السلفية ليست قائمةً مغلقة
حين يتحول تضييق المنهج إلى تنفيرٍ من الدين
هناك من يضيّق معنى السلفية حتى يجعلها دائرةً شديدة الضيق، لا يكاد يدخل فيها إلا عددٌ محدود من العلماء وطلبة العلم، ثم يجعل من خالفهم في بعض المسائل أو وقع في بعض الأخطاء خارجًا عن المنهج، وربما ظلّ ذلك التصنيف ملازمًا له حتى بعد التوبة والرجوع.
وهذا المسلك لا يخدم السلفية، بل قد يسيء إليها أكثر مما يحسن إليها.
فالسلفية ـ في أصل معناها ـ ليست قائمةً مغلقةً بأسماء أشخاص، وليست جماعةً لا يُقبل الحق إلا من خلالها، وإنما هي انتساب إلى منهج السلف في فهم الكتاب والسنة، مع الاعتراف بأن العلماء وطلاب العلم بشرٌ يصيبون ويخطئون.
السلفية أوسع من بضعة أسماء
من أعجب ما يلفت النظر أن بعض المتشددين في التصنيف لا يكادون يقبلون إلا عددًا قليلًا جدًا من العلماء، حتى ليبدو للناظر أن السلفية لم تعد منهجًا علميًا واسعًا، وإنما أصبحت دائرةً محدودة الأسماء.
فإذا كان علماء الأمة عشرات الآلاف عبر القرون، وإذا كان في العالم الإسلامي اليوم علماء وطلبة علم ومفتون ومدرسون وباحثون يخدمون القرآن والسنة، فهل يُعقل أن يُختزل الحق كله في ثلاثة أو أربعة أسماء؟
وماذا عن بقية العلماء؟
هل يُخرجون جميعًا من دائرة أهل السنة والسلف لمجرد وجود ملاحظات أو أخطاء أو مخالفات في بعض المسائل؟
إن كان الأمر كذلك، فهذه مشكلة حقيقية في فهم معنى المنهج قبل أن تكون مشكلة في الأشخاص.
ماذا نصنع بتاريخ علماء الأمة؟
لو طبقنا هذا المنطق المتشدد على علماء الأمة السابقين، لوجدنا أن قائمة «المستبعدين» ستتسع بصورة مخيفة.
فمن علماء الإسلام الذين خدموا السنة والفقه والتفسير والحديث: ابن حجر، والنووي، وابن قدامة، وابن عقيل، وابن الجوزي وغيرهم من الأئمة الذين انتفعت الأمة بعلمهم ومصنفاتهم.
ولا يعني هذا أن هؤلاء الأئمة معصومون من الخطأ، ولا أن كل ما قالوه صحيح لا يُناقش.
لكن الفرق كبير بين أن تقول:
«للعالم خطأ نناقشه ونرده بالدليل»
وبين أن تقول:
«للعالم خطأ، إذن نسقط علمه كله ونخرجه من دائرة أهل السنة.»
الأول منهج علمي، والثاني منهج في التصنيف والإقصاء.
التوبة ليست كلمةً تُرفض
ومن أخطر مظاهر هذا التضييق أن بعض الناس لا يكادون يقبلون للآخر توبةً ولا رجوعًا.
فإذا أخطأ شخص في مرحلة من حياته، ثم راجع نفسه، وتراجع عن قوله، أو بيّن خطأه، أو تاب إلى الله، بقي بعضهم يتعامل معه وكأن باب التوبة قد أُغلق في وجهه.
وهذا مخالف لروح الشريعة التي فتحت باب التوبة للناس، ولم تجعل الخطأ السابق حكمًا أبديًا على الإنسان.
فالناس يتغيرون، والعالم قد يراجع فتواه، وطالب العلم قد يصحح موقفه، والداعية قد يكتشف خطأً في منهجه أو عبارته.
فلماذا نصرّ نحن على إبقاء الإنسان أسيرًا لماضيه؟
إن قبول التوبة ليس ضعفًا في المنهج، بل هو من العدل والرحمة.
لا تجعلوا مجالس العلم مجالسَ لتناول العلماء
ومن المؤلم أن تتحول بعض المجالس العلمية إلى ساحات لتتبع أخطاء العلماء، وجمع زلاتهم، والبحث عن العبارات التي يمكن تحميلها أكثر مما تحتمل.
والأخطر من ذلك أن يتحول النقاش العلمي إلى تشويه للأشخاص، أو نقلٍ مبتور لكلامهم، أو نسبة أقوال إليهم لم يقصدوها.
إن نقد العلماء حق، ولكن النقد العلمي شيء، والتشهير والتجريح شيء آخر.
ومن أراد أن ينصر السنة فلا يحتاج إلى أكل لحوم العلماء، ولا إلى إسقاط كل مخالف، ولا إلى تحويل كل اختلاف إلى معركة في الولاء والبراء.
بل يحتاج إلى علم، وعدل، وأدب، وإنصاف.
انظروا إلى منهج كبار العلماء
حين نتأمل في سيرة علماء كبار مثل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، والشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، نجد صورة مختلفة تمامًا عن منهج الإقصاء والتضييق.
لقد كان علم هؤلاء العلماء مفتوحًا لطلاب العلم من بلدان مختلفة، وكان الناس يقصدونهم ويسألونهم ويستفتونهم، ولم تكن دعوتهم قائمة على إغلاق أبواب العلم إلا على فئة محدودة من الناس.
كانوا يعلمون، ويفتون، ويناقشون، ويستقبلون طلاب العلم، ويجلّون العلماء، ويعذرون المخطئ في مواضع العذر، ويجعلون العلم وسيلةً لهداية الناس لا وسيلةً لإقصائهم.
وهذا هو الفارق بين منهج يوسّع دائرة الخير ومنهج يجعل مهمته الأساسية البحث عن الأشخاص الذين ينبغي إخراجهم منها.
لا تجعلوا السلفية سببًا لنفور الناس
إذا أصبح همّ الداعية أن يجمع أخطاء الناس، ويصنفهم، ويحذر منهم، ويفتش في ماضيهم، ويتتبع زلات العلماء، ويجعل كل مخالف خصمًا، فمن الطبيعي أن ينفر الناس.
أما إذا رأوا علمًا ورحمةً وحسن خلقٍ وإنصافًا، فسيقبلون على العلم ويستمعون إلى الدعوة.
والدعوة لا تنتصر بكثرة القوائم السوداء، وإنما تنتصر بالعلم والحجة والأخلاق وحسن التعامل.
فليس من الحكمة أن نفرح بخروج الناس من دائرة الخير، بينما ينبغي أن نفرح برجوعهم إليها.
وليس من الحكمة أن نغلق الأبواب في وجه المخطئ، بينما الأصل أن نفتح له باب التصحيح والتوبة والرجوع.
السلفية ليست احتكارًا للحق
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي منهج دعوي أن يتحول من منهج لفهم النصوص إلى هوية مغلقة يحتكر أصحابها الحق.
فإذا أصبح معيار القبول هو موافقة مجموعة محددة من الأشخاص في كل صغيرة وكبيرة، وإذا صار الخلاف مع أحدهم سببًا للتبديع والتفسيق والتشهير، فقد تحولت القضية من اتباع الدليل إلى اتباع الأشخاص.
والحق لا يُعرف بكثرة الأتباع، ولا بعدد من نرضى عنهم، وإنما يُعرف بالدليل والعدل والإنصاف.
كلمة أخيرة
يا من تحبون السلفية وتريدون لها الخير:
لا تضيقوا واسعًا.
لا تجعلوا السلفية محصورةً في أسماء معدودة.
لا تجعلوا الخطأ سببًا لإلغاء تاريخ العالم كله.
لا تجعلوا التوبة بلا قيمة.
لا تجعلوا مجالس العلم ساحات لتجريح العلماء.
ولا تجعلوا الدعوة إلى السنة سببًا في نفور الناس من الدين.
السلفية التي تحتاجها الأمة اليوم ليست سلفية الإقصاء والتصنيف، وإنما سلفية العلم والرحمة والإنصاف وحسن الخلق.
وسلامة المنهج لا تكون بكثرة من نُخرجهم من دائرته، وإنما بقدرتنا على الجمع بين التمسك بالدليل، والعدل مع المخالف، وقبول التوبة، واحترام العلماء، وحسن الدعوة إلى الله.
فكلما اتسعت دائرة العلم والخير، كان ذلك أقرب إلى مقاصد الشريعة، وأبعد عن التعصب والتحزب والخصومة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق