرد، وإن كان نازلًا بلسان عربي، ومن ثم فإن الالتزام بقيد عربية القرآن من أهم الأسس التي ينبغي مراعاتها في الدراسات القرآنية.

وعليه، فإن دراسة مفهوم العقل في القرآن تقود ـ وفق الرؤية التي يعرضها هذا البحث ـ إلى التمييز بين أمرين:

العقل بوصفه وظيفةً وفاعليةً إدراكية

وبين

العقل بوصفه ذاتًا أو جوهرًا مستقلًا

والقرآن، في استعماله لمادة «عقل»، يبرز الأول أكثر من الثاني؛ فالتعقل فعلٌ يقوم به الإنسان، ووسيلة لإدراك العلاقات والسنن والحقائق، والتمييز بين الحق والباطل، والوصول إلى الرشد والهداية.

إن تجديد فهم المفاهيم القرآنية لا يكون بإخضاع القرآن لكل نظرية وافدة، ولا برفض المناهج الحديثة رفضًا مطلقًا، وإنما يكون عبر نقد أدواتها، وفهم خلفياتها، ثم الإفادة منها بما ينسجم مع طبيعة النص القرآني ومنهجه ولغته.

وبذلك يمكن للدراسات القرآنية أن تتجدد، وأن تسهم في بناء وعي معرفي قادر على الجمع بين أصالة النص، وعمق المنهج، ووعي العصر.


ذ/ البشير فالح
باحث في الدراسات المصطلحية

📚 أهم المراجع الواردة في البحث

  1. لسان العرب لابن منظور.
  2. معجم مقاييس اللغة لابن فارس.
  3. الاشتقاق لابن دريد، تحقيق عبد السلام هارون.
  4. مجموع فتاوى ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم.
  5. فقه الفلسفة ـ الفلسفة والترجمة، د. طه عبد الرحمن.
  6. الكتاب والقرآن ـ قراءة معاصرة، محمد شحرور.
  7. دور الكلمة في اللغة، ستيفان أولمان، ترجمة د. كمال بشر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق