الأحد، 27 سبتمبر 2026

المجاز والكناية في القرآن - هل كل لفظ يُحمل على الصورة الحسية؟

 

المجاز والكناية في القرآن

هل كل لفظ يُحمل على الصورة الحسية؟

من أكثر القضايا التي أثارت الجدل في مسائل العقيدة:

هل ألفاظ القرآن تُفهم دائمًا على ظاهرها الحسي؟

وهل كل لفظ لا بد أن يحمل على الصورة التي يتخيلها الإنسان من أول وهلة؟

أم أن القرآن ـ لأنه نزل بلسان عربي مبين ـ يستخدم أساليب العرب في التعبير، من:

الكناية، والمجاز، والمثل، والاستعارة، وسائر أساليب البيان؟

هذه القضية ليست مسألة لغوية هامشية.

بل لها أثر مباشر في طريقة فهم كثير من نصوص القرآن المتعلقة بالله تعالى.

والكتاب يقدم مجموعة من الأمثلة من تفاسير أئمة كبار، تكشف أن المسألة أوسع من مجرد:

«أثبت اللفظ كما هو ولا تفسره.»


أولًا: القرآن لا يُقرأ خارج لغة العرب

القرآن عربي.

وهذا يعني أن فهمه لا يكون بمجرد جمع معاني الكلمات في القواميس.

بل لا بد من معرفة:

كيف كان العرب يستعملون هذه الألفاظ؟

و:

ما الأساليب التي كانت مألوفة عندهم؟

فاللفظ الواحد قد يحمل معنى حسيًا في موضع، ومعنى آخر في موضع مختلف بحسب السياق.

ولهذا فإن العلماء الذين نقل عنهم الكتاب لم يكونوا يتعاملون مع القرآن وكأن كل كلمة منفصلة عن:

السياق، واللغة، وطريقة العرب في الكلام.


ثانيًا: «وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا»

من الأمثلة اللافتة التي يعرضها الكتاب قوله تعالى:

﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.

لو أخذ شخص كلمة:

«قدمنا»

بصورتها الحسية المجردة، فقد يتخيل:

انتقالًا من مكان إلى مكان.

لكن الكتاب ينقل عن مجاهد تفسير:

«عمدنا»

أي:

قصدنا.

وينقل أيضًا عن الزمخشري بيانًا يقوم على التمثيل لحال أعمالهم، لا على تصور قدوم حسي من مكان إلى مكان.

وهنا سؤال مهم:

لماذا لم يفهم هؤلاء الأئمة «قدمنا» على أنها انتقال حسي؟

لأنهم كانوا ينظرون إلى:

اللغة،

و

السياق،

و

المعنى الذي يقتضيه المقام.


ثالثًا: «بِأَيْدٍ» لا تعني بالضرورة الأيدي الجارحة

ومن أقوى الأمثلة التي يوردها الكتاب قوله تعالى:

﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾.

فقد نقل الكتاب عن الطبري تفسير:

«بأيد» = بقوة.

ونقل ذلك عن:

ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم.

وهنا يبرز السؤال:

إذا كان اللفظ:

«أيد»

فلماذا لم يفسره هؤلاء الأئمة بصورة الأيدي الحسية؟

الجواب الذي يقود إليه الكتاب:

لأن «أيد» في هذا السياق مستعملة بمعنى القوة، وهو من أساليب العربية.

فالمسألة ليست:

إثبات النص أو إنكاره.

بل:

فهم النص كما تجري به لغة العرب.


رابعًا: هل هذا «صرف للفظ عن ظاهره»؟

قد يعترض شخص ويقول:

أليس القرآن قال «بأيد»؟ لماذا لم نثبتها على ظاهرها؟

والكتاب يطرح هذا الاعتراض بصورة مباشرة، ثم يلفت إلى أن كبار المفسرين من السلف فسروا اللفظ بـ:

القوة.

إذن القضية ليست أن هؤلاء العلماء كانوا يتجاهلون النص.

بل كانوا يعرفون:

أن اللفظ العربي قد يكون له معنى يحدده السياق والاستعمال.

وهنا تظهر مشكلة مهمة في استعمال كلمة:

«الظاهر».

فما نسميه نحن «ظاهرًا» قد لا يكون هو الظاهر في لغة العرب.


خامسًا: «وجه ربك» — هل المعنى واحد في كل المواضع؟

من الأمثلة المهمة التي ينقلها الكتاب قوله تعالى:

﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.

وينقل عن ابن الجوزي أن المفسرين قالوا:

معناه: يبقى ربك.

وكذلك في قوله:

﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾

فسروها بمعنى:

يريدونه.

ويذكر كذلك تفسير قوله تعالى:

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾

بمعنى:

إلا هو.

وهذه أمثلة مهمة جدًا في موضوعنا.

لأن المفسرين لم يتعاملوا مع كلمة:

«وجه»

وكأن معناها لا يمكن أن يتغير باختلاف السياق.


سادسًا: السياق هو مفتاح مهم في فهم اللفظ

خذ مثلًا:

﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾.

هل المراد أن المؤمنين يريدون عضوًا أو جهة حسية؟

أم أن السياق يتحدث عن:

إرادة الله وابتغاء رضاه؟

ولهذا فسرها المفسرون بمعنى:

يريدونه.

فاللغة العربية تسمح بهذا الاستعمال.

وهذا هو المقصود من دراسة:

السياق والقرائن.


سابعًا: «جاء ربك» — هل المقصود انتقال من مكان إلى مكان؟

ومن المواضع التي يناقشها الكتاب قوله تعالى:

﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾.

ويطرح المؤلف سؤالًا:

لماذا يذهب ذهن البعض مباشرة إلى:

الانتقال من مكان إلى مكان؟

ثم يبين أن هذا الفهم يثير إشكالًا في تصور أن الله كان غائبًا عن المكان ثم جاء إليه، تعالى الله عن ذلك.

ويورد الكتاب مثالًا من تفسير القرطبي في هذا السياق.

ثم ينقل عن ابن كثير رواية عن الإمام أحمد، وفيها تفسير «المجيء» في ذلك الموضع بما يتعلق بقدرة الله، مع قوله إن القرآن أمثال ومواعظ.

وهذا يفتح سؤالًا مهمًا:

هل كل لفظ يدل على فعل إذا نسب إلى الله يجب أن نفهمه بصورة حركة الأجسام وانتقالها؟

الكتاب يدفع القارئ إلى التوقف عند هذا السؤال بدل القفز إلى نتيجة مسبقة.


ثامنًا: «سنفرغ لكم» مثال آخر على أساليب العرب

يذكر الكتاب كذلك قوله تعالى:

﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾.

فهل معنى:

«سنفرغ لكم»

أن الله كان مشغولًا عنهم ثم سيتفرغ لهم؟

الكتاب ينقل عن الطبري أن هذا وعيد وتهديد، كقول الإنسان لمن يتوعده:

«سأتفرغ لك»

أي:

سأجد في أمرك وأعاقبك.

وهذا المثال بالغ الأهمية.

لأننا لو تعاملنا مع العبارة باعتبارها صورة حرفية جامدة، لفهمنا منها معنى لا يريده السياق.

أما إذا عرفنا أسلوب العرب في التهديد، ظهر المعنى.


تاسعًا: المشكلة ليست في وجود المجاز، بل في فهمه

إذا كان القرآن يستخدم أساليب العرب في التعبير، فوجود:

الكناية،

و

المجاز،

و

المثل،

ليس أمرًا غريبًا على النص القرآني.

لكن هذا لا يعني أن كل آية يجوز لأي شخص أن يصرفها عن معناها كيف شاء.

وهنا لا بد من التفريق بين:

التفسير المنضبط

و

التأويل المتكلف.

فالتفسير يحتاج إلى:

لغة، وسياق، وقرائن، وأثر، وعلم بأصول الاستنباط.


عاشرًا: لماذا نحتاج إلى أقوال المفسرين؟

لأننا لسنا أول من قرأ القرآن.

فالطبري قرأ.

وابن كثير قرأ.

والقرطبي قرأ.

وابن الجوزي قرأ.

وغيرهم من أئمة التفسير.

والكتاب يستفيد من أقوالهم ليبين أن بعض المعاني التي يستنكرها المتأخرون باعتبارها:

«تأويلًا»

قد قال بها أئمة التفسير أنفسهم.
ولهذا لا ينبغي أن تتحول المصطلحات المتأخرة إلى أحكام قاطعة على من سبق.


الحادي عشر: لا تجعل الخلاف الاصطلاحي أكبر من النص

قد يختلف العلماء:

هل نسمي هذا:

تأويلًا؟

أم:

تفسيرًا؟

أم:

مجازًا؟

أم:

كناية؟

لكن الأهم:

ما المعنى الذي أراده النص في سياقه؟

فقد يتفق العلماء على المعنى، ثم يختلفون في تسمية الطريقة التي وصلوا بها إليه.

ولهذا ينبغي ألا يتحول الخلاف في المصطلحات إلى خصومة حول أصل الدين.


الثاني عشر: القرآن يخاطب العقلاء

من الأفكار التي تظهر في هذه المادة أن القرآن يخاطب:

أهل العقول والأفهام.

ولهذا لا يصح أن نجعل كل تعبير عربي وكأنه لغز فلسفي لا يفهمه إلا المتخصصون.

بل ينبغي أن نسأل:

كيف كان العربي يفهم هذا الكلام؟

و:

ما الذي يقتضيه السياق؟

و:

كيف فسره أئمة اللغة والتفسير؟


الثالث عشر: أمثلة الكتاب تكشف شيئًا مهمًا

إذا جمعنا الأمثلة السابقة نجد:

«قدمنا»

فسرت بـ:

عمدنا وقصدنا.

«بأيد»

فسرت بـ:

بقوة.

«وجهه»

فسرت في بعض المواضع بمعنى:

هو أو ذاته بحسب السياق.

«سنفرغ لكم»

فسرت بمعنى:

سنأخذ في أمركم ونعاقبكم.

فهذه الأمثلة تجعل القضية واضحة:

ليس كل لفظ عربي يُفهم بمجرد الصورة الحسية الأولى التي قد تتبادر إلى الذهن.


الرابع عشر: إذن ما معنى «الإيمان بالنص»؟

الإيمان بالنص لا يعني:

أن نرفض اللغة.

ولا يعني:

أن نلغي السياق.

ولا يعني:

أن نمنع التفسير.

بل يعني:

أن نؤمن بالنص، ثم نفهمه بالطريقة التي يدل عليها لسان العرب وسياقه وقواعد العلم.

وهذا هو الفارق بين:

الإيمان بالنص

و

التمسك بتصور شخصي عن النص.


الخامس عشر: خطر القراءة الحرفية الجامدة

حين يصر الإنسان على أن كل لفظ لا بد أن يحمل على صورة حسية واحدة، فقد يقع في مشكلة:

لأنه سيضطر إلى تفسير عدد كبير من الأساليب العربية تفسيرًا حرفيًا لا يحتمله السياق.

وقد يؤدي ذلك إلى:

تشبيه،

أو:

إشكالات عقلية،

أو:

تناقضات ظاهرية بين النصوص.

بينما قد يكون سبب المشكلة أصلًا:

أننا لم نفهم الأسلوب العربي الذي ورد به النص.


الخلاصة

الكتاب لا يدعو إلى التلاعب بالنصوص، ولا إلى صرفها عن معانيها بلا دليل.

بل يعرض أمثلة من كلام أئمة التفسير تؤكد أن:

لغة العرب جزء من أدوات فهم القرآن.

فقد فسر الطبري:

﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا﴾

بمعنى:

عمدنا وقصدنا.

وفسر:

﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾

بمعنى:

بقوة.

ونقل ابن الجوزي عن المفسرين في:

﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ﴾

أن المراد:

يبقى ربك.

كما نقل الكتاب أمثلة في «جاء ربك» و«سنفرغ لكم» تبين أهمية السياق والأسلوب العربي في فهم النصوص.

إذن:

ليس كل تفسير للفظ بغير الصورة الحسية الأولى تحريفًا.

وليس كل ما يسمى «تأويلًا» خروجًا عن النص.

وليس كل ما يسمى «ظاهرًا» هو بالضرورة ظاهر اللفظ في لغة العرب.

فالقرآن لا يُفهم بمجرد قراءة الكلمات… بل بفهم اللغة التي نزل بها، والأساليب التي خاطب بها العرب، والسياق الذي وردت فيه الآيات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق