الخميس، 24 سبتمبر 2026

نصيحةٌ من االشيخ ابن عثيمين - تحتاجها السلفية المدخلية قبل غيرها

 

إلى السلفية المدخلية: اتبعوا السلف… ولا تتحزبوا باسم السلف!

نصيحةٌ تحتاجها السلفية المدخلية قبل غيرها

من أكثر الأمور التي تستحق التوقف والتأمل: أن يتحول الانتساب إلى السلف من منهج علمي يقوم على الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح، إلى هوية حزبية يُوالى عليها ويُعادى، ويُصنَّف الناس من خلالها، حتى يصبح السؤال:

من أنت؟ ومن شيخك؟ ومن جماعتك؟

بدل أن يكون السؤال:

ما دليلك؟ وما حجتك من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ؟

وهنا تأتي كلمة العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله لتضع المسألة في موضعها، حين قرر في شرحه لحديث العرباض بن سارية رضي الله عنه:

«إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي...»

ثم قال رحمه الله:

«إنه إذا كثرت الأحزاب في الأمة؛ لا تنتمِ إلى حزب.»

وأشار إلى طوائف وفرَق ظهرت عبر التاريخ، ثم قال في بيان المنهج الذي ينبغي للمسلم أن يسلكه:

«كل هذه الفرق اجعلها على اليسار، وعليك بالأمام، وهو: ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين.»

ثم جاءت العبارة التي تستحق أن تُقرأ بعناية، لا أن تُمرَّ مرورًا عابرًا:

«ولا شك أن الواجب على جميع المسلمين أن يكون مذهبهم مذهب السلف، لا الانتماء إلى حزب معين يسمى السلفيين.»

ثم شدد رحمه الله على الفرق بين طريق السلف وبين حزب أو جماعة تحمل اسم السلفيين، فقال:

«هناك طريق سلف، وهناك حزب يسمى السلفيون.. المطلوب إيش؟ اتباع السلف.»

وهنا بيت القصيد!

إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتحول اسم «السلفية» عند بعض المنتسبين إليها إلى بطاقة عضوية؟

ولماذا يصبح المخالف في بعض المسائل وكأنه خارج عن السنة، لمجرد أنه لا يوافق شيخًا معينًا أو لا يتبنى موقف جماعة معينة؟

ولماذا تُصبح الولاءات والخصومات أحيانًا مرتبطة بالأسماء والتصنيفات أكثر من ارتباطها بالدليل؟

إذا كان المطلوب هو اتباع السلف، فاتباع السلف لا يعني أن نجعل كل من انتسب إلى السلفية معصومًا من الخطأ، ولا أن نجعل أقوال بعض المشايخ ميزانًا يُوزن به الناس جميعًا.

فالشيخ ابن عثيمين نفسه يقول:

«كلٌّ يخطئ ويصيب مهما بلغ من العلم والعبادة، ولكن العصمة في دين الإسلام.»

وهذه قاعدة عظيمة:

العصمة للكتاب والسنة، وليست للأشخاص.

فلا ابن عثيمين معصوم، ولا ابن باز معصوم، ولا الألباني معصوم، ولا ربيع المدخلي معصوم، ولا غيرهم من العلماء والمشايخ.

كل عالم يُؤخذ من قوله ويُرد، وكل اجتهاد بشري يحتمل الصواب والخطأ.


المشكلة ليست في السلف… بل في تحويل السلفية إلى تحزّب!

لا أحد يعترض على الدعوة إلى الكتاب والسنة، ولا على محبة السلف الصالح، ولا على الاستفادة من أقوال أئمة أهل السنة.

المشكلة تبدأ عندما يتحول المنهج إلى هوية مغلقة، ويتحول الاسم إلى معيار للولاء والبراء، ثم يصبح الاختلاف مع شخص أو جماعة سببًا في إسقاط الأشخاص وتصنيفهم والطعن فيهم.

وهنا ينبغي أن نتوقف ونسأل:

هل نحن ندعو الناس إلى الإسلام ومنهج السلف؟

أم ندعوهم إلى الانضمام إلى دائرة معينة من الأشخاص والتصنيفات؟

فالفرق كبير بين أن تقول:

كن على منهج السلف.

وبين أن تقول:

كن مع جماعتنا؛ فمن خالف جماعتنا أو مشايخنا فقد خالف السلف!

الأولى دعوة إلى الدليل.

أما الثانية فقد تتحول إلى تحزبٍ باسم المنهج.


والحل ليس في تكثير الخصومات… بل في الرجوع إلى الدليل

ومن أجمل ما ذكره ابن عثيمين رحمه الله في هذا السياق أن معالجة الخلافات لا تكون بأن تُصبح كل طائفة مشغولة بتضليل الأخرى وتبديعها وتفسيقها، وإنما يكون المرجع:

«بيننا كتاب الله عز وجل وسنة رسوله، فلنتحاكم إليهما، لا إلى الأهواء والآراء، ولا إلى فلان أو فلان.»

وهذه كلمة لو التزم بها الجميع، لتغير كثير من واقع الخلافات.

فبدل أن يكون السؤال:

ماذا قال الشيخ فلان؟

ليكن السؤال:

ماذا قال الله ورسوله؟

وبدل:

هل فلان سلفي أم ليس سلفيًا؟

ليكن:

ما الدليل على قوله؟

وبدل:

هل فلان بدّع فلانًا؟

ليكن:

هل ثبتت البدعة بدليل صحيح؟ وهل تنطبق على الشخص بعينه؟

وبدل أن يصبح العلماء والمشايخ مراجع للتصنيف والإقصاء، يكونون علماء يُستفاد من علمهم، مع بقاء الجميع تحت سلطان الدليل.


يا من ترفعون شعار السلفية… هذه نصيحة من داخل تراثكم!

إن كنتم حقًا تريدون اتباع السلف، فاجعلوا الدليل فوق الأشخاص.

وإن كنتم تريدون الاقتداء بالأئمة، فاقتدوا بهم في العلم والإنصاف والتجرد للحق، لا في مجرد الأسماء والشعارات.

وإن كنتم تحذرون من التحزب، فلا تجعلوا السلفية نفسها حزبًا يُوالى عليه ويعادى.

وإن كنتم تحاربون البدع، فلا تجعلوا كل خلاف اجتهادي أو علمي بابًا للتبديع.

وإن كنتم تحذرون من التقليد الأعمى، فلا تجعلوا قول شيخ معين نهاية المطاف.

وإن كنتم تقولون إن المرجع هو الكتاب والسنة، فطبّقوا هذه القاعدة عندما يكون الدليل في الجهة التي لا توافقونها.


الخلاصة

السلفية ليست بطاقة عضوية.

والسلف ليسوا حزبًا.

والعلماء ليسوا معصومين.

والحق لا يُعرف بالرجال، وإنما يُعرف بالدليل.

فمن أراد أن يكون سلفيًا حقًا، فليتبع منهج السلف، لا أن يتحزب باسم السلف.

وليكن شعاره:

كتاب الله… وسنة رسول الله ﷺ… وفهم السلف الصالح، مع الإنصاف والتجرد للحق.

لا:

شيخي… وجماعتي… وتصنيفي… ومن وافقني فهو سلفي، ومن خالفني فهو مبتدع!

إن كان هذا هو المقصود بالسلفية، فقد تحولت السلفية من منهج يُتَّبع إلى هوية يُتحزَّب لها.

وهذا بالضبط هو الفرق الذي نبه إليه ابن عثيمين رحمه الله:

«هناك طريق سلف، وهناك حزب يسمى السلفيون.. المطلوب إيش؟ اتباع السلف.»

فيا من تسمّون أنفسكم سلفيين:

اتبعوا السلف… ولا تتحزبوا باسم السلف!

فهذا أقرب إلى روح النصيحة، وأبعد عن التعصب، وأقوى في كشف التناقض بين شعار اتباع السلف وبين ممارسة التحزب والتصنيف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق